لم تعد المقولة بأن تهديد «الذكاء الاصطناعي مقبل ليحل محل وظائفنا» مجرد تهديد غامض بشأن المستقبل، كما كتب فيصل حق (*). إليكم مثال تيموثي ماكيون، الذي أمضى سنوات في الترجمة من وإلى اللغة الآيرلندية لصالح الاتحاد الأوروبي، والذي يدرك هذا الأمر أكثر من غيره. فمع تطور الترجمة الآلية، أثرت القدرة على إنتاج نص «جيد بما فيه الكفاية» بشكل كبير على مصدر رزقه، فخسر ما يقارب 70 في المائة من دخله مع توقف عمله مع الاتحاد الأوروبي. وقد صرّح حديثاً لشبكة «سي إن إن»: «كلما تعلم الذكاء الاصطناعي أكثر، تصبح أقل أهمية».
انخفاض قيمة العمل المعرفي
وماكيون ليس حالة شاذة، فقد شهد 43 في المائة من المترجمين انخفاضاً في دخلهم نتيجة لازدياد وجود بدائل الذكاء الاصطناعي في السوق.
وما يحدث للمترجمين هو مؤشر مبكر على تطور جارٍ الآن في جميع أنحاء اقتصاد المعرفة، إذ ولعقود طويلة، استند جزء كبير من قيمة العمل المكتبي على مبدأ بسيط: معرفة المرء بأمور أو القدرة على إيجادها أو تجميعها، وهي أمور يعجز عنها معظم الناس. وكان الآخرون على استعداد للدفع مقابل الاستفادة من تلك المعرفة. لكن الذكاء الاصطناعي يُقوّض قيمة شريحة واسعة من هذه السوق. ففي عدد كبير من المجالات، بات بإمكان برامج الدردشة الآلية إنجاز عمل في ثوانٍ معدودة، يُقارب، بل ويتفوق في بعض الحالات، على عمل المحترف العادي. ولهذا فإنه يخفض قيمة الجزء الأكبر من اقتصاد المعرفة، أي القاعدة العريضة للعمل المعرفي الكفء، وإن كان عادياً، بانخفاض حادّ نحو الصفر.
الخبرتان المتوسطة والمعمقة مهددتان
قد يميل المرء إلى الاعتقاد بأن التهديد يتوقف عند مستوى المتوسط - وأن الخبرة المتعمقة والمتخصصة في مأمن، على عكس الكفاءة العادية. لكن هذا ليس صحيحاً تماماً. فالسؤال المهم لم يعد ما إذا كان الذكاء الاصطناعي سيُعيد تشكيل العمل المعرفي، بل هو: أي أنواع المعرفة تحتفظ بقيمتها في ظل قدرة الآلة على إنجاز كل هذا؟
أوضاع «أيام زمان»... راحت
خلال معظم العصر الحديث، كانت قيمة الموظف في سوق العمل تنبع من رصيده المعرفي: مثلا: معرفة موظف الضرائب لقانون الضرائب الذي كان يحفظه عن ظهر قلب، أو السوابق القضائية التي كان يتقن محام معرفة تفاصيلها، والعامل في الأسواق الحاصل على بيانات السوق التي كانت متاحة له بسهولة، واللغة للمترجم التي أمضى عقداً من الزمن في تعلمها بطلاقة.
كان العمل، في معظمه، يتمحور حول معرفة أمور يجهلها الآخرون، والحصول على أجر مقابل استخلاصها وتطبيقها. وقد تعلم الذكاء الاصطناعي محاكاة هذا العمل بطريقة مقنعة بشكل كبير. فقد قرأ نموذج لغوي ضخم متطور كميات هائلة من قوانين الضرائب، والسوابق القضائية، وتقارير السوق، أكثر مما يستطيع أي فرد قراءته، وهو قادر على إعادة معظمها عند الطلب، بطلاقة وفورية.
انحسار هلوسة النماذج الذكية يهدد الأعمال
إن الفكرة التي كانت سائدة في السابق، والتي مفادها أن ميل نماذج الذكاء الاصطناعي إلى الهلوسة سينقذ العاملين في مجال المعرفة، تتلاشى تدريجياً. فبعد أن كانت الهلوسة شائعة، أصبحت نادرة بشكل كبير، ويمكن الحد منها في كثير من السياقات من خلال التوجيه الفعال. صحيح أن الوصول الموثوق إلى نماذج اللغة الضخمة ليس مجانياً أو سلساً تماماً، لكن تكلفته، مقارنةً بالعمل البشري، أصبحت ضئيلة للغاية.
التوجه نحو المعرفة المتخصصة
في ظل هذه التطورات، يميل كثير من العاملين في مجال المعرفة إلى التوجه نحو التخصصات المتقدمة: التخلي للآلات عن الأعمال البسيطة، والتركيز على التخصص العميق. فالخبرة المتخصصة، كما يُقال، هي الخيار الأمثل. وهناك أدلة حقيقية تدعم هذا الرأي. فقد وجد المترجمون، على سبيل المثال، أن العمل المتبقي لهم يتجه نحو التخصصات المتقدمة: فالأعمال ذات الكميات الكبيرة أصبحت من نصيب الآلات، لكنّ المترجمين الأدبيين والمترجمين الفوريين القانونيين والدبلوماسيين ذوي المهام الحساسة - الذين تترتب على أخطائهم عواقب وخيمة - ما زالوا يتلقون طلبات عمل كثيرة.
يبدو المتخصصون في مأمن... في الوقت الراهن. لكن الوضع الذي يقفون عليه ليس بالصلابة التي يبدو عليها، والخط الفاصل بين العمل الذي يمكن للذكاء الاصطناعي القيام به والعمل الذي لا يمكنه القيام به ليس كما يتصوره معظم الناس.

نوعان من المعرفة
تكمن المشكلة في أن هذا النوع من العمق ليس إلا ملاذاً مؤقتاً. فبالنسبة للآلة، لا تُعدّ المعرفة النادرة أمراً مميزاً، ولا يوجد ما يمنعها من الوصول إليها ما دام أنها مُتاحة في شكل مُسجّل. أما بالنسبة لحامل شهادة الماجستير في القانون، فإنّ الزاوية الغامضة من قانون الضرائب تُعدّ مجرد زاوية أخرى. ولضمان أن تحمل معرفتك قيمةً أكثر ديمومة، لا يمكنك الاعتماد على العمق أو الندرة. أنت بحاجة إلى أنواع مختلفة تماماً من المعرفة. ويبرز نوعان منها.
الحكم أثناء السياق
* الأول -الحكم السياقي. لم تكن قيمة المستشار المُحنّك يوماً مُقتصرة على تفاصيل قطاع العمل في ذهنه فحسب، بل كانت تكمن في معرفة أيّ التفاصيل مهمة لهذا العميل أو لذاك المجلس، وأيّ معلومة أساسية تُوجّه كيفية قراءة الميزانية العمومية الإشكالية، وكيفية فهم المخاوف غير المُعلنة التي ذكرها الرئيس التنفيذي عرضاً. فالخبرة العميقة، مهما كانت نادرة، تنطوي على التفكير المنطقي في المواد الموجودة في السجلات (فالزاوية الغامضة من قانون الضرائب مُدوّنة في مكان ما)، وهذا ما تُجيده هذه النماذج الآن.
أما الحكم السياقي فهو مختلف؛ إذ إن الدليل الحاسم يطرح نفسه «بشرياً» مثل: ما الذي يعنيه هذا الصمت من العميل؟ ولماذا يتردد هذا المجلس؟ وهذه أشياء ليست مدونة لأو مسجلة. وتحديداً لأنّ هذا الموقف أو ذاك لم يسبق له أن ظهر بهذا الشكل من قبل.
يعتمد هذا النوع من الأحكام على شيء حقيقي ولكنه عابر، شيء يستنتجه الفرد من أجواء الغرفة في تلك اللحظة بالذات. لا يمكن الرجوع إلى هذا الدليل في الأدوات الذكية، والنماذج الحالية أقل موثوقية بكثير في هذا النوع من الاستدلال مقارنةً بالاستدلال القائم على المعرفة المُسجلة التي أتقنت بالفعل. قد لا يبقى هذا الأمر بعيد المنال إلى الأبد، ولكنه ليس التهديد الذي يواجهه العاملون في مجال المعرفة اليوم.
معرفة تنفيذ الإجراءات
* الثاني- المعرفة الإجرائية. يُفرّق بعض الفلاسفة تمييزاً مفيداً بين «معرفة ذلك» و«معرفة كيف». يمكنك معرفة كل فرضية في كل كتاب فيزياء، ومع ذلك فإنك لا تستطيع الحفاظ على توازنك على دراجة. يمكنك استيعاب كل ما كُتب عن نظرية الموسيقى، ومع ذلك لا تستطيع العزف على الكمان.
وينطبق الأمر نفسه على مجال الأعمال. إنّ امتلاك مخزون شامل من الحقائق والآراء حول القيادة لا يكفي لجعل شخص ما قائداً عظيماً. كما أن قراءة كل كتاب عن التفاوض لا تُكسبك القدرة على ضبط النفس، وتوقيت التنازلات، والحفاظ على ثباتك عندما يضغط الطرف الآخر.
هذا النوع من المعرفة ينبع من الممارسة: لا يُكتسب إلا بالتجربة والممارسة، وفي أعلى المستويات، يرتبط ارتباطاً وثيقاً بأمورٍ مثل الثقة، والسلطة، والقدرة على فهم الآخرين والتواصل معهم، وهي أمورٌ لا وجود لها إلا بين البشر. هذه ليست مجموعة من الحقائق يُمكن لأحد أن يُقدمها لك، وليست مهمة يُمكنك تفويضها دون أن تُصبح أنت العائق الذي كنت تسعى إلى إزالته.
لا يُمكن تحميل أيٍّ من هذين النوعين من المعرفة. لكن يُمكن بناء كليهما بوعيٍ وتخطيط. وهنا يكمن الجهد الجاد في تطوير المسار المهني.
بناء معرفةٍ تُعزز فرص النجاح
إليك ثلاث خطوات تُساعدك على مواكبة هذا التغيير التاريخي في مفهوم عامل المعرفة.
* امتلك النتائج لا المخرجات. يُنتج نموذج الذكاء الاصطناعي مخرجات عبارة عن: مسودة، وتحليل، وإجابة. لذا، توقف عن بناء مسارك المهني على أساس التنافس في هذا المجال. راجع ودقق في العمل الذي يدفع المال لك مقابله فعلياً - وهو العرض الأساسي لقيمة ما تقدمه - وتخلص من كل جانب يمكن لنموذج ذكي جيد فعله في دقائق.
النتائج وليست المُخرجات هي ميزتك التنافسية الحقيقية*
ما يتبقى هو النتائج التي لا يمكن تحقيقها إلا بوجودك : حل المشكلة المعقدة بدءاً من التشخيص الأولي وصولاً إلى نتيجة يمكنك الوثوق بها، أو فهم احتياجات العميل الحقيقية التي تتجاوز مجرد أقواله. أعد تنظيم دورك أو عرضك بناءً على هذه النتائج.
حكم واقعي وممارسة من دون روتين
* ابنِ حكمك في الواقع لا على الورق
لا يمكن اكتساب الحكم المناسب للموقف إلا من خلال وجودك أثناء اتخاذ القرارات المصيرية ومتابعة نتائجها. ويصعب استبدال ذلك الجانب آلياً، لأن ما كان مهماً في تلك الجلسات لا يمكن تلخيصه بالكامل ونقله إلى سجل يمكن لخبير قانوني قراءته.
الأشخاص الذين يتقدمون أسرع لن يكونوا من يستطيعون تخزين أكبر قدر من المعلومات، بل من يجدون طرقاً لتحسين حكمهم القائم على السياق.
* فوّض المهام الروتينية واحفظ الممارسة
تكمن الخبرة الإجرائية في الممارسة، لذا فإن العمل الذي تُسنده بالكامل إلى الذكاء الاصطناعي هو عمل يتوقف عن تطوير مهاراتك فيه. أسند المهام الروتينية إلى النموذج، لكن استمر في القيام بالمهام التي تتطلب مهارات عالية بنفسك - مثل التفاوض، والنقاش الذي تُحلله بدقة - حتى لو كان بإمكان النموذج إنتاج نسخة مقبولة بشكل أسرع.
الخلاصة
خلاصة القول: ينطبق حكم تيموثي ماكيون بشأن الذكاء الاصطناعي – «كلما ازداد تعلمه، تقادمت أنت» - على أنواع معينة من المعرفة، وهي الأنواع التي بنى عليها معظم المحترفين مسيرتهم المهنية لعقود. لكن توجد أنواع أخرى من المعرفة أقل عُرضة للتأثر. بل قد يكون بعضها محصناً ضد الذكاء الاصطناعي، على الأقل في أشكاله المتاحة اليوم.
و هذا النوع من المعرفة لا يمكن تحميله. إنها معرفة تجسدها لا تمتلكها - مكتسبة بالممارسة، متأصلة في الشخص، وملكية خاصة بك بطريقة لم تكن عليها أبداً مجموعة من الحقائق.
* مجلة «فاست كومباني»






