بول جي دافيز
بالاتفاق مع «بلومبرغ»
TT

عقد على «بريكست»... «مدينة لندن» ما زالت متلألئة

استمع إلى المقالة

بعد مرور عقد من الزمن على التصويت لصالح خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي (بريكست)، فإن قطاع المال القابع في قلب لندن يمر بظروف جيدة في واقع الأمر. فعندما اختارت بريطانيا مغادرة الاتحاد الأوروبي، سادت مخاوف من أن يفقد حي المال والأعمال (مدينة لندن) دوره الريادي في قطاع الخدمات المصرفية العالمية. ولكن في الحقيقة، يغدو من الصعب الوقوف على أي خسائر واضحة لحقت بهذا القطاع، وتسببت فيها بشكل مباشر عملية تمزيق الاتفاقيات التي ساعدت في ضمان مكانة لندن بوصفها مركزاً مالياً للقارة العجوز.

فلم تشهد الساحة أي هجرة جماعية واسعة النطاق للتجار وصناع الصفقات نحو فرانكفورت أو ميلانو أو باريس. وبدلاً من ذلك، شهدت السنوات العشر الماضية صعوداً للمصارف الأميركية الكبرى لتصبح أكثر هيمنة من أي وقت مضى على التمويل العالمي، غير أن هذا الأمر يعود لأسباب تتجاوز مجرد «بريكست». وحتى مع ذلك، لم تكن نيويورك أيضاً فائزاً واضحاً على حساب لندن. وبالنسبة للمملكة المتحدة وبقية أوروبا، فإن الحقيقة تكمن في أن طلاقهما السياسي ليس سوى عائق واحد من بين عوائق عديدة في المنطقة، والتي منعت المصارف المحلية وأسواق رأس المال من اكتساب الحجم والقوة اللذين يؤهلانها لتكون ذات ثقل عالمي.

وهناك مجال واسع لإبداء القلق والتحسر على واقع القطاع المالي في المملكة المتحدة؛ فعلى سبيل المثال، يُفحص النقص المخزي في الإدراجات الجديدة بسوق الأسهم بانتظام وبشكل مؤلم. كما أن التصويت على مغادرة الاتحاد الأوروبي قد ألحق أضراراً لا جدال فيها بالاقتصاد الأوسع، مما أضر بشكل غير مباشر بالاستثمار والتمويل. بيد أن الأمر الوحيد الذي كان دائماً يكتسب الأهمية القصوى هو الوظائف - والضرائب على الدخل التي يدفعها المصرفيون، والوسطاء، وجميع موظفي الدعم في هذا القطاع. والقصة هناك ليست سيئة على الإطلاق.

كان هناك بعض التنبؤات المتطرفة قبيل التصويت الذي جرى في يونيو (حزيران) من عام 2016؛ حيث زعم كزافييه روليت، الرئيس التنفيذي لمجموعة بورصة لندن آنذاك، في وقت من الأوقات، أن أكثر من 200 ألف وظيفة ستكون معرضة للخطر، في حين قدّر كثيرون غيره الرقم بما يتراوح بين 75 ألفاً و100 ألف وظيفة. وبدلاً من ذلك، ارتفع عدد الوظائف في قطاعي المال والتأمين في لندن بشكل مطرد منذ الانكماش الذي أعقب الأزمة المالية العالمية عام 2008، وفقاً لبيانات المكتب الوطني للإحصاء؛ إذ أضاف هذا القطاع أكثر من 67 ألف وظيفة في العاصمة منذ نهاية عام 2016.

وحافظت لندن على مكانتها بوصفها مركزاً مالياً دولياً رائداً في كثير من أدوارها التقليدية، وفقاً لمركز الأبحاث «نيو فاينانشال». فاستناداً إلى الحصة السوقية، تتصدر لندن المشهد في تداول العملات الأجنبية، وأسعار الفائدة الدولية ومشتقاتها؛ كما أنها تحتل الصدارة في المطالبات المصرفية عبر الحدود، وأصول البنوك الأجنبية، وإصدارات الديون الدولية. ولا تزال لندن تحتل المرتبة الثانية في إجمالي الأصول المُدارة لصناديق الاستثمار، وفي الاستثمار الأجنبي المباشر بالخدمات المالية، وفي الاستثمار بشركات التكنولوجيا المالية.

أما الميدان الذي أفل فيه نجمها حقاً فهو سوق الأسهم؛ إذ انهارت الإدراجات الجديدة المحلية والدولية، وتخلفت القيمة الإجمالية للأسهم البريطانية بشكل خطير عن منافسيها، كما عانى جميع إصدارات الأسهم الأخرى. وقد يكون هذا نتيجة غير مباشرة لـ«بريكست» من خلال الضربة التي تلقتها عافية الاقتصاد الأوسع، بيد أنه لا يمكن إلقاء اللوم في ذلك على فقدان الشركات المالية بحي المال والأعمال لحقوق «الترخيص التنظيمي» التي كانت تسمح لها بالوصول إلى القارة الأوروبية انطلاقاً من بريطانيا.

لقد انتقل بعض الأنشطة بالفعل، تحديداً كل ما يتضمن التعامل المباشر مع عملاء الشركات الأصغر حجماً أو الأفراد العاديين داخل الاتحاد الأوروبي. ويشمل ذلك وظائف المبيعات الخاصة بالاستثمار، والاقتراض أو جمع الأموال، وبعض الأعمال الاستشارية، وبعض عمليات تداول الأسهم الأوروبية، وأزواج العملات التي تشمل اليورو - ولكن هذا يقتصر في الغالب على المجالات ذات الصلة المباشرة بعملاء الاتحاد الأوروبي. يضاف إلى ذلك مديرو تلك الأنشطة ومديرو المخاطر التابعون لهم، حيث أرادت الجهات التنظيمية الأوروبية فرض رقابة واضحة عليهم. غير أن التكاليف الباهظة للتوظيف والفصل في أوروبا جعلت البنوك الكبرى تقاتل بضراوة للإبقاء على هذه الانتقالات في حدها الأدنى، وهو السجال الذي انتصرت فيه تلك البنوك إلى حد كبير.

وقد شهدت أوروبا نمواً قوياً في أعداد أصحاب الدخل المرتفع بالقطاع المالي، وفقاً لسجلات الهيئة المصرفية الأوروبية، بيد أن التسارع الكبير جاء في عام 2021، عندما أدت السيولة النقدية المتدفقة في حقبة كوفيد، ومن ثم أسعار الفائدة المرتفعة، إلى إطلاق طفرة في الأسواق والتداول؛ وهي الطفرة التي أنعشت هذا القطاع في كل مكان، وتستمر حتى يومنا هذا.

وفي هذا الصدد، أخبرني ويليام رايت، مؤسس مركز أبحاث «نيو فاينانشال»، أن أكبر خمسة بنوك أميركية قد أضافت نحو 2500 وظيفة جديدة في باريس، بوصف ذلك استجابة لـ«بريكست» على سبيل المثال. وقال: «كانت هذه وظائف جديدة، وليست عمليات نقل مباشرة لأشخاص ينتقلون من لندن إلى باريس»، مضيفاً: «كان من الممكن أن يكون أغلب هذه الوظائف الجديدة في لندن، بدلاً من باريس، لولا (بريكست)».

ومن المرجح أن «مدينة لندن» قد أضاعت بعض فرص النمو، ولكن هذه هي حال مدن أخرى أيضاً مع اشتداد حدة التنافسية في القطاع المالي. فقبل عقد من الزمن، كانت سنغافورة أقل أهمية مما هي عليه اليوم، ولم تكن هونغ كونغ قد تفوقت على سويسرا بعدُ، بوصفها ملاذاً آمناً لأموال الأثرياء، ولم تكن دبي وجهة مفضلة لصناديق التحوط الكبرى. ووفقاً لما ذكره هيو فان ستينيس، نائب رئيس شركة الاستشارات الإدارية «أوليفر وايمان»: «لقد خسرت لندن بعض المكتسبات فيما يتعلق بالتوظيف في القطاع المالي، ولكن هذا ينطبق أيضاً على نيويورك لصالح ولايات مثل تكساس وفلوريدا». وبالفعل، تُظهر بيانات مكتب إحصاءات العمل أن نمو قطاع المال والتأمين في نيويورك، كان أبطأ من نموه في لندن منذ عام 2009.

ومع ذلك، فإن مكانة لندن قد تراجعت نوعاً ما، على الأقل بوصف ذلك مركز قوة بالمعنى النوعي. ويقول لي فان ستينيس في هذا الصدد: «الاختلاف الجوهري الذي لاحظته خلال السنوات الأخيرة، أنه بات من المستبعد للغاية الآن رؤية رؤساء عالميين لأي قطاع من قطاعات الأعمال في البنوك الأميركية يتخذون من لندن مقراً لهم».

ولا تزال لندن تمتلك كثيراً من المقومات لصالحها: فالتاريخ، والعادات، وكل الاستثمارات السابقة التي حوّلتها إلى مركز مالي عالمي، لا يمكن التخلي عنها بسهولة، على الرغم من أن المراكز المالية الأحدث عهداً حول العالم ستستمر في قضم أجزاء من أعمالها تدريجياً. بيد أن التهديد الأكبر سيتمثل في حال تمكنت أوروبا من تنظيم صفوفها، وإنشاء سوق موحدة حقيقية لرأس المال والخدمات المصرفية. وإنني أعتقد أن على أوروبا فعل ذلك، وبما يتعارض مع فكرة «بريكست» - فإن لندن بحاجة لأن تكون جزءاً من هذا المشروع إذا رأى النور يوماً ما، ولكني لا أعول على حدوث ذلك قريباً.

* بالاتفاق مع «بلومبرغ»