من التحديث السنوي إلى الاستجابة السريعة... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي أمن الشبكات؟

«سيسكو»: زمن استغلال الثغرات تقلّص من أشهر إلى دقائق

أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)
أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)
TT

من التحديث السنوي إلى الاستجابة السريعة... كيف يغيّر الذكاء الاصطناعي أمن الشبكات؟

أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)
أمن البنية التحتية يتجه نحو نموذج تشغيل مستمر يعتمد على تغييرات صغيرة واختبار مسبق واستجابة أسرع للتهديدات (شاترستوك)

في عصر الذكاء الاصطناعي، يتغير أمن البنية التحتية من إدارة دورية للتحديثات إلى سباق مستمر مع ثغرات يمكن اكتشافها واستغلالها بسرعة غير مسبوقة. وترى شركة «سيسكو» أن المؤسسات لم تعد قادرة على التعامل مع الشبكات ومراكز البيانات بمنطق الصيانة المتباعدة أو التحديث السنوي. في مقابلة خاصة مع «الشرق الأوسط» على هامش مؤتمر «سيسكو لايف 2026» في مدينة لاس فيغاس الأميركية، يقول توم غيليس، نائب الرئيس الأول والمدير العام لمجموعة البنية التحتية والأمن في «سيسكو»، إن الذكاء الاصطناعي لا يسرّع الهجمات فقط، بل يفرض نموذجاً جديداً لتشغيل البنية التحتية وتأمينها. ويضيف أن البيانات التي ترصدها الشركة أصبحت واضحة في إظهار هذا التحول، موضحاً أن الفترة بين اكتشاف الثغرات واستغلالها «انتقلت من أشهر إلى دقائق». ولا تتوقف المشكلة عند سرعة المهاجمين فقط، بل إن النماذج المتقدمة للذكاء الاصطناعي، كما يقول، باتت تملك قدرة أعلى بكثير على العثور على الثغرات؛ ما يضع المؤسسات أمام عدد أكبر من نقاط الضعف، وزمن أقصر للتعامل معها، وبنية تحتية لا تزال في كثير من الحالات تُدار بإيقاع بطيء.

توم غيليس نائب الرئيس الأول والمدير العام لمجموعة البنية التحتية والأمن في «سيسكو» (الشركة)

نهاية منطق التحديث السنوي

لعقود، تعاملت المؤسسات مع البنية التحتية بأسلوب يقوم على التصميم ثم التحقق ثم النشر، وبعد ذلك تجنب التغيير لأطول فترة ممكنة. يصف غيليس هذا النموذج بالقول إن الفِرق كانت تبني تصميماً لمركز بيانات أو شبكة، تتحقق منه، تنشره، ثم تحاول «ألا تلمسه لأطول فترة ممكنة». كان هذا المنطق مقبولاً في عالم تظهر فيه بضع ثغرات خلال العام، ويحتاج فيه المهاجمون إلى شهور لاستغلالها.

لكن هذه المعادلة لم تعد قائمة. فإذا كانت المؤسسة تحدّث بنيتها مرة واحدة في السنة، في حين تستطيع أدوات الذكاء الاصطناعي العثور على ثغرات واستغلالها خلال فترة قصيرة، فإن الفجوة بين سرعة الهجوم وسرعة الدفاع تصبح خطرة. المشكلة لا تكمن في وجود الثغرات وحدها، بل في أن نموذج التعامل معها ما زال مبنياً على افتراضات قديمة.

ويدعو غيليس إلى نقل فلسفة التشغيل المعروفة في بيئات السحابة إلى البنية التحتية التقليدية. ففي السحابة، لا تعتمد المؤسسات عادة على تغييرات ضخمة ومتباعدة، بل على تعديلات صغيرة ومتكررة، تُختبر باستمرار ويمكن التراجع عنها بسرعة إذا حدث خلل.

برأي غيليس، يجب ألا يبقى هذا النموذج محصوراً في التطبيقات السحابية؛ لأن الشبكات ومراكز البيانات والفروع والبيئات الموزعة تحتاج إلى المرونة نفسها. ويردف أن التحديث عندما يحدث مرة واحدة في السنة يصبح «خطوة كبيرة» من وضع إلى آخر، وغالباً ما يحمل معه خطر التعطيل. أما التغييرات الصغيرة المتتابعة، فتجعل المؤسسة أكثر قدرة على التكيف، وتسمح بإصلاح أسرع، وتقلل الخوف من التحديثات الكبيرة.

درع مؤقت لا بديل عن التصحيح

ضمن هذا التحول، تطرح «سيسكو» تقنية» (Live Protect) بوصفها أداةً لسد الفجوة بين لحظة الإعلان عن ثغرة حرجة ولحظة تطبيق التصحيح الكامل. ويحرص غيليس على توضيح حدود هذه التقنية بدقة، قائلاً إنها «ليست تصحيحاً» ولا تلغي الحاجة إلى التحديث، بل تعمل بوصفها «درعاً مؤقتاً» أو «تحكماً تعويضياً» يمنع استغلال ثغرة معروفة إلى حين تطبيق الحل النهائي.

أهمية هذا المفهوم أنه يتعامل مع مشكلة عملية تواجه معظم المؤسسات؛ لأن بعض الأنظمة لا يمكن إيقافها بسهولة. تعطيل منصة تجارة إلكترونية، أو خدمة مصرفية، أو شبكة اتصالات، أو بنية حكومية، قد يسبب خسائر أو اضطراباً كبيراً. وفي الوقت نفسه، لم يعد ترك ثغرة حرجة مكشوفة إلى حين توافر نافذة صيانة خياراً آمناً.

يشرح غيليس بأن «Live Protect» يمكن نشره على مكونات مثل المفاتيح والموجّهات والجدران النارية من دون الحاجة إلى إعادة تشغيلها. هذه نقطة جوهرية؛ لأنها تنقل الحماية من إجراء ثقيل ينتظر نافذة صيانة إلى استجابة أسرع، تُستخدم كجسر بين الإعلان عن الثغرة وتطبيق التصحيح الكامل.

ويرى أن هذه القدرة «تحولية» بالنسبة إلى المؤسسات التي لا تستطيع تحمل التوقف، لكنها لا تستطيع أيضاً تجاهل الثغرات. ففي عالم تتعرض فيه الثغرات للاستغلال بسرعة أكبر، يصبح المطلوب تقليص الزمن بين معرفة الخطر واحتوائه، حتى لو لم يكن التصحيح النهائي قد طُبق بعد.

في البداية، قد يفضّل العملاء نشر هذه الدروع يدوياً لاختبارها وبناء الثقة بها. لكن التصميم الذي تتجه إليه «سيسكو»، كما يوضح، هو أنه عندما تعلن الشركة عن ثغرة يمكن أن تقدم التصحيح، وفي الحالات المناسبة تقدم الدرع المؤقت، بحيث يصبح نشره فورياً عندما يثق العملاء بهذه الآلية.

وكلاء الذكاء الاصطناعي يفتحون تحدياً أمنياً جديداً لأن المؤسسات تحتاج إلى حمايتهم والتحكم فيما يمكنهم فعله داخل الأنظمة (شاترستوك)

من الهجمات على البنية إلى الحماية المستمرة

يشير غيليس إلى أن تفكير «سيسكو» في هذه الضوابط لم يأتِ من فراغ، بل من متابعة هجمات ركزت على البنية التحتية نفسها، ومنها حملات مثل «Volt Typhoon» و«Salt Typhoon». هذه الهجمات، حسب شرحه، استهدفت بيئات مثل مزودي الاتصالات، حيث لا يكون تحديث البنية أمراً سهلاً أو سريعاً.

في مثل هذه الحالات، لا تكون المشكلة فقط في معرفة الثغرة أو امتلاك التصحيح، بل في القدرة على نشره من دون تعطيل خدمات حساسة. لذلك يصبح «التحكم التعويضي» ضرورياً. فهو لا يحل المشكلة من جذورها، لكنه يمنح المؤسسة وقتاً آمناً نسبياً للتحرك. ومع انضغاط الزمن بين اكتشاف الثغرة واستغلالها، يصبح هذا الجسر جزءاً أساسياً من نموذج الدفاع الجديد.

البنية تحتاج إلى مرونة السحابة

اللافت، في طرح غيليس أنه لا يقدم الأمن كطبقة منفصلة تضاف إلى البنية، بل كطريقة جديدة لتشغيلها. فالشبكة أو مركز البيانات لا يمكن أن يبقى نظاماً ثابتاً تخشى المؤسسة لمسه، بينما تتغير التهديدات بسرعة الآلة.

يشير غيليس إلى استخدام «التوأم الرقمي» كنموذج برمجي يراقب سلوك البنية التحتية ويمثلها باستخدام الذكاء الاصطناعي. وعندما تريد المؤسسة تطبيق تغيير في الإعدادات أو تحديث في المكونات التشغيلية، يمكن اختبار هذا التغيير داخل النموذج قبل نقله إلى الواقع.

فكلما زادت ثقة فرق التقنية بأن التغيير سيعمل من دون تعطيل، أصبح التحرك أسرع. ويرى غيليس أن الجمع بين التغييرات الصغيرة، والاختبار المسبق، والتوأم الرقمي، يمكن أن يجعل البنية التحتية «أسهل في الإدارة، وأكثر مرونة، وأكثر ديناميكية»، بما يناسب ما يسميه عالم ما بعد الذكاء الاصطناعي.

الذكاء الاصطناعي يقلّص الوقت بين اكتشاف الثغرات وتحويلها هجماتٍ من أشهر إلى دقائق (شاترستوك)

الوكلاء الأذكياء... مشكلة أمنية باتجاهين

لا يتوقف حديث غيليس عند الثغرات التقليدية، فظهور وكلاء الذكاء الاصطناعي يضيف طبقة جديدة من التعقيد. هذه الأنظمة لا تكتفي بالإجابة عن الأسئلة، بل يمكنها تنفيذ خطوات، والوصول إلى أدوات وبيانات، والتفاعل مع تطبيقات داخل المؤسسة.

يرى غيليس أن المشكلة تسير في اتجاهين، الأول يتعلق بحماية الوكلاء من العالم الخارجي، أي منع التلاعب بهم أو تسميمهم أو دفعهم إلى تنفيذ أوامر خبيثة. ويشرح أن الوكلاء «قطع برمجية معقدة وذكية»، لكنها لا تمتلك حكماً بشرياً. لذلك؛ يجب حمايتها في مراحل مختلفة: أثناء البناء، وقبل الإطلاق عبر الاختبارات والهجمات التجريبية، وأثناء التشغيل من خلال مراقبة المدخلات والوصول إلى الأدوات والموارد.

ويشبّه غيليس الوكلاء الأذكياء بـ«المراهقين» الذين لديهم نوايا جيدة، لكنهم قد يرتكبون «أخطاء غبية» إذا لم تُوضع حولهم الضوابط المناسبة. هذا التشبيه يوضح طبيعة الخطر، حيث إن الوكيل قد لا يكون خبيثاً، لكنه قد يتصرف بطريقة غير متوقعة أو يسيء فهم الهدف أو يتجاوز حدود المهمة.

أما الاتجاه الآخر والأصعب، فيتعلق بحماية المؤسسة من الوكلاء أنفسهم. فالمؤسسة قد ترغب في أن يصل وكيل ذكي إلى أنظمة داخلية لإنجاز مهمة محددة، لكنها لا تريد منحه صلاحيات مفتوحة. يضرب غيليس مثالاً بوكيل يعالج تقارير المصروفات ويحتاج إلى الوصول إلى نظام السفر، والتقويم، وربما صور الفواتير أو بيانات بطاقة الائتمان لمطابقة النفقات. هذه مهمة مفيدة ومحددة، لكن المؤسسة لا تريد أن يتحول هذا الوصول قدرةً على شراء أشياء لا علاقة لها بالمهمة.

ولتوضيح الفكرة، يستخدم غيليس مثالاً بسيطاً كوكيل طُلب منه ألا يشتري سيارة «بورشه»، قد يختار «فيراري»، وإذا منعته من ذلك قد يبحث عن خيار آخر. المشكلة، كما يوضح، ليست في اسم الشيء المحظور، بل في نية التصرف. لذلك؛ لا تكفي القواعد الثابتة وحدها. تحتاج المؤسسة إلى أنظمة تفهم السياق والنية، وتستطيع التمييز بين وكيل ينهي تقرير مصروفات وآخر يخرج عن غرضه الأصلي.

لماذا يصبح الإنسان أسهل من الوكيل؟

وفي رد على سؤال لـ«الشرق الأوسط» عما يُعدّ أسهل في التحكم به، يعد غيليس أن التحكم في البشر «أسهل بكثير» من التحكم في وكلاء الذكاء الاصطناعي. فالإنسان يملك حكماً وسياقاً وإدراكاً للعواقب. قد يستطيع موظف ما إساءة استخدام بطاقة أو نظام، لكنه يعرف أن هناك مساءلة وأن شخصاً سيدفع الثمن. أما الوكيل، كما يقول غيليس، «لا يهتم» بهذه العواقب بالطريقة نفسها.

فالتحدي داخل المؤسسات لم يعد منح صلاحية لمستخدم بشري فقط، بل إدارة كيانات برمجية قادرة على الحركة داخل الأنظمة، واتخاذ خطوات متعددة بسرعة عالية. لذلك؛ تحتاج المؤسسات إلى نموذج جديد للهوية والحوكمة والمراقبة، يتعامل مع الوكلاء كفاعلين داخل البيئة الرقمية، لا كأدوات بسيطة.

ويشير غيليس إلى أن مراقبة الوكلاء ستحتاج بدورها إلى ذكاء اصطناعي من حيث التفاعل بين الوكيل والتطبيق، أو بين الوكيل ونموذج لغوي آخر والذي قد يكون معقداً وسريعاً. لذلك؛ تحتاج المؤسسات إلى أنظمة قادرة على تحليل السلوك، ورصد الخروج عن النمط، وتقييم النية، لا مجرد البحث عن كلمات أو أوامر محددة.

نموذج التحديث السنوي لم يعد كافياً لحماية الشبكات ومراكز البيانات في بيئة تهديدات سريعة (شاتوستوك)

الجاهزية الكمية قبل وضوح الخطر بالكامل

يتناول غيليس مسألة الحوسبة الكمية وما يعرف بمخاطر «احصد الآن وافك التشفير لاحقاً». الفكرة هنا أن جهات قد تجمع اليوم بيانات مشفرة لا تستطيع فكها حالياً، لكنها تراهن على أن تطور الحوسبة الكمية مستقبلاً قد يجعل فك بعض أنظمة التشفير ممكناً.

لا يقدم غيليس موعداً قاطعاً لحدوث هذا التحول، بل يقول إن الجميع يدرك القلق، لكن «لا أحد يعرف الإطار الزمني» بدقة. قد يكون الخطر قريباً، أو قد يحتاج إلى جيل أو جيلين تقنيين إضافيين. لكن موقف «سيسكو»، كما يشرحه، هو أن المؤسسات لا ينبغي أن تنتظر اليقين الكامل قبل التحرك.

ويضيف أن الشركة تعمل على إدخال خوارزميات آمنة في مواجهة التهديدات الكمية داخل البنية التحتية، بحيث تصبح هذه الحماية جزءاً مدمجاً وخفيفاً من الأنظمة. ويشير إلى أن «سيسكو» تستهدف أن تكون هذه الخوارزميات مدمجة في بنية مراكز البيانات بنهاية العام، مع توسع تدريجي لاحقاً.

أهمية هذا الملف أنه يرتبط بالبيانات طويلة الأمد، خاصة فيما يخص المعلومات الحكومية أو المالية أو الصحية أو الصناعية التي قد تبقى حساسة لسنوات طويلة. وإذا جُمعت اليوم وهي مشفرة بطرق قد تصبح قابلة للكسر مستقبلاً، فإن الخطر لا يتعلق باليوم فقط، بل بعمر البيانات نفسها.

الأمن بوصفه طريقة تشغيل لا طبقة إضافية

ما يقدّمه غيليس في حديثه لـ«الشرق الأوسط» هو تصور أوسع لأمن البنية التحتية في مرحلة ما بعد الذكاء الاصطناعي. لم تعد القضية مجرد شراء أدوات أمنية إضافية، بل تغيير طريقة تشغيل الأنظمة نفسها. فالهجمات أسرع، والثغرات أكثر، والوكلاء الأذكياء يدخلون بيئات العمل، والحوسبة الكمية تفرض استعداداً مبكراً.

في هذا السياق، يصبح الأمن عملية مستمرة، لا مشروعاً دورياً. والتحديثات يجب أن تكون أصغر وأكثر تكراراً. أما الحماية المؤقتة فيجب أن تسد فجوة الخطر من دون تعطيل. والتوأم الرقمي يجب أن يقلل الخوف من التغيير، والوكلاء يجب أن يخضعوا لحوكمة تفهم النية والسلوك، لا الأوامر المباشرة فقط.

لا يغير الذكاء الاصطناعي شكل الهجوم فقط، بل يغيّر إيقاع الدفاع. والمؤسسات التي تواصل إدارة بنيتها بمنطق الثبات الطويل قد تجد نفسها أمام تهديدات تتحرك أسرع من قدرتها على الاستجابة. أما المؤسسات التي تتجه إلى نموذج أكثر ديناميكية، قائم على التغيير المستمر والاختبار المسبق والحماية المؤقتة والحوكمة الذكية، فقد تكون أقرب إلى متطلبات المرحلة المقبلة.

بهذا المعنى، لا يبدو مستقبل أمن البنية التحتية مرتبطاً بتحديث أكبر أو أداة واحدة أكثر تقدماً، بل بنموذج تشغيل جديد يعامل الشبكات ومراكز البيانات والأنظمة الموزعة كبيئات حية تتغير باستمرار، وتحتاج إلى دفاع قادر على الحركة بالسرعة نفسها.


مقالات ذات صلة

تكنولوجيا يعتمد الابتكار على مكوّنات صغيرة تغيّر حساسيتها للضوء، بدلاً من الاعتماد على الكاميرات والخوارزميات فق (شاترستوك)

عيون ذكية تمنح السيارات ذاتية القيادة رؤية أقرب إلى الإنسان

يطور باحثون مستشعرات ضوئية تحاكي العين البشرية لمساعدة السيارات والروبوتات على الرؤية بدقة في ظروف الإضاءة الصعبة بشكل أسرع وأكثر

نسيم رمضان (لندن)
تكنولوجيا تضم كرة كأس العالم 2026 شريحة استشعار ذكية ترسل بيانات لحظية إلى نظام حكم الفيديو (أديداس)

من مونديال 2006 إلى 2026... كيف أصبحت الشريحة الذكية جزءاً من كرة كأس العالم؟

تضم كرة كأس العالم 2026 شريحة ذكية ترسل بيانات لحظية لحكم الفيديو لدعم قرارات التسلل واللمسات بدقة أكبر.

نسيم رمضان (لندن)
تحليل إخباري شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من صفقة البحث التقليدية إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات (رويترز)

تحليل إخباري من «سفاري» إلى «سيري»...هل يعمّق الذكاء الاصطناعي علاقة «أبل» و«غوغل»؟

شراكة الذكاء الاصطناعي تنقل علاقة «أبل» و«غوغل» من محرك البحث إلى طبقة أعمق داخل الأجهزة والخدمات الذكية.

نسيم رمضان (لندن)
يوميات الشرق أصحاب الأحلام ومَن يواكبون ولادتها (مسابقة فنّ الخطابة)

زافين قيومجيان: قتلُ الفرادة أخطر ما تفعله الخوارزميات

حتى المناسبات الشخصية التي يفترض أن تحمل بصمةَ أصحابها، أصبحت وفق ملاحظة زافين تتشابه في الصياغة واللغة والمقاربة.

فاطمة عبد الله (بيروت)

هل يهدد الذكاء الاصطناعي الوظائف؟ بيزوس يقدِّم رؤية مغايرة

مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس (رويترز)
مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس (رويترز)
TT

هل يهدد الذكاء الاصطناعي الوظائف؟ بيزوس يقدِّم رؤية مغايرة

مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس (رويترز)
مؤسس شركة «أمازون» جيف بيزوس (رويترز)

وسط الجدل المتزايد حول تأثير الذكاء الاصطناعي على مستقبل الوظائف، تتباين الآراء بين من يرى فيه تهديداً مباشراً لسوق العمل، ومن يعتبره فرصة لإعادة تشكيل الاقتصاد ورفع كفاءته.

وفي هذا السياق، يبرز رأي رجل الأعمال الأميركي جيف بيزوس، مؤسس شركة «أمازون»، الذي يقدّم رؤية مختلفة تقلّل من حدة المخاوف الشائعة بشأن إحلال الآلات محل البشر.

فقد رفض بيزوس المخاوف من أن يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى القضاء على الوظائف البشرية، وفقاً لما نقلته صحيفة «إندبندنت». وخلال حديثه عن مشروعه الجديد في مجال الذكاء الاصطناعي، المعروف باسم «بروميثيوس»، أشار إلى أن هذه التقنية قد تؤدي -على عكس المتوقع- إلى «نقص في الأيدي العاملة في الاقتصاد».

وأوضح بيزوس -الذي يشارك في قيادة هذا المشروع، في تصريح لصحيفة «وول ستريت جورنال»- أن الشركة تخطط لتطوير «مهندس عام اصطناعي» يمتلك القدرة على تصميم وتصنيع منتجات مادية معقدة، مثل محركات الطائرات النفاثة.

وبيّن أن الهدف الأساسي من هذا التوجه يتمثل في «تمكين المهندسين، وتيسير عملية الابتكار وتسريعها، بحيث تتمكن فرق أصغر من إنجاز أعمال أكبر بكثير خلال فترات زمنية أقصر».

كما رفض بيزوس النظرة المتشائمة تجاه الذكاء الاصطناعي، معتبراً أن هذا التشاؤم لا سيما بين فئة الشباب: «مخالف للواقع». وأقرّ في الوقت نفسه بأن هذه التقنية ستقلل الحاجة إلى بعض الوظائف الحالية، ولكنها في المقابل ستفتح آفاقاً أوسع لفرص جديدة، وتسهم في رفع مستويات الإنتاجية.

وأشار إلى أن عدد فرص العمل قد يزداد إذا أصبح الابتكار بفضل الذكاء الاصطناعي أكثر سهولة وأقل تكلفة وأسرع تنفيذاً. وأضاف موضحاً: «رغم أن الحاجة إلى العمالة قد تنخفض بمقدار عشرة أضعاف، فإن هذه التقنية ستخلق فرصاً تزيد على ذلك بعشرة أضعاف».

وفي سياق متصل، توقَّع بيزوس تحولات اجتماعية واقتصادية، من بينها ظهور نمط جديد للأسر ذات الدخلين؛ حيث قد يختار أحد الأفراد الخروج من سوق العمل نتيجة الارتفاع الكبير في الإنتاجية.

ورغم هذه الرؤية المتفائلة، لا تزال المخاوف قائمة لدى شريحة واسعة من الناس. فقد أظهر استطلاع حديث أجرته «رويترز/ إيبسوس» أن أكثر من نصف المشاركين أعربوا عن قلقهم من فقدان وظائفهم أو وظائف أحد أفراد أسرهم بسبب الذكاء الاصطناعي.

وحسب نتائج الاستطلاع، فإن 53 في المائة من المشاركين، البالغ عددهم 4 آلاف و531 شخصاً، عبَّروا عن هذا القلق، في حين لم يبدِ 37 في المائة منهم المخاوف نفسها، ما يعكس استمرار حالة الانقسام في الرأي العام تجاه هذه التقنية ومستقبلها.


«أديداس» تكشف عن تقنية لتبريد ملابس وأحذية اللاعبين في مونديال 2026

يهدف نظام «كلايماكول سيستم» لمساعدة اللاعبين على مواجهة الحرارة والرطوبة في مونديال 2026 (أديداس)
يهدف نظام «كلايماكول سيستم» لمساعدة اللاعبين على مواجهة الحرارة والرطوبة في مونديال 2026 (أديداس)
TT

«أديداس» تكشف عن تقنية لتبريد ملابس وأحذية اللاعبين في مونديال 2026

يهدف نظام «كلايماكول سيستم» لمساعدة اللاعبين على مواجهة الحرارة والرطوبة في مونديال 2026 (أديداس)
يهدف نظام «كلايماكول سيستم» لمساعدة اللاعبين على مواجهة الحرارة والرطوبة في مونديال 2026 (أديداس)

في كأس العالم 2026، التي تستضيفها الولايات المتحدة وكندا والمكسيك خلال الصيف، تتحول درجات الحرارة والرطوبة إلى تحدٍّ تقني ورياضي في آن واحد. وفي هذا السياق، كشفت «أديداس» عن نظام جديد باسم «كلايماكول سيستم» (CLIMACOOL SYSTEM) صُمم لمساعدة اللاعبين على التعامل مع الظروف الحارة والرطبة المتوقعة في عدد من المدن المضيفة.

الفكرة لا تتعلق بقميص رياضي جديد أو خامة أكثر تهوية فقط. ما تطرحه «أديداس» منظومة تبريد متكاملة تُستخدم قبل المباراة أو أثناء فترات التوقف، وتهدف إلى خفض حرارة الجسم الأساسية وتحسين قدرة اللاعب على تحمل الحرارة. بهذا المعنى، يدخل التبريد إلى عالم كرة القدم بوصفه جزءاً من إعداد الأداء، لا مجرد تفصيل جانبي في ملابس اللاعبين.

تأتي التقنية في بطولة واسعة تُقام صيفاً في 16 مدينة، ما يجعل الحرارة والرطوبة جزءاً من تحديات الأداء والسلامة (أديداس)

نظام بثلاث قطع

يتكوّن نظام «كلايماكول سيستم» من ثلاث قطع رئيسية، هي سترة تبريد، وجاكيت عازل، وغطاء تبريد للحذاء. بحسب «أديداس»، صُممت هذه القطع للعمل معاً؛ خصوصاً السترة والجاكيت، لتوفير تبريد للجزء العلوي من الجسم.

السترة تُرتدى فوق قميص اللاعب، وتحتوي على جل خاص يتم تجميده قبل الاستخدام. وعندما يرتديها اللاعب، يبدأ الجل في الذوبان تدريجياً، ناقلاً تأثير التبريد إلى مناطق مثل الجذع والبطن والظهر. هذه المناطق مهمة لأنها ترتبط بحرارة الجسم الأساسية، وليس فقط بالإحساس السطحي بالبرودة.

أما الجاكيت العازل، فيُستخدم مع السترة للحفاظ على تأثير التبريد لفترة أطول؛ فبدلاً من أن تضيع البرودة سريعاً في الهواء المحيط، يعمل الجاكيت كغلاف يساعد على حبس الهواء البارد حول الجزء العلوي من الجسم. وتقول «أديداس» إن الجمع بين القطعتين يمنح النظام فاعلية أكبر من استخدام السترة وحدها.

القطعة الثالثة هي غطاء تبريد للحذاء، وهو مخصص للقدمين. قد يبدو ذلك تفصيلاً صغيراً، لكنه مهم في رياضة تعتمد على الركض المستمر، والتوقف المفاجئ، والاحتكاك داخل الحذاء. فارتفاع حرارة القدمين قد يؤثر في الراحة والإحساس بالحذاء؛ خصوصاً في المباريات التي تُلعب تحت حرارة مرتفعة أو رطوبة عالية.

يعكس النظام تحول الطقس من عامل خارجي إلى خصم رياضي يحتاج إلى أدوات وتقنيات وخطط خاصة (أديداس)

لماذا مونديال 2026؟

تأتي هذه التقنية في توقيت حساس ستكون فيه كأس العالم 2026 الأكبر في تاريخ البطولة، مع 48 منتخباً و104 مباريات، موزعة على 16 مدينة في ثلاث دول. هذا الاتساع الجغرافي يعني اختلافاً كبيراً في الظروف المناخية بين مدينة وأخرى. بعض الملاعب قد تكون أكثر اعتدالاً، بينما قد تشهد مدن أخرى حرارة ورطوبة مرتفعة؛ خصوصاً في أجزاء من الولايات المتحدة والمكسيك.

وقد حذرت تقارير حديثة من أن البطولة قد تتحول إلى اختبار كبير لقدرة كرة القدم على التعامل مع الحرارة. وأشارت «رويترز» إلى أن الحرارة والرطوبة؛ خصوصاً عند قياسهما بمؤشر يأخذ في الاعتبار الشمس والرياح والرطوبة، قد تؤثران في أداء اللاعبين وسلامتهم في عدد من المدن المضيفة. ولا يتعلق الأمر بدرجة الحرارة وحدها، لأن الرطوبة العالية قد تجعل الجسم أقل قدرة على تبريد نفسه عبر التعرق.

لذلك، يصبح التبريد جزءاً من منظومة أوسع تشمل جدولة المباريات وفترات الترطيب والجاهزية الطبية وتجهيزات الملاعب وخطط الفرق في التدريب والاستشفاء. وقد أعلنت «فيفا» إجراءات مرتبطة بالترطيب والمشجعين، من بينها السماح للمشجعين في ملاعب الولايات المتحدة وكندا بإدخال زجاجة ماء بلاستيكية مغلقة واحدة، ضمن ضوابط محددة، إلى جانب إجراءات في المدن المضيفة، مثل نقاط الترطيب ومناطق الرذاذ وخيام التبريد.

من الأداء إلى السلامة

في الرياضة الاحترافية، لا تكون الحرارة مجرد مسألة راحة. ارتفاع حرارة الجسم قد يؤثر في سرعة القرار والقدرة على الركض وجودة التمرير والاستجابة البدنية وحتى احتمالات الإصابة أو الإرهاق. لذلك، تبحث الفرق دائماً عن طرق لإدارة الحرارة قبل وأثناء وبعد المباراة.

تقنية «أديداس» الجديدة تندرج ضمن هذا التفكير، حيث إنها لا تعد بمنع الإجهاد الحراري بالكامل، ولا تلغي الحاجة إلى إجراءات طبية وتنظيمية أوسع. لكنها تقدم وسيلة إضافية يمكن استخدامها ضمن بروتوكولات الفرق لمساعدة اللاعبين على خفض الحرارة قبل الدخول إلى الملعب أو خلال الاستراحة أو أثناء وجودهم على مقاعد البدلاء.

ففي بطولة قصيرة ومكثفة مثل كأس العالم، لا يقتصر التحدي على مباراة واحدة. قد يخوض اللاعبون مباريات متقاربة، ويتنقلون بين مدن مختلفة، ويتدربون في ظروف متغيرة. وأي وسيلة تساعد في إدارة الإجهاد الحراري قد تصبح جزءاً من التفاصيل الصغيرة التي تبحث عنها المنتخبات لتحسين الأداء وتقليل المخاطر.

يتكوّن النظام من سترة تبريد وجاكيت عازل وغطاء للحذاء، تعمل معاً لتبريد الجسم والقدمين (أديداس)

التكنولوجيا التي لا تظهر على الشاشة

غالباً ما ترتبط تكنولوجيا كرة القدم في ذهن الجمهور بحكم الفيديو، أو الكرات المزودة بشرائح، أو الكاميرات التي ترصد التسلل. لكن مونديال 2026 يوضح أن الابتكار قد يكون أقل ظهوراً وأكثر التصاقاً بجسد اللاعب نفسه؛ فسترة التبريد أو غطاء الحذاء لن يغيّرا شكل المباراة على الشاشة مباشرة، لكنهما قد يؤثران في كيفية استعداد اللاعب، ومتى يستعيد جزءاً من طاقته، وكيف يتحمل ظروفاً مناخية قاسية.

هذه ليست المرة الأولى التي تدخل فيها التكنولوجيا إلى تجهيزات اللاعبين، لكنها تأتي في سياق مختلف. فمع اتساع الحديث عن تغير المناخ والحرارة في الرياضة، لم يعد التعامل مع الطقس مجرد شأن لوجستي. أصبح جزءاً من هندسة الأداء والسلامة.

الحرارة كخصم جديد

القصة الأوسع أن كأس العالم 2026 قد تضع كرة القدم أمام تحدٍّ يتجاوز الملاعب والتذاكر والبث التلفزيوني. فالتوسع الجغرافي للبطولة، وتعدد المدن، واللعب في الصيف، كلها عوامل تجعل الحرارة جزءاً من حسابات البطولة. وفي مواجهة ذلك، لا تكفي الاستعدادات التقليدية وحدها.

يعكس نظام «CLIMACOOL SYSTEM» من «أديداس» هذا التحول ليس لأنه يقدم حلاً سحرياً، لكنه يشير إلى اتجاه واضح: كرة القدم بدأت تتعامل مع الحرارة كخصم يحتاج إلى أدوات وتقنيات وخطط، تماماً كما تتعامل مع اللياقة والتغذية والتحليل البدني.


عيون ذكية تمنح السيارات ذاتية القيادة رؤية أقرب إلى الإنسان

يعتمد الابتكار على مكوّنات صغيرة تغيّر حساسيتها للضوء، بدلاً من الاعتماد على الكاميرات والخوارزميات فق (شاترستوك)
يعتمد الابتكار على مكوّنات صغيرة تغيّر حساسيتها للضوء، بدلاً من الاعتماد على الكاميرات والخوارزميات فق (شاترستوك)
TT

عيون ذكية تمنح السيارات ذاتية القيادة رؤية أقرب إلى الإنسان

يعتمد الابتكار على مكوّنات صغيرة تغيّر حساسيتها للضوء، بدلاً من الاعتماد على الكاميرات والخوارزميات فق (شاترستوك)
يعتمد الابتكار على مكوّنات صغيرة تغيّر حساسيتها للضوء، بدلاً من الاعتماد على الكاميرات والخوارزميات فق (شاترستوك)

تواجه السيارات ذاتية القيادة والروبوتات المتقدمة تحدياً أساسياً في كيفية تعاملها مع بيئات تتغير فيها الإضاءة بسرعة أو تتداخل فيها مستويات الضوء والظلام. فالكاميرات والخوارزميات والذكاء الاصطناعي تستطيع تحليل المشهد في ظروف كثيرة، لكنها قد تتعثر عندما يجتمع الضوء القوي مع الخلفيات المعتمة، كما يحدث مثلاً عند قيادة سيارة ليلاً وسط مصابيح أمامية قوية وسماء داكنة.

بحث جديد، شارك في قيادته مهندس من جامعة ولاية بنسلفانيا، يقترح طريقة مختلفة لمعالجة هذه المشكلة. بدلاً من الاعتماد فقط على تحسين الكاميرات أو تدريب الخوارزميات، اتجه الباحثون إلى محاكاة آلية عمل العين البشرية نفسها، عبر تطوير مكوّن صغير قادر على تعديل حساسيته للضوء تبعاً للبيئة المحيطة.

يطوّر الباحثون مستشعرات ضوئية تحاكي قدرة العين البشرية على التكيف مع اختلافات الضوء والظلام (شاترستوك)

مشكلة الضوء المختلط

تعمل أنظمة الرؤية الاصطناعية عادة بشكل جيد عندما تكون ظروف الإضاءة مستقرة، سواء كانت قوية أو ضعيفة. لكن المشكلة تظهر عندما يكون المشهد مختلطاً، مثل جزء شديد السطوع، وآخر منخفض الإضاءة، وتفاصيل صغيرة يجب تمييزها وسط هذا التباين.

هذا النوع من البيئات ليس نادراً حيث تحتاج السيارة ذاتية القيادة إلى تمييز إشارة حمراء وسط انعكاسات قوية، أو رؤية مشاة عند حافة طريق مظلم مع وجود أضواء مركبات مقابلة. والروبوت في مصنع قد يتحرك بين مناطق بها ضوء وأخرى أكثر ظلمة. في هذه الحالات، لا يكفي أن تكون الكاميرا عالية الدقة؛ يجب أن يكون النظام قادراً على التكيّف مع الضوء كما تفعل العين البشرية.

مكوّن يحاكي العين

المكوّن الذي طوّره الباحثون ينتمي إلى فئة تعرف باسم «الفوتوممريستور»، وهي نسخة ضوئية من الممريستور. والممريستور جهاز كهربائي صغير يستطيع تخزين معلومات عن حالته السابقة، حتى بعد إزالة مصدر الطاقة. أما الفوتوممريستور، فيضيف إلى ذلك القدرة على استشعار الضوء وتحويله إلى تيار كهربائي.

في العين البشرية، تساعد الخلايا العصوية والمخروطية على التعامل مع مستويات الإضاءة المختلفة. في الظلام، تتيح الخلايا العصوية تمييز التفاصيل، بينما تتأثر أصباغها في الضوء الساطع قبل أن تتجدد تدريجياً. هذه العملية ألهمت الباحثين لتصميم مكوّن يتغير سلوكه تبعاً للإضاءة، بدلاً من أن يبقى مضبوطاً على حالة واحدة.

استخدم الفريق مادتين رئيسيتين في بناء الجهاز، الأولى عبارة عن مادة بلاستيكية هلامية موصلة تعرف باسم «بيدوت» ( PEDOT) وثاني أكسيد التيتانيوم. يلتقط ثاني أكسيد التيتانيوم الضوء من البيئة ويحوّله إلى تيار كهربائي، ثم يؤثر ذلك في قدرة المادة البلاستيكية على امتصاص الماء أو طرده من بنيتها. في الظلام، يمتص المكوّن الماء بسرعة. وفي الضوء، يطرده ويجف تدريجياً. هذه الحركة بين الامتصاص والطرد تسمح للجهاز بتنظيم حساسيته للضوء بشكل ديناميكي.

لا تزال التقنية في مرحلة البحث لكنها قد تمهّد لجيل جديد من أنظمة الرؤية الاصطناعية الأكثر تكيفاً وكفاءةً (شاترستوك)

تكيّف أسرع من العين البشرية

اختبر الباحثون المكوّنات الجديدة بتعريضها لمستويات مختلفة من الأشعة فوق البنفسجية. وأظهرت النتائج أنها تستطيع رصد شدة الضوء بكفاءة ودقة، مع الحفاظ على قراءات مستقرة حتى عندما تختلف الرطوبة الخارجية.

ورغم أن كل مكوّن صغير جداً، بحجم يقارب نصف ملم، يمكن توصيل عدة مكوّنات معاً لتكوين مصفوفة أكبر من دون الحاجة إلى زيادة حجم كل وحدة. لاختبار الفكرة، صنع الفريق مصفوفة من 4 في 4 مكونات وربطها بشبكة عصبية، في نظام رؤية بسيط يحاكي ما قد تستخدمه السيارات أو الروبوتات.

في التجربة، وضع الباحثون أضواء «ليد» ( LED) على شكل حرف «F» أمام خلفية ضوئية يمكن تغيير سطوعها. كان المطلوب من النظام تمييز الحرف رغم اختلاف الإضاءة بين الشكل والخلفية. وبعد سبع دورات تدريبية فقط، تمكن النظام من التعرف على الأنماط بدقة تجاوزت 95 في المائة في بيئة ضوئية مختلطة.

اللافت أن الباحثين يقولون إن العين البشرية قد تحتاج إلى 20 أو 30 دقيقة للتكيف الكامل مع اختلافات الإضاءة، بينما استطاعت هذه المكوّنات التكيّف خلال ثوانٍ، مع الاحتفاظ بقدرتها على التقاط تفاصيل من البيئة المحيطة.

يطوّر الباحثون مستشعرات ضوئية تحاكي قدرة العين البشرية على التكيف مع اختلافات الضوء والظلام (شاترستوك)

أهمية البحث للسيارات والروبوتات

لا يعني هذا البحث أن السيارات ذاتية القيادة ستحصل قريباً على «عين بشرية» كاملة. التقنية لا تزال في إطار بحثي، وتحتاج إلى تطوير واختبارات أوسع قبل دخول التطبيقات التجارية. لكن أهميتها تكمن في الاتجاه الذي تشير إليه: بدلاً من جعل أنظمة الرؤية أكثر اعتماداً على المعالجة البرمجية وحدها، يمكن تحسين المكوّنات نفسها لتصبح أكثر ذكاءً وتكيفاً عند مستوى الاستشعار.

في السيارات ذاتية القيادة، قد تساعد مثل هذه المكوّنات مستقبلاً في تحسين الرؤية في ظروف صعبة مثل الليل، والأنفاق، والانعكاسات، أو الانتقال المفاجئ بين الظل والضوء. وفي الروبوتات، قد تساعد على العمل بشكل أكثر موثوقية في المصانع أو البيئات المتغيرة، حيث لا تكون الإضاءة دائماً مثالية أو ثابتة.

نحو حواس اصطناعية أكثر تكاملاً

يخطط الفريق البحثي لتطوير هذه المكوّنات ضمن نظام استشعار أكبر قادر على الجمع بين الرؤية واللمس. الفكرة أن الروبوتات والآلات المستقبلية قد لا تعتمد على نوع واحد من البيانات، بل على مزيج من الحواس الاصطناعية التي تعمل معاً بكفاءة أكبر واستهلاك طاقة أقل. قد يكون الاستخدام المباشر في السيارات والروبوتات هو الأقرب، لكنّ الباحثين يشيرون أيضاً إلى احتمال أن تسهم هذه التكنولوجيا على المدى البعيد في أنظمة بصرية تساعد ضعاف البصر. ومع ذلك يبقى هذا الاحتمال بعيداً، ويحتاج إلى مراحل طويلة من التطوير. ما يطرحه البحث هو أن الرؤية الاصطناعية قد لا تصبح أفضل فقط عبر ذكاء اصطناعي أقوى، بل عبر أجهزة استشعار تتعلم من واحدة من أقدم وأدق التقنيات في الطبيعة: العين البشرية.