شطب الجزائر من «القائمة الرمادية» يتوج 20 شهراً من الإصلاحات البنكية العميقة

الحملة الانتخابية وأرباب العمل يتفاعلون مع قرار «مجموعة العمل المالي»

اجتماع لموثقين جزائريين لبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)
اجتماع لموثقين جزائريين لبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)
TT

شطب الجزائر من «القائمة الرمادية» يتوج 20 شهراً من الإصلاحات البنكية العميقة

اجتماع لموثقين جزائريين لبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)
اجتماع لموثقين جزائريين لبحث إجراءات مكافحة غسل الأموال (غرفة الموثقين)

استعادت الجزائر، بعد 20 شهراً من الإصلاحات، مكانة من شأنها تسهيل المعاملات الدولية وتعزيز ثقة المستثمرين، بعد أن تقرر رسمياً سحب اسمها من «القائمة الرمادية لمجموعة العمل المالي»، في تطور يرى مختصون في مكافحة الفساد المالي أنه يثبت نجاح البلاد في إصلاح إطارها القانوني والمصرفي ليتوافق مع معايير الشفافية الدولية.

ويخص هذا التصنيف الدول الخاضعة لمراقبة مشددة في ملفات مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

وجاء القرار خلال اجتماع «مجموعة العمل المالي»، الجمعة، بمقر منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية في باريس، في حدث يمثل خطوة إيجابية للغاية؛ كون صناديق الاستثمار العالمية تراجع بدقة تقييمات المجموعة قبل الاستقرار في أي بلد؛ ومن ثمّ فإن خروج الجزائر من هذه القائمة يمنحها «أماناً قانونياً ومالياً» يطمئن المستثمرين الأجانب.

من اجتماعات مجموعة العمل المالي (المجموعة)

ويعني هذا التطور، حسب محللين ومختصين، أن النظام المصرفي الجزائري قد تجاوز مرحلة «المراقبة المشددة» التي كان يخضع لها بسبب ثغرات استراتيجية في مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب.

ارتياح داخلي واسع

استقطب هذا التطور اللافت في علاقة الجزائر بأكبر الكيانات المالية والسياسية في العالم اهتمام المشاركين في حملة انتخابات البرلمان الجارية حالياً في الجزائر، حيث أكد عبد القادر بن قرينة، رئيس «حركة البناء الوطني»، أن سحب اسم الجزائر من القائمة الرمادية يترجم الجهود الوطنية المبذولة لتعزيز الشفافية المالية، ومكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب وفق المعايير الدولية، بعد استكمال خطة الإصلاحات والإجراءات الفنية المطلوبة.

وعدَّ بن قرينة، خلال كلمة في مؤتمر انتخابي، ذلك «مكسباً هاماً للدولة ومؤسساتها وأطرها، ورسالة ثقة قوية ومباشرة للمستثمرين والشركاء الدوليين، من شأنها تحسين مناخ الأعمال، وتسهيل المعاملات والاندماج في الأسواق المالية العالمية».

رئيس «حركة البناء الوطني» (إعلام حزبي)

وأضاف: «هذا المكسب يستدعي استدامة الإصلاحات، وترسيخ الحوكمة والرقابة لحماية الاقتصاد الوطني»، داعياً إلى «استثمار هذا التطور لدعم الإنتاج المحلي وتشجيع الاستثمار، وإحداث الثروة ومناصب الشغل بما ينعكس إيجاباً على الإطار المعيشي للمواطنين».

من جهته، قال كمال مولى، رئيس «مجلس التجديد الاقتصادي الجزائري» (كبرى منظمات أرباب العمل في البلاد) لـ«وكالة الأنباء الجزائرية» إن قرار «مجموعة العمل المالي» يكرس جهود المبذولة لتعزيز الشفافية المالية، وتحسين الحوكمة، وتقريب النظام المالي الوطني من المعايير الدولية. كما أشار إلى أن الخطوة «تمثل عامل ثقة إضافياً للمتعاملين الاقتصاديين المحليين والشركاء الدوليين، وتسهم في تعزيز جاذبية الجزائر، وتسهيل المبادلات الاقتصادية، وتوفير بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار»، داعياً جميع الفاعلين الاقتصاديين إلى مواصلة الجهود لمواكبة التحول الاقتصادي وترسيخ نمو مستدام مبني على الثقة والتنافسية وخلق القيمة.

نواب جزائريون يبحثون مشروع تعديل قانون مكافحة غسل الأموال (البرلمان)

وأكد رياض فراح، الخبير في عصرنة البنى التحتية البنكية، أن مجموعة العمل المالي «لا تكتفي بطلب الإصلاحات فحسب، بل تشترط ديمومتها واستمراريتها بمرور الوقت». وأوضح أن الحفاظ على هذا الوضع ليس مكسباً ثابتاً يمنحه القرار، بل هو نتاج آليات عمل وهندسة رقابية تُبنى وتُطبق يومياً في المنظومة البنكية».

وأضاف في تصريحات صحافية أن خروج الجزائر من القائمة يكشف أن هذه الآليات «باتت تشغيلية وفعالة بشكل جوهري بناءً على زيارة تقييمية ميدانية»، مشيراً إلى أن هذا التقييم «ليس مجرد رضا وطني ذاتي، بل هو واقع أقرت به هيئة دولية».

لكنه حذر من أن هذا الإنجاز «لا يمثل مكسباً ثابتاً بشكل نهائي لأي دولة في العالم».

ورحب أستاذ الاقتصاد، سليمان ناصر، بالقرار مؤكداً أثره الإيجابي على مناخ الأعمال، وجذب الاستثمارات الأجنبية، لافتاً إلى أن خروج الجزائر من هذه القائمة سيرفع العقبات التي كان من الممكن أن تواجه المتعاملين الاقتصاديين الجزائريين في الخارج.

مسوغات القرار

وذكرت وكالة الأنباء الرسمية أن جهود الجزائر بخصوص تحسين أدائها في مجال محاربة الأنشطة المالية غير المشروعة، ودعم التطرف «حظيت بإشادة وإجماع من قِبل أعضاء الجلسة العامة لمجموعة العمل المالي المنعقدة في باريس؛ حيث هنأت المجموعة الجزائر على قفزتها الإيجابية في مكافحة غسل الأموال، وتمويل الإرهاب». وأفادت الوكالة بأن قرار شطب البلاد من قائمة «المراقبة المشددة» جاء ثمرة لزيارات ميدانية ناجحة، واستكمالاً لجميع محاور خطة العمل الجزائرية في الآجال المحددة، لترفع عنها بذلك التدابير الرقابية المكثفة.

اجتماع لقضاة جزائريين حول تطبيق أحكام قانون مكافحة غسل الأموال (صورة أرشيفية)

وفي تفاصيل تقييمها، ركزت المجموعة، حسب الوكالة، على الطفرة التي شهدها قطاع الإشراف المالي في الجزائر، متمثلة في اعتماد معايير جديدة لقياس المخاطر، وإصدار أدلة رقابية، مع تنفيذ عمليات تدقيق ميدانية وفرض عقوبات رادعة.

كما ثمّنت المجموعة إيجاد منظومة تتسم بالفاعلية لجمع البيانات، وتتبع المستفيدين الحقيقيين، وتطوير قنوات التبليغ عن المعاملات المشبوهة، بالإضافة إلى تحصين الجبهة التشريعية والمؤسساتية بمنظومة عقوبات مالية دقيقة وموجهة.

وأشادت كذلك بآلية الرقابة الذكية والملاءمة التي فُرضت على المنظمات غير الهادفة للربح، والتي تضمن تجفيف منابع التمويل المشبوه دون المساس بأنشطتها المشروعة.


مقالات ذات صلة

«فيفا» يعاقب حكم فيديو مباراة الأرجنتين والجزائر

رياضة عالمية تدخل ميسي على ماندي أثار الجدل (د.ب.أ)

«فيفا» يعاقب حكم فيديو مباراة الأرجنتين والجزائر

أكدت تقارير إعلامية جزائرية أن الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) اتخذ إجراءً تأديبياً بحق حكم تقنية الفيديو المساعد (فار)، الذي أدار مباراة الجزائر والأرجنتين.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية هزيمة الجزائر الثقيلة أمام الأرجنتين أشعلت الإعلام الجزائري (د.ب.أ)

تحذيرات جزائرية من انزلاق البرامج الرياضية نحو «التخوين والتجريح»

حذرت السلطة الوطنية المستقلة لضبط المحتوى السمعي والبصري في الجزائر من انزلاق خطاب بعض البرامج الرياضية التي تتناول المونديال نحو «الشخصنة والتخوين».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيس الجزائري مع رئيسة الحكومة الفرنسية السابقة في 10 أكتوبر 2022 (الرئاسة الجزائرية)

انفراجة في «أزمة التأشيرات» إثر تحسن العلاقات بين الجزائر وباريس

أكدت مصادر إعلامية محلية أن مؤشرات انفراج باتت أكثر وضوحاً في ملف التأشيرات الفرنسية بالجزائر، مع توقع استعادة القنصليات الفرنسية نشاطها.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أطر سلطة الانتخابات يتابعون مجريات الحملة الانتخابية (السلطة)

الجزائر: المرشحون لـ«التشريعية» أمام تحدي إقناع الناخبين بجدوى التصويت

وجَّهت «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات» ما يشبه تحذيراً إلى المترشحين، يخص مخلفات قانونية محتملة قد تؤدي إلى عقوبات قضائية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية مشاجرة عنيفة بين مشجعي منتخبي الأرجنتين والجزائر لكرة القدم في نيويورك (رويترز)

«مونديال 2026»: شجار بين جماهير الجزائر والأرجنتين يثير أزمة في نيويورك

اندلعت مشاجرة عنيفة بين حشود من مشجعي منتخبي الأرجنتين والجزائر لكرة القدم، في ميدان «تايمز سكوير» الشهير بنيويورك.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

المعارضة الصومالية تطرح مقترحاً لحل أزمة الانتخابات

رئيس الصومال خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)
رئيس الصومال خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

المعارضة الصومالية تطرح مقترحاً لحل أزمة الانتخابات

رئيس الصومال خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)
رئيس الصومال خلال لقاء سابق مع أعضاء ومسؤولي «مجلس المستقبل» للمشاركة في جلسات تشاور بشأن الأزمة السياسية (وكالة الأنباء الصومالية)

طرحت المعارضة الصومالية، مع تصاعد أزمتها مع رئيس البلاد حسن شيخ محمود، مقترحاً يتضمن مقاربة للقبول بالانتخابات المباشرة شريطة أن تراعي النظام القبلي المعروف بـ«نظام 4.5».

ذلك المقترح الذي لم يعلق عليه الرئيس بعد، قد يكون حلاً مبدئياً كونه قائماً على قاعدة الانتخابات المباشرة كأساس للاقتراع، بحسب ما يراه خبير في الشؤون الصومالية تحدث لـ«الشرق الأوسط»، متوقعاً أن «يُبدي الرئيس مرونة».

ونظام العشائر الأربع الكبرى، وهي هوية ودارود ورحنوين ودِر، والمعروف بـ«نظام 4.5»، يُعد العمود الفقري للحياة السياسية والاجتماعية في البلاد، وانبثق من مؤتمر عرتا للسلام عام 2000، وبموجبه قُسِّم البرلمان على أسس عشائرية لضمان تقاسم السلطة.

ويشير مصطلح «نظام 4.5» إلى نظام المحاصصة القبلية في تقاسم المناصب السيادية، حيث يجري توزيع المقاعد على القبائل الأربع الرئيسية، في حين يُمنح «نصف مقعد» للمجموعات العرقية الصغيرة، أي نصف حصة تمثيلية مقارنة بكل قبيلة.

وأعلن تحالف المعارضة الرئيسي دعمه لنموذج الانتخابات المباشرة الانتقالية بوصفه سبيلاً نحو حل النزاعات واستعادة الثقة في عملية الانتخابات، حسب ما نقلته وكالة الأنباء الألمانية الأحد.

وقال التحالف في بيان إن القرار «يعكس روح التوافق والالتزام بالمصلحة الوطنية، بهدف التوصل إلى اتفاق شامل وفي الوقت المناسب حول الإطار الانتخابي المستقبلي».

وأفادت وسائل إعلام صومالية بأن المعارضة طرحت مقترحاً جديداً يهدف إلى إجراء الانتخابات المباشرة على مستوى البلاد، مع الإبقاء على نظام تقاسم السلطة بين القبائل.

وبموجب النموذج المقترح، ستُنظم المقاعد البرلمانية من خلال وحدات انتخابية قائمة على الدوائر، حيث يرتبط الناخبون والمرشحون المؤهلون بدوائرهم الانتخابية القبلية.

ويرى الخبير في الشؤون الصومالية، عبد الكامل أبشر، أن «المقترح يعني بدء تقارب جزئي في الرؤية حول نوعية الانتخابات بين الحكومة والمعارضة»، مؤكداً أنه «لا يعني بالضرورة وجود اتفاق سياسي كامل أو مصالحة شاملة بين الطرفين، بل قد يكون خطوة أولى نحو مفاوضات أوسع حول شكل النظام الانتخابي المقبل».

وأضاف: «الحكومة الفيدرالية كانت تدفع منذ فترة باتجاه توسيع المشاركة الشعبية والانتقال من النظام غير المباشر إلى النظام الانتخابي المباشر على أسس حزبية حيث يأتي المرشحون عبر أحزاب، بينما يشير المقترح من المعارضة إلى قبول الانتخابات المباشرة على أساس المحاصصة العشائرية 4.5 بما يعني أن تدخل العشائر مكان الأحزاب».

وأشار إلى أن المقترح جاء من طرف واحد فقط، وهو طرف المعارضة، وليس من خلال مشاورات بين الجانبين.

ومضى قائلاً: «على الرغم من أن المقترح لم يوضح إجراءاته الفنية، لكنه إذا كان يقوم على انتخابات مباشرة مع الحفاظ على صيغة 4.5 كإطار لضمان التوازن القبلي والسياسي، فقد يكون أكثر واقعية من الانتقال الفوري إلى نظام (شخص واحد، صوت واحد) على مستوى البلاد في ظل التحديات الأمنية والإدارية».

ويشير المقترح إلى تقارب نسبي بين الحكومة والمعارضة؛ إلا أن صدوره من طرف واحد يعني أن الخلاف السياسي لم يُحسم بعد، وفق أبشر الذي أكد أن التهدئة الحقيقية تتطلب قبولاً أو تفاوضاً بين الحكومة والمعارضة حول تفاصيل النظام الانتخابي، وليس مجرد طرح مبادرة من أحد الأطراف.

مسؤول صومالي خلال الإدلاء بصوته في انتخابات المجالس المحلية المباشرة في ديسمبر الماضي (وكالة الأنباء الصومالية)

ويأتي المقترح بعد نحو أسبوعين من تبادل إطلاق النار في مقديشو بين قوات الحكومة وفصائل مسلحة متحالفة مع المعارضة، ألحق أضراراً بممتلكات وأجبر عدداً من المدنيين على الفرار، على خلفية الخلافات السياسية، بحسب ما نقلته «رويترز».

وفي نهاية الشهر الماضي، أعلن «مجلس الإنقاذ المعارض» في الصومال عدم الاعتراف بشرعية الرئيس بعد انتهاء مدته الدستورية، داعياً لاحتجاجات أسبوعية في مقديشو كل خميس، بدءاً من 4 يونيو (حزيران)، حتى التوصل إلى اتفاق سياسي بشأن الانتخابات، التي تجري عبر التصويت المباشر لأول مرة منذ عقود، وهو المسار الذي تتحفظ عليه المعارضة بدعم من ولايتي جوبالاند وبونتلاند.

ويتوقع أبشر أن يبدي الرئيس مرونة، طالما قبلت المعارضة بمبدأ إقامة انتخابات مباشرة، متوقعاً أن تأخذ الأمور مزيداً من المشاورات، مما يعني إمكانية قبول المعارضة بتمديد فترة الرئيس مع تشكيل حكومة انتقالية على قاعدة إجراء انتخابات مباشرة أياً كانت تفاصيلها اللاحقة.


برلمانيون مصريون يشترطون «ضمانات حكومية» قبل إعادة هيكلة الدعم

جلسة سابقة لمجلس النواب في مارس الماضي (صفحة المجلس على فيسبوك)
جلسة سابقة لمجلس النواب في مارس الماضي (صفحة المجلس على فيسبوك)
TT

برلمانيون مصريون يشترطون «ضمانات حكومية» قبل إعادة هيكلة الدعم

جلسة سابقة لمجلس النواب في مارس الماضي (صفحة المجلس على فيسبوك)
جلسة سابقة لمجلس النواب في مارس الماضي (صفحة المجلس على فيسبوك)

اشترط أعضاء في مجلس النواب المصري «ضمانات حكومية» قبل اعتماد «الدعم النقدي» بديلاً عن «العيني» المخصّص للسلع التموينية.

ومهدت الحكومة خلال الأيام الماضية لمقترح التحول إلى «الدعم النقدي»، وقال رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، مطلع الشهر الحالي، إن «منظومة الدعم النقدي سيبدأ تطبيقها مع أول العام المالي المقبل، الذي يبدأ في يوليو (تموز) من العام». وأضاف أن «النظام المقترح يعتمد على تقسيم المستحقين للدعم إلى شرائح وفقاً لمستوى الاحتياج الاقتصادي والاجتماعي».

وناقشت «اللجنة الاقتصادية» بمجلس النواب، الأحد، 12 طلب إحاطة بشأن «معايير الاستبعاد من منظومة الدعم ووقف بطاقات التموين، وضوابط التحول للدعم النقدي».

وعزا النواب طلباتهم إلى «حالة من القلق بشأن تأثير التحول إلى الدعم النقدي على ملايين الأسر محدودة الدخل في ظل استمرار موجات التضخم وارتفاع أسعار الغذاء والسلع الأساسية».

وقال عضو مجلس النواب محمد فؤاد، أحد مقدمي طلبات الإحاطة: «الدعم النقدي قطعاً أكثر كفاءة؛ لكن الأزمة تكمن في التفاصيل».

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»: «يجب ألا تعتمد الآلية المقترحة للتحول من الدعم العيني إلى النقدي على متوسطات عامة للتضخم فقط، وهو ما قد لا يعكس صورة دقيقة عن نمط الإنفاق الفعلي للأسر منخفضة الدخل».

ويوضح: «الاعتماد على متوسطات عامة قد يؤدي إلى تآكل تدريجي في القوة الشرائية للمستفيدين رغم استمر صرف الدعم».

واستطرد قائلاً: «يجب على الدولة وضع معايير استبعاد أو استحقاق مقترحة، فمثلاً ملكية السيارات أو وجود سجل تجاري أو غيرها من المؤشرات قد لا تعكس بدقة الحالة الاقتصادية للأسرة». وتابع: «ينبغي إقرار معايير استحقاق معلنة، مع إنشاء نظام رسمي للتظلمات يسمح بتصحيح الأخطاء وإعادة تقييم الحالات بصورة دورية».

جانب من اجتماع «اللجنة الاقتصادية» بمجلس النواب الأحد (النائب محمد فؤاد)

وتُطبق الحكومة منذ عقود منظومة البطاقات التموينية لدعم السلع الأساسية بهدف خفض أعباء المعيشة عن «الفئات الأولى بالرعاية». ويستفيد نحو 68 مليون مواطن من هذه المنظومة، وفق وزارة التموين.

وشدد النائب فؤاد على «ضرورة التركيز على البحث عن غير المستحقين واستبعادهم؛ لأن الخطأ في استبعاد أسرة مستحقة قد تكون آثاره الاجتماعية والاقتصادية أكثر خطورة من إدراج أسرة غير مستحقة بصورة مؤقتة».

وأوصى الحكومة بتحديد جهة قيادية واحدة مسؤولة عن التنسيق والإشراف على البرنامج، وتطبيقه على مراحل تبدأ بمشروعات تجريبية محدودة النطاق قبل التوسع الكامل، فضلاً عن إخضاع البرنامج لمراجعة، وتقييم مستقل بصورة دورية لضمان الشفافية، وتحسين الأداء باستمرار.

مصير رغيف الخبز

وتضمنت طلبات إحاطة النواب تساؤلات حول مصير دعم «رغيف الخبز الشعبي» ومعايير احتساب قيمته ووزنه في منظومة الدعم الجديدة.

ويستفيد من «الخبز المدعم أو الشعبي» نحو 70 مليون مواطن وفقاً لآخر تقديرات حكومية في عام 2022. ورفعت الحكومة سعره قبل عامين للمرة الأولى منذ 3 عقود، ومنذ ذلك الحين تُثبت سعره بعشرين قرشاً. وتوفر الدولة حالياً حصة يومية تبلغ 5 أرغفة لكل فرد مسجل على البطاقة التموينية.

وتداولت مواقع إخبارية محلية خلال الأيام الماضية تصريحات لمسؤولين حكوميين عن «حذف مواطنين من منظومة الدعم التمويني».

طلبات إحاطة النواب تضمنت الأحد تساؤلات حول مصير دعم «رغيف الخبز الشعبي» (شعبة المخابز بالقاهرة)

وشددت عضو مجلس النواب، إيرين سعيد، على ضرورة أن تقدم الحكومة ضمانات قبل إعادة هيكلة الدعم «حتى يكون التحول أمراً صحياً للحكومة وللخزانة العامة للدولة بشكل عام وللمواطن بشكل خاص».

وأضافت قائلة لـ«الشرق الأوسط»: «كثير من المصريين أرهقهم الوضع الاقتصادي، وبعض الملفات رُفع عنها الدعم بنسب معينة. وضعف حوكمة بعض الملفات جعل غير المستحق يحصل على الدعم والمستحق لا يحصل؛ لذا فإن الحديث بشكل عام في منطقة الدعم أصبح أمراً حساساً جداً لدى المصريين وأعضاء مجلس النواب».

ولدى النائبة تخوف من التحول من الدعم العيني إلى النقدي، مشيرة إلى «عدم وضوح آلية التطبيق». وقالت: «مهم جداً أن يواكب الدعم انخفاض قيمة الجنيه وارتفاع سعر المستلزمات الغذائية الاستراتيجية من فترة لأخرى مع كل موجة اقتصادية مختلفة أو مع أي حرب محتملة في المنطقة؛ لأن هذه التوترات تؤثر بقوة على السلع المفترض أن يوجَّه الدعم لها».

اجتماع مجلس الوزراء المصري برئاسة مصطفى مدبولي يوم الخميس الماضي (صفحة المجلس على فيسبوك)

وطالبت بضرورة عرض أي تصور متكامل لإصلاح منظومة الدعم على مجلس النواب قبل التطبيق «من أجل طمأنة الشارع والبرلمان».

«نظام لائق»

ويستبعد الخبير الاقتصادي، وائل النحاس، أن تقدم الحكومة أي ضمانات قبل إعادة هيكلة الدعم، وقال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك حالة غموض حول من سيتم استبعادهم في المنظومة الجديدة».

ويضيف: «المطلوب هو تطبيق نظام لائق سواء عيني أو نقدي، فمثلاً عندما تريد الحكومة تطبيق الدعم السلعي أو النقدي تضيف لبطاقة المواطن التموينية مبلغاً مالياً، ويكون له الحق حينها في شراء السلع من أي متجر، ولا يتم إجباره على أماكن معينة تبيع السلع بأكثر من ثمنها مع ضعف جودتها».

ووفق تصريحات سابقة لوزير التموين، شريف فاروق، فإن الحكومة لا تتجه إلى تقليص الدعم التمويني، لكنه أشار إلى أن المنظومة الحالية «ليست على المستوى المُرضي للمواطن، حيث لا يصل الدعم للمستحقين، ورُصد عدد من البطاقات التموينية التي تركها أصحابها لآخرين للحصول على السلع التموينية دون وجه حق».


مجلس النواب الليبي يستنكر تصريحات نائب ترمب بشأن «فشل ليبيا»

جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح (المجلس)
جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح (المجلس)
TT

مجلس النواب الليبي يستنكر تصريحات نائب ترمب بشأن «فشل ليبيا»

جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح (المجلس)
جلسة سابقة لمجلس النواب الليبي برئاسة عقيلة صالح (المجلس)

تُبدي قطاعات واسعة من الليبيين حساسية وانزعاجاً واضحين من استدعاء بلادهم نموذجاً لـ«الدولة الفاشلة» كلما جرى الحديث عن بؤر الأزمات والصراعات، خصوصاً مع استمرار الانقسام السياسي والعسكري والأزمات الاقتصادية وتفشي الفساد، وهي عوامل جعلت ليبيا تُصنَّف في كثير من الأدبيات الدولية ضمن الدول الهشة.

وتجدد هذا الجدل عقب تصريحات نائب الرئيس الأميركي، جيه دي فانس، الذي استحضر ليبيا مستشهداً بها نموذجاً لـ«الدولة الفاشلة» خلال حديثه عن مستقبل إيران، السبت، مما أثار موجة من الصدمة والنقاش داخل الأوساط الليبية.

جيه دي فانس نائب الرئيس الأميركي في واشنطن في مارس الماضي (أ.ف.ب)

فبينما رأى البعض في التصريح إساءة لصورة ليبيا وتجاهلاً لمسؤولية القوى الدولية في أزمتها الممتدة، اعتبرها آخرون توصيفاً لواقع سياسي ومؤسسي مأزوم لا يمكن تجاهله.

ورغم أن فانس أشار إلى ليبيا عرضاً خلال رده على منتقدي الاتفاق الأميركي مع إيران داخل الحكومة الإسرائيلية، قائلاً إن هناك أطرافاً في المجتمع الإسرائيلي «تريد تدمير إيران بالكامل كما حدث مع ليبيا وتحويلها إلى دولة فاشلة»؛ فإن تصريحاته فتحت نقاشاً قديماً حول صورة البلاد في الخارج وحقيقة أوضاعها في الداخل.

وبدا الانزعاج البرلماني واضحاً في موقف لجنة الشؤون الخارجية بمجلس النواب الليبي، الأحد، التي عَدّت تصريحات فانس «إساءة غير مبررة وغير مقبولة إلى ليبيا وشعبها»، ورفضت اختزال البلاد في صور نمطية أو استخدامها مثالاً للفشل والاضطراب في الخطاب السياسي الدولي، معتبرة أن ذلك ينطوي على «تشويه للحقائق التاريخية والسياسية ومساس بمكانة دولة ذات سيادة وشعب عريق».

كما ألقت اللجنة بالمسؤولية على التدخل العسكري الدولي الذي أطاح بالنظام السابق عام 2011، معتبرة أنه تم من دون استكمال مسؤوليات المجتمع الدولي في دعم بناء مؤسسات الدولة والحفاظ على استقرارها.

ورغم أن تصريحات فانس أثارت صدمة لدى كثير من الليبيين، فإن توصيف بلادهم بـ«الدولة الفاشلة» ليس جديداً في أدبيات الصراع الليبي.

فقد سبق أن حذر المبعوث الأممي الأسبق، برناردينو ليون، عام 2015 من خطر تحول البلاد إلى دولة فاشلة، كما حذر المبعوث الأممي السابق، عبد الله باتيلي، قبل ثلاثة أعوام من انزلاقها نحو التفكك إذا لم يتوصل قادتها إلى حكومة موحدة، فضلاً عن ورود المصطلح في تقارير ودراسات دولية تناولت تداعيات الانقسام السياسي والأمني في البلاد.

غير أن موقف مجلس النواب تلاقى مع آراء قطاعات من الليبيين ترفض وصف ليبيا بأنها دولة فاشلة، وهو ما عكسته تدوينات وآراء عبر صفحات تواصل ليبية.

ومن الليبيين من يرى أن بلادهم ليست فاشلة على هذا النحو بقدر ما أن «إدارتها وسياساتها خلال السنوات الماضية كانت فاشلة». ويعبر عن هذا الرأي الناشط السياسي محمد المزوغي، فيما عَدّ المدون أسامة الغويل أن البلاد تزخر بشباب ومبتكرين يحققون نجاحات في مجالات التقنية والبرمجيات والذكاء الاصطناعي، معتبراً أن أفضل رد على هذه الصورة النمطية هو الإنتاج والنجاح.

وذهب المحامي محمد بن دردف إلى أن استخدام ليبيا مثالاً للفشل يتجاهل مسؤولية القوى الدولية التي تدخلت في البلاد عام 2011 وأسهمت بصورة مباشرة أو غير مباشرة في إضعاف مؤسساتها وتعقيد مسارها السياسي.

كما رأى المستشار القانوني محمد الفيتوري أن الحديث عن ليبيا باعتبارها دولة فاشلة لا يستقيم من دون الإشارة إلى تنافس القوى الدولية والإقليمية على النفوذ داخلها بعد إسقاط نظام القذافي.

في المقابل، تبنى عديد من الدبلوماسيين والأكاديميين قراءة مختلفة لتصريحات فانس، واستحضار بلادهم مضرباً للأمثال للدولة الفاشلة.

وعَدَّ الدبلوماسي الليبي عادل عيسى الوصف «رسالة مؤلمة» و«جرس إنذار» يدفع إلى مراجعة الواقع بصدق ومسؤولية، معتبراً أن «الأهم ليس كيف يصف الليبيون أنفسهم، بل كيف يراهم العالم، وأن مكانة الدول تقاس بقوة مؤسساتها واستقرارها الداخلي وصورتها الخارجية».

أما أستاذ القانون الليبي مجدي الشبعاني فرأى أن فانس «لم يكن يستهدف ليبيا بقدر ما كان يستحضرها نموذجاً لإخفاق سياسات تغيير الأنظمة من دون تصور واضح لمرحلة ما بعد الصراع».

وأوضح أن مفهوم «الدولة الفاشلة» لا يعني اختفاء الدولة، بل عجز مؤسساتها عن أداء وظائفها الأساسية، مشيراً إلى أن استمرار الانقسام السياسي والمؤسسي جعل هذا الوصف حاضراً في كثير من الدراسات الدولية المتعلقة بليبيا.

ويتفق الباحث السياسي محمد الأمين مع هذا الطرح، مبرزاً أن المشكلة لا تكمن في التصريح بحد ذاته، بل في الظروف التي جعلت ليبيا مثالاً يُستدعى عند الحديث عن تعثر بناء الدولة بعد الصراعات، مؤكداً أن معالجة أسباب الانقسام وضعف المؤسسات هي الرد الأجدى على مثل هذه التصريحات.

وبحسب رؤية سيف الله الحطاب، خبير التنمية المستدامة الليبي، فإن حالة الصدمة التي أثارتها تصريحات فانس تبدو مفهومة بالنظر إلى حساسية توصيف ليبيا بوصفها دولة فاشلة، مشيراً إلى أن الإقرار بهشاشة مؤسسات الدولة لا يعني التسليم بها بمثابة مصير دائم.

وأضاف الحطاب لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الواقع يعكس إرثاً ممتداً لعقود وتفاقماً بعد عام 2011 مع الانقسامات السياسية والمؤسسية، موضحاً أن الليبيين ينقسمون بين من يعزو الأزمة إلى التدخل الدولي، ومن يرى أن اختلالات الدولة العميقة تستوجب المعالجة والإصلاح.

وانتهى إلى القول إن «الجدل الدائر يعكس خلافاً أوسع بشأن تشخيص الأزمة الليبية وأسبابها وطرق العبور للمستقبل، أكثر مما يعكس خلافاً حول التصريحات ذاتها».

عاجل مونديال 2026: تعادل ثان لإيران مع بلجيكا المنقوصة (0-0)