في زمن يثقل كاهل اللبناني بأزمات متراكمة سبَّبت له حالة صدمة (تروما)، تأتي مسرحية «الوحش» للمخرج جاك مارون لتجد له العلاج الشافي، فتدلّه على طريق قصير لديه القدرة على انتشاله من هواجسه. واختار مارون الحلّ من خلال نص للكاتب المسرحي الأميركي جون باتريك شانلي «Danny and the Deep Blue Sea»، ترجمه إلى العربية وطعَّمه بأداء محترف للممثلَيْن كارول عبود ودوري السمراني، قدَّم من خلاله العلاقات الإنسانية على غيرها، وتوَّجها بمشاعر الحبّ ليغدو الدواء لشفاء الأرواح.
ولساعة، يتابع المُشاهد حكاية تُشبهه على خشبة «مسرح المونو»، فتُشرّح مشكلاته من غضب ووحدة وألم وإحباط وتضعها تحت المجهر. وانطلاقاً من مبدأ قبول الاختلاف عند الآخر، تبدأ هذه العقبات بالزوال. وتحت تأثير الحبّ، تتحوّل الكوابيس إلى أحلام والغربة إلى وطن. وبأسلوب مسرحي مباشر وجريء، يأخذنا مارون في رحلة تفكيك العقد، وتُشبه إلى حدٍّ كبير التي يمارسها الخبراء في كسح الألغام.

ينجح دوري السمراني في تجسيد دور الشاب «داني» الضائع في متاهات حياة فرضت قواعدها القاسية عليه. منبوذ من مجتمعه وكثير المشكلات، لكنه صريح ومتوجِّس ووفيّ. فشظايا انفجارات حياته تلوح أمامه في كلّ لحظة. «ما بقى فييّ كفي هيك»، يقول في أحد مَشاهده، ويعترف بضعفه وتردُّده في تحمُّل المسؤولية.
تروي القصة حكاية حانة هادئة يلتقي فيها «داني» (دوري السمراني) مع نصفه الآخر «بيرتا» (كارول عبود) من دون إنذار. ومن نظرة فابتسامة فسلام وكلام، يبدأ اللقاء في التحوّل إلى البوح والفضفضة. فالوحدة التي يعيشانها ويحاولان الإفلات منها، تضعهما في مواجهة مباشرة، تتخللها ثورة على الذات والشعور بالذنب وصولاً إلى الكشف عن نقاط ضعفيهما. وفي إيقاع مسرحي يتراوح بين الصمت والانفجار والسخرية ومحاسبة الذات، يأخذ بطلا المسرحية المتفرِّج إلى حياة مشبَّعة بالقلق، حيث تتناقض المشاعر من نفور وقبول وقوة وتعب، ليغلبها الحنان والتوق إلى الآخر.
ويسود العمل أداء صادق وعفوي، إلى درجة يُخيَّل للمشاهد أنه أمام حكاية شخصين حقيقيين قلبت الحياة مصيريهما رأساً على عقب، فيخوضان معاً تجربة إنسانية مؤثرّة تقودهما إلى شاطئ الأمان. ومن خلال هذه الرحلة، يعكسان رغبة دفينة لدى كلّ مُشاهد بالفضفضة والبوح بصراحة وبساطة. كأنّ كارول عبود ودوري السمراني يُجسِّدان شخصيتين يمكن أن نجدهما في أيّ مكان، وقد يكونان بين الجالسين في صالة المسرح. فهما يُشكلان نموذجين حيّين لكثير من اللبنانيين المُرهَقين والمحبطين من حياة تدفعهم يومياً إلى مواجهة خيباتهم وأسئلتهم الثقيلة بصمت موجع.
وخلال حفل الافتتاح على خشبة «المونو»، عبَّر عدد من نجوم التمثيل الحاضرين عن معنى كلمة «الوحش» بالنسبة إليهم. فرأى بعضهم أنّ الموت هو التفسير الأقرب، في حين رأى آخرون في الخوف والحبّ والحرب والقتل وجوهاً مختلفة لوحوش تُلاحق الإنسان.
أما المخرج جاك مارون، فجمع كلّ هذه المعاني على الخشبة، مستخرجاً الوحش الحقيقي من وجع القلب والانكسار والوحدة.

وتأتي ديكورات المسرحية والإضاءة الخافتة لتغمر العمل بالدفء وتمنحه شعوراً بالراحة والألفة. فلم يلجأ مارون إلى البهرجة أو المؤثرات المفتعلة، بل ترك للمشاعر الإنسانية أن تتقدَّم بهدوء وعفوية نحو المتفرِّج.
مخلفات الحروب الإنسانية تتحوَّل إلى مساحات من البوح والفضفضة لتضع الإصبع على الجرح. وبعد كثافة من الهجمات المتبادلة، يهدأ البحر ويزداد ازرقاقاً. فخشبة النجاة تطفو بقربهما، لكنهما لم يلتفتا إليها. فيأتي الحبّ لينتشلهما من وحدتهما ويبلسم جراحهما.
وكما يتوغّل النصّ في حالات الحبّ، يلامس أيضاً مشاعر الرفض وعدم تقبُّل الآخر، ليصنع خلطة إنسانية وظَّفها المخرج وسيلةً لعبور الصدمات ومداواة ندوبها. ومع الأداء الجريء لكارول عبود والحضور الصادق لدوري السمراني، تتسلَّل تفاصيل صغيرة لتمنح الحكاية خصوصيتها ووَقْعها الإنساني العميق.






