الدبيبة لـ«الشرق الأوسط»: لا تطبيع مع إسرائيل ولا نقبل تهجير الفلسطينيين

رئيس «الوحدة» الليبية تحدث عن تمسّكه بتفكيك «الميليشيات»

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)
TT

الدبيبة لـ«الشرق الأوسط»: لا تطبيع مع إسرائيل ولا نقبل تهجير الفلسطينيين

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)
الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة (حكومة الوحدة)

نفى عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة، اتهامات طالت حكومته بالسعي إلى «التطبيع مع إسرائيل»، وقال إن رفض التطبيع «مسألة محسومة لدى الليبيين»، كما أشار إلى أن ما يتردد عن قبوله استضافة مهجرين فلسطينيين من غزة عبارة عن «مغالطات وتسريبات صحافية كاذبة».

وتحدث الدبيبة في حوار لـ«الشرق الأوسط» عن موقف حكومته من تطورات الأزمة السياسية قبل أيام من الإعلان عن «خريطة طريق» لحل الأزمة الليبية من المقرر أن تطرحها المبعوثة الأممية، الخميس المقبل، أمام مجلس الأمن الدولي.

وهذا نص الحوار:

 

من المنتظر أن تطرح المبعوثة الأممية على «مجلس الأمن» قريباً خريطة طريق للحل السياسي في ليبيا.. ما موقف حكومتك من هذا المسار؟

- أجرينا نقاشات عديدة مع المبعوثة الأممية على مستويات مختلفة، وهي تبذل جهوداً واسعة نقدّرها، في محاولة للوصول إلى خريطة طريق تقود إلى الانتخابات.

نؤمن بأن إجراء الانتخابات الوطنية سيجدد شرعية الأجسام السياسية الرئيسية مثل البرلمان، الذي يجب أن يكون العمود الفقري للمرحلة السياسية المقبلة. ونتلقى إشارات إيجابية من الأمم المتحدة عن كيفية التفكير والعمل لتجاوز العقبات، والاستفادة من أخطاء التجارب السابقة.

الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه (غيتي)

التصريحات الأخيرة للمبعوثة الأممية تحدثت عن ضرورة تشكيل «حكومة موحدة» تقود البلاد لانتخابات.. ما مدى استعدادك للتعامل مع هذا الطرح؟

- أوضحنا للمبعوثة الأممية أن أي ارتباك مؤسسي قائم سببه أداء البرلمان وقرارته الأحادية التي انعكست حتى على المؤسسات الرقابية والخدمية، لذلك فإن إنهاء هذا الارتباك يتطلب جسماً تشريعياً منتخباً، وهذه حقائق يتفهمها شركاؤنا والمجتمع الدولي جيداً.

 

هل حظيت حكومتكم بدعم أميركي مباشر خلال المباحثات الأخيرة مع مسعد بولس مستشار دونالد ترمب خلال زيارته طرابلس؟

- هناك التزام واضح من شركائنا في الولايات المتحدة، ونية صريحة لدعم مسار الانتخابات، ومساندة الحكومة في هذا الاتجاه. وقد ناقشنا مع الجانب الأميركي تعزيز الشراكة بين البلدين، وفتح فرص اقتصادية تخدم المصالح الليبية والأميركية، إلى جانب دعم مسار الديمقراطية في ليبيا. المستشار بولس أكد دعمه الكامل لهذه الرؤية، وناقشنا أيضاً السبل الكفيلة للوصول إلى انتخابات بأكثر الطرق سلاسة.

الدبيبة ومستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس خلال لقاء في العاصمة طرابلس (مكتب الدبيبة)

لكن هناك من رأى أن عروض الاستثمارات التي طرحتها حكومتك بقيمة 60 مليار دولار هي محاولة لاستقطاب الدعم الأميركي لبقاء الحكومة.

- هذه استثمارات استراتيجية في قطاعات كبرى، مثل: البنية التحتية، وقطاع النفط والطاقة، وتهدف إلى تنشيط الاقتصاد الوطني، وتنويع مصادر الدخل، لذلك فهي ليست عملاً سياسياً، بل مشروع استراتيجي يعزز قدرات الدولة.

 

نظرة إلى الملف العسكري... هل هناك أمل لتوحيد الجيش في ليبيا أم أن هذا الملف يبقى مؤجلاً؟

- الأمل قائم بلا شك، وقد يكون من الحكمة أن يتحقق إنجاز استراتيجي في توحيد الجيش بعد إجراء انتخابات وطنية شاملة، مما يتيح إنهاء العقبات أمام توحيد المؤسسة العسكرية تحت قيادة مدنية قوية.

 

ماذا عن الخطة التي أطلقتها منذ مايو (أيار) الماضي لتفكيك الميليشيات؟

- تفكيك الميليشيات مشروع وطني لإعادة بناء الدولة، وترسيخ مؤسساتها وتوحيدها، وليس مشروعاً شخصياً أو انتقامياً. هذه الميليشيات تركة خلَّفتها السنوات الماضية، وقد أدت عوامل شتى إلى تقويتها على حساب مؤسسات الدولة النظامية الأمنية والعسكرية؛ حتى ظنت هذه المجموعات أنها أقوى من سلطات الدولة.

ورغم أننا لم نكن جزءاً من تشكيل هذا الواقع، الذي وجدناه أمامنا، وكان بإمكاننا أن نمرره كما هو للحكومات التي تأتي من بعدنا، فإننا ماضون في هذه الخطة، بعد عمل شاق لسنوات من أجل رفع قدرات وزارتَي الدفاع والداخلية، وإعادة هيكلتهما وتأهيلهما.

عناصر مسلحة في العاصمة طرابلس (رويترز)

وهل لمستم دعماً دولياً لهذه الخطة؟

- هناك دعم واضح من شركائنا الإقليميين والدوليين المهتمين بتعزيز الأمن ومواجهة مشروعات الفوضى، التي تمثلها الميليشيات. المجتمع الدولي يدرك خطر تمدد هذه المجموعات، وآثارها على الأمن الإقليمي وملفات مثل الهجرة غير النظامية، والشبكات الإجرامية العابرة للحدود.

 

هناك من يرى تناقضاً في أن كثيراً من قادة قوات حكومتكم ينتمون لتشكيلات مسلحة.

- لقد طرحنا على المجموعات المسلحة ثلاثة مسارات من بينها ضم من لا يزال مهتماً منهم بالعمل الأمني والعسكري في وزارتي الدفاع والداخلية، وتلقي التدريبات والتأهيلات اللازمة، فهناك قيادات انتمت سابقاً لتشكيلات مسلحة لكنها اليوم أصبحت قيادات للدولة ومؤسساتها. وهذا بحد ذاته نموذج نقدمه لبقية التشكيلات. الباب مفتوح أمام الجميع للانضمام للعمل المنظم والقيادة تحت راية الدولة وسيادتها.

 

البعض يتحدث عن أن معركتكم ضد الميليشيات تأتي ضمن محاولة لفرض نفوذ مصراتة في طرابلس.. ما تعليقكم؟

- هناك دعاية مضللة تحاول تشويه هذه الحملة الوطنية، وإخراجها من مسارها الوطني وإثارة الانقسام. ونحن نحاول التعامل معها بحكمة وبسياسات إعلامية واضحة لرفع وعي الشارع. الحكومة تضم قيادات ومؤسسات من مختلف المدن والمناطق الليبية، ومشروعنا وطني، ولم يكن يوماً مناطقياً.

قوات تابعة لـ«اللواء 444 قتال» بطرابلس تُنهي تدريبات على الإنزال المظلي (رئاسة الأركان بغرب ليبيا)

هل ما زلتم متحمسين لطرح «مسودة دستور 2017» للاستفتاء؟

- نعم، المسودة المتفق عليها تمتلك شرعية عالية، لأن أعضاء الهيئة التأسيسية لمشروع كتابة الدستور انتُخبوا مباشرةً من الشعب. الاستفتاء على هذه المسودة أقرب الطرق لإنهاء الفراغ الدستوري، وإشراك الليبيين في تحديد مستقبلهم.

 

وما رأيك في الطرح المتعلق بالفيدرالية بوصفها خياراً للحل في ليبيا؟

- ليبيا بحكم اتساعها الجغرافي وحدودها، تحتاج إلى تعزيز اللامركزية للحفاظ على وحدة الدولة وتنوعها الثقافي والاجتماعي. الفيدرالية أو غيرها من الأنظمة التي تطرح على أنها حلول لشكل الحكم في ليبيا، هي خيارات يحددها الشعب مستقبلاً عبر الدستور، ونحن ملتزمون بما يقرره الليبيون.

 

كيف تقيمون التضارب الأخير في القرارات مع «المجلس الرئاسي»؟

-في المراحل الانتقالية المعقدة قد تظهر خلافات طبيعية، لكننا ملتزمون بالتنسيق مع «المجلس الرئاسي»، من أجل مصلحة الدولة العامة، وبما يعزز سيادتها.

 

ما ردكم على انتقادات بعض النواب لعروض الاستكشافات النفطية؟

-الحكومة تعمل وفق القانون والاختصاصات المخولة بها، وما يثار من اعتراضات هي في الأساس اعتراضات سياسية لا قانونية. هذه المشروعات ليست سياسية؛ بل اقتصادية استراتيجية تعزز قدرة ليبيا على الإنتاج، وتسهم في تطوير الاقتصاد الوطني، وبناء شراكات في قطاع الهيدروكربونات. هذه مشروعات تخدم كل الليبيين وليس طرفاً محدداً.

 

ما آخر خطواتكم لفك تجميد الأرصدة الليبية في الخارج؟

- نواصل مناقشة هذا الملف وفق القوانين والمعايير الدولية، وبشكل مؤسسي وليس سياسياً مع الجهات المختصة، بهدف تحسين قدرتنا على إدارة هذه الأرصدة بشفافية ووفق معايير واضحة بعيداً عن الصفقات السياسية.

 

لكن هناك مخاوف من أن يؤدي رفع التجميد إلى إهدار المال العام.

-هذه نقطة مهمة، وتؤكد أهمية إجراء الانتخابات سريعاً لإنهاء المراحل الانتقالية، وتمكين الشعب الليبي من الانتفاع انتفاعاً مطلقاً بهذه الأصول، التي تعرضت لتآكل وخسائر كبيرة تحت التجميد.

نحن نسعى لوقف هذا النزيف، وملتزمون بأعلى معايير الشفافية والرقابة الصارمة وفق القوانين المحلية والدولية، حتى تُدار هذه الأرصدة بما يضمن استدامتها، وتخدم الشعب الليبي.

حقل بترول في مدينة رأس لانوف شمال ليبيا (أرشيفية - أ.ف.ب)

خارجياً، ما تعليقك على الجدل المستمر بشأن التطبيع مع إسرائيل؟

- لا يوجد أي مسعى أو رغبة في التطبيع مع دولة الاحتلال. هذه المسألة محسومة لدى الليبيين الذين تمثل القضية الفلسطينية جزءاً رئيسياً من وجدانهم.

 

وماذا عن التسريبات بشأن نقل مهجرين من غزة إلى ليبيا؟

- مزاعم قبولنا بجريمة تهجير الفلسطينيين هي من المغالطات والتسريبات الصحافية الكاذبة للأسف، وقد نفت وزارة الخارجية الأميركية عبر سفارتها لدى ليبيا هذه الأخبار من أساسها.

ما يحدث في غزة من قتل وتجويع للأطفال وحرمان الناس من حقوقهم الأساسية، مأساة إنسانية كبرى يجب أن تتصدى لها القوى الدولية كي يتمكن هذا الشعب من العيش بسلام فوق أرضه لا أن يهجّر منها.

إن هذه المغالطات والتسريبات غير الموثوقة سببها تراجع معايير العمل الصحافي، مما يجعل بعض الأطراف تستخدم هذه التسريبات لتضليل الرأي العام.

 

ما حقيقة حدوث فتور في علاقة حكومتكم مع تركيا مؤخراً؟

- علاقتنا مع تركيا استراتيجية وقائمة على المصالح المشتركة والتعاون في مختلف المجالات، ولا يخفى عنكم ما تمثله القمة الأخيرة في إسطنبول من تعاون رفيع، وقد شهدت اجتماعاتها قدراً عالياً من الود والاحترام المتبادل. العلاقة ممتازة على جميع المستويات؛ السياسية والاقتصادية والأمنية وحتى الشخصية.

إردوغان مستقبلاً عبد الحميد الدبيبة في إسطنبول (أرشيفية - أ.ف.ب)

في المقابل، هل طرأ تحسن على علاقتكم مع روسيا؟

- العلاقة مع روسيا تسير تدريجياً نحو التحسن. منذ وصولنا إلى طرابلس تبنينا سياسة الانفتاح على جميع الشركاء، وبناء علاقات إيجابية قائمة على الاستثمار في المصالح المشتركة لا الخلافات. وقد نجحنا حتى الآن في ذلك، ونأمل أن تتطور العلاقة مع روسيا لتصل إلى مستوى علاقاتنا مع باقي شركائنا.

 

كيف تصف تجربة الحكم في ليبيا في ظل هذه الظروف الاستثنائية؟

- التجربة مليئة بالتعقيدات، لكنها جزء من رحلة بناء ليبيا ووضعها على الطريق الصحيح. وتركيزنا ينصبّ على قطاع الخدمات، ومبادرات الشراكة الإقليمية والدولية، وإنهاء حالة الفوضى، وترسيخ سيادة الدولة والقانون.

وحملتنا الخدمية الكبرى التي أطلقناها في ربوع ليبيا «عودة الحياة»، غيَّرت رؤية جموع من الأطراف السياسية والعسكرية المسؤولة وغير المسؤولة، وأجبرتها على ترك البندقية والحروب، والاتجاه إلى البناء والإعمار.

الدبيبة خلال متابعته خطة وزارة الداخلية (حكومة الوحدة)

أخيراً... هل لا تزال تفكر في الترشح للرئاسة إذا فُتح الباب لذلك؟

- تركيزي الآن منصبٌّ على تعزيز سيادة القانون، وتمهيد الطريق لانتخابات نزيهة. قرار الترشح سيُتخذ وفق الظروف حينها.

 

وهل ترحّب بالمنافسة مع سيف الإسلام القذافي وخليفة حفتر؟

- القوانين الانتخابية العادلة القابلة للتطبيق وغير المفصَّلة على شخص بعينه سواء بالفوز أو الإبعاد، هي الكفيلة بتحديد معيار المنافسة بين جميع المترشحين أياً كانت أسماؤهم. يجب على الجهات التي تعطل إنجاز هذه القوانين إتمامها فوراً لتمكين الشعب من اختيار قياداته.


مقالات ذات صلة

ماذا تحمل إحاطة تيتيه من مقاربات أمام مجلس الأمن لحلحلة الأزمة الليبية؟

شمال افريقيا مبعوثة الأمم المتحدة في ليبيا هانا تيتيه خلال إحاطة أمام مجلس الأمن الدولي في فبراير الماضي (البعثة الأممية)

ماذا تحمل إحاطة تيتيه من مقاربات أمام مجلس الأمن لحلحلة الأزمة الليبية؟

تتجه الأنظار لإحاطة المبعوثة الأممية إلى ليبيا هانا تيتيه، أمام مجلس الأمن الدولي في 22 أبريل (نيسان) الجاري، وسط ترقب سياسي لما يمكن أن تحمله من مقاربات جديدة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا جانب من مصادقة الجانب الليبي على اتفاقية تبادل السجناء مع إيطاليا (وزارة العدل بحكومة الوحدة)

«الوحدة» تترقب ردَّ إيطاليا بشأن نقل سجناء ليبيين

قالت حكومة «الوحدة» المؤقتة في طرابلس إن أزمة اللاعبين الخمسة المسجونين في إيطاليا تنتظر موافقة روما على طلبات نقلهم إلى ليبيا، لاستكمال مدة محكوميتهم.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع صدام حفتر وخوري في القيادة العامة للجيش (القيادة العامة)

ترحيب أممي بـ«خطوة مشتركة» نحو توحيد الجيش الليبي

رحبت البعثة الأممية لدى ليبيا بالخطوات المشتركة المتخذة بين شرق البلاد وغربها «لإرساء القواعد اللازمة لتوحيد المؤسسة العسكرية، من بينها تشكيل الغرفة «3+3».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ المصرف المركزي الليبي (يسار) مع مساعد وزير الخارجية الأميركية (المصرف)

محادثات ليبية - أميركية حول مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب

قال المصرف المركزي الليبي إن عيسى استعرض مع مسؤولين أميركيين في واشنطن جهود تعزيز منظومة مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وأنظمة الدفع الإلكتروني.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي خلال ترؤسه اجتماعاً عسكرياً موسعاً في طرابلس (مكتب المنفي)

انقسام مسلحي غرب ليبيا حيال «مبادرة بولس» لتوحيد الجيش والحكومة

بدت التشكيلات المسلحة الموالية لعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية والمعارضة له في حالة ما بين «الاستنفار والغضب» منذ مناورة «فلينتلوك 2026».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

إدارة ترمب تُجدد التزامها بإنهاء الحرب في السودان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
TT

إدارة ترمب تُجدد التزامها بإنهاء الحرب في السودان

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ب)

مع مرور 3 سنوات على اندلاع الحرب في السودان، جدّدت الولايات المتحدة تأكيد التزامها بإنهاء النزاع في هذا البلد العربي الأفريقي، بالتزامن مع فرض عقوبات جديدة على 5 أفراد وكيانات متورطة في تجنيد ونشر عسكريين كولومبيين سابقين للقتال ضمن صفوف «قوات الدعم السريع»، بقيادة الفريق أول محمد حمدان دقلو، المعروف بـ«حميدتي».

وأعلن مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأميركية (أوفاك) أن «هذه الشبكة أسهمت في تأجيج الصراع، ما أدى إلى واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والمجاعات في العالم». وأضاف أن «الحرب زادت من زعزعة استقرار منطقة هشّة أصلاً، وتهيّأت معها الظروف لتوسع الجماعات الإرهابية، وتهديد السلام والأمن الإقليميين والدوليين، بما في ذلك سلامة ومصالح الولايات المتحدة».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إنه «من غير المقبول أن قادة القوات المسلحة السودانية و(قوات الدعم السريع) لم يلتزموا بهدنة إنسانية لمعالجة المجاعة المدمرة التي خلفتها الحرب الأهلية في السودان. يجب عليهم التحرك لإنهاء هذه الأزمة الإنسانية فوراً». وأفاد الناطق باسم وزارة الخارجية الأميركية، تومي بيغوت، في بيان أنه «منذ أبريل (نيسان) 2023، قُتل أكثر من 150 ألف شخص، ونزح أكثر من 14 مليوناً، ولا تزال المجاعة مستمرة في المناطق المتضررة من النزاع».

وأكد التزام إدارة الرئيس دونالد ترمب بـ«تحقيق سلام دائم في السودان، ويتجلّى ذلك في تقديم الولايات المتحدة 20 مليون دولار مساعدات غذائية طارئة في مارس (آذار)، و200 مليون دولار تبرعت بها أخيراً خلال نداء العمل لصندوق السودان الإنساني الذي استضافته الولايات المتحدة في فبراير (شباط) الماضي».

وأضاف بيغوت أن الولايات المتحدة تدعو كلاً من القوات المسلحة السودانية و«قوات الدعم السريع» إلى قبول هدنة إنسانية فورية لمدة 3 أشهر من دون شروط مسبقة بغية «تهيئة المجال لمفاوضات تهدف إلى وقف دائم لإطلاق النار». وتحضّ «كل الجهات الخارجية على وقف الدعم المالي والعسكري للأطراف المتحاربة».

وقالت وزارة الخزانة، في بيان، إن الإجراء العقابي الأخير اتّخذ بموجب القرار التنفيذي الذي اتخذته الرئيس ترمب لـ«فرض عقوبات على أشخاص معينين يزعزعون استقرار السودان، ويقوضون هدف الانتقال الديمقراطي».

وكانت الولايات المتحدة قد أدرجت حميدتي على قائمة العقوبات في 7 يناير (كانون الثاني) 2025، غداة اتهام قواته بارتكاب إعدامات ميدانية، وهجمات بدوافع عرقية، وأعمال عنف جنسي وتعذيب في مختلف المناطق الخاضعة لسيطرتها، بما في ذلك الجنينة في غرب دارفور عام 2023، والفاشر في شمال دارفور خلال عامي 2024 و2025.

وفي يناير 2025، خلصت وزارة الخارجية الأميركية إلى أن أفراداً من «قوات الدعم السريع» والميليشيات المتحالفة معها «ارتكبوا إبادة جماعية في السودان». كما كانت قد توصلت، في ديسمبر (كانون الأول) 2023، إلى أن «أفراداً من (قوات الدعم السريع) ارتكبوا جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، إضافة إلى عمليات تطهير عرقي».

وقالت وزارة الخزانة إن مئات من أفراد القوات الكولومبية السابقين ذهبوا إلى السودان لدعم «قوات الدعم السريع» في أدوار قتالية وفنية، وشاركوا ⁠في معارك بأنحاء البلاد. ومن بين ‌المستهدفين بالعقوبات المعلنة، ‌الجمعة، شركة «فينيكس هيومن ريسورسز ​إس إيه إس»، وهي وكالة ‌توظيف مقرها بوغوتا في كولومبيا، ومديرها خوسيه ليباردو ‌كيخانو توريس، والكولونيل السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار غارسيا باتي، وهو مالك شركة تجنيد مقرها بوغوتا، وشركة «غلوبال كوا البشريا إس إيه إس»، ومديرها عمر فرناندو غارسيا باتي.

وأفادت الوزارة بأن الضابط الكولومبي المتقاعد ألفارو أندريس كيخانو بيسيرا «يلعب دوراً محورياً في تجنيد ونشر أفراد عسكريين كولومبيين سابقين في السودان». وأضافت كيخانو وزوجته، كلوديا فيفيانا أوليفروس فوريرو، أسسا وكالة الخدمات الدولية في كولومبيا، التي اعتمدت على شركة «تالينت بريدج» في بنما، لتوظيف المقاتلين الكولومبيين.

وأسس كيخانو وأوليفروس شركة «فينيكس» للتوظيف بديلاً لوكالة الخدمات الدولية. ويديرها المواطن الكولومبي خوسيه ليباردو كيخانو توريس.

أما الجنرال السابق في الجيش الكولومبي خوسيه أوسكار غارسيا باتي، فهو يملك شركة توظيف في بوغوتا. وقام من خلال شركته بتجنيد أفراد عسكريين كولومبيين سابقين للقتال في السودان ضمن «قوات الدعم السريع». كما قام خوسيه غارسيا باتي بتجنيد عسكريين كولومبيين سابقين للمشاركة في النزاع الدائر بين روسيا وأوكرانيا.


ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)
اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)
TT

ليبيا تكثّف تحركاتها دولياً لمكافحة «غسل الأموال»

اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)
اجتماع محافظ مصرف ليبيا المركزي مع مسؤولين في البنك الدولي... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

كثَّفت ليبيا تحركاتها ونقاشاتها مع مسؤولين بصندوق النقد والبنك الدوليَّين أخيراً بشأن متطلبات «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب»، وهي الممارسة التي تقر السلطات النقدية بأنَّها تمثل عبئاً يثقل الاقتصاد الليبي، في وقت يظل فيه مشروع القانون المُنظِّم لهذه الجريمة عالقاً داخل مجلس النواب، ما يضع البلاد أمام تحدٍ مُعقَّد يجمع بين متطلبات الامتثال الدولي، وإشكاليات الانقسام السياسي والتشريعي.

الاجتماع المغلق لـ«اللجنة الدولية للشؤون النقدية والمالية» في واشنطن (المصرف المركزي الليبي)

وخلال مشاركته في «اجتماعات الربيع» لصندوق النقد والبنك الدوليَّين، شدَّد محافظ مصرف ليبيا المركزي، ناجي عيسى، على أنَّ بلاده باتت جاهزةً فنياً، بدعم من البنك الدولي ومؤسسات دولية متخصصة، للدخول في عملية التقييم التي تعتزم إجراءها «مجموعة العمل المالي للشرق الأوسط وشمال أفريقيا».

وجاءت تصريحات عيسى خلال مشاركته في اجتماع مع المدير الإقليمي لدائرة المغرب العربي ومالطا بـ«البنك الدولي»، أحمدو مصطفى ندياي، الجمعة، حيث أجرى سلسلة من اللقاءات مع مسؤولين في مؤسسات مالية كبرى، ركزت على تعزيز جاهزية ليبيا المؤسسية والتقنية، وضمان توافق منظومتها المالية مع المعايير الدولية، بما يسهم في حماية الاقتصاد الليبي من المخاطر المرتبطة بالتدفقات المالية غير المشروعة.

لقاء محافظ مصرف ليبيا المركزي ونظيره الصيني في واشنطن... الجمعة (المصرف المركزي الليبي)

في السياق ذاته، ناقش المسؤول الليبي مع محافظ «بنك الصين الشعبي» (المركزي الصيني)، بان قونقتشينغ، الاستفادة من التجربة الصينية في مجال المدفوعات الإلكترونية والتحويلات المباشرة، بما يسهم في تقليص التعاملات غير الرسمية، وتعزيز الامتثال لمعايير مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، وتحسين صورة القطاع المصرفي الليبي، وفق بيان صادر السبت.

كما شملت التحركات الليبية، على هذا المضمار، محادثات سابقة لمحافظ المصرف المركزي مع مسؤولين في صندوق النقد الدولي بخصوص الأطر القانونية المرتقبة، وعلى رأسها مشروع قانون «مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب»، الذي يمثل حجر الزاوية في أي عملية تقييم دولي، بحسب «المركزي»، وذلك عقب لقاءين منفصلين مع نائب المستشار العام للشؤون القانونية برين باتيرسون، ورئيسة دائرة الأسواق النقدية بالصندوق أتيلا كساجبوك، خلال الأيام الماضية.

وامتدت التحركات الليبية إلى الولايات المتحدة، حيث بحث عيسى مع مساعد وزير الخزانة الأميركي، إريك ماير، آليات الحدِّ من تهريب العملة الأجنبية، خصوصاً عبر الاعتمادات المستندية والسوق الموازية، بوصفها من أبرز قنوات مخاطر غسل الأموال. كما تناول اللقاء سبل تعزيز ضبط التحويلات المالية، ورفع مستوى الشفافية في العمليات المصرفية، وهو ما شمل أيضاً مباحثات مع مسؤولي شركة «فيزا».

ورغم هذا الحراك الخارجي المكثف، فإنَّ العقبة الرئيسية تبقى داخلية، حيث لا يزال مشروع القانون الجديد لمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب معطلاً في مجلس النواب منذ أكثر من عامين، دون مؤشرات واضحة على قرب اعتماده.

وفي هذا السياق يرى خبراء قانونيون أنَّ التشريعات الحالية، بما فيها القانون الصادر عام 2005، لم تعد قادرة على مواكبة التطورات المتسارعة في معايير مكافحة غسل الأموال، في حين يظل القانون الصادر عام 2017 محل جدل قانوني؛ بسبب إشكاليات عدة تتعلق بشرعية إصداره، وهو ما حدَّ من تطبيقه فعلياً.

وكان محافظ المصرف المركزي الليبي قد حذَّر في أبريل (نيسان) الحالي من أنَّ استمرار هذا التعطل التشريعي قد يؤدي إلى تداعيات جسيمة، من بينها تراجع الثقة الدولية في النظام المالي الليبي، واحتمال تعرُّض البلاد لإجراءات رقابية مُشدَّدة، أو قيود على تعاملاتها المالية الخارجية.

جلسة لمجلس النواب الليبي في يناير الماضي (إعلام المجلس)

وبحسب مصدر برلماني تحدَّث لـ«الشرق الأوسط» فقد سبق أن أُحيل مشروع القانون في صيغته الحديثة خلال عام 2023، بعد مناقشات داخل لجنة التخطيط والمالية، وبمشاركة جهات فنية، من بينها «وحدة المعلومات المالية» بالمصرف المركزي، بهدف تحديث المنظومة القانونية، بما يتماشى مع المعايير الدولية في مكافحة الجرائم المالية.

وعزا المصدر ذاته، الذي فضَّل عدم ذكر اسم، عدم إقرار القانون في البرلمان إلى «الانقسام السياسي، الذي أثَّر بشكل مباشر في عمل المؤسسة التشريعية، حيث حالت الخلافات بين الأطراف المختلفة دون التوافق على تمرير قوانين مهمة»، مشيراً إلى «اعتراضات ظهرت داخل مجلس النواب على بعض مواد المشروع، دفعت عدداً من الأعضاء إلى المطالبة بتأجيله لإجراء مزيد من المراجعات القانونية والفنية؛ وهو ما أدى إلى تعطيل طرحه للتصويت».

وأشار المصدر أيضاً إلى أن «العراقيل السابقة تفاقمت لتزامنها مع فترة كان فيها مصرف ليبيا المركزي محور خلاف وتوتر، بشأن تغيير المحافظ السابق الصديق الكبير».

وتعكس هذه التحديات واقعاً أوسع، إذ يشير أحدث تقرير صادر عن «منظمة الشفافية الدولية» إلى تراجع ليبيا في مؤشر مدركات الفساد لعام 2025، إذ جاءت ضمن أكثر الدول فساداً عالمياً، ما يزيد من احتمالات استغلال بيئتها المالية في أنشطة غير مشروعة.

ويرى مسؤولون سابقون ومحللون اقتصاديون أنَّ الانقسام السياسي والمؤسسي، الذي طال حتى الجهات السيادية والرقابية، يمثل أحد أبرز العوائق أمام تطبيق معايير مكافحة غسل الأموال، في ظلِّ تعدد مراكز القرار، وضعف التنسيق بين المؤسسات المعنية. كما يشيرون أيضاً إلى أنَّ بعض التحويلات المالية تتم خارج الأطر الرسمية، ما يعقِّد جهود الرقابة، ويزيد من مخاطر غسل الأموال.

واجهة البنك المركزي الليبي بطرابلس (رويترز)

وسبق أن تحدَّث العضو السابق بمجلس إدارة المصرف المركزي، مراجع غيث، لـ«الشرق الأوسط» عن «شبهات غسل أموال ضمن عمليات بيع غير قانونية لبطاقات الأغراض الشخصية»، وهي التي تبيعها المصارف للمواطنين بالسعر الرسمي للدولار لأغراض السفر أو العلاج أو الدراسة.

وفي ظلِّ هذه المعطيات، تبدو ليبيا بحسب مراقبين أمام اختبار حقيقي، حيث يتوقَّف نجاحها في اجتياز التقييم الدولي المرتقب على قدرتها على تسريع وتيرة الإصلاحات التشريعية، وتعزيز فاعلية أجهزتها الرقابية، وتوحيد مؤسساتها المالية.


«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)
رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)
TT

«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)
رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)

يحتدم جدل كبير في الجزائر حالياً بين هيئة تنظيم الانتخابات وأحزاب المعارضة، بخصوص «تأخر» المصادقة على الترشيحات الخاصة بالاستحقاق التشريعي، المقرر في الثاني من يوليوز (تموز) 2026.

أفادت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، الجمعة، بحسابها بالإعلام الاجتماعي، بأنها اطلعت على «ملاحظات بعض الأحزاب السياسية الراغبة في تشكيل قوائم مترشحين لانتخاب أعضاء المجلس الشعبي الوطني»، من دون تسمية هذه الأحزاب. موضحة أن عملية سحب استمارات التوقيع الفردي «تسير بشكل عادي، من خلال المتابعة الآنية عبر المنصة الرقمية المعدة لهذا الغرض، وذلك على مستوى جميع ولايات الوطن، بما فيها الولايات المستحدثة، عبر مقر المنسق الولائي بالولاية الأم».

من حملة الدعاية للانتخابات البرلمانية (الشرق الأوسط)

كما أوضحت أن استمارات التوقيع الفردي «متوفرة بعدد كافٍ يسمح لقوائم المترشحين بإضافة سحب جديد، وهو ما يتم تتبعه عبر المنصة الرقمية يومياً، وبصفة آنية».

وبخصوص عملية التصديق على استمارات التوقيع الفردي، أوضحت «سلطة الانتخابات» أنه «بإمكان الناخبين المعنيين المصادقة على التوقيع أمام الضباط العموميين، وهم الأمين العام للبلدية، وضابط الحالة المدنية، والموثق، والمحضر القضائي، والمترجم والترجمان الرسمي، ورئيس المركز الدبلوماسي أو القنصلي، أو أي موظف مفوض بذات المركز». ودعت «جميع المتدخلين في العملية الانتخابية إلى ضرورة السهر على حسن سير العمليات الانتخابية، والعمل على تدارك النقائص والاختلالات المبلَّغ عنها».

غربلة المرشحين

جاءت «توضيحات» الهيئة المكلفة بتنظيم الانتخابات، كرد على انتقادات حادة للحزبين المعارضين «التجمع من أجل الثقافة والديمقراطية» و «حزب العمال».

فقد ذكر الأول في بيان، تناول فيه التحضيرات للانتخابات بولاية بجاية (250 كلم شرق العاصمة) التي تعد أحد معاقله الانتخابية، أن ما يجري في هذه الولاية «ليس مجرد اختلال بسيط، ولا سوء تفاهم إداري؛ بل هو عرقلة صريحة للممارسة الديمقراطية الحرة»، لافتاً إلى أن العديد من المجالس البلدية التابعة لبجاية «تشهد رفضاً متعمداً من طرف الإداريين التوقيع والمصادقة على استمارات التوقيعات»، موضحاً أنه رغم التعليمات التي أصدرتها «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، بهذا الخصوص، «فإن سؤالاً يبقى مطروحاً: ما جدوى هذه التعليمات إذا ظلت دون أثر ميداني؟».

رئيس السلطة الوطنية للانتخابات (السلطة)

ووصف «التجمع» حصيلة جمع التوقيعات بـ«المفزعة«؛ فمن بين 52 بلدية تضمها ولاية بجاية، هناك 3 بلديات فقط هي التي تنجز عملية المصادقة في ظروف عادية، حسب الحزب، مشيراً إلى أن «هذا الرقم الهزيل يثبت حقيقة لا تقبل الجدل: حيثما توجد إرادة سياسية يُطبق القانون، وفيما عدا ذلك، يتم الالتفاف عليه عن قصد، بل ودوسه». وأضاف الحزب موضحاً: «لم نعد أمام تجاوزات معزولة، بل أمام نظام تعطيل منظم، يهدف إلى غربلة الدخول إلى المنافسة الانتخابية؛ فمنع المصادقة على التوقيعات يعني منع المترشحين من التقدم، ومصادرة خيار المواطنين، والمساس بالمبدأ الأساسي للمساواة بين الفاعلين السياسيين».

بيان سلطة الانتخابات يتضمن «ملاحظات بعض الأحزاب السياسية» حول الاقتراع المقبل (سلطة الانتخابات)

وندد الحزب بـ«صمت السلطة الوطنية للانتخابات أمام استمرار هذه العراقيل؛ ما يطرح تساؤلات حول ضعف مصداقيتها؛ فالهيئة الانتخابية التي تتسامح مع عدم تطبيق توجيهاتها الخاصة تتخلى عن مهمتها».

أما «حزب العمال» فقد عبَّر، في بيان، عن «قلق بالغ بعد مرور 12 يوماً من عمر استدعاء الهيئة الناخبة (يسبق موعد الانتخابات بثلاثة أشهر)، دون تمكين قوائم الترشيحات من حقوقها القانونية؛ إذ أدى التأخر في توفير الاستمارات، وتعيين المنسقين إلى تقليص الحيز الزمني المتاح للمترشحين، في خرق واضح للنصوص التنظيمية»، مشيراً إلى أن «ما يفاقم الوضع هو العجز الإداري المسجل في البلديات، التي فشلت حتى الآن في تعيين أعوان المصادقة؛ ما أجبر المواطنين على التنقل دون جدوى إلى مقار البلديات، وأعاد مخاوف العودة إلى الممارسات المشؤومة، التي تضرب مصداقية الانتخابات في الصميم».

«نية مبيّتة للإقصاء»

في تقدير الحزب ذي التوجه اليساري، فإن الارتباك الذي يسود المناخ الإداري حالياً يعوق المسار الانتخابي؛ «فرغم مساعينا الحثيثة مع السلطة المستقلة لرفع العراقيل، فلا تزال العقبات قائمة؛ ما يضعنا أمام مفارقة صادمة تفرض سؤالاً مشروعاً: كيف يعقل أن تعجز الإدارة عن توفير الضمانات الدنيا لسير العملية الانتخابية، رغم أن استدعاء الهيئة الناخبة يفترض جاهزية مسبقة وشاملة لجميع الترتيبات؟».

الأمينة العامة لحزب العمال في اجتماع بكوادر الحزب (إعلام حزبي)

وأكد الحزب أن تشكيلات سياسية ومرشحين مستقلين تواصلوا مع قيادته «بغرض البحث عن حل للعقبات التي يواجهونها، تماماً كما نواجهها نحن»، موضحاً أنه «من حقنا أن نستنتج بأن الانحرافات المسجلة قد تعكس نوايا سياسية مبيتة للإقصاء، صادرة عن أطراف سياسية على المستوى المحلي، تسعى لإفشال المسار الانتخابي، أو إبعاد قوائم تزعجها مشاركتها.

عودة قوية لوزارة الداخلية

شهدت إدارة العمليات الانتخابية مؤخراً، إعادة ترتيب ذات طابع فني وقانوني، أثرت عملياً في توازن الصلاحيات بين هيئة الانتخابات وبين وزارة الداخلية. فعند إقرار دستور 2020، كان الهدف المعلن هو إسناد تنظيم الانتخابات والإشراف عليها إلى هيئة مستقلة، بما يعزز الثقة بالعملية الانتخابية، ويقلل من دور الإدارة التقليدية.

ملصق دعائي خاص باستحقاق 2 يوليو المقبل (الشرق الأوسط)

غير أن تعديلات «تقنية»، بحسب توصيف رئاسة الجمهورية، تم إدخالها على إدارة الانتخابات، أقرها البرلمان في 26 مارس (آذار) الماضي، أفرزت إعادة توزيع بعض المهام بشكل جعل الجانب التنفيذي للعملية الانتخابية، خصوصاً ما يتعلق بالتحضير الميداني، واللوجيستيك وإدارة القوائم الانتخابية، أقرب إلى وزارة الداخلية التي تملك أصلاً شبكة إدارية واسعة عبر الولايات والبلديات.

وفي المقابل، احتفظت «السلطة المستقلة» بدور الإشراف العام، ومراقبة سير العملية، وإعلان النتائج، لكن قدرتها على التحكم المباشر في تفاصيل التنفيذ تقلصت مقارنة بالتصور الأولي عند إنشائها.

وفهم هذا التحول على أنه محاولة لضمان فاعلية أكبر، من خلال الاستفادة من خبرة الإدارة المحلية، لكنه في نظر منتقدين يعكس تراجعاً نسبياً عن فكرة الاستقلالية الكاملة؛ لأن نزاهة الانتخابات، في نظر المعارضة خصوصاً، لا ترتبط فقط بمراقبتها، بل أيضاً بمن يدير مفاصلها اليومية على الأرض.

ووفقاً لمتابعين، قادت التعديلات الجديدة إلى تحجيم دور «السلطة» ليصبح رقابياً تنظيماً، مقابل عودة قوية لوزارة الداخلية في الجانب التنفيذي؛ الأمر الذي أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول طبيعة التوازن بين استقلال القرار والفاعلية الميدانية في تسيير الانتخابات.