الحرب والنزوح يسرقان بهجة عيد الأضحى في بيروت

لبنانيون يروون «الموت النفسي» وتغير العادات

امرأة توزع الحلوى على أطفال نازحين في مخيم للنازحين أقيم بوسط بيروت (إ.ب.أ)
امرأة توزع الحلوى على أطفال نازحين في مخيم للنازحين أقيم بوسط بيروت (إ.ب.أ)
TT

الحرب والنزوح يسرقان بهجة عيد الأضحى في بيروت

امرأة توزع الحلوى على أطفال نازحين في مخيم للنازحين أقيم بوسط بيروت (إ.ب.أ)
امرأة توزع الحلوى على أطفال نازحين في مخيم للنازحين أقيم بوسط بيروت (إ.ب.أ)

تتغيّر ملامح عيد الأضحى لدى كثير من اللبنانيين مع استمرار الحرب وما يرافقها من تصعيد وإنذارات وقلق يومي، إذ تشوش التطورات الأمنية الناتجة عن الحرب، على لقاءات عائلية باتت أكثر محدودية، ويتفاقم الخوف والقلق، رغم محاولات الحفاظ على ما تبقى من عادات متصلة بالعيد.

ويتحدث اللبنانيون عما يشبه «الموت النفسي» البطيء جراء التطورات، وهو شعور لا يقتصر على النازحين من الجنوب والضاحية الجنوبية، بل يشمل لبنانيين أكثر من مختلف المناطق.

خوف متواصل

تقول رامية سلمان إن عيد الأضحى الماضي والعيد الحالي لم يعودا يحملان المعاني نفسها المرتبطة بالفرح لدى كثير من اللبنانيين، بعدما أصبحت الأجواء مرتبطة بالخوف أكثر من ارتباطها بالبهجة التي كانت ترافق هذه المناسبات.

متطوعات يحضرن وجبات ومخبوزات ضمن مبادرة إنسانية في بيروت لدعم العمال النازحين (أ.ف.ب)

وتضيف: «في عيد الأضحى الماضي كما في عيد الأضحى هذا العام، بدا المشهد مختلفاً تماماً عما عرفناه لسنوات طويلة. الأعياد كانت دائماً مرتبطة بالتحضير للزيارات العائلية وشراء حاجيات العيد واستقبال الأقارب وحتى بالتفاصيل الصغيرة التي كانت تمنح الناس شعوراً مختلفاً بالمناسبة، لكن ما يحدث اليوم غيّر هذا الإحساس بشكل كبير».

وتضيف لـ«الشرق الأوسط»: «قبل العيد بيومين، والتصعيد الذي شهده البقاع الغربي تحديداً، شعرنا بخوف كبير من فكرة العيد نفسها. بدلاً من انتظار المناسبة بفرح، أصبحنا نتمنى فقط أن تمر هذه الأيام على خير. لم يعد الهم كيف سنقضي العيد أو كيف سنحتفل، بل أصبح كيف سنمرر هذه المرحلة بأمان».

وترى أن تقاليد ليلة العيد نفسها تبدلت بصورة واضحة، قائلة: «ليلة العيد كانت دائماً مساحة للفرح، للحركة في الأسواق، للاجتماعات العائلية، وللشعور بأن هناك مناسبة ينتظرها الجميع. اليوم تبدل المشهد كثيراً. تحولت اللقاءات من اجتماعات مرتبطة بالفرح إلى لقاءات يسيطر عليها القلق والخوف والأسئلة».

وتضيف: «أحياناً نشعر كأن الجيش الإسرائيلي يتلاعب بجهازنا العصبي بصورة مستمرة. ليست القضية مرتبطة فقط بالغارات أو الاستهدافات المباشرة، بل بحالة الانتظار الدائمة التي تُفرض على الناس».

وتتابع: «الخوف والذعر لم يعودا مجرد شعور مؤقت يرتبط بلحظة معينة، بل أصبحا جزءاً من الحياة اليومية. أحياناً نشعر بأننا لا نعيش الخوف من حدث معين فقط، بل نعيش نوعاً من الاستنزاف الداخلي المستمر. كأن شيئاً في داخل الإنسان ينطفئ تدريجياً».

معاني العيد

بدورها، تقول زينب طهماز، إن الأعياد بدأت تفقد جزءاً من عاداتها خلال السنوات الأخيرة، لكن الحرب سرعت هذا التحول بصورة أكبر.

وترى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أنه «من عيد الأضحى الماضي كانت الأجواء شبه معدومة». وتستعيد مشاهد العام الماضي قائلة: «وقتها حصلت الإنذارات وشاهدنا كيف أُخليَت مناطق كثيرة، خصوصاً في الضاحية. حيث كان ذلك دليلاً على أن الناس لم تعد تملك الرغبة بالخروج أو حتى الذهاب إلى قراها».

لبنانيون يزورون أضرحة أقرباء لهم صباح عيد الأضحى في بيروت (إ.ب.أ)

وتتابع: «كان لدينا شيء من رائحة العيد، الضيعة، وبيت جدنا، وتجمّع العائلة. هذه كانت من البديهيات بالنسبة إلينا. أما هذه السنة، فحتى هذه الأشياء أصبحنا محرومين منها ».

وتقول: «أشعر أحياناً بأن الحرب لا تأخذ منا فقط الأمان أو الأجواء، بل تأخذ منا القدرة على الشعور بالأشياء نفسها. فالأشياء التي كنا ننتظرها بحماس لم نعد ننتظرها بالطريقة نفسها».

الخوف بدّل وجهة العيد

من جهته، يقول علي الحسيني، إن التصعيد لم يغيّر فقط أجواء العيد، بل غيّر أيضاً قرارات شخصية وعائلية كانت تبدو محسومة. ويضيف لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أنوي تمضية العيد مع العائلة في البقاع، وكانت الفكرة مرتبطة بشيء من العودة إلى الأجواء التي اعتدنا عليها سابقاً»، لافتاً إلى أنّ «التصعيد الذي شهدته الأيام التي سبقت العيد ترك أثراً نفسياً معاكساً تماماً، فبدلاً من أن يدفعنا إلى التفكير بالعيد، خلق شعوراً بالخوف والقلق».

ويقول: «قررت البقاء مع أولادي في مكان نزوحنا في جبل لبنان خوفاً من أي تصعيد جديد أو إنذارات جديدة، وخشية أن تتدحرج الأمور بطريقة تمنعني من العودة إلى بيروت لتلقي علاجي».

طفل يقود خروفاً داخل سوق الماشية في بيروت قبيل حلول عيد الأضحى (إ.ب.أ)

موت بطيء

أما سعيد شهاب، فيرى أن الحرب لم تسلب الناس تفاصيل العيد فقط، بل دفعتهم إلى إعادة النظر حتى في الأشياء التي كانت تبدو بديهية في السابق.

ويقول لـ«الشرق الأوسط»: «في مثل هذه الظروف أصبح العيد مفقوداً، سواء كان هناك إنذار أم لا»، مضيفاً: «أصبح الإنسان يتمسك بأبسط الأمور ويقول الحمد لله إن لديه بيتاً يستطيع أن يجلس فيه، وإن هذا البيت لم يُدمّر وما زال قادراً على البقاء فيه».

ويتابع: «فوق شعورك بأنك محروم من أشياء كثيرة، تأتيك أخبار تتحدث عن احتمال استهداف المنطقة التي أنت موجود فيها، فتشعر بأن حتى آخر مساحة أمان تتمسك بها يمكن أن تُنتزع منك».

ويقول: «يمكن أن تخسر مسقط رأسك، وتخسر أشخاصاً وتفاصيل كثيرة كانت تعني لك شيئاً، ثم تشعر بأن حتى البيت الذي يمنحك بعض الطمأنينة قد يصبح مهدداً أيضاً».

ويضيف: «المشكلة ليست فقط بما يحدث في الخارج، بل بما يبقى داخل الإنسان. الإنسان لا يخسر بيتاً أو مكاناً فقط، بل يشعر أحياناً بأنه يخسر شيئاً منه هو أيضاً. هناك حسرة تبقى في داخله، وتعب نفسي يتراكم، وكأنك مع الوقت تعيش نوعاً من الموت البطيء للمشاعر والأشياء التي كانت تعطيك أملاً أو شعوراً بالحياة».


مقالات ذات صلة

أميركا تمدد وضع الحماية المؤقتة للبنان حتى نوفمبر

المشرق العربي وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل... 27 مايو 2026 (رويترز)

أميركا تمدد وضع الحماية المؤقتة للبنان حتى نوفمبر

أفاد إشعار نُشر في السجل الاتحادي، الأربعاء، بأن الولايات المتحدة مددت تصنيف وضع الحماية المؤقتة للبنان حتى 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
المشرق العربي مصلون يتبادلون المعايدات بعد صلاة عيد الأضحى في جامع محمد الأمين في وسط بيروت (أ.ب)

سلام يتعهّد بـ«بناء دولة قوية وعادلة للنهوض بلبنان»

تعهّد رئيس الحكومة اللبنانية نواف سلام بـ«بناء دولة قوية وعادلة للنهوض بلبنان»، على وقع تصعيد عسكري في الجنوب، وإصرار «حزب الله» على القتال.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الدخان يتصاعد من قلعة الشقيف شرق مدينة النبطية جراء غارات إسرائيلية تستهدفها (رويترز)

إسرائيل تختبر دفاعات مدينة النبطية بجنوب لبنان وتعزلها عن محيطها

أحرز الجيش الإسرائيلي، الأربعاء، تقدماً ميدانياً بمحيط مدينة النبطية في جنوب لبنان، ونقل توغلاته إلى شمال نهر الليطاني بيما وسّع الحزام الناري إلى 20 كيلومتراً.

نذير رضا (بيروت)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (رويترز)

نتنياهو: الجيش الإسرائيلي ينشر قوات كبيرة في جنوب لبنان

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، إن الجيش ينشر «قوات كبيرة على الأرض» في جنوب لبنان، ويسيطر على «مناطق استراتيجية».

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الخليج الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي (المجلس)

لبنان يشيد بالموقف الخليجي الداعم لأمنه واستقراره

أشاد رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام، ووزير الخارجية يوسف رجي، بموقف دول مجلس التعاون الخليجي الثابت والداعم لأمن واستقرار بلدهما، بما يعكس عمق الروابط الأخوية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

أميركا تمدد وضع الحماية المؤقتة للبنان حتى نوفمبر

وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل... 27 مايو 2026 (رويترز)
وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل... 27 مايو 2026 (رويترز)
TT

أميركا تمدد وضع الحماية المؤقتة للبنان حتى نوفمبر

وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل... 27 مايو 2026 (رويترز)
وحدة مدفعية عسكرية إسرائيلية تقتحم لبنان بعد عبورها الحدود الإسرائيلية اللبنانية كما يُرى من شمال إسرائيل... 27 مايو 2026 (رويترز)

أفاد إشعار نُشر في السجل الاتحادي، الأربعاء، بأن الولايات المتحدة مددت تصنيف وضع الحماية المؤقتة للبنان حتى 27 نوفمبر (تشرين الثاني) 2026، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

إلى ذلك، تخطّى الجيش الإسرائيلي نهر الليطاني عبر تنفيذ عمليات توغل واجتياح شمال ما يُعرف بـ«الخط الأصفر» في جنوب لبنان، بالتزامن مع إنذار وجّهه إلى سكان النبطية، في مؤشر على انتقال المواجهات إلى مرحلة ميدانية أكثر اتساعاً.

وتحدثت وسائل إعلام إسرائيلية عن عمليات تهدف إلى وقف مسيّرات «حزب الله»، فيما شهد محور زوطر الشرقية مواجهات عنيفة مع إعلان الحزب التصدي لمحاولات تقدّم إسرائيلية باتجاه مجرى النهر باستخدام الصواريخ والقذائف والمسيّرات الانقضاضية.

كما توسعت الغارات الإسرائيلية لتشمل مناطق في صور وبنت جبيل وجزين والبقاع الغربي، حيث تعرضت مشغرة لسلسلة غارات عنيفة شكّلت ما يشبه «حزاماً نارياً».

وفي موازاة التصعيد، ينعقد الجمعة في واشنطن اجتماع عسكري لبناني - إسرائيلي برعاية أميركية، يُنظر إليه من الجانب اللبناني على أنه تقني بامتياز ويهدف إلى بحث تثبيت وقف إطلاق النار وانتشار الجيش جنوب الليطاني.


بالصور: فلسطينيون يشيّعون جثمان قائد «القسام»... وإسرائيل تكثف هجماتها

فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم في مدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ)
فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم في مدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ)
TT

بالصور: فلسطينيون يشيّعون جثمان قائد «القسام»... وإسرائيل تكثف هجماتها

فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم في مدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ)
فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم في مدينة غزة 27 مايو 2026 (د.ب.أ)

حمل عشرات الفلسطينيين جثمان محمد عودة، القائد الجديد لكتائب القسام، الجناح المسلح لحركة «حماس»، في جنازة في شوارع مدينة غزة الأربعاء، وفق تقرير لوكالة «رويترز» للأنباء.

ويأتي موكب الجنازة بعد يوم من مقتل عودة على يد إسرائيل في إطار حملتها للقضاء على كبار قادة «حماس» على الرغم من وقف إطلاق النار. وقال الجيش الإسرائيلي إن عودة قُتل في عملية دقيقة في غزة، مساء الثلاثاء، وذلك بعد أكثر من أسبوع من مقتل سلفه، عز الدين الحداد، في هجوم إسرائيلي على مبنى سكني في قطاع غزة.

ويعني مقتل الحداد وعودة تبقي عدد قليل من القادة المسلحين في غزة لقيادة كتائب القسام في وقت وصلت فيه المفاوضات، بوساطة الولايات المتحدة، بين إسرائيل و«حماس» إلى طريق مسدود بشأن المضي قدماً في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب لمستقبل غزة.

فلسطينيون يحملون جثمان محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» خلال جنازته في مدينة غزة 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)

مشيّعون: المقاومة لن تتوقف

قالت عائلة عودة إن الغارة الإسرائيلية التي استهدفته أسفرت أيضاً عن مقتل زوجته وابنه. وحمل المشيعون الجثث الثلاث المغطاة بأكفان بيضاء مروراً بمبان دمرها القصف خلال الحملة العسكرية الإسرائيلية التي استمرت عامين على غزة.

وقال أبو العبد عودة، أحد أقارب محمد عودة، إن الحملة الإسرائيلية لن تثني الفلسطينيين عن الانتفاض.

وأضاف في مسجد بمدينة غزة خلال الجنازة: «هذي المسيرة مش هتتوقف، ونضال الشعب الفلسطيني في كل الأصعدة هيظل مستمر». ويقول مسؤولون في قطاع الصحة في غزة إن الغارة التي أسفرت عن مقتل عودة وزوجته وابنه خلفت أيضاً ثلاثة قتلى آخرين وأكثر من 20 مصاباً، ودمّرت الطابق العلوي من مبنى سكني في حي الرمال بمدينة غزة.

وبحث عمال الإنقاذ تحت الأنقاض، في وقت سابق من الأربعاء، عن مزيد من القتلى والمصابين.

فلسطينيون يحملون جثمان محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» خلال جنازته في مدينة غزة 27 مايو 2026 (أ.ف.ب)

إسرائيل: عودة ضالع في هجوم 7 أكتوبر

قال رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، الثلاثاء، إن عودة كان يرأس شعبة المخابرات في «حماس» وقت الهجوم عبر الحدود على إسرائيل في السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، والذي تلاه اندلاع حرب غزة، مضيفاً أنه عين قبل نحو أسبوع ليحل محل عز الدين الحداد، أعلى قائد عسكري بالحركة، والذي قتلته إسرائيل في 15 مايو (أيار).

وقالت مصادر مقربة من «حماس»، إن عودة ربما كان آخر عضو متبق في مجلس القيادة العليا لكتائب القسام.

رجل فلسطيني يتفقد موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى سكنياً في مدينة غزة 27 مايو 2026 (رويترز)

وقتلت إسرائيل عشرات من قادة «حماس» والقادة العسكريين فيها منذ بدء حرب غزة، وتوعّدت بقتل أو اعتقال أي شخص تقول إنه كان ضالعاً في هجمات السابع من أكتوبر 2023.

وقال وزير الدفاع الإسرائيلي يسرائيل كاتس، في بيان، إن «حماس» لن تمارس بعد الآن سيطرة مدنية أو عسكرية على غزة، وإن خطة لما وصفها بأنها «هجرة طوعية» من القطاع ستنفّذ أيضاً «في الوقت المناسب وبالطريقة المناسبة».

ويرفض الفلسطينيون أي محاولة لتهجيرهم من قطاع غزة.

وتشير إحصاءات من مسؤولي صحة في غزة إلى أن نحو 900 فلسطيني قُتلوا في ضربات إسرائيلية منذ بدء سريان وقف إطلاق النار في أكتوبر. ولا تحدد تلك الإحصاءات عدد المدنيين والمقاتلين من بين القتلى.

وقال الجيش الإسرائيلي إن أربعة من جنوده قُتلوا على أيدي مسلحين خلال الفترة نفسها.

فلسطينيون يحملون جثامين محمد عودة القائد في الجناح العسكري لحركة «حماس» وزوجته وابنه خلال جنازتهم في مدينة غزة 27 مايو 2026 (رويترز)

ولا تفصح «حماس» عن أرقام الخسائر في صفوف مقاتليها. وتقول إسرائيل إن ضرباتها بعد وقف إطلاق النار تهدف إلى منع الهجمات أو منع الناس من الاقتراب من الخط الفاصل بين المناطق الخاضعة لسيطرتها والأراضي التي تسيطر عليها «حماس» بموجب اتفاق وقف إطلاق النار.

ووصلت المحادثات غير المباشرة بين إسرائيل و«حماس» إلى طريق مسدود حول تنفيذ المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار، والتي تشمل نزع سلاح الحركة وانسحاب الجيش الإسرائيلي.

وتسيطر إسرائيل على أكثر من نصف مساحة قطاع غزة بعد سريان وقف إطلاق النار المتفق عليه في أكتوبر، وتسيطر «حماس» على شريط ضيق من الأراضي الساحلية.


إسرائيل ترسخ استيلاءها على الضفة الغربية بـ«سجل الأراضي»

جنود إسرائيليون يغلقون طريقاً أثناء هدمهم مبنى في قرية قرب رام الله بالضفة الغربية المحتلة يوم 20 مايو الماضي (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يغلقون طريقاً أثناء هدمهم مبنى في قرية قرب رام الله بالضفة الغربية المحتلة يوم 20 مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

إسرائيل ترسخ استيلاءها على الضفة الغربية بـ«سجل الأراضي»

جنود إسرائيليون يغلقون طريقاً أثناء هدمهم مبنى في قرية قرب رام الله بالضفة الغربية المحتلة يوم 20 مايو الماضي (أ.ف.ب)
جنود إسرائيليون يغلقون طريقاً أثناء هدمهم مبنى في قرية قرب رام الله بالضفة الغربية المحتلة يوم 20 مايو الماضي (أ.ف.ب)

أطلقت إسرائيل، الأربعاء، نظام «سجل الأراضي وتسوية الحقوق» الإلكتروني في الأراضي الفلسطينية المحتلة، في خطوة دراماتيكية، من شأنها أن ترسخ استيلاءها على أراضي الضفة الغربية عبر ضمها وتحويلها إلى دولة مستوطنين، تاركة السلطة الفلسطينية بلا سيادة ولا وظيفة، والفلسطينيين بلا حماية قانونية.

وقالت محافظة القدس إن العملية التي انطلقت تحت شعار «تحديث السجل العقاري الرقمي» ليست سوى أداة لتكريس الاستيلاء غير المشروع على الأراضي الفلسطينية، عبر إعادة هندسة منظومة تسجيل الأراضي، لصالح المخططات الاستعمارية.

وكان المجلس الوزاري الأمني الإسرائيلي قد قرر، في مايو (أيار) 2025، الشروع بعملية تسوية شاملة لملكية الأراضي في مختلف أنحاء الضفة الغربية، في خطوة قالت السلطة إنها تهدف إلى استكمال الضم القانوني والإداري للأراضي المحتلة، عبر إخضاع عمليات تسجيل الأراضي بالكامل للسلطة الإسرائيلية، وفي منتصف فبراير (شباط) الماضي وافقت الحكومة الإسرائيلية على فتح عملية تسجيل الأراضي في الضفة الغربية، للمرة الأولى منذ عام 1967.

آليات إسرائيلية ثقيلة تهدم مبنى في قرية الولجة الفلسطينية بالضفة الغربية المحتلة يوم 18 مايو الحالي (رويترز)

وصادقت الحكومة على اقتراح نائب رئيس الوزراء وزير العدل، ياريف ليفين، ووزير المالية بتسلئيل سموتريتش، ووزير الدفاع يسرائيل كاتس، الذي ينص، من بين أمور أخرى، على تسجيل مساحات شاسعة في الضفة الغربية باسم الدولة (أراضي دولة). وبموجب هذا القرار، تم تكليف هيئة تسجيل وتسوية الحقوق العقارية التابعة لوزارة العدل الإسرائيلية بتنفيذ التسوية على أرض الواقع، وستُخصص لها ميزانية محددة لهذا الغرض.

كما أتاح القرار «فحص الحقوق بشفافية وعمق، بما يؤدي إلى إنهاء نزاعات قانونية، ويسمح بتطوير البنى التحتية وتسويق الأراضي بصورة منظّمة».

تحول خطير

وقال سموتريتش آنذاك إن ما جرى «يضمن تعزيز الاستيطان في مختلف أنحاء الدولة. ولأول مرة منذ حرب الأيام الستة، نعيد النظام والحكم الرشيد لإدارة الأراضي في يهودا والسامرة (الضفة الغربية)».

وأكدت محافظة القدس أنه تم فعلاً نقل الصلاحيات إلى وزارة العدل الإسرائيلية وهيئة المساحة الإسرائيلية، وخصصت لهما 244 مليون شيقل إسرائيلي (79 مليون دولار أميركي)، وبدأ الاستحواذ الدائم على ما يقارب 58 في المائة من المنطقة (ج)، أي نحو 35 في المائة من الضفة الغربية باستثناء القدس الشرقية، وتسجيلها.

وتظهر الخطوة الجديدة تحولاً خطيراً في السياسة الإسرائيلية فيما يخص مستقبل السلطة الفلسطينية والضفة الغربية.

وكانت سجلات الأراضي في الضفة الغربية، سرية، قبل هذا القانون الذي وسع أيضاً نطاق الرقابة والإنفاذ (بما يشمل الهدم) ليشمل المنطقتين (أ) و(ب) فيما يتعلق بمخالفات المياه، وإلحاق الضرر بالمواقع الأثرية، والمخاطر البيئية التي تلوث كامل الأراضي.

تسهيل الاستحواذ

ويتيح فتح سجل الأراضي في الضفة الغربية (الطابو) لجميع اليهود معرفة أسماء الملاك الفلسطينيين للأراضي والتواصل معهم مباشرة أو الضغط عليهم بطرق مختلفة لشرائها، مما يسهل عملية الاستحواذ على الأراضي والعقارات.

والأخطر أن هذا سيشمل للمرة الأولى مناطق «أ»، وهي المناطق التي تسيطر عليها السلطة الفلسطينية، وكانت ممنوعة على الإسرائيليين.

اختراق «المناطق المحرمة»

واختراق «المناطق المحرمة» (أ)، وكذلك (ب)، هو الأكثر خطورة في المسألة، لأنه يلغي عملياً دور السلطة الفلسطينية في هذه المناطق، إذ لن تعود السلطة الفلسطينية الجهة المخولة بتنظيم ملكية الأراضي والعقارات والبيع والشراء، كما أنه يمنح السلطات الإسرائيلية صلاحية الرقابة والهدم في المنطقتين (اللتين تخضعان إدارياً للسلطة الفلسطينية بموجب اتفاق أوسلو).

لقطة عامة تُظهر مستوطنة إفرات الإسرائيلية في تجمع مستوطنة غوش عتصيون بينما تظهر مدينة بيت لحم في الخلفية بالضفة الغربية (رويترز)

وحسب اتفاقيات أوسلو، تُقسّم الضفة الغربية إلى ثلاث مناطق: (أ)، و(ب)، و(ج). وتخضع المنطقة (ج) لسيطرة إسرائيلية كاملة، بينما تخضع المنطقة (ب) لسيطرة مدنية فلسطينية وسيطرة أمنية إسرائيلية، وتخضع المنطقة (أ) لسيطرة فلسطينية كاملة (أمنية وإدارية).

وكان معهد الحقوق في جامعة بير زيتر قد أصدر ورقة يشرح فيها الإطار العام للقرارات الإسرائيلية وتأثيراتها السياسية والقانونية.

وقال المعهد إن إسرائيل عملياً تبتلع الضفة عبر إعادة هندسة السيطرة عليها، مما يعد ضماً فعلياً للأراضي المحتلة.

وفند المعهد القرارات الإسرائيلية، وقال إنها تعزز السيطرة الإسرائيلية الكاملة على الضفة، وتحدّ من دور السلطة الفلسطينية نحو إلغاء تدريجي لها، ما يشكل تحولاً ملموساً في موازين القوة على الأرض، كما أنها تؤثر مباشرة على البنية القانونية لملكية الأرض في الضفة، وتغير التوزيع الديموغرافي وحقائق الوجود على الأرض، وتضفي «شرعية» على التوسع الاستيطاني وتعد «تسهيلاً قانونياً» للاستيطان، وتغير حقائق الأرض بشكل يصعب التراجع عنه لاحقاً.

وبموجب القرار الحالي، سيطلب من قائد القيادة المركزية بالجيش الإسرائيلي إتمام تسوية أوضاع 15 في المائة من أراضي الضفة الغربية بحلول نهاية عام 2030. وفي هذه المرحلة، سيقتصر تطبيق القرار على المنطقة (ج) فقط.

السلطة الفلسطينية

وكانت الرئاسة الفلسطينية أمرت أجهزتها ووزارتها بعدم التعامل مع أي وضع قررته إسرائيل في الضفة. وطلبت من الفلسطينيين عدم التعاطي مع أي محاولات إسرائيلية.

وقالت محافظة القدس إن القانون الدولي واضح لا لبس فيه ولا غموض، حيث يُحظر على الدولة المحتلة ضمّ الأراضي المحتلة أو الاستيلاء الدائم على الممتلكات العامة أو الخاصة خارج حدود الضرورة العسكرية الصارمة، أو تغيير الوضع القانوني للأراضي المحتلة. ومع ذلك، هذا تحديداً ما يحدث الآن، جهاراً نهاراً، عبر وسائل إدارية وتقنية مصممة لجعل إنهاء الوجود غير المشروع أكثر استحالةً.