د. آمال موسى
وزيرة الأسرة والمرأة والطفولة في تونس سابقاً وأستاذة جامعية مختصة في علم الاجتماع، وشاعرة في رصيدها سبع مجموعات شعرية، ومتحصلة على جوائز مرموقة عدة. كما أن لها إصدارات في البحث الاجتماعي حول سوسيولوجيا الدين والتدين وظاهرة الإسلام السياسي.
TT

حول بطء قطار العدالة الاجتماعية

استمع إلى المقالة

في الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات من القرن الماضي كان الخطاب السياسي في الدول السائرة في طريق النمو، يقوم على أفكار رئيسية وكبرى، من بينها مسألة «العدالة الاجتماعية». وفي الحقيقة لم تكن المجتمعات تصف في تلك العقود هذه الفكرة وغيرها بـ«الشعارات الفضفاضة»، بل كان هناك شبه إجماع على جدية هذه الأفكار والأهداف، وتم الانخراط فيها بوصفها مشروعات ومسارات تحتاج إلى التكاتف والعمل والاجتهاد والإبداع.

غير أنَّ تعثر هذه المسارات، ولحظات الإخفاق التي عرفتها، قد حوَّلت الأفكار النبيلة الكبرى إلى مظاهر تسويق سياسي و«شعارات فضفاضة»، كما يحلو للكثيرين توصيفها.

طبعاً، لا شك في أن المجتمعات بقيادة النخب السياسية في الفضاء العربي الإسلامي، وأفريقيا، ومختلف البلدان الرامية إلى خوض معركة التخلف، قد حقَّقت في مجالات التنمية والعدالة الاجتماعيتين بعض الخطوات التأسيسية المهمة، ولكن ظلت قليلة وأقل من التوقعات، ومما كان يجب قطعه، خصوصاً أن السياق اليوم يُظهر الفروقات أكثر ممّا كان يُظهرها قبل نصف قرن.

هناك معطى مبدئي من المهم توضيحه، وهو أن الأفكار الكبرى عبارة عن مسارات لا نقطة نهاية لها، ولا سقف يحدها. مثلاً التنمية الشاملة والمستدامة هي عملية مستمرة في التاريخ الاجتماعي للشعوب ولا يمكن اكتمالها مهما بلغت المجتمعات مستويات عالية من النماء. فالعدالة الاجتماعية مسار مفتوح وطموح.

المشكل القائم في الوقت الراهن هو هيمنة شعور عام في الدول التي لم تبلغ الخطوة الدنيا في مسار العدالة الاجتماعية، مفاده بأن المسار في حالة شبه تعطل في العقدين الأخيرين تقريباً. لذلك فإن حتى الأمم المتحدة، من خلال الشعار الذي اختارته هذا العام للاحتفال باليوم العالمي للعدالة الاجتماعية، دعت إلى تجديد الالتزام بالتنمية الاجتماعية والعدالة الاجتماعية، وما نفهمه من هذه الدعوة هو أن المنجز في مجال العدالة الاجتماعية لا يؤكد فكرة الوفاء بالالتزام.

لنتذكر جيداً أن فكرة العدالة الاجتماعية ليست ميتافيزيقية أو هلاميّة، بل هي فكرة حاملة لمؤشرات قياس عملية وواضحة ومتفق حولها قبل وبعد إعلان كوبنهاغن سنة 1995، وتتمثل في مدى التقليص في نسبة الفقر، وتوفير العمل اللائق للجميع. وهنا لدينا مؤشر الناشطين، ومؤشر البطالة، إلى جانب مؤشرات تقلص الفجوة في مجال المساواة بين الجنسين، ناهيك عن التشريعات المتصلة بالحماية الاجتماعية والإدماج الاجتماعي. فجوهر العدالة الاجتماعية هو تحقيق الكرامة للجميع ومن دون استثناء. وكل دولة تستطيع أن تحدد منجزها استناداً إلى المؤشرات المذكورة والمتفق عليها دولياً.

إذن، قطار العدالة الاجتماعية يسير ببطء من سنوات، وبدل تقلص الفجوات والفروقات يمكن ملاحظة ازديادها لأنَّ السياق الراهن حقوقياً وتكنولوجياً واتصالياً زاد في إظهار هذه الفجوات، فبدت كأنها تضاعفت.

كيف يمكن فهم هذا التعطل في قطار العدالة الاجتماعية في غالبية البلدان اليوم؟

موضوعياً، من المهم توضيح أن العدالة الاجتماعية تحتاج إلى ميزانية ضخمة، ورهانات مجتمعية واضحة، وخطة دولة محكمة. وما نلاحظه أن ميزانيات غالبية الدول ذات الموارد الطبيعية المتواضعة في السنوات الأخيرة وتحديداً من تاريخ حدوث جائحة «كورونا»، التي أظهرت بدورها حجم الفجوات، فكانت السبب المزدوج من ناحية أنها السبب في ازدياد الفجوات، والسبب في إضعاف ميزانيات الدول لما فرضته الجائحة من حجر صحي ومصاريف طارئة وإفلاس مؤسسات... وبناء عليه لا يمكن لدول منهكة الميزانيات وتدير الأزمات في الداخل والخارج كرجال المطافئ أن تراكم منجزها في العدالة الاجتماعية. فالدول التي تحقق الإنجازات وتحرز التقدم في التنمية الاجتماعية ورفاه مجتمعاتها تحتاج إلى إطار عمل استراتيجي، لا أن تدير الشؤون العامة يوماً بيوم باعتبار أن غالبية الدول تجد نفسها مجبرة على معالجة الطوارئ وإرجاء مشروعاتها الاستراتيجية التي تصب كلها أو معظمها في باب التنمية والعدالة الاجتماعيتين.

لا يتوقف الأمر عند المال الذي هو في هذا السياق قوام العدالة الاجتماعية، بل هناك شرط آخر مهم يتمثل في الاستقرار داخل كل دولة أولاً، والاستقرار عالمياً أولاً وثانياً. ونقصد بذلك أنه منطقياً وعملياً من غير الممكن التقدم في مسار العدالة الاجتماعية في لحظة دولية ذات كثافة من ناحية عدد التوترات والصراعات في العالم. وهو ما يفيد بأن العدالة الاجتماعية كي تحرز التقدم اللازم تحتاج إلى الاستقرار كما هي حال أي عملية بناء حقيقية في العالم. ذلك أن هذا العالم الموصوف منذ عقود بأنه أصبح قرية صغيرة بفضل تكنولوجيا الاتصال، فهو في الأزمات يتحول إلى ما هو أصغر من القرية الصغيرة بحكم التشابك الدولي وتعقده.