سمير عطا الله
كاتب عربي من لبنان، بدأ العمل في جريدة «النهار»، ويكتب عموده اليومي في صحيفة «الشرق الأوسط» منذ 1987. أمضى نحو أربعة عقود في باريس ولندن وأميركا الشمالية. له مؤلفات في الرواية والتاريخ والسفر؛ منها «قافلة الحبر» و«جنرالات الشرق» و«يمنى» و«ليلة رأس السنة في جزيرة دوس سانتوس».
TT

اختصارٌ أم بتر

استمع إلى المقالة

كانتِ الصحافة في الماضي بضعَ قواعدَ أساسية والباقي اجتهادات وقراءات وخبرات شخصية. من القواعد الأساسية الدقة والوضوح والعنوان المحدد. مثلاً، أمامك خبرٌ عن غرق باخرة ركاب في المحيط الهندي. العنوان يجب أن يكون كالتالي: غرق باخرة ركاب على سواحل سريلانكا ومقتل 70 شخصاً. المفقودون 270. إذن الباخرة، ونوعها، ومكان الغرق وعدد الضحايا وعدد الناجين.

في صحافة اليوم ينشر الخبر تحت العنوان التالي: العاصفة أغرقت الركاب - ومن يهدئ ترمب ونتائج الغولف ليست ما توقعنا. حزازير وعلامات استفهام وتعجب ورحم الله إثارات ألفريد هتشكوك.

منذ أن ظهرت معالم الصحافة الحديثة وأنا أحاول أن أتعلمها، لكن ماذا تفعل بالعادات القديمة ووصايا فرانسوا عقل: الوضوح وإراحة القارئ في استيعاب الخبر وتقدير أهميته. الخبر ليس مسابقة كلمات متقاطعة والحقائق ليست الحابل بالنابل.

بصراحة كلية، من الصعب عليّ التأقلم مع الصحافة الحديثة. صعبة. لا وقت لدي، ولا مزاج للحزازير. ثم إنها بلا جوائز ولا مكافآت. ولا هي تدريب لغوي أو إضافة ثقافية. هي خلط أو قطع على طريقة بيكاسو. الرأس محل البطيخة، والوجه محل الذراع، والقدم على رأس الساق، ورحم الله أحمد فارس الشدياق وأشهر عناوينه اللغوية «الساق على الساق فيما هو الفارياق».

كنا نشكو من الغلو في لغة الجرائد لأنَّها ضد طبيعة الصحافة. لكن الذي يحدث اليوم ليس تخفيفاً من أثقال اللغة بل تقطيع لها، وليس اختصاراً بل قطع. والأنكى أن الصحافة الأم تنقاد خلف هذا التحديث. وسوف تعوّد الأصحاء على الخطأ.