د. حسن أبو طالب
كاتب مصري، مستشار بمركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية.
TT

العراق أمام فرصة تاريخية

استمع إلى المقالة

مع التشكيل الجزئي لحكومة علي فالح الزيدي، تتبلور المعضلة الأكبر أمام الرجل وأمام العراق ككل. الخلفية الاقتصادية له باعتباره أحد رجال الأعمال العراقيين الكبار، مع دعم تنسيقية الأحزاب الشيعية يوفران له نظرياً فرصة جيدة لبدء مرحلة لإعادة هيكلة السياسة في العراق، والتحول إلى دولة طبيعية تملك إرادتها الكاملة وسيادتها غير المنقوصة، يتغلب فيها المدني والقانوني على ما عداهما من مظاهر تُعدّ في صميم ما يوصف بالدولة الفاشلة. الهدف مشروع داخلياً ومطلوب خارجياً، وله قواعده الشعبية بين الأجيال الجديدة التي سئمت تغول الجماعات المسلحة أياً كان أسمها.

الفرص النظرية موجودة، ولكنها لا تخلو من قيود وعقبات، وهذا طبيعي في ظل حالة سياسية تشكلت عبر ربع قرن مرَّت بالاحتلال الأجنبي، والذي رغم غيابه قانونياً ما زالت نتائجه وتداعياته محفورة في عمل المؤسسات وعلاقات الأحزاب وتفاعلات الأجيال، كما مرَّت بتغلغل نفوذ إقليمي إيراني بالأساس، أحد أكبر مظاهره منظمات «الحشد الشعبي»، التي تشكلت بناءً على فتوى «الجهاد الكفائي» 2014، ولعبت دوراً في احتواء مخاطر «داعش»، وشكَّلت أجهزة أمنية موازية للأجهزة والمؤسسات الدستورية، وحتى مع إضفاء طابع قانوني عليها بفعل القانون رقم 40 لسنة 2016، إلا أنها ما زالت منظمات موازية، تعدّ نفسها غير معنية بالانضواء الكامل تحت مظلة سيادة الدولة. ناهيك عن طابعها العقائدي الذي يربطها عضوياً بنفوذ إيران.

والمفارقة هنا أن تنسيقية الأحزاب الشيعية التي رشحت علي فالح الزيدي ليكون رئيساً للوزراء، بعد أن رفض القُطبان نوري المالكي وشياع السوداني سحب ترشيحهما لرئاسة الوزراء، هم المعنيون أساساً بدعم خطة الزيدي لهيكلة الاقتصاد العراقي كخطوة لا مفر منها لسد مكامن الفساد وتهيئة العراق لجذب الاستثمارات، والأهم حصر السلاح بيد الدولة. وهنا تتجسد المعضلة الأكبر، فحصر السلاح كسياسة تتطلب دمج كل ما هو خارج عن نطاق سيطرة الحكومة ليصبح تحت سيطرتها في نطاق القانون والدستور، يعني إعادة النظر في قانون «الحشد الشعبي»، والبدء في مرحلة صعبة بحق ذات شقين: أولهما سحب السلاح من أيدي تلك المنظمات لصالح المؤسسات الأمنية الشرعية، والأخرى إعادة دمج مقاتلي هذه المنظمات العقائدية في الأطر الأمنية الطبيعية، كالجيش والشرطة والاستخبارات. بعض هذه الأطر جاءت في سياق أفكار منسوبة لديفيد بتريوس القائد العسكري الأميركي الأسبق، الذي شغل منصب قائد القوات الأميركية في العراق عام 2007، ولكن بصفته أحد كبار المستشارين غير الرسميين في مؤسسة للاستشارات السياسية، والذي طرح أيضاً إبعاد القادة العقائديين لـ«الحشد الشعبي» عن مواقعهم وإبدال آخرين بهم من القادة العسكريين الاحترافيين المشهود لهم بالكفاءة والمهنية.

عملياً، يواجه الشقان معضلات كبرى، أهمها أن نظرة القائمين على «الحشد الشعبي» أن سلاحهم هو سلاح مقاومة وليس سلاحاً متفلتاً يثير الفوضى في البلاد، وأن التخلي عنه ليس في أولوياتهم، بل يعتقدون أن وجوده بعيداً عن سيطرة الحكومة يُعدّ حيوياً لحفظ أمن البلاد ودعم الحليف الأكبر لهم في هذه المرحلة الحرجة. ومثل هذه التركيبة الإدراكية التي تتصادم مع الرؤية الكلية التي طرحها الزيدي بحصر السلاح بيد الدولة، تستند إلى حجم الفوائد الهائلة والنفوذ الذي يتمتعون به في مفاصل الدولة العراقية ومختلف مؤسساتها، وامتلاكهم أذرعاً سياسية داخل البرلمان، يمكنهم أن يُسقطوا الحكومة أو يفشلوا أداءها؛ إذ يصل عدد نواب «الحشد» إلى 59 نائباً من جملة 169 نائباً لتنسيقية الأحزاب الشيعية، فضلاً عمّا يقرب من 200 ألف مسلح، تتوافر لهم رواتب معقولة بدلاً من الارتماء في دروب الفقر والحاجة، ناهيك عن الاعتبارات العقائدية، وهي عوامل تجعل فكرة المواجهة الأمنية أقرب إلى نوع من الانتحار السياسي ووصفة لحرب أهلية شيعية - شيعية. وهو ما لا يستطيع أحد أن يتحمل مسؤوليته.

كيف يتصرف الزيدي؟ وما هي الأسس التي يمكن أن توفر له فرصة نجاح هيكلة العراق اقتصادياً وسياسياً وأمنياً؟ إعادة هيكلة «الحشد الشعبي» هي الجوهر الذي لا غنى عنه لإعادة هيكلة النظام السياسي العراقي ككل، ليصبح نظاماً مدنياً طبيعياً، تعلو فيه مبادئ القانون والشفافية والدستور والمساواة والمواطنة. كثير من الساسة العراقيين الشيعة يدركون أن الوقت قد حان لتستعيد الدولة العراقية مكانتها، وأن تتخلص من مظاهر النفوذ الخارجي، وأن تعلو فيه اعتبارات الوطنية العراقية على ما عداها. الأمر على هذا النحو يشكل رصيداً مهماً لرؤية الزيدي، والتي تتطلب أيضاً لنجاحها بعديْن مهميْن؛ أن تتخلى السياسة الأميركية عن لغة التهديد واستخدام القوة لتفكيك «الحشد الشعبي»، ففي هذه الحالة سيتحول هذا التهديد رصيداً سياسياً ومعنوياً وشعبياً لـ«الحشد» بدلاً من نزع أسس قوته بين العراقيين. والبديل أن تتبلور سياسة أميركية تقوم على المُحفزات وتسهيل عمل مؤسسات العراق، لا سيما رفع القيود عن النظام المصرفي العراقي والمساعدة في تطبيق سياسات الشفافية والحوكمة المالية، والتي بدورها ستؤدي إلى محاصرة سبل الالتفاف على قوانين الدولة والاتفاقيات الدولية ذات الصلة. أما البعد الآخر، فيتعلق ببلورة مظلة أمان إقليمي لحكومة الزيدي، يعتمد أسلوب إنهاء الهبات والمساعدات، والتدرج في طرح الاستثمارات الكبرى في قطاعات النفط والكهرباء والمياه والزراعة، بحيث تشكل عناصر جذب للشباب لتأمين احتياجاتهم ومستقبل أسرهم بعيداً عن التورط في منظمات السلاح المختلفة، ومن ثم دعم رؤية الزيدي في هيكلة الاقتصاد العراقي وبناء مجتمع طبيعي.