د. محمود محيي الدين
المبعوث الخاص للأمم المتحدة لأجندة التمويل 2030. شغل وظيفة النائب الأول لرئيس البنك الدولي لأجندة التنمية لعام 2030، كان وزيراً للاستثمار في مصر، وشغل منصب المدير المنتدب للبنك الدولي. حاصل على الدكتوراه في اقتصادات التمويل من جامعة ووريك البريطانية وماجستير من جامعة يورك.
TT

الناتج وما بعده والأهم ما قبله

استمع إلى المقالة

استدعى الجدل المتصاعد عن مدى دقة وشمول مؤشر الناتج المحلي الإجمالي في متابعة أداء الدول الاقتصادي ومقارنتها بعضها ببعض، تكليف الأمم المتحدة لجنة من الخبراء لتقييم هذا المؤشر المعمول به منذ أربعينات القرن الماضي، واقتراح البدائل. وصدر في شهر مايو (أيار) الماضي التقرير النهائي للجنة، التي رأسها الاقتصادي الهندي الأستاذ بجامعة كورنيل كاوشيك باسو، والاقتصادية الأرجنتينية الأستاذة بجامعة تولين، نورا لوستيج، بعنوان «قياس ما يهم: بوصلة لتقدم الناس والكوكب». وتضمّن التقرير، بعد عام من المشاورات، توصيات تقترح تغيير طريقة تقييم أداء الدول بنظام محاسبي جديد. ولا يستبعد التقرير الناتج المحلي الإجمالي، ولكنه يعتمد لوحة مؤشرات تتضمنه ولكن لا تحمّله ما لا يحتمل، وتستند إلى أربعة محاور:

1 السلام وحقوق الإنسان. 2 رفاه عموم الناس وكوكب الأرض. 3 الإنصاف والشمول 4 الاستدامة والمتانة.

ولنستأنس بالتاريخ لفهم المشكلة. ففي كتاب للاقتصادية البريطانية ديان كويل عن بدايات استخدام مؤشر الناتج المحلي الإجمالي يتجلى الارتباط بين تطور الاهتمام بالحسابات القومية، ورصد الأداء الاقتصادي العام منذ القرن السابع عشر بالحروب والقدرة على جباية الضرائب لتمويلها.

وطوَّر الاقتصادي الأميركي، الروسي الأصل، سيمون كوزنتس، الحائز جائزة نوبل في الاقتصاد، مؤشر الناتج المحلي الإجمالي في تقرير للكونغرس الأميركي في عام 1934. وفي مؤتمر بريتون وودز الذي عُقد في عام 1944 تم اعتماد الناتج المحلي الإجمالي مؤشراً رئيسياً للأداء الاقتصادي وتطوره للفترة التالية للحرب العالمية الثانية حتى اليوم.

ويحصر المؤشر ما أنتجه الاقتصاد من سلع وخدمات في سنة محددة، ومكوناته هي الاستهلاك الإجمالي والإنفاق الحكومي، وصافي الصادرات. وقد توسع استخدام المؤشر بالرصد المستمر لأداء اقتصادات الدول، وبحكم الاعتياد أصبح هذا الرقم الإحصائي البسيط بعد تداوله وشيوعه بمثابة المؤشر العام لقياس نجاح وفشل الاقتصاد، وحول دلالاته تتنافس القوى السياسية، وتضطرب بسببه الأوضاع العامة، وقد تسقط بسببه حكومات.

وفي مقال منشور في سبتمبر (أيلول) 2024 بمجلة «لانست»، استعرضت الباحثة أنجك جانسن ومجموعة من الباحثين على مدار خمسة عقود أدبيات من محاولات للتمرد على الاعتماد على مؤشر نمو الناتج المحلي مؤشراً أحادياً لقياس الرفاه والازدهار. فعلى الرغم من أن الناتج كانت له تاريخياً علاقة طردية بتحسن مستوى المعيشة؛ لكنه لا يقيسها بشكل مباشر. وإنه بعد حد معين من الدخل تفتر العلاقة بين زيادة الناتج والدخل من ناحية ومستوى المعيشة من ناحية أخرى. وإنه بمنظور طويل الأجل للعلاقة بين الرضا أو السعادة ونمو الدخل ينخفض تأثير الناتج منفرداً. فالناتج المحلي ليس العامل الوحيد في تحسن مستوى المعيشة. ولتنظر في أحوال من نمو الناتج مع انحسار في فرص العمل، التي تشهدها بعض المجتمعات كأن يكون الناتج كثيفاً في رأس المال، أو بتكنولوجيا طاردة للعمالة في بعض القطاعات.

فهذا المؤشر لا يحسب، ولم يدع حساب العمل بلا أجر كرعاية الطفل والمحتاجين للعون في الأسرة، رغم قيمتها الإيجابية للمجتمع والاقتصاد. كما لا يكترث، ولم يدع الاكتراث بعدالة توزيع الدخل. كما لا يقيس، ولم يدع القياس، لتكلفة استنزاف الموارد الطبيعية الناضبة والتلوث البيئي. وبالتالي، فإن الناتج رغم أهميته الحيوية التي لا يجب بحال التهوين منها، ولا يجب أن يكون مقياساً منفصلاً للرفاه أو العدالة أو الاستدامة، في أي مجتمع. ومن الجدير بالذكر، أن مصمم مؤشر الناتج المحلي الإجمالي سيمون كوزنتس نفسه قد حذَّر من استخدامه بمفرده لتقييم رفاه المجتمعات والأمم. وحتى لا تشتط الحماسة بالبعض فيهمل هذا المؤشر، فمن دون الناتج ونموه نمواً مطرداً وعادلاً ومستداماً فلا سبيل للتقدم بحال.

وفكرة استخدام لوحة مؤشرات أو مفاتيح بدلاً من الاعتماد على مؤشر وحيد، تم تناولها من قبل باجتهادات مختلفة. كان منها ما استعرضتُه مستشرفاً لنتائج مشروع الأمم المتحدة في هذه الصحيفة الغراء في مقال منشور في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 عن توطين التنمية. وقد استندتُ في هذا إلى مجموعة عمل قادها مايك سبنس الحائز «نوبل في الاقتصاد» في عام 2014، وكنتُ أحد أعضائها وخرجت بتقرير عن «نماذج النمو الجديدة، والتحديات والخطوات لتحقيق أنماط لنمو أكثر عدالة وشمولاً واستدامة». وأضافت المجموعة إلى مؤشر نمو الناتج مؤشرات عن حساب رأس المال الطبيعي، والبطالة، والعدالة بين الجنسين، والتنافسية، والاستثمارات العامة، وتكافؤ الفرص.

وبصدور تقرير خبراء الأمم المتحدة نحن بصدد منظومة من 31 من المؤشرات التي تضمها لوحة مقسمة إلى محاور أربعة رئيسية، ويرتبط أكثر من نصفها ارتباطاً مباشراً بأهداف التنمية المستدامة: المحور الأول مجموعة مؤشرات عن الحوكمة وكفاءة المؤسسات وضماناتها والثقة بها لترسي قواعد الحقوق والسلم للبشر والكوكب. والثاني مقاييس تعكس أحوال الناس المعيشية وظروفهم المادية والعمل، والصحة، والتعليم، والأمن، والتماسك الاجتماعي، وجودة البيئة. والثالث معني بالعدالة والشمول ويقيّم من خلال مؤشرات الفقر، التفاوت في توزيع الدخل والفجوات بين مجموعات السكان وبين الأجيال. والرابع معني بالاستدامة والمتانة بما يربط الأوضاع الراهنة بمستوى المعيشة المستقبلي، وذلك من خلال قياس أنواع مختلفة لرأس المال بما في ذلك البشري، والاجتماعي، والمادي، والمؤسسي، والطبيعي.

إذن، خرج التقرير وأوصى بما أوصى لقياس أداء الأمم بما هو أدق وأشمل وأكثر دلالة لعموم الناس وصناع القرار، وفقاً لتقرير معديه. والعبرة كما هي دائماً في السياسات العامة بالتطبيق، ولهذا نقاش آخر يتناوله مقال مقبل.