إبيكتيتوس: العبد الأعرج فيلسوفًا رواقيًا مثاليًا

علمنا كيف نغير ذواتنا حينما تكون الظروف خارج السيطرة

إبيكتيتوس
إبيكتيتوس
TT

إبيكتيتوس: العبد الأعرج فيلسوفًا رواقيًا مثاليًا

إبيكتيتوس
إبيكتيتوس

يروى أن الفيلسوف إبيكتيتوس، كان عبدا لشخص يدعى «إبافروديت». وذات يوم قرر سيده أن يلهو به بطريقة غريبة، وهي ليّ ساقه بآلة للتعذيب. فقال له إبيكتيتوس: «إنك ستكسر رجلي». لكن سيده لم يأبه لذلك، وتمادى في ليّها، وإبيكتيتوس يتحمل صابرا ولا يبدي جزعا، حتى كسرت ساقه. ولم يقل بعدها، سوى: «ألم أقل لك يا سيدي إنك ستكسر ساقي؟».
بالطبع، هذا الحادث سيجعل إبيكتيتوس يعيش بقية حياته، يعاني من ضعف الجسم وعرج الساق، لكنه يظهر لنا أيضا، وجها من فلسفته المنتمية إلى المدرسة الرواقية، التي تدعو إلى ضرورة الثبات عند الشدائد، والخضوع لتصرفات القدر، والصبر على المدلهمات، والسيطرة على الانفعالات العنيفة.. فمن هو إبيكتيتوس؟ وما أبرز ملامح مواقفه الرواقية؟
لمعالجة هذا الأمر، سنعتمد بالأساس، على كتاب إبيكتيتوس «المختصر»، الذي ترجمه إلى العربية وشرحه وعلق عليه، الدكتور عادل مصطفى، وأصدرته دار «رؤية» سنة 2015.

من هو إبيكتيتوس؟

يعد إبيكتيتوس من أهم فلاسفة الرواقية المتأخرين. وهو لم يكتب، شأنه شأن الفيلسوف سقراط. ويعود الفضل في كتابة سيرته وتوثيق أخباره وكتبه، لتلميذه فلافيوس آريانوس، الذي قام بمثل ما قام به أفلاطون مع أستاذه سقراط.
ولد إبيكتيتوس عام 50م، في مدينة تدعى هيرابوليس، في آسيا الصغرى (تركيا حاليا)، لوالد غير معروف، وأم جارية تعلم منها اليونانية. وقد ولد إبيكتيتوس عبدا، ولم تتح له فرصة التعلم. وحتى كلمة «إبيكتيتوس» مجرد لقب وليست اسمه الحقيقي، وتعني حرفيا باليونانية: «الشخص المقتنى» أو «العبد». وقد صار إبيكتيتوس، ينتقل من سيد إلى سيد، ومن مدينة إلى أخرى، إلى أن أصبح عبدا لرجل يدعى إبافروديت. وهو سكرتير الإمبراطور نيرون، وربما كان سيدا سيئًا. ويكفي أنه كسر له رجله لهوا، إلا أنه على الرغم من ذلك، قد قام بعمل جليل يشكره التاريخ عليه. فهو حالما اكتشف موهبة عبده، منحه مباشرة تعليما حرا. وقد كان التعليم آنذاك امتيازا. بل أرسله ليستمع إلى محاضرات الفيلسوف الرواقي البارز، آنذاك، موسونيوس روفس. وبعد الدراسة بسنوات، أصبح إبيكتيتوس فيلسوفا. وقد كان محظوظا، لأن لقبه فيلسوفا سيتزامن مع حصوله على حريته من سيده شديد الصرامة، قانونيا، وباعتراف «البريتور»، وهو القاضي الكبير عند الرومان. فأصبح مواطنا يعيش في روما في بيت صغير شبه متهدم ودون باب، ولا يوجد فيه سوى مائدة وحصير ومصباح من الحديد. وقد سرق منه المصباح الحديدي ليغيره بمصباح من الطين. عموما، كانت الوحدة والبساطة سمتي حياته. ويحكى أنه ذات يوم وجد طفلا متروكا بلا مأوى، فقرر أن يعوله مستخدما امرأة فقيرة للعناية به.
عندما تولى الإمبراطور دوميتيان الحكم، أصدر أمرا بطرد الفلاسفة من إيطاليا. وهجر إبيكتيتوس نحو سنة 91م روما، ليستقر في مدينة نيقوبوليس ببلاد اليونان، وفتح بها مدرسة، أصبحت تستقبل الطلاب أفواجا. وكان كثير منهم من علية القوم، أي من الشبيبة الأرستقراطية الرومانية. وكانوا يحرصون على الاستماع إلى دروس الفيلسوف العبد الأعرج. فحصل إبيكتيتوس على المجد والشهرة، من دون أن يسعى إلى ذلك، حتى قيل إن الناس كانت تقصده للشفاعة والوساطة.
ينتمي إبيكتيتوس إلى قمم الرواقيين أمثال المؤسس زينون، (355/ 263ق.م، وخريسيبوس (280/ 206ق.م)، والفيلسوف الشاعر الروماني سينيكا (4/ 65ق.م) والإمبراطور ماركوس أوريليوس (121/ 180م). إلا أن ميزة إبيكتيتوس، كانت في تطبيقه الصارم لتعاليم الرواقية. فحياته كانت صورة صادقة لفلسفته. كان يطبق ما كان ينادي به، فعاش حياة البسطاء مع القليل من الرزق، خيرا وصبورا، متحملا للنائبات. وكان عكسه مثلا، الفيلسوف سينيكا، الذي لم يلتزم برواقيته في سلوكه، فهو على الرغم من احتقاره المال، جمع ثروة هائلة، كما تورط في بعض المؤامرات وجرائم القصر الإمبراطوري.
ترك لنا إبيكتيتوس مؤلفين؛ هما: «الأحاديث» و«المختصر»، وهو لم يدون شيئا كما أشرنا. والفضل في بقاء كنوزه، يعود إلى تلميذه آريانوس الذي سجل خطب إبيكتيتوس باللغة اليونانية، التي كانت لغة الكلام والكتابة في ذلك الوقت. فكتاب «الأحاديث» هو، في الحقيقة، 8 كتب، لم يبق منها سوى 4 كتب، تضم 95 فصلا، عبارة عن خواطر نفسية وأخلاقية. أما كتابه «المختصر»، فهو ذائع الصيت، وكان يستعمله حتى رهبان الأديرة، ويضم 53 شذرة تعد أثمن متن في الأدب الرواقي، بل في الأدب الأخلاقي بوجه عام، ويمتاز بعبارات وجيزة ومركزة.
نقش على شاهد قبر إبيكتيتوس العبارة التالية: «عبد أعرج معوز.. ولكن عزيز لدى الآلهة». أحبه الإمبراطور هادريان وزاره في مدرسته في نيقوبوليس؛ بل اقتبس منه الإمبراطور الرواقي، ماركوس أوريليوس، كثيرا في كتابه «التأملات»، وأثنى عليه القديس أوغسطين. أما الفيلسوف بليز باسكال، فكان يعتبر أحاديث إبيكتيتوس أعز ما يقرأ.

فلسفة إبيكتيتوس

تعد الشذرة الأولى من مؤلف «المختصر»، خلاصة الأخلاق الرواقية. وهي بعنوان: «ما في قدرتنا وما ليس في قدرتنا»، حيث يوضح فيها إبيكتيتوس الموقف الرواقي الذي يفرق فيه المرء بين الأشياء التي له؛ أي التي في قدرته وتحت قبضة إرادته، والأشياء التي تخرج عن أمره؛ أي تلك الخارجة عن قدرته والمتجاوزة له. بعبارة أخرى، على الحكيم الرواقي أن يسأل نفسه: فيم يثق الإنسان؟ أكيد ليس في المال والممتلكات، أو الجسد والصحة، أو المجد والمنصب والمكانة، فهي أمور خارجة عن سيطرتنا، لكن يمكن الثقة، كل الثقة، في إدراكاتنا واختياراتنا وأفكارنا وأحكامنا على الأشياء، فهي الوحيدة التي توجد في إطار سيطرتنا. باختصار، علينا أن نفحص الأشياء، فإذا وجدناها لا تقع تحت تحكمنا، فلا ينبغي أن نعيرها وزنا. وكمثال توضيحي لذلك، نتجه صوب الشذرة الخامسة، التي تعالج قضية الموت. يقول إبيكتيتوس: «ليست الأشياء ما يكرب الناس، ولكن أحكامهم عن الأشياء. الموت مثلا ليس مريعا.. وإنما المريع هو الحكم بأن الموت مريع. لذا فعندما ينتابنا الإحباط أو الاضطراب أو الحزن، فإن علينا ألا نلوم غير أنفسنا، أعني غير أحكامنا نحن. أن يلوم المرء الآخرين على ما أصابه، فذلك من شيمة الجاهل. أما بداية العلم، فأن تلوم نفسك، وأما تمام العلم، فألا تلوم نفسك ولا غيرك».
إن إبيكتيتوس خصوصا، والرواقية عموما، يؤكدان على أن الضرر لا يكون إلا ذاتيا، وهو ليس موضوعيا أبدا.. فالمشكلة ليست في العالم الخارجي، بل في تصوراتنا، فالإنسان ضحية نفسه، فالموت لا حيلة لنا فيه، ولكن يمكن التحكم في الخوف من الموت، فهذا نقدر عليه. يقول إبيكتيتوس: «من التعس أن تنضج أكواز الذرة ثم لا تحصد، ومن التعس أن يكبر الإنسان ثم لا يموت». وعلى الحكيم الرواقي، الإيمان بالقدر والخضوع له من دون تلكؤ.
إن خلاص الإنسان أو تلفه بيده.. فإذا كان قدري أن أصفد بالأغلال، فبإمكاني ألا أئن وأعول. وإذا كان محتما علي النفي، فبمقدوري أن أذهب للمنفى مبتسما ومنشرحا. وإذا كان ينبغي أن أموت، فيمكن أن أموت راضيا من دون خوف. لهذا نجد إبيكتيتوس يؤكد أنه ليس لزاما أن نتخلص من الفقر، بل المهم هو التخلص من فكرتنا عن الفقر لنكون في أحسن الأحوال. فالرواقي النموذجي، يصحح ذاته وتصوراته، ولا يكثرت لما تأتي به صروف الدهر.. فهو يجتهد لتصحيح الفكر، ليصحح الانفعال ويحوله من السلبي إلى الإيجابي.. على الرغم من المرض، فإنه سعيد. وعلى الرغم من الخطر، فإنه سعيد. وعلى الرغم من السجن، فإنه سعيد.. سأقول لك إنه رواقي مثالي.
يقول الدكتور عادل مصطفى، إن عبارة «تصحيح الفكر لتصحيح الانفعال»، لهي فكرة رواقية بسيطة، تلقفها السيكولوجيون المعاصرون، قصد علاج الأمراض النفسية، كالاكتئاب والقلق والخوف والهلع.. فتشغيل الفكر قادر على تحويل النفس. ناهيك بأنه يشير، في التفاتة نبيهة، إلى أن الرواقية يمكن أن تكون ترياقا ضد المادية الاستهلاكية المعاصرة، لأنها تعلم عدم اللهاث وراء الأشياء الخارجية، والاكتفاء بالعالم الداخلي، فهو الخلاص.
بكلمة ختامية نقول مع إبيكتيتوس: «أعطني فكرا، وخذ كل أشياء العالم».



روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».


إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
TT

إدوارد سعيد يسأل عمَّا «بعد السماء الأخيرة»

 عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور
عروسان بمخيم البداوي - طرابلس 1983 بعدسة السويسري جان مور

بعد أربعين عاماً على صدور كتاب إدوارد سعيد «بعد السماء الأخيرة»، أحسنت فعلاً «دار الساقي» أن أعادت نشر ترجمته العربية في هذا الوقت بالذات، الذي تصبح فيه قراءة التاريخ بأعين حاذقة متفكرة، حاجة عربية. سعيد ليس مجرد كاتب يسرد الأحداث، بل هو مبدع متعمق في قضية فلسطين التي شغلته العمر كله. وفي هذا الكتاب يستجمع مهاراته كونه ناقداً، وعالماً ومحللاً، ليقدم نصاً يدمج بين الحدث التاريخي، والسيرة العائلية والذاتية. في الكتاب يأتي نص إدوارد سعيد (1935 - 2003) منسجماً ومتكاملاً مع صور السويسري جان مور التي التقطها بالأبيض والأسود، وهو يوثِّق الحياة اليومية الفلسطينية في بلادها والشتات. وقد وجد فيه سعيد، المصور الذي «رآنا كما لم يرنا أي شخص آخر». فالصور التي اختارها لنشرها في الكتاب تعيد الاعتبار للرواية الفلسطينية بتفاصيلها بعيداً عن فجاجة السردية السياسية. الناس عند ما يمارسون مهنهم، ينتظرون على قارعة الطريق، ينصرفون إلى فرح، يقطفون الزهر، يتأملون في جلسة استراحة. هكذا يعيد إلى شعب أغفلت إنسانيته نبض الحياة، ويعرّف به في انسجاميته مع محيطه الطبيعي.

شراكة الكاتب والمصوّر

الشراكة بين سعيد ومور ولدت عام 1983، أثناء مؤتمر للأمم المتحدة في جنيف، أراد له سعيد أن يقترن بعرض لصور مور. لكن الموافقة جاءت غريبة، وهو أن تبقى الصور من دون أي تعليق عليها. إجحاف، ومحاولة لطمس أي ذكر واضح لفلسطين، مما استفزَّ إدوارد سعيد واستدعى منه فيضاً من الكلام جاء في هذا الكتاب أشبه باستعادة لكل ما يجول في خاطره. حتى ليبدو للقارئ أن سعيد ينخرط في كتابة سيرته مندغمة بسيرة شعبه، وهو يعيد قراءة تجربته وتكوينه الشخصي، عبر فهم المسار الفلسطيني العام. «هو كتاب منفى» يقول سعيد، الذي يعبّر عن ألم ومرارة شديدين، بسبب الظروف التي عاشها منذ كان تلميذاً صغيراً، ورأى عائلته تعاني التهجير والضياع، حتى لنشعر أن كل النجاحات الأكاديمية والفكرية التي حصدها خلال مساره المهني، لم تكن قادرة على إسكات قلق الهوية الذي بقي يعانى منه طوال حياته.

فمنذ غادرت عائلته القدس عام 1947 وكان في الثانية عشرة من عمره، لم يعد سعيد إلى فلسطين إلا عام 1992 مع زوجته وولديه. يومها تمكَّن وبعد 45 عاماً، من زيارة أماكنه الأولى التي لم يعد فيها أحد من أقاربه. لكن بقي لديه شيء من أمل بسبب الانتفاضة التي كانت مشتعلة في تلك الفترة.

النكبة بداية الجحيم

العودة الكاملة للوطن، بقيت حلماً معلقاً، بينما المشهد كله يتغير، حتى ليبدو أن الماضي الذي يعرفه ينسف من جذوره. وهذا هو ما أحب أن يكتب عنه، ليس فقط ليسجل ما حدث، وإنما ليوضح كيف أن الفعل الأول، أي النكبة، جرَّت وراءها تاريخاً من التحولات العظمى، حيث سيصبح من المستحيل استعادة ما فقد. لهذا فإن الكتاب يزاوج بين الأحداث وانعكاساتها، ومسار سعيد وعائلته وحياتهم في المهاجر، وهي تتداخل بحيوات من هم في الصور المرافقة للكتاب. نشاهد البلدة القديمة في القدس، عمال مصنع للصابون في نابلس، نجار من عكا، أطفال يلعبون في مخيم البداوي اللبناني، وفلسطينيون في ميناء عكا، شخص يجلس على الرصيف في الناصرة، وآخرون في غزة. وجوه معروفة، وأخرى تكتسب أهميتها من قدرتها على شحذ الذكريات والأفكار في ذهن إدوارد سعيد، بصرف النظر عن جماليتها.

تتفرع الموضوعات في كل اتجاه. وهي تنطلق في بدء الكتاب من صورة التقطت في مخيم البداوي للاجئين الفلسطينيين في شمال لبنان، فيها عروسان يوم زفافهما يهمان بالصعود إلى سيارة مرسيدس قديمة، ومعهما عدد قليل من الأشخاص، وبقربهما ولدان يلعبان. ويعلِّق سعيد بعد شرح مطول: «لا يمكنني الوصول إلى الأشخاص الفعليين الذين تم تصويرهم إلا من خلال مصور أوروبي رآهم نيابة عني وأتخيل أنه بدوره تحدث اليهم، من خلال مترجم. ومع ذلك، فإن الشيء الوحيد الذي أعرفه على وجه اليقين هو أنهم عاملوه بأدب، ولكن كشخص جاء من قبل، أو ربما تصرف بتوجيه من أولئك الذين وضعوهم في مكانهم البائس هذا».

سرقة الأرض بالتدريج

إنها النكبة التي ولَّدت المصائب المتسلسلة. في تلك السنة المشؤومة لم يكن لليهود من أراضي فلسطين سوى 7 في المائة، لكنهم رغم ذلك، فرضوا وجودهم وطردوا أهل البلاد. وبالتدريج، وعبر السنين، سنُّوا القوانين التي جردت الفلسطينيين من حقوقهم، وأرغمت الكثيرين منهم على الهجرة، حتى فرغت الأرض منهم، ليحلِّ مكانهم غرباء، طامعون. خلال كل تلك الحقبات السوداء المتلاحقة، كان الفلسطينيون يتحولون إلى شتات مشرذم في بلدان مختلفة. يحاول الكاتب أن يعيد تجميع هذا البزل البشري المتشظي، متحدثاً عن صعوبة قصوى في إعادة بناء ما تفتت. يحكي قصص الفلسطينيين في الداخل، مساراتهم، معاناتهم. يروي ما يعرفه عن أعمامه وأولادهم ثم عائلة والدته، التي تركت فلسطين بعد أسرة والده بقليل، منهم من ذهب إلى مصر، وبعض آخر إلى الأردن. يتحدث عن الإرهاق، عن الصدمة التي رافقتهم، عن محاولات فهم ما سيكون عليه مستقبلهم وقد فقدوا بيوتهم وحاضرهم. عمة إدوارد التي وصلت إلى مصر تحوَّلت إلى دينامو، لا همّ لها سوى مساعدة اللاجئين الذين لم يجدوا من يُعنَى بهم. تمكنت من أن تكون همزة الوصل بين أغنياء الفلسطينيين النازحين وفقرائهم. يتحدث عنها وعن جهودها بإعجاب شديد لعلو إنجازاتها، التي بقي صداها يتردد طويلاً حتى خارج مصر.

كتابات كثيرة ومفعول ضئيل

رغم الكتابات الكثيرة عن الفلسطينيين فإنهم بقوا مجهولين، خاصة في الغرب. فالشعب الفلسطيني، لم يلق الكتابة التي توازي كثافة التجربة. «أننا أكثر هذراً وإثارة للمتاعب من أن نختصر بمجرد كوننا كتلة من اللاجئين البائسين». لهذا، ربما، لا بد من كتابات تجاري هذه الكينونة الصعبة والمركبة. وبما أن مهمة الكتاب هي محاولة الإحاطة بواقع معقد، لتجربة فريدة في اللجوء، كان لا بد من أشكال تعبيرية غير تقليدية تتوافق مع حالة هجينة ومتشظية.

يكاد سعيد لا يترك ناحية إلا ويتكلم عنها، البيوت الفلسطينية، المنتوجات الزراعية التي باتت تصدر باسم المحتلّ، الذكريات التي حملها معهم النازحون من بيوتهم من مفاتيح وتطريز وأقمشة، وتعلقهم بذاك التراث الذي يذكرهم ببلادهم، ووالده الذي تجنَّب هذه الرموز، حذراً من الحنين. يعود الكاتب إلى اللكنات الفلسطينية التي بقيت صامدة على الألسن وتطعمت بلهجات دول اللجوء. يُعرِّج على العادات التي ظلَّت راسخة رغم مرور الأيام. يذكرنا بالاضطرابات العائلية التي عاشتها الأسر بسبب التمزق والفرقة وصعوبة الالتقاء، هو الذي حرم لسنين من رؤية والدته التي أصرَّت على البقاء في بيروت في فترة الحرب الأهلية.

الاختزال والتقزيم

يسأله صديق له، لما يعنى بالفلسطينيين في هذا الزمن. «فمن يهتم بأولئك الذين يأكلون على الأرض بأيديهم؟» يزيد إصرار سعيد على إكمال كتابه هذا «بالتحديد، لأردّ على هذا النوع من الحماقات». كم هي صعبة الإحاطة بكل ما يتعلق بالفلسطينيين «لا يوجد إحصاء سكاني فلسطيني. لا يمكن رسم خطّ يصل فلسطينياً بآخر من دون أن يبدو أنه يتداخل مع المخططات السياسية لدولة أو لأخرى». هو مؤلف تجريبي لا يروي أحداثاً متسلسلة، ولا يشكل مقالاً سياسياً، بل يحاول أن يتلاءم وطبيعة الموضوع الذي يصعب القبض عليه كون الفلسطينيين الذين يتحدث عنهم بلا دولة، ولا مركز، مجموعات «مسلوبة». يقول: «حوصرنا في مساحات مصممة لاختزالنا أو تقزيمنا، ولطالما شُوِّهنا بسبب ضغوط وقوى كانت أكبر من طاقتنا».

رد الاعتبار بالكتابة

لا يخفي الكاتب أنه إنما يردُّ الاعتبار لشعبه على طريقته. فالمأساة بدأت قبل النكبة، التي دفعت بعائلته وأسر أخرى إلى المجهول. ثم جاءت النكسة عام 1967، ولا ينسى تجربة منظمة التحرير الفلسطينية. وفي الكتاب مقاطع طويلة عن بيروت التي بقدر ما يعرفها سعيد، اضطر أن يغيب عنها بسبب الحرب. يتحدث عن عذابات لبنان المتتابعة، عن عيوب أهله وطائفيتهم البغيضة، عن تجاربهم المريرة المتلاحقة، يعرج على بعض الكتاب الفلسطينيين مثل إميل حبيبي وجبرا إبراهيم جبرا ومحمود درويش الذي من ديوانه «ورد أقل» استعار اسم الكتاب وصدَّره بعبارة من قصيدة «تضيق بنا الأرض». حقاً لقد ضاقت الأرض بالشعب الفلسطيني!