تركيا: صراع قيادة «الشعب الجمهوري» ينتقل إلى البرلمان

تساؤلات عن احتمال انعقاد مجموعتين برلمانيتين للحزب

رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المنتخب الموقوف «مؤقتاً» بقرار قضائي متحدثاً خلال اجتماع المجموعة البرلمانية للحزب في 2 يونيو (من حسابه على إكس)
رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المنتخب الموقوف «مؤقتاً» بقرار قضائي متحدثاً خلال اجتماع المجموعة البرلمانية للحزب في 2 يونيو (من حسابه على إكس)
TT

تركيا: صراع قيادة «الشعب الجمهوري» ينتقل إلى البرلمان

رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المنتخب الموقوف «مؤقتاً» بقرار قضائي متحدثاً خلال اجتماع المجموعة البرلمانية للحزب في 2 يونيو (من حسابه على إكس)
رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المنتخب الموقوف «مؤقتاً» بقرار قضائي متحدثاً خلال اجتماع المجموعة البرلمانية للحزب في 2 يونيو (من حسابه على إكس)

تصاعدت حدة التوتر بين جناحي حزب «الشعب الجمهوري»، أكبر أحزاب المعارضة التركية، عشية الاجتماع الأسبوعي للمجموعة البرلمانية التي يترأسها رئيسه المنتخب، الموقوف «مؤقتاً» بقرار قضائي، أوزغور أوزيل.

وبينما يصر كمال كليتشدار أوغلو، الذي أعادته محكمة استئناف في أنقرة لقيادة الحزب بقرار مؤقت، على أن يترأس اجتماع المجموعة البرلمانية، الثلاثاء، وأرسل طلباً للبرلمان بذلك، أكد أوزيل أنه لن يسمح لشخص غير منتخب، وتم تعيينه بقرار قضائي لقيادة الحزب بأن يعتلي كرسي رئاسة المجموعة البرلمانية.

وأثار الأمر تساؤلات عما إذا كان من الممكن أن يشهد البرلمان التركي للمرة الأولى عقد مجموعتين برلمانيتين لحزب واحد.

أوزيل لن يتنازل

وقال أوزيل في تصريحات، الاثنين، تخللت اجتماع اللجنة المركزية للحزب برئاسته: «يجب اتخاذ قرار، فوراً، بتحديد موعد عقد المؤتمر العام للحزب لانتخاب رئيسه الجديد، خلال هذه المرحلة الانتقالية، وبصفتي رئيس المجموعة الذي أُنيطت به السلطة، لا يمكنني تسليم هذه المنصة لشخص معيَّن بدلاً من شخص منتخَب».

أوزيل متحدثاً إلى الصحافيين بمقر البرلمان التركي الاثنين (من حسابه في إكس)

وأضاف: «سيُعقد اجتماع للكتلة، الثلاثاء، وسألقي كلمة فيه، وأدعو أعضاء حزبنا لحضوره»، مشيراً إلى أن كليتشدار أوغلو حاول أن يعقد «اجتماع قرصنة» بعدما سبق أن أعلنت أنه لن يتم عقد اجتماع المجموعة، هذا الأسبوع، وتأجيله إلى 16 يونيو (حزيران)، بسبب حضوري والعديد من نواب الحزب إحياء ذكرى وفاة رئيس بلدية مانيسا (غرب تركيا ومسقط رأس أوزيل) فيردي زيرك، الثلاثاء».

وتابع أوزيل أن السيد كليتشدار أوغلو يعلم جيداً أن شرط عقد اجتماع المجموعة البرلمانية هو حضور 46 نائباً من نواب الحزب البالغ عددهم 138 نائباً، أي أغلبية الثلث، وهو ما لا يتوفر له؛ ولذلك حاول عقد الاجتماع بمقر الحزب خارج البرلمان، لكن تم رفض الطلب.

وعبَّر أوزيل عن أمله في أن ينتهي الأمر بما يليق بالبرلمان وأحزابه، قائلاً: «لأننا في 21 مايو (أيار)، ومع قرار المحكمة المؤقت بالبطلان المطلق للمؤتمر العام الـ38 لحزب (الشعب الجمهوري) في 2023 و3 مؤتمرات عامة عُقدت بعده، والذي دوّى صداه في جميع أنحاء العالم وترك وصمة عار كبيرة في تاريخ تركيا السياسي والقانوني، نواجه عقلية القصر (الرئاسي)، وخطة القصر، التي تسعى إلى إزاحة رئيس وإدارة الحزب، الذين حصلوا على تفويضهم الرسمي من الهيئة العليا للانتخابات في المؤتمرات الأربعة الأخيرة للحزب، ومحاولة إدارته بنتائج مؤتمر عام 2020، الذي عُقد من دون جمهور خلال فترة جائحة (كورونا)».

مطالبة بالمؤتمر العام

وأضاف أوزيل أنه في هذه المرحلة الانتقالية كان المتوقع بالطبع أن يتوجه الحزب فوراً إلى المؤتمر موحداً ومتضامناً، لكن من جهة أخرى، تم التعبير عن استحالة عقد المؤتمر من جانب محامٍ عيَّنه كليتشدار أوغلو حديثاً في الحزب. لا يوجد أحد آخر في تركيا يفكر بهذه الطريقة. جميع أساتذة القانونين العام والدستوري، يقولون، ويكتبون مؤكدين وجوب عقد المؤتمر على الفور، وألا يشكل قرار المحكمة المؤقت أي عائق أمام ذلك.

أنصار حزب «الشعب الجمهوري» يدعمون أوزيل في طلبه عقد المؤتمر العام للحزب بأسرع وقت (من حسابه على إكس)

وأشار أوزيل إلى أنه رغم انتخابه مجدداً رئيساً للمجموعة البرلمانية في 23 مايو الماضي بأغلبية 110 نواب، فإن هناك نية لأن يعقد كليتشدار أوغلو اجتماعاً للمجموعة بالطريقة نفسها التي أخلى بها مقر الحزب في 24 مايو من خلال إحضار مجرمين وأفراد لا مكان لهم في صفوف حزبنا لاقتحام مقر الحزب، وإخراج قيادته بالقوة قبل أن تأتي الشرطة، وتنفذ هذه المهمة، وتخرجنا من بيت أجدادنا بالقوة.

اتهامات من فريق كليتشدار أوغلو

في المقابل، انتقد النائب فائق أوزتراك، المقرب من فريق كليتشدار أوغلو، خلال مؤتمر صحافي بمقر البرلمان، الاثنين، أوزيل لإنشائه «مقراً موازياً» لمقر الحزب داخل غرفة المجموعة البرلمانية.

كليتشدار أوغلو يحاول السيطرة على جميع أجهزة حزب «الشعب الجمهوري» بعد إعادته مؤقتاً لرئاسته بقرار قضائي (رويترز)

وحذر من أن الانقسامات الداخلية في الحزب تصب في مصلحة ما سماه «الحكم الفردي»، متهماً أوزيل بارتكاب أخطاء بعد الفوز الكبير الذي حققه الحزب في الانتخابات المحلية عام 2024، قائلاً إنه، ولسبب ما، بدلاً من المطالبة بإجراء انتخابات فورية، فضَّل قادة حزبنا آنذاك تطبيع العلاقات مع الرئيس رجب طيب إردوغان، زعيم الحزب المنافس (العدالة والتنمية الحاكم)، صاحب النظام الفردي، وهم من جعلوا الحزب عرضة للتدخل القضائي بسبب المخالفات التي شابت التصويت في المؤتمر العام في 2023.

وعبَّر عن اعتقاده أن اجتماع المجموعة البرلمانية يجب أن يكون نقطة تحول في ضمان وحدة حزب «الشعب الجمهوري» وتضامنه، وإعادته لمسيرته نحو السلطة من خلال التوحد.

تطهير في «الحركة القومية»

وفي الوقت الذي تتصاعد فيه أزمة حزب «الشعب الجمهوري»، تستمر أعمال الفصل في حزب «الحركة القومية»، شريك حزب «العدالة والتنمية» في «تحالف الشعب».

وفي أحدث تطور بهذا الشأن، أعلن نائب رئيس الحزب سميح يالتشين، عبر حسابه في «إكس»، حل فرعه في ولاية كونيا (وسط)، وتشكيلاته، وتعيين رئيس جديد له.

وجاءت هذه الخطوة في إطار عملية بدأت بفصل جميع أعضاء فرع الحزب في إسطنبول وتشكيلاته، في أبريل (نيسان) الماضي، عقب استقالة نائب رئيس الحزب، عزت أولفي يونتر، لتمتد الإقالات والفصل إلى فروع الحزب في 15 ولاية.


مقالات ذات صلة

أوزيل وكليتشدار أوغلو يصعّدان أزمة «الشعب الجمهوري»

شؤون إقليمية رئيس حزب «الشعب الجمهوري» المعزول يواصل عقد التجمعات الجماهيرية (حسابه على إكس)

أوزيل وكليتشدار أوغلو يصعّدان أزمة «الشعب الجمهوري»

يسعى كمال كليتشدار أوغلو إلى إحكام قبضته على حزب «الشعب الجمهوري»، بعد عودته إلى رئاسته «مؤقتاً»...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية عناصر من قوات مكافحة الإرهاب التركية في أثناء مداهمة أحد مواقع عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي (الداخلية التركية)

تركيا: القبض على 361 من عناصر وكوادر «داعش» المالية

ألقت قوات الأمن التركية القبض على 361 من عناصر تنظيم «داعش» الإرهابي في حملة موسعة شهدت مداهمات متزامنة في 39 ولاية

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
رياضة عالمية الإيطالي فينتشنزو إيتاليانو مدرباً لبشكتاش (رويترز)

إيتاليانو مدرباً لبشكتاش التركي

أعلن نادي بشكتاش، السبت، أن الإيطالي فينتشنزو إيتاليانو سيتولى تدريب الفريق، في محاولة لإعادته إلى منصات التتويج في الدوري التركي.

«الشرق الأوسط» (إسطنبول)
شؤون إقليمية سفينة تبحر في البحر الأسود (أ.ب)

قتيل و4 جرحى بهجوم على سفينة صيد تركية في البحر الأسود

تعرضت سفينة صيد تركية لهجوم، الجمعة، في البحر الأسود قرب سواحل شبه جزيرة القرم، ما أسفر عن مقتل شخص وإصابة أربعة آخرين، وفق ما أفاد خفر السواحل الأتراك.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية أكراد يرفعون صوراً لزعيم «حزب العمال الكردستاني» السجين عبد الله أوجلان في مارس الماضي (رويترز)

تركيا تتحرك لوضع «قانون إطاري» للسلام مع الأكراد

تشهد تركيا تحركات متسارعة للانتهاء من وضع «قانون إطاري» لعملية السلام، التي تمر عبر حل «حزب العمال الكردستاني» ونزع أسلحته.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

تبادل الضربات مع إسرائيل يثير مخاوف إيرانيين من استئناف الحرب

إيرانية تمر أمام جدارية معادية للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر أمام جدارية معادية للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (إ.ب.أ)
TT

تبادل الضربات مع إسرائيل يثير مخاوف إيرانيين من استئناف الحرب

إيرانية تمر أمام جدارية معادية للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (إ.ب.أ)
إيرانية تمر أمام جدارية معادية للولايات المتحدة وإسرائيل في طهران (إ.ب.أ)

سادت حالة من القلق بين سكان طهران ومدن إيرانية أخرى الاثنين إثر استيقاظهم على تبادل ضربات بين بلادهم وإسرائيل، هو الأول منذ وقف إطلاق النار قبل شهرين، ما أثار مخاوف من تجدد الحرب الشاملة.

وأطلقت إيران صواريخ نحو إسرائيل ليل الأحد في خطوة قالت إنها رد على ضرب الدولة العبرية الضاحية الجنوبية لبيروت، معقل «حزب الله» الحليف لطهران. وردت إسرائيل بضربات على أهداف عدة في إيران، ردت عليها الأخيرة بإطلاقات صاروخية جديدة.

إيرانية تحمل علم «حزب الله» وتشارك في مسيرة في طهران (رويترز)

وقبل إعلان الطرفين وقف الهجمات في المرحلة الراهنة، وتشديد الرئيس الأميركي دونالد ترمب على ضرورة وقف إطلاق النار «فوراً»، أعاد تبادل الضربات إلى أذهان الإيرانيين المخاوف من استئناف الحرب الواسعة النطاق التي بدأتها واشنطن وإسرائيل على بلادهم في فبراير (شباط).

وقالت مريم، وهي محاسبة تبلغ 41 عاماً: «لا نعلم إن كانت ستندلع حرب، أم إذا كان اتفاق السلام سيصمد».

وتحدثت لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في ساحة «ولي عصر» بوسط طهران، عن إحساس بـ«عدم اليقين والارتباك» بعد الضربات الإسرائيلية على إيران. وقالت: «لا شيء واضحاً. الناس في حيرة من أمرهم وغاضبون. في نهاية المطاف... هل نحن في حالة حرب أو سلم؟».

وكان تبادل الضربات أخطر تهديد لوقف إطلاق النار في حرب الشرق الأوسط الذي دخل حيز التنفيذ في الثامن من أبريل (نيسان)، وسط جهود دبلوماسية متعثرة لإنهاء النزاع.

وأثار احتمال تجدد القتال شعوراً بالإحباط الشديد لدى الإيرانيين. وقالت مهتاب، وهي مصففة شعر تبلغ 62 عاماً، تواصلت مع صحافية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» في باريس: «اليوم، كانت هناك أصوات كثيرة في طهران، خصوصاً في الجنوب». وأضافت: «ظل جسدي يرتجف لساعة كاملة. إذا استمر الوضع على هذا النحو، فسوف نغادر طهران مجدداً».

وقالت الفنانة مريم (36 عاماً) في طهران إنها «غير قادرة على النوم». وتابعت بحسرة: «كل شيء يتجه نحو الدمار والخراب. أدعو الله أن ينجينا».

جانب من الدمار جراء غارات إسرائيلية على طهران في مارس الماضي (رويترز)

وبدت حركة المرور هادئة على غير عادتها في طهران صباح الاثنين، بعدما لزم البعض منازلهم، إلا أن آخرين مضوا في يومياتهم المعتادة؛ إذ امتلأت المقاهي بالزبائن تحت أشعة الشمس، في حين اصطفت الدراجات النارية في المحطات للتزود بالوقود.

ورغم مظاهر الحياة الطبيعية، لا يخفي كثير من الإيرانيين أنهم منهكون جراء التطورات الأخيرة، بعدما تعرضت بلادهم لحربين منذ يونيو (حزيران) 2025، واحتجاجات واسعة النطاق قُتل خلالها الآلاف في مطلع العام الحالي.

ويضاف ذلك إلى الصعوبات الاقتصادية التي يعانيها الإيرانيون منذ أعوام.

وقال فرهاد، وهو طاهٍ يبلغ 35 عاماً: «هناك شلل في الاقتصاد، والمجتمع يعاني من صدمة نفسية، والمعنويات في الحضيض». وأضاف: «لا أحد يعلم ما يخبئه لنا الغد».

وأشار أمير، وهو تقني في المعلوماتية يبلغ 24 عاماً، إلى أنه «في البداية، كنا نخشى الحرب، لكننا نحن الإيرانيين معروفون بمرونتنا، وتأقلمنا بالفعل».

ولا يخفي أفراد من الجيل الشاب الذين يشكلون الغالبية في إيران مدى تأثرهم بالحرب التي أتمت الأحد يومها المائة.

وقالت مهسا، وهي مهندسة كيميائية من أصفهان تبلغ 31 عاماً، لصحافية «وكالة الصحافة الفرنسية» في باريس: «تغيرتُ تماماً خلال هذه المائة يوم. لم يبقَ مني سوى اسمي». وأضافت: «لم يعد لديّ أمل في أي شيء، لا سياسياً ولا اقتصادياً، ولا حتى في المساعدة الدولية».


«الذرية الدولية» تدعو إيران إلى استئناف التفتيش النووي

غروسي يتحدث في مستهل الاجتماع الفصلي لمجلس المحافظين (الوكالة الدولية للطاقة الذرية)
غروسي يتحدث في مستهل الاجتماع الفصلي لمجلس المحافظين (الوكالة الدولية للطاقة الذرية)
TT

«الذرية الدولية» تدعو إيران إلى استئناف التفتيش النووي

غروسي يتحدث في مستهل الاجتماع الفصلي لمجلس المحافظين (الوكالة الدولية للطاقة الذرية)
غروسي يتحدث في مستهل الاجتماع الفصلي لمجلس المحافظين (الوكالة الدولية للطاقة الذرية)

دعا المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، رافائيل غروسي، إيران، الاثنين، إلى «معاودة التواصل» مع الوكالة، بما يسمح باستئناف عمليات التفتيش في المواقع النووية التي قصفتها الولايات المتحدة وإسرائيل قبل عام، في وقت تقود فيه واشنطن حملة لاستصدار قرار بهذا الشأن داخل مجلس محافظي الوكالة.

ولم تبلغ إيران الوكالة، حتى الآن، بما حدث في المواقع النووية التي تعرضت للقصف، أو بحالة المواد النووية التي كانت مخزّنة فيها، بما في ذلك اليورانيوم المخصب إلى مستوى قريب من الدرجة اللازمة لصنع قنبلة.

ورغم أن عمليات القصف دمرت منشآت تخصيب اليورانيوم أو ألحقت بها أضراراً بالغة، يُعتقد أنها لم تطل جزءاً كبيراً من مخزون اليورانيوم عالي التخصيب، بما في ذلك اليورانيوم المخصب حتى 60 في المائة، وهي نسبة قريبة من مستوى 90 في المائة المستخدم في صنع الأسلحة.

انقطاع قناة الاتصال

وقال غروسي، أمام مجلس محافظي الوكالة، المؤلّف من 35 دولة، في اليوم الأول من اجتماعه الفصلي: «من المهم جداً أن نستأنف التواصل».

وأضاف، في بيان مكتوب منفصل إلى المجلس: «أدعو إيران إلى التواصل مع الوكالة بصورة بنّاءة، من أجل تسهيل التنفيذ الكامل والفعّال للضمانات في إيران»، في إشارة إلى عمليات التفتيش.

شاحنة تنقل مستوعبات يُعتقد أنها تحوي مادة اليورانيوم تدخل نفقاً بأصفهان في يونيو الماضي (أ.ب)

وأجرت الوكالة بعض عمليات التفتيش في مواقع لم تتعرض للقصف، لكنها أوقفتها لأسباب تتعلّق بالسلامة في فبراير (شباط)، بسبب تجدد الضربات العسكرية، ولم تنفذ منذ ذلك الحين سوى عملية تفتيش في محطة بوشهر للطاقة.

وقال غروسي، في مؤتمر صحافي بعد كلمته أمام المجلس: «لديّ اتصالات متفرقة مع وزير الخارجية وغيره، لكن قناة الاتصال مقطوعة في الأساس».

وفي الوقت نفسه، تقود الولايات المتحدة، بدعم رسمي من بريطانيا وفرنسا وألمانيا، مسعى لدفع مجلس المحافظين إلى إصدار قرار في وقت لاحق هذا الأسبوع، يأمر إيران بتقديم «معلومات دقيقة» عن المواقع التي تعرّضت للقصف وعن اليورانيوم المخصّب «دون إبطاء».

ويرجح دبلوماسيون أن يمر مشروع القرار بأغلبية واضحة، كما حدث مع قرار مماثل في نوفمبر (تشرين الثاني)، لكنه قد يعقّد المحادثات بين الولايات المتحدة وإيران الهادفة إلى تمديد وقف إطلاق النار وتمهيد الطريق لمفاوضات أوسع تشمل البرنامج النووي الإيراني.

وتزامنت دعوة غروسي مع ضغط أميركي داخل مجلس محافظي الوكالة لدعم مشروع قرار يُلزم إيران بإبلاغ الوكالة بمصير المواقع النووية التي تعرضت للقصف، وبوضع اليورانيوم المخصب الذي كان مُخزّناً فيها. واطلعت «رويترز» على نص وُزّع قبل الاجتماع الفصلي للمجلس المؤلّف من 35 دولة، وينص على أن تقدم إيران «معلومات دقيقة» عن المواد النووية والمنشآت الخاضعة للضمانات، وأن تتيح للوكالة الوصول اللازم للتحقق من هذه المعلومات «دون تأخير».

ولا يطلب النص إحالة إيران إلى مجلس الأمن، رغم أن هذا الخيار كان مطروحاً لدى بعض الدبلوماسيين، لكنه قد يزيد تعقيد المحادثات الجارية بين واشنطن وطهران. وتقول طهران عادة إن قرارات الوكالة ضدها تدفعها إلى تقليص التعاون أو تصعيد أنشطتها النووية.

صورة أقمار اصطناعية تُظهِر منشأة «نطنز» النووية بمحافظة أصفهان وسط إيران 7 مارس 2026 (أ.ف.ب)

ويستند القلق الغربي إلى مصير مخزون من اليورانيوم المخصب حتى 60 في المائة، قالت الوكالة إنه بلغ 440.9 كيلوغرام عند بدء الهجوم الإسرائيلي، وهي كمية تكفي، وفق معيار الوكالة، لإنتاج نحو 10 أسلحة نووية إذا رُفع مستوى تخصيبها. وتقول إيران إن برنامجها النووي سلمي.

وقال المبعوث الروسي لدى الوكالة إن أي قرار جديد «لن يؤدي إلا إلى استفزاز إيران»، متهماً الولايات المتحدة بأنها «قوّضت هذا التعاون» بقصف المنشآت التي كانت الوكالة تصل إليها قبل الهجمات.

طهران تحذّر الوكالة

وقالت بعثة إيران لدى الوكالة، عبر منصة «إكس»، إن «مسؤولية الفعل غير المشروع دولياً تقع على عاتق مرتكبه، ولا يمكن نقلها إلى الضحية»، في إشارة إلى مشروع القرار وحقيقة أن الولايات المتحدة قصفت المنشآت النووية الإيرانية.

وأضافت: «يجب ألا يُستغل المجلس لإعفاء منفذي هذه الهجمات من مسؤوليتهم».

وتبدي إيران استياءً من قرارات مجلس المحافظين السابقة ضدها، وغالباً ما ردت عليها بتعزيز أنشطتها النووية أو تقليص تعاونها مع الوكالة.

وحذّرت البعثة الإيرانية من المسار المقبل داخل المجلس، قائلة إن «الإكراه والمواجهة لا يؤديان إلى التعاون، بل يقوّضان آفاق التوصل إلى حل دبلوماسي».

وجاءت هذه التطورات فيما تبادلت إسرائيل وإيران ضربات عسكرية، مساء الأحد والاثنين، قبل أن يطالب الرئيس الأميركي دونالد ترمب الجانبين بـ«وقف إطلاق النار فوراً».

وقال ترمب، في تصريحات لصحيفة «فاينانشال تايمز» بعد إطلاق إيران صواريخ على إسرائيل، إن ذلك «لن يكون له أي تأثير على الاتفاق» مع طهران.


تل أبيب تدفع نحو إفشال اتفاق واشنطن وطهران

رئيس الأركان إيال زامير وكبار قادة الجيش يشرفون من مركز قيادة سلاح الجو على الغارات ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)
رئيس الأركان إيال زامير وكبار قادة الجيش يشرفون من مركز قيادة سلاح الجو على الغارات ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)
TT

تل أبيب تدفع نحو إفشال اتفاق واشنطن وطهران

رئيس الأركان إيال زامير وكبار قادة الجيش يشرفون من مركز قيادة سلاح الجو على الغارات ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)
رئيس الأركان إيال زامير وكبار قادة الجيش يشرفون من مركز قيادة سلاح الجو على الغارات ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)

للمرة الثالثة في هذه الحرب، نجح الرئيس الأميركي دونالد ترمب في نسج ما وصفته أوساط إسرائيلية بـ«خدعة كبيرة» ابتلعتها القيادة الإيرانية، وخبراء، ووسائل إعلام في العالم. فبعد تصريحات متكررة قال فيها إنه يفرض على إسرائيل الامتناع عن قصف الضاحية الجنوبية لبيروت، والرد على الرد الإيراني، عادت الأطراف إلى المربع الأول.

فإسرائيل لا تريد اتفاقاً أميركياً-إيرانياً لوقف الحرب، بينما تحاول إيران إحراج الإدارة الأميركية عشية كأس العالم. ورغم النفي الأميركي، فإن تل أبيب لا تخفي رغبتها في دفع الأمور نحو شراكة أميركية-إسرائيلية في استئناف القتال.

وأعلن الجيش الإسرائيلي استمرار حالة التأهب القصوى تحسباً لضربات إيرانية، ما أدى إلى تعطيل التعليم، ومعظم الأعمال، ونقل المستشفيات إلى الطوابق الأرضية، ومواقف السيارات، والاستعداد لإغلاق مطار بن غوريون الدولي في أي لحظة، إضافة إلى استدعاء قوات احتياط من سلاح الجو للعمل ضد إيران، وقوات برية لتصعيد عمليات الاجتياح في لبنان.

وبحسب صحيفة «معاريف»، فإن ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو نسجا «خدعة حربية» أخرى وقعت طهران في فخها بسهولة. ونقلت الصحيفة عن موقع «رجب» الإخباري، التابع لاستخبارات «الحرس الثوري»، إقراراً، الاثنين، بأن إيران وقعت في المصيدة، وابتلعت الطعم.

مزارعان سوريان بجانب صاروخ إيراني سقط في أرض زراعية في نجها بريف دمشق بعد أن اعترضته أنظمة الدفاع الجوي الإسرائيلية في 8 يونيو (أ.ف.ب)

وكشفت مصادر سياسية لصحيفة «معاريف» أن «الخدعة نُسجت في واشنطن»، وأن نتنياهو تعاون معها بالكامل، حتى حين بدت بعض خطواتها مهينة له. وقالت المصادر إن الأميركيين لمسوا أن إيران تراهن كثيراً على وجود خلافات بين إسرائيل والولايات المتحدة، فقرروا رفع مستوى الخداع. وبدا التيار اليميني المتطرف في الساحة السياسية الأميركية أكثر تشدداً من نتنياهو في رفض انتظار قرار إيراني بوقف الحرب على أساس اتفاق سلام.

ووفق هذه المصادر، أقنع هذا التيار الرئيس ترمب بأن القيادة الإيرانية «لا تدرك مع من تتعامل»، وتعتقد أنه يريد اتفاقاً بأي ثمن، حتى لا تُجرى مباريات كأس العالم في الولايات المتحدة في ظل حرب قد تمتد أسابيع، وتشوش أيضاً على الاحتفالات بمرور 250 عاماً على تأسيس الولايات المتحدة.

وأضافت المصادر أن طهران، في تقدير هؤلاء، تتصرف «بتكبر وغرور كما لو أنها منتصرة في الحرب»، رغم أنها فقدت مرشدها، ومعظم قياداتها العسكرية، وقيادات «الحرس الثوري»، وخسرت أكثر من نصف ترسانتها الحربية، وبنيتها التحتية. وخلصت إلى أن «ضربة عسكرية جدية» كانت ضرورية لجعلها «تصحو».

ومن جهة تل أبيب، أبقت إسرائيل قنوات الاتصال والتنسيق مفتوحة عبر الوزير السابق رون ديرمر، مبعوث نتنياهو المقيم عملياً في واشنطن، وعبر قائد القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم» الأدميرال براد كوبر، الذي أُطلع على الخطط والأهداف الإسرائيلية، ليس فقط في الضاحية الجنوبية لبيروت، بل أيضاً في إيران.

وعندما رفضت القيادة الإيرانية مقترحات ترمب للاتفاق النهائي لوقف الحرب، أطلق الأميركيون يد إسرائيل. وبينما كان ترمب يعلن أنه طلب من إسرائيل الامتناع عن الرد على القصف الصاروخي الإيراني، وطلب من طهران الاكتفاء بما قصفته، نقلت وسائل إعلام عنه أنه قال في مكالمته مع نتنياهو إن «الأمر انتهى: ضربة تافهة مقابل ضربة تافهة»، في إشارة إلى أن إسرائيل وجهت ضربة إلى شقة فارغة في الضاحية «لتنفيس الغضب»، وأن إيران نفذت ضربة لم تُحدث ضرراً.

لكن في تلك الساعات نفسها، كانت المقاتلات الإسرائيلية في طريقها إلى أجواء طهران لتنفيذ عمليات القصف.

وردّت إيران على القصف في ساعات الفجر، ليرتفع عدد الصواريخ التي أطلقتها باتجاه إسرائيل إلى 24 صاروخاً، سقط أحدها في الأردن، وآخر في الضفة الغربية، فيما تم اعتراض البقية بالكامل، بحسب التقديرات الإسرائيلية.

ترمب ونتنياهو خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 29 سبتمبر 2025 (أ.ف.ب)

ورغم أن طهران أعلنت وقفاً للنار من جانبها، ما دامت إسرائيل لا تقصف بيروت وجنوب لبنان، قال مصدر سياسي رفيع في تل أبيب إن حكومته ترفض «المعادلات الجديدة» التي تحاول طهران فرضها.

وأضاف المصدر أن إسرائيل لا تقبل تقييد حركتها في لبنان، ولا تتعامل مع الرغبة الإيرانية في الاحتواء بوصفها ملزمة لها، مؤكداً أن تل أبيب سترد «بقوة مضاعفة» على أي قصف إيراني يستهدفها، وتصر على الاحتفاظ بحرية عمل كاملة في لبنان.

ولا يأتي هذا الموقف، وفق قراءات إسرائيلية، من منطلق التشدد وحده، بل أيضاً من رغبة في أن تواصل طهران هذا النهج بما يعرقل التوصل إلى اتفاق مع واشنطن، ويثير غضب الرئيس الأميركي دونالد ترمب، وصولاً إلى استئناف الحرب في أفضل الأحوال، أو إبقاء الوضع على حاله: وقف نار مؤقت، وحرب مفتوحة تشتعل من وقت إلى آخر.

واعتبر المحلل العسكري في صحيفة «يسرائيل هيوم»، يوآف ليمور، الاثنين، أن محاولة ترمب التوصل إلى تسوية مع إيران تمثل «أسوأ الاختيارات على الإطلاق».

وأكد المحلل العسكري في صحيفة «هآرتس»، عاموس هرئيل، أن نتنياهو «سعى طوال الوقت إلى استئناف الحرب»، وشكك في أن ينجح اتفاق بين الولايات المتحدة وإيران في كبح البرنامج النووي الإيراني، أو تلبية التوقعات الإسرائيلية من هذا الاتفاق.