عقب أشهر من التوتر الدبلوماسي بين الجزائر وفرنسا، والذي تفاقم العام الماضي إثر قرار باريس إلغاء الإعفاء من التأشيرة للدبلوماسيين الجزائريين، أكدت مصادر إعلامية محلية أن مؤشرات انفراج باتت أكثر وضوحاً في ملف التأشيرات الفرنسية بالجزائر، مع توقع استعادة القنصليات الفرنسية نشاطها المعتاد تدريجياً خلال موسم الصيف.

وشكّل ملف «أزمة التأشيرات»، سواء تعلّق الأمر بحاملي الجوازات الدبلوماسية أو بالمواطنين العاديين، أداةَ ضغط محورية استعملها الجانبان طيلة الأزمة السياسية، ضمن سياسة «القبضة الحديدية» المتبادلة لانتزاع تنازلات من الطرف الآخر.
وشهدت مساعي الحصول على تأشيرة دخول الفضاء الأوروبي (شنغن) تعقيداً كبيراً في العامين الأخيرين. ووفقاً للمعلومات التي أوردتها الصحافة الجزائرية، فإن المصالح القنصلية الفرنسية في كل من الجزائر العاصمة، ووهران، وعنابة، تعرضت لتراجع حاد في قدراتها العملياتية بين عامي 2024 و2025. ويعود هذا الشلل الفني إلى تجميد الجزائر العاصمة الاعتمادات لصالح الموظفين الدبلوماسيين الفرنسيين، وذلك في أعقاب الخلافات السياسية مع باريس، وقد بررت الجزائر قرارها بناءً على مبدأ «المعاملة بالمثل».

وبسبب حرمان مراكز معالجة طلبات التأشيرة الفرنسية من جزء كبير من موظفيها، لم تعد قادرة على استيعاب الحجم اليومي للطلبات، ما أدّى إلى انهيار حصص المواعيد المتاحة، وإطالة فترات الانتظار بشكل لا ينتهي. وتؤكد التقارير الدبلوماسية أن أزمة الموارد البشرية هذه أثرت بشكل مباشر على قدرة المتعاملين الخارجيين على فتح مواعيد جديدة.
ومع ذلك، بدأت الأزمة تنفرج تدريجياً؛ حيث تشير مصادر مطلعة على الملف إلى أن العودة التدريجية للموظفين الإداريين الفرنسيين باتت قيد التنفيذ حالياً. وأوضحت الصحيفة الإلكترونية «ماغرب إيمرجنت» أن «ثمة تحسناً متوقعاً بالتزامن مع إعادة تشكيل الطواقم القنصلية». وبمجرد استعادة الموظفين بنيتهم التنظيمية الأصلية يُنتظر أن تعمل مصالح إصدار التأشيرات بكامل طاقتها.
تفاهم على أعلى مستوى
يأتي هذا التعزيز امتداداً لمحادثات ثنائية مكثفة سمح بها تبادل زيارات على أعلى مستوى، بدأت بزيارة وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز إلى الجزائر في فبراير (شباط) الماضي، ثم وزير العدل جيرالد دارمانان في مايو (أيار) الماضي. فيما زار وزير الداخلية الجزائري سعيد سعيود باريس مطلع يونيو (حزيران) الحالي.

وأتاحت هذه التطورات الإيجابية في العلاقات بين البلدين إرساء الاستقرار في العلاقات القنصلية؛ إذ يفتح رفع التجميد عن تأشيرات العمل الخاصة بالموظفين الفنيين الفرنسيين الأبواب مجدداً، وإعادة هيكلة مصالح معالجة الطلبات في كل من الجزائر العاصمة ووهران وعنابة.
ويتفق المراقبون على أن إعادة الهيكلة الإدارية ستؤتي ثمارها خلال فصل الصيف. وبالنسبة للعائلات والطلاب والمهنيين الجزائريين، فإن الإعلان عن هذا التطبيع يبعث على ارتياح كبير، لا سيما أن الحصول على المواعيد كان يُتوقع حتى الآن بوصفه رحلة كفاح شاقة.
وإذا تأكد هذا المنحى ميدانياً فإن الارتفاع التلقائي في عدد الملفات المعالجة يومياً سيسمح بامتصاص قوائم الانتظار، لتستعيد الإجراءات انسيابها أخيراً داخل مراكز جمع الملفات، وذلك في الوقت الذي تصل فيه طلبات السفر إلى ذروتها السنوية.
أزمة تأشيرات
اندلعت «أزمة التأشيرات» قبل تفجر العلاقات في صيف 2024 إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء. ففي 2022، قررت فرنسا تخفيض منح التأشيرات إلى النصف، وكان السبب رفض القنصليات الجزائرية بفرنسا إصدار التراخيص التي تسمح بترحيل 7 آلاف مهاجر جزائري غير نظامي، وشمل القرار نفسه المغرب وتونس.

وصرّحت رئيسة الحكومة الفرنسية السابقة، إليزابيث بورن، لمّا زارت الجزائر في أكتوبر (تشرين الأول) 2022، بأن خفض حصة الجزائر من التأشيرات «قرار سيادي». مبرزة أن قنصليات فرنسا الثلاث في الجزائر أصدرت 85 ألف تأشيرة منذ بداية عام 2022 إلى نهاية أغسطس (آب) من العام نفسه. كما أكدت أن عدد التأشيرات التي حصل عليها طلاب الجامعات الجزائريون ارتفع من 5200 عام 2019 إلى 7700 تأشيرة عام 2021.
ووفق مراقبين، يصطدم الانفراج التدريجي بملفات شائكة لم تُطوِ الجزائر صفحتها بعد، وعلى رأسها استمرار السلطات الفرنسية في توقيف مسؤول أمني جزائري سابق، ملاحق في قضية محاولة احتجاز اليوتيوبر المعارض، أمير بوخرص، فوق الأراضي الفرنسية.

استمرار مقاطعة الجزائر قمح فرنسا
وفي سياق متصل بالأزمة الدبلوماسية، توقعت وسائل إعلام فرنسية أن تواصل الجزائر مقاطعة القمح الفرنسي، في وقت توشك فيه حملة تسويق القمح الفرنسي لموسم 2025-2026 على الانتهاء. وكان إغلاق السوق الجزائرية أمام القمح الفرنسي منذ عام 2024 قد دفع القطاع إلى التوجه نحو أسواق تصديرية جديدة.
ورغم التحسن الدبلوماسي الجاري بين باريس والجزائر، وما قد يتيحه من استئناف محدود للواردات الجزائرية من القمح الفرنسي، فإن الكميات المتوقعة ستظل ضئيلة للغاية، وفقاً للمصادر نفسها.

وفي العام الماضي، كانت مبيعات القمح اللين نحو الجزائر صفراً، وفقاً لأرقام «الهيئة الوطنية للمنتجات الزراعية والبحرية في فرنسا»، مقارنة بمتوسط سنوي بلغ نحو مليوني طن بين عامي 2020 و2024.
ويأمل المنتجون الفرنسيون هذا العام، حسب تقارير صحافية، في تصدير كميات كبيرة مجدداً نحو المغرب؛ إذ كانت المملكة قد زادت مشترياتها بنحو 27 في المائة في عام 2025 بسبب موجة جفاف مبكرة، لكن البلاد تتوقع هذا العام محصولاً ممتازاً يقدر بـ9 ملايين طن، ما قد يدفع الرباط إلى وقف استيراد القمح اللين هذا الصيف.





