مَن القياديان في «القسام» اللذان استهدفتهما إسرائيل في غزة؟

فتى فلسطيني يجلس في المكان الذي استهدف بغارة إسرائيلية أودت ليل أمس بحياة 10 أشخاص في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فتى فلسطيني يجلس في المكان الذي استهدف بغارة إسرائيلية أودت ليل أمس بحياة 10 أشخاص في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

مَن القياديان في «القسام» اللذان استهدفتهما إسرائيل في غزة؟

فتى فلسطيني يجلس في المكان الذي استهدف بغارة إسرائيلية أودت ليل أمس بحياة 10 أشخاص في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فتى فلسطيني يجلس في المكان الذي استهدف بغارة إسرائيلية أودت ليل أمس بحياة 10 أشخاص في مدينة غزة (أ.ف.ب)

بينما أعلنت إسرائيل في وقت متأخر من مساء الأربعاء استهداف شخصيتين مركزيتين في «كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس»، سارع بعض المراسلين العسكريين بإصدار تسريبات حول الشخصيتين، وتحدّثت بشكل مباشر عن استهداف القائد الجديد لـ«لواء الشمال» عز الدين البيك، ونائب قائد «لواء غزة»، عماد اسليم.

ولم تؤكد إسرائيل نجاح عمليتها أو فشلها، في وقت أكدت فيه 4 مصادر من «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، اغتيال اسليم، فيما قالت 3 مصادر إن البيك أصيب من دون أن تُحدد مدى خطورة إصابته، في حين قال المصدر الرابع إنه لم يكن في المكان المستهدف، وبذلك يكون قد نجا.

وفي حين تحدّث مراسلون عسكريون إسرائيليون عن استهداف الشخصيتين خلال اجتماع بينهما، لم يؤكد أي من مصادر «حماس» تلك الأنباء. فيما قال مصدر خامس إن لقاءهما كان لمجرد اللقاء بهدف التنقل من مكان إلى آخر وليس لقاء عمل.

فلسطينيون يبكون قتلى الهجوم الإسرائيلي في مستشفى الشفاء بمدينة غزة قبل دفنهم الخميس (أ.ب)

ووقع الهجوم إثر قصف طائرات حربية شقة سكنية في بناية تقع بمحيط متنزه البلدية وسط مدينة غزة بعدة صواريخ، ما أسفر عن مقتل 10 فلسطينيين، بينهم 5 أطفال، أكبرهم فتاة تبلغ من العمر 17 عاماً وهي ابنة اسليم، وأصغرهم سارة رجب (9 أعوام)، إضافة إلى امرأتين، فيما أُصيب نحو 20 آخرين بجروح متفاوتة.

وتسبب القصف في دمار كبير في البناية المستهدفة التي تحيط بها خيام للنازحين من سكان مناطق شرق مدينة غزة والتي تحتلها إسرائيل.

مَن المستهدفان؟

يعدّ المستهدفان في عملية الاغتيال من أبرز القيادات الميدانية في «كتائب القسام» على مستوى قطاع غزة، خصوصاً المنطقة الشمالية منه، ولعبا دوراً مهماً في عدد من الأدوار داخل «القسام»، لا سيما مع اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية في نهاية سبتمبر (أيلول) 2000.

كما يعدان بشكل أساسي من القيادات التي برزت بكونها جيلاً ثانياً أو ثالثاً داخل «القسام» مع بدايات الانتفاضة الثانية، وهو الجيل الذي شارك في عملية تأسيس «جيش القسام الكبير» كما يوصف، والذي أشرف حينه على بدايات تأسيسه أحمد الجعبري ورائد سعد وعز الدين الحداد وغيرهم.

فلسطينيون يعاينون الدمار في المبنى الذي استهدف بغارة إسرائيلي ليل أمس في مدينة غزة (رويترز)

وكلاهما متقاربان من العمر، كما أنهما من الجيل الأساسي في «القسام» الذي شارك في التصدي للاجتياحات الإسرائيلية داخل القطاع قبل الانسحاب، وقادا كتائب عسكرية خلال أولى الحروب على القطاع، كما شاركا في عملية مهاجمة مقار السلطة الفلسطينية وحركة «فتح» إبان سيطرة «حماس» على القطاع عام 2006-2007، كما أنهما شاركا جزئياً في الإشراف عن بُعد على عملية تسليم مختطفين إسرائيليين في صفقات التبادل خلال الحرب الأخيرة.

عماد اسليم

مع تأكيد مصادر «حماس» اغتيال اسليم، فإنه بذلك يكون «لواء غزة» التابع لـ«القسام»، فقد نائب قائده، وقائد «كتيبة الزيتون» جنوب مدينة غزة، والذي تعرض خلال هذه الحرب لعدة محاولات اغتيال نجا من جميعها، رغم إصابته في إحداها بجروح طفيفة.

ويبلغ اسليم، وهو من سكان حي الزيتون جنوب مدينة غزة، من العمر نحو 51 عاماً، وانتمى لـ«حماس» منذ أن كان في ريعان شبابه، وتدرّج في العمل داخل أجهزتها الحركية المختلفة، قبل أن ينتمي لـ«كتائب القسام»، ويُصبح ناشطاً فيها، خاصةً مع بدايات الانتفاضة الثانية التي شارك فيها بالتصدي لعمليات التوغل الإسرائيلية للأحياء الشرقية من مدينة غزة، كما كان مسؤولاً عن إطلاق قذائف هاون وصواريخ في عدد من المرات.

وحسب مصادر «حماس»، التي تحدّثت لـ«الشرق الأوسط»، فإن اسليم كان قائداً لـ«الكتيبة الشرقية» في حي الزيتون، قبل دمجها مع «الغربية»، لتصبح كتيبة واحدة، وكان مساعداً لقائد الكتيبة السابق محمود أشتيوي الذي أعدمته «حماس» عام 2016 بسبب سلوكيات مختلفة، كما أعلنت آنذاك، ليتولى حينها اسليم المسؤولية عن «كتيبة الزيتون الموحدة».

ولفترات عدة، كان مسؤولاً عن التدريب في «لواء غزة»، كما تسلّم «كتيبة الدعم القتالي» في اللواء لعدة أعوام، قبل أن يعود قائداً لـ«كتيبة الزيتون» بعد عام 2019، وبقي فيها حتى اغتياله، رغم أنه تولّى مسؤوليات أخرى إلى جانبها، آخرها أن يكون نائباً لقائد «لواء غزة» الجديد مهند رجب الذي تولّى هو الآخر المسؤولية بعدما عين عز الدين الحداد قائداً عاماً لـ«القسام».

فلسطينيات يتابعن تشييع جثمان القيادي بـ«حماس» عماد اسليم من مستشفى الشفاء بمدينة غزة الخميس (أ.ب)

وكان اسليم قد تعرّض لعمليات اغتيال سابقة قبل الحرب، وأصيب في إحداها بجروح متوسطة، كما أشرف خلال الانتفاضة على سلسلة عمليات هجومية، وكذلك خلال حرب 2014 على قطاع غزة، كان النفق الذي نفذت منه عملية ناحال عوز الشهيرة، يقع تحت إشرافه.

واسليم، الذي يُلقب داخل «القسام» بـ«المختار»، فقد 3 من أبنائه، كما فقد اثنتين من بناته، قبل أن يفقد الثالثة وأصغرهن برفقته خلال قصف الأربعاء بغزة، فيما بقي له ابن وحيد من الذكور؛ حيث قتل أبناؤه خلال ملاحقته وملاحقتهم لأنهم نشطاء في «القسام»، وأحدهم كان قائداً لسرية عسكرية.

عز الدين البيك

يعدّ عز الدين البيك (48 عاماً) من سكان منطقة الفالوجا بمخيم جباليا، أحد أهم معاقل «حماس»، من نشطاء الحركة البارزين، لسنوات عديدة، وكان قد انضم للحركة في نهاية التسعينات، بعد التزامه في المساجد. ومع اندلاع انتفاضة الأقصى الثانية بدأ العمل في «كتائب القسام»، ونشط في عمليات التصدي للتوغلات الإسرائيلية للمخيم وبلدة بيت لاهيا بشكل واضح وكبير، وكان من أوائل مَن استخدموا قاذف «الياسين» المضادة للدروع، وذلك في التصدي لعملية عسكرية إسرائيلية كبيرة استهدفت مخيم جباليا عام 2004.

فلسطينيون يُشيعون جثمان القيادي بـ«حماس» عماد اسليم من مستشفى الشفاء في مدينة غزة الخميس (أ.ب)

وقاد البيك، كما تقول مصادر «حماس» لـ«الشرق الأوسط»، أولى الوحدات الخاصة في «القسام» بمخيم جباليا التي يُطلق عليها حالياً «النخبة»، وقاد لسنوات طويلة كتيبة «عماد عقل» (الغربية) لمنطقة مخيم جباليا، ثم تركها وأصبح قائداً لجهاز الاستخبارات في «لواء الشمال»، قبل أن يُصبح بعد اغتيال أحمد الغندور في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023، قائداً لـ«لواء الشمال».

وتقول المصادر إنه حين كان قائداً لجهاز الاستخبارات في «لواء الشمال» كان يوصف بأنه «الفتى المدلل» لمحمد عودة، قائد ركن الاستخبارات على مستوى قطاع غزة، وكانت تربطهما علاقة مميزة، كما أنهما من سكان مخيم جباليا.

وتوضح المصادر أنه قاد عملية إفشال ما سُميت خلال الحرب الأخيرة «خطة الجنرالات» التي كانت تهدف لتهجير سكان شمال قطاع غزة، وثبت مع مقاتليه في المعارك ضد الجيش الإسرائيلي وجهاً لوجه.

ويقول أحد مصادر «حماس»، الذي يعرفه جيداً، إنه كان بمثابة قناص ماهر، كما أنه تولّى مسؤولية إدارة العمليات لفترة في «لواء الشمال»، وهو من الشخصيات المحبوبة شعبياً، حاله حال إسليم الذي كان أيضاً خطيباً مفوهاً ويتدخل في الإصلاح بين الناس.

وتعرّض البيك، الشهير بلقب «عشماوي»، قبل الحرب وخلالها لعدة محاولات اغتيال، كانت إحداها داخل مخيم جباليا في النصف الثاني من الحرب الأخيرة، وقتل مرافقه، فيما نجا هو.


مقالات ذات صلة

التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

المشرق العربي خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)

التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

الحكومة والجيش الإسرائيليان يتعرضان لانتقادات، ونتنياهو يخشى أن يتسبب ذلك في هزيمته الانتخابية، والجنرالات يخشون من فقدان الهيبة.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي جنود إسرائيليون في موقع عسكري يطل على ما يسمى الخط الأصفر في وسط قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ب)

الجيش الإسرائيلي يعلن استهداف مقاتلَيْن رئيسيَيْن من «حماس» في غزة

قال الجيش ‌الإسرائيلي، ‌الأربعاء، ​إنه ‌استهدف ⁠اثنين ​من مقاتلي ⁠حركة ⁠«حماس» ‌الرئيسيين ​في ‌شمال قطاع ‌غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم بمدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ) p-circle

بالصور: فلسطينيون يشيّعون جثمان قائد «القسام»... وإسرائيل تكثف هجماتها

حمل عشرات الفلسطينيين جثمان محمد عودة القائد الجديد لكتائب القسام الجناح المسلح لحركة «حماس» في جنازة بشوارع مدينة غزة الأربعاء

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي من اليمين: محمد عودة وإلى جواره 3 قيادات من «الكتائب» اغتالتهم إسرائيل في هجمات منفصلة هم رافع سلامة وأبو عبيدة ومحمد الضيف (صورة نشرها الجيش الإسرائيلي) p-circle

إسرائيل تؤكد مقتل محمد عودة القائد الجديد لـ«القسام»

أعلنت إسرائيل اليوم (الأربعاء) أنها اغتالت محمد عودة، القائد الجديد لـ«كتائب القسام»، الجناح المسلح لحركة «حماس» غداة استهدافه بغارة جوية على غزة.

المشرق العربي فلسطينيون يشقون طريقهم عبر أنقاض مبانٍ دمرتها غارات إسرائيلية في خان يونس جنوب قطاع غزة 26 مايو 2026 (أ.ف.ب) p-circle

مصادر «حماس» تؤكد لـ«الشرق الأوسط» اغتيال القائد الجديد لـ«القسام»

أكّدت 3 مصادر من حركة «حماس» في قطاع غزة، مساء الثلاثاء، أن القوات الإسرائيلية اغتالت محمد عودة القائد الجديد لـ«كتائب القسام».

«الشرق الأوسط» (غزة)

التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
TT

التصعيد الإسرائيلي ضد لبنان وغزة نابع من حسابات داخلية

خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)
خلال تشييع جندية إسرائيلية قُتلت في لبنان الخميس (أ. ب)

على الرغم من التصريحات التي توحي بأن التصعيد الحربي الإسرائيلي على لبنان جاء لـ«سحق (حزب الله)»، كما قال رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، ولأجل «تدمير ما تبقى من قدرات للحزب»، كما يقول الجيش، ومن أجل تحطيم القوة المتنامية لحركة «حماس» في قطاع غزة، يبدو أن الأمر الحاسم فعلاً هو الحسابات الداخلية التي يجريها القادة السياسيون والعسكريون في تل أبيب.

فالحكومة تتعرض لانتقادات لاذعة، ليس فقط من أحزاب المعارضة، بل من الجمهور الواسع والصحافة وحتى من بعض الشخصيات اليمينية، لأن الجميع يجد أن أهداف الحرب لم تتحقق. وكل الوعود الرسمية العلنية، بتصفية المشروع النووي الإيراني والصواريخ الباليستية، وإسقاط النظام في طهران، والقضاء على الأذرع العسكرية الإقليمية، وتفكيك «حزب الله» من سلاحه وإلحاق ضربة قاضية بـ«حماس»، تبخرت. صحيح أن هذه القوة تلقت ضربات قاسية جداً، ولم تستطع حماية كبار قادتها من الاختراق الأمني الإسرائيلي والاغتيالات، إلا أن إيران تحافظ على نحو نصف ترسانتها، وتواصل تهديداتها، و«حزب الله» يجعل حياة سكان الشمال الإسرائيلي كابوساً، ويقوّض قدرات الحكومة اللبنانية على إدارة مفاوضات واشنطن من موقع قوة، و«حماس» تفرض سيطرتها بالقوة في قطاع غزة.

بنيامين نتنياهو وإيتمار بن غفير خلال جلسة للكنيسيت في 23 مايو 2026 (أ. ب)

ويسخر الإسرائيليون من تصريحات نتنياهو، التي يعلن فيها مرتين في اليوم أنه والرئيس الأميركي، دونالد ترمب، صديقان، وعلى تنسيق تام في المواقف، بينما يقول ترمب إن «نتنياهو ولد جيد يفعل كل ما أطلبه منه». ويسخرون أيضاً من ترمب الذي «لم يفِ بوعوده حول أهداف الحرب».

ويتعرض الجيش الإسرائيلي لهزة في هيبته؛ فالحكومة نفسها تتهمه بالعجز عن توفير الأمن، وتتهمه بالإهمال. وقد ظهر نتنياهو بنفسه يدعي بأنه عندما ظهرت الطائرات المسيّرة بالألياف البصرية في حرب أوكرانيا، تنبه إلى خطورتها، وحذر جيشه، وطلب الاستعداد لمواجهتها. وسكان الشمال الإسرائيلي، الذين يضطرون إلى الركض إلى الملاجئ أكثر من 20 مرة في اليوم الواحد، يتهمون الجيش بالفشل في حمايتهم، ويطالبونه باستغلال كل قدراته للقضاء على «حزب الله» حتى لو كان الأمر يتطلب احتلال لبنان كله.

وسكان الجنوب يروون أنهم كلما رأوا كيف تتصرف «حماس» يستعيدون ذكريات 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023.

لذلك، انطلق نتنياهو إلى التصعيد، لأن الانتقادات ضده تتغلغل في نفوس الجمهور الواسع، وهو في عزّ معركته الانتخابية. ومع أن منافسيه من المعارضة يعانون من الشرذمة والضعف ولا يطرحون بديلاً مقنعاً لسياسته، فإنه يخشى من هزيمة. وهو يحتاج إلى لهيب الحرب للتغطية على فشله، وربما يستغل الحرب لتأجيل الانتخابات «بسبب حالة الطوارئ الحربية».

فلسطينيون يعاينون الدمار قرب مبنى استهدفته غارة إسرائيلية مدينة غزة الخميس (رويترز)

والجيش، الذي لا يطيق اعتباره ضعيفاً أمام الجمهور وأمام أهالي جنوده وضباطه، ويحاول الظهور كأقوى جيش في الشرق الأوسط، ويدير حملات حربية شرسة لا ترحم طفلاً أو امرأة في لبنان أو غزة، يوسع نطاق احتلاله ويدمر العمارات والبنى التحتية أكثر، ويشرد مئات الألوف، ويعيث فساداً ونهباً للبيوت التي يجتاحها، ويفرض معادلة مريعة: «مقابل كل إسرائيلي يقتله (حزب الله) نقتل 30 لبنانياً»، و«مقابل كل جدار تدمره مسيرات (حزب الله) في البلدات الإسرائيلية ندمر عشرات العمارات في لبنان»، ويطلق موجة جديدة من عمليات الاغتيال في قطاع غزة، وفي لبنان (حاولوا اغتيال نعيم قاسم مرتين على الأقل). وجنباً إلى جنب مع ذلك، رد بحملة يلقي فيها باللائمة على الحكومة.

في البداية، قال إنه حقق إنجازات عسكرية هائلة، لكن الحكومة لم تنجح في استثمارها سياسياً. ثم قال إن سحق «حزب الله» هو شعار شعبوي، وإن نزع سلاح «حزب الله» يحتاج إلى قرار سياسي باحتلال لبنان كله، وحتى في هذه الحالة لا نضمن القضاء على كل بندقية.

والأمر نفسه في قطاع غزة. لكنه راح لاحقاً يتهم الحكومة بأنها تقيد يديه، ولا تصدر القرارات السياسية المناسبة.

وقد اضطر نتنياهو إلى إلقاء المسؤولية على ترمب، قائلاً إنه لا يريد أن يقصف بيروت، أو أن يتخذ قرارات حربية واسعة تخرب على ترمب في مفاوضاته مع إيران، «وهو أكبر صديق لإسرائيل في التاريخ الأميركي».

دمار بمبنى استهدفته غارة إسرائيلية في مدينة صور بجنوب لبنان الخميس (أ. ب)

من هنا، فإن الصراعات الداخلية في إسرائيل، الغارقة في المصالح الشخصية والحزبية لنتنياهو وحكومته من جهة، والمصالح الذاتية التي تتعلق بالهيبة للجيش، من جهة ثانية، هي التي تحكم التصرفات وتملي التصعيد. وفي ممارسات «حزب الله» و«حماس» ما يجدون فيه دائماً حجة يتذرعون بها، ويقنعون الرئيس ترمب بدعمهم في «معالجتها» بمزيد من التصعيد. وعلى الطريق، يجربون مزيداً من الأسلحة الفتاكة لتصبح قابلة للبيع بأسعار تفضيلية خدمةً لشركات الأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي تُعتبر أكبر الرابحين من هذه الحرب.


بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
TT

بين إسقاط الحكومات وفقدان السيطرة: «حزب الله» أمام معادلة سياسية جديدة

الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)
الحكومة اللبنانية مجتمعة برئاسة رئيس الجمهورية جوزيف عون (الرئاسة اللبنانية)

منذ دخوله العمل السياسي عام 1992، انتقل «حزب الله» مع مرور السنوات من لاعب نيابي محدود التأثير إلى طرف أساسي في معادلة الحكم اللبنانية. فهو الذي انخرط في العمل التشريعي أولاً، ولم يدخل الحكومات مباشرة إلا في عام 2005، بعد اغتيال رئيس الحكومة الراحل رفيق الحريري، وخروج الجيش السوري من لبنان.

ومنذ ذلك الوقت حاول الحزب فرض سيطرته ونفوذه على الحكومات المتعاقبة، فعطّل بعضها، وأطاح ببعضها الآخر بعد ابتداعه مفهوم «الثلث المعطل»، والتوافقية في اتخاذ القرارات، واستحواذه وحليفته حركة «أمل» على كامل الحصة الوزارية الشيعية لاستخدامها ورقة لإسقاط الحكومات، أو منعها من العمل.

لذلك لا يبدو خروج أمين عام الحزب الحالي الشيخ نعيم قاسم، على اعتبار أنه «من حق الناس أن تنزل إلى الشوارع، وتسقط الحكومة، وتسقط المشروع الأميركي–الإسرائيلي»، مفاجئاً لمن تابع عن كثب على مر السنوات أداء «حزب الله» في عمليتي تشكيل وإسقاط الحكومات، كذلك قول عضو المجلس السياسي في «حزب الله» الوزير السابق محمود قماطي «رئيس الجمهورية أو غيره بأغلبية حكومية يريدون ضرب المقاومة في هذا العهد، وبالتالي على هؤلاء أن يعلموا أنهم جهة عابرة تأتي، وتذهب، فيما نحن المتجذّرون في هذا البلد...».

نعيم قاسم الأمين العام لـ«حزب الله»

مسار طويل من محاصرة الحكومات

وتعود أول محاولة لـ«حزب الله» لمحاصرة الحكومة سعياً لإسقاطها للعام 2006 حين سحب وحركة «أمل» وزراءهما من حكومة الرئيس فؤاد السنيورة احتجاجاً على التصويت لصالح إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة الحريري.

ونظم «الثنائي الشيعي» و«التيار الوطني الحر» اعتصاماً طويلاً في وسط بيروت لاعتبارهم الحكومة غير ميثاقية. إلا أنها واصلت أعمالها حتى مايو (أيار) 2008 حين تحرك «حزب الله» عسكرياً في بيروت وبعض مناطق جبل لبنان للتصدي لقرارات اتخذتها الحكومة بخصوص شبكة اتصالاته. وقد أدى ذلك إلى اجتماع القوى اللبنانية في قطر ليخرجوا بما عُرف بـ«اتفاق الدوحة» الذي انتزع الحزب من خلاله «الثلث المعطل»، أي حصوله وحلفائه على ثلث عدد الوزراء، ما يسمح لهم بإسقاط الحكومة.

وهذا ما حصل فعلياً في العام 2011، فأقدم «حزب الله» وحلفاؤه على سحب وزرائهم من حكومة الرئيس سعد الحريري، ما أدى إلى سقوطها.

«تحرر» حكومة سلام

وبعدها توالى تشكيل الحكومات التي يمتلك فيها الحزب وحلفاؤه «الثلث المعطل» الذي سمح لهم بالتحكم بقرارات ومصير مجالس الوزراء المتعاقبة. بحيث تم تشكيل 6 حكومات منذ العام 2011، وصولاً للحكومة الحالية التي يرأسها نواف سلام، والتي تُعتبر أول حكومة من العام 2008 تتحرر من سطوة الحزب عبر «الثلث المعطل». ونتيجة لذلك، فشل في منع الحكومة من اتخاذ قرارات حصرية السلاح، واعتبار جناحه العسكري غير شرعي، وغيرها من القرارات التي رفضها الحزب، وهاجمها، ولم يتمكن من منع صدورها.

رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام يتوسط النائبين علي حسن خليل وقاسم هاشم خلال زيارته إلى بلدة كفركلا الحدودية مع إسرائيل في جنوب لبنان قبل بدء الحرب الأخيرة (أ.ف.ب)

ابتزاز الحكومات المتعاقبة

ويعتبر الكاتب السياسي ورئيس تحرير موقع «جنوبية»، علي الأمين، أن «حزب الله»، ومنذ «اتفاق الدوحة»، «حاول ابتزاز الحكومات المتعاقبة التي كان يتم تشكيلها، سواء من خلال بدعة (الثلث الضامن)، أو التوافق، أو الميثاقية»، لافتاً إلى أنه «في المرحلة الأخيرة، وبالتحديد في الحكومة الحالية، انقلبت المعادلات تماماً، فتشكلت على قواعد مختلفة عكست التوازنات السياسية الجديدة».

ويرى الأمين في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «حتى ولو كان (حزب الله) يعتبر أن إسقاط الحكومة الحالية ممكن في الشارع، ولكنه يدرك أن تشكيل أخرى بشروطه أمر غير متاح، لذلك فإن تهديداته راهناً بإسقاط الحكومة لا تتعدى التهويل، والصراخ، وليس أكثر من تعبير عن المأزق الذي يعيشه الحزب، ويعبر عنه الشيخ نعيم قاسم بخطابه المتناقض. أضف أن الرئيس بري ليس بالوارد ملاقاة الحزب في هذه الخطوة، وبالتالي لا فرصة للحزب إطلاقاً لإسقاط الحكومة، أو تعديل السياسات التي يشكو منها».


التصعيد الإسرائيلي يعيد الاستهدافات إلى الضاحية الجنوبية لبيروت

تشييع عدد من القتلى الذين سقطوا في غارات إسرائيلية بمدينة صور (أ.ف.ب)
تشييع عدد من القتلى الذين سقطوا في غارات إسرائيلية بمدينة صور (أ.ف.ب)
TT

التصعيد الإسرائيلي يعيد الاستهدافات إلى الضاحية الجنوبية لبيروت

تشييع عدد من القتلى الذين سقطوا في غارات إسرائيلية بمدينة صور (أ.ف.ب)
تشييع عدد من القتلى الذين سقطوا في غارات إسرائيلية بمدينة صور (أ.ف.ب)

تواصل إسرائيل تصعيدها العسكري في لبنان، موسعة دائرة الاستهدافات من الجنوب إلى محيط الضاحية الجنوبية لبيروت، فيما أصدر الجيش الإسرائيلي أوامر إخلاء واسعة هي الأكبر منذ دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ في 17 أبريل (نيسان) الماضي، شملت مناطق تمتد حتى شمال نهر الزهراني. وترافقت التحذيرات مع غارات مكثفة استهدفت مدناً وبلدات جنوبية، مخلفة عشرات الضحايا والجرحى، من خلال مجازر شملت عائلات بأكملها خلال محاولات النزوح أو داخل منازلها، في وقت تتواصل فيه المواجهات بين إسرائيل و«حزب الله» رغم اتفاق وقف إطلاق النار.

غارة على الشويفات وتصعيد يمتد من بيروت إلى الجنوب

وامتد التصعيد الإسرائيلي، الخميس، إلى محيط الضاحية الجنوبية لبيروت، حيث استهدفت غارة إسرائيلية شقة سكنية في منطقة الشويفات الواقعة جنوب العاصمة، بعدما أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذ هجوم «دقيق» في منطقة بيروت. وتعد هذه المرة الثانية التي تستهدف فيها إسرائيل محيط الضاحية الجنوبية منذ إعلان وقف إطلاق النار في 17 أبريل الماضي.

وأظهرت مشاهد تصاعد الدخان من المكان المستهدف، فيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن أن الغارة استهدفت علي الحسيني، المسؤول عن المنظومة الصاروخية في «فرقة الإمام الحسين» التابعة لفيلق القدس الإيراني، وسط تضارب في التقديرات الإسرائيلية بشأن نجاح عملية الاغتيال، إذ تحدثت مصادر عسكرية إسرائيلية عن مؤشرات أولية تفيد بإخفاق العملية.

عناصر الدفاع المدني في المبنى الذي استهدف بمنطقة الشويفات بضاحية بيروت (أ.ف.ب)

كما كشفت القناة 13 الإسرائيلية أن تنفيذ الغارة جاء بعد مشاورات مكثفة مع إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في مؤشر إلى قرار بتوسيع بنك الأهداف ليشمل مجدداً محيط العاصمة اللبنانية، رغم سريان وقف إطلاق النار الهش منذ أبريل الماضي.

وبالتوازي، شهدت الساعات الماضية تصعيداً واسعاً في الجنوب تمثل بإعلان الجيش الإسرائيلي مناطق واسعة «مناطق قتال»، مع دعوة السكان إلى الانتقال شمال نهر الزهراني، متوعداً بتنفيذ ضربات «بقوة شديدة» ضد «حزب الله». كما أعلن بدء استهداف «بنى تحتية تابعة للحزب» في محيط مدينة صور، عقب إنذارات بإخلاء مبانٍ في المدينة.

وتزامن التصعيد الميداني مع مواقف إسرائيلية تصعيدية، إذ أعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو توسيع العملية البرية في جنوب لبنان عقب هجمات بالمسيّرات نفذها «حزب الله» ضد قوات إسرائيلية ومستوطنات في شمال إسرائيل. كما قال وزير المال الإسرائيلي بتسلئيل سموتريتش إن «الطريقة الوحيدة لحماية الجنود الإسرائيليين من المسيّرات هي هدم عشرة مبانٍ في الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل كل مسيّرة يطلقها (حزب الله)»، داعياً إلى مواصلة العمليات العسكرية «حتى تحقيق الانتصار».

ضغط تفاوضي ومشكلة المسيّرات

وفي قراءة للتصعيد، يرى العميد المتقاعد والخبير العسكري حسن جوني أن ما يجري يتجاوز البعد الميداني المباشر، ويرتبط أيضاً بالتحضير للمرحلة التفاوضية التي تسبق الاجتماع الأمني المرتقب في واشنطن. وحسب جوني، فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسعى إلى دفع الوفد اللبناني إلى أي مفاوضات مقبلة تحت ضغط عسكري ونفسي كبير يشمل الدولة اللبنانية وبيئة «حزب الله»، عبر توسيع رقعة الاستهدافات ورفع تكلفة المواجهة داخلياً.

ويقول جوني لـ«الشرق الأوسط»: «إسرائيل لا تزال تواجه معضلة حقيقية في التعامل مع المسيّرات التي يطلقها (حزب الله)، بعدما فشلت حتى الآن في الحد من فاعليتها، الأمر الذي دفعها إلى اعتماد سياسة تقوم على تكثيف الإنذارات واستهداف المباني السكنية والقرى الجنوبية بشكل منهجي، بهدف فرض معادلة تربط استمرار المسيّرات باستمرار الضربات المؤلمة التي تصيب المدنيين وتوقع عائلات بأكملها بين قتيل وجريح».

وفي هذا السياق، تواصل مسيّرات «حزب الله» فرض نفسها بوصفها أحد أبرز عناصر المواجهة الميدانية، وسط إقرار إسرائيلي بصعوبة التعامل معها. وأعلن الجيش الإسرائيلي مقتل مجندة إسرائيلية إثر هجوم بمسيّرة أطلقها «حزب الله» قرب الحدود، فيما تحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن إطلاق نحو 15 مسيّرة خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، سقط عدد منها داخل الأراضي الإسرائيلية، بالتزامن مع إعلان «حزب الله» تنفيذ سلسلة عمليات استهدفت تجمعات وآليات ودبابات إسرائيلية في عدد من المحاور الحدودية.

الدخان يتصاعد من مدينة النبطية إثر استهدافها بغارات إسرائيلية (رويترز)

وحسب تقدير جوني، فإن عدم نجاح الضغوط الإسرائيلية في وقف هجمات المسيّرات دفع الجيش الإسرائيلي إلى توسيع عملياته البرية بحثاً عن مطلقيها، حيث تم تسجيل تقدم على محور زوطر الشرقية وصولاً إلى المنطقة، في إطار محاولة التمهيد للسيطرة على محور أرنون - الشقيف، بوصفه جزءاً من «الخط الأصفر»، مشيراً إلى أن مسار التطورات الميدانية خلال الساعات المقبلة سيكون عاملاً أساسياً في تحديد طبيعة المرحلة التالية والخيارات التي قد يلجأ إليها الطرفان.

مجازر وارتفاع أعداد القتلى

وارتفعت حصيلة الضحايا المدنيين مع استمرار الغارات الإسرائيلية على مناطق مأهولة. وأعلنت وزارة الصحة اللبنانية مقتل 11 شخصاً على الأقل، الخميس، بينهم طفلان وسيدتان، جراء غارات استهدفت صيدا وعدلون. وأدت غارة على شقة سكنية في منطقة القياعة في صيدا إلى سقوط قتلى وجرحى، فيما استهدفت مسيّرة إسرائيلية سيارة لعائلة كانت تحاول النزوح عبر أوتوستراد عدلون، ما أدى إلى مقتل ستة أشخاص من العائلة نفسها بينهم أطفال.

جانب من الدمار الذي أصاب مبنى في مدينة صيدا وأدى إلى سقوط قتلى وجرحى (إ.ب.أ)

كما سقطت قتلى وجرحى في غارات استهدفت مدينة صور، حيث تحدثت فرق الإنقاذ عن دمار كبير في الأحياء المستهدفة، فيما تواصلت عمليات رفع الأنقاض وإخماد الحرائق حتى ساعات الصباح. وتقول وزارة الصحة اللبنانية إن الغارات الإسرائيلية أدت منذ مطلع مارس (آذار) إلى مقتل أكثر من ثلاثة آلاف شخص، في وقت تتواصل فيه التحذيرات من تفاقم الوضع الإنساني مع توسع دائرة النزوح والقصف.