تترقب الأوساط المالية والاستثمارية العالمية بكثافة إعلان مجلس الاحتياطي الفيدرالي، الأربعاء، عن محضر اجتماعه الأخير المنعقد أواخر أبريل (نيسان) الماضي، والذي يزيح الستار عن عمق الخلافات الحادة بين صانعي السياسة النقدية وحجمها بشأن مسار أسعار الفائدة ومخاطر التضخم المتصاعد.
ويكتسب هذا المحضر أهمية استثنائية، لكونه يوثق تفاصيل الاجتماع الأكثر انقساماً داخل البنك المركزي منذ جيل كامل، ويمثل في الوقت ذاته نهاية حقبة قيادة رئيس «الفيدرالي» المنتهية ولايته جيروم باول بعد 8 سنوات قضاها في منصبه، وذلك قبيل يومين فقط من أداء خلفه المعين كيفين وارش اليمين الدستورية يوم الجمعة المقبل، في حفل بالبيت الأبيض يستضيفه الرئيس دونالد ترمب الذي لم يخفِ مطالبه المتكررة بخفض أسعار الفائدة بشكل حاد لتنشيط الاقتصاد.
وسيسلط المحضر ضوءاً كاسحاً على ملامح التكتلين الرئيسيين المتصارعين داخل اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة واللذين سيكونان في استقبال الرئيس الجديد؛ حيث يضم التكتل الأول والأكثر نمواً وتشدداً مسؤولين قلقين للغاية من الضغوط التضخمية الهيكلية الناجمة عن تداعيات الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، والتي تسببت في قفزة ضخمة بأسعار النفط تجاوزت نسبتها 50 في المائة، فضلاً عن امتداد ضغوط الأسعار إلى قطاعات اقتصادية أخرى خارج نطاق الطاقة مع مرونة سوق العمل واستمرار توليد الوظائف بقوة. وهي معطيات تدفع هذا التيار لرفض أي حديث عن خفض الفائدة، بل التلميح لإمكانية رفعها. في حين يتراجع التكتل الثاني المتبقي والداعم لخفض تكاليف الاقتراض، والذي مثل صوته المحافظ ستيفن ميران المعين من ترمب؛ حيث انشق في الاجتماع الأخير لصالح خفض الفائدة قبيل مغادرته منصبه رسمياً يوم الجمعة لإخلاء المقعد لوارش.
وشهد الاجتماع الأخير للجنة تحديد الفائدة الإبقاء على مستويات الفائدة دون تغيير في نطاق يتراوح بين 3.50 و3.75 في المائة، إلا أنه سجل اعتراض 4 أعضاء على القرار، وهو أعلى معدل انشقاق داخل «الفيدرالي» منذ عام 1992. إذ انقسم المعترضون بين ميران المطالب بالخفض، و3 مسؤولين آخرين اعترضوا بشدة على استمرار الإبقاء على النبرة التيسيرية في بيان السياسة النقدية التي توحي باحتمالية خفض الفائدة مستقبلاً.
ويرى هؤلاء أن التضخم لا يزال بعيداً جداً عن مستهدف البنك البالغ 2 في المائة، ما جعل تصريحات أعضاء «الفيدرالي» في الأسابيع التالية للاجتماع تتجه نحو مزيد من التشدد بانتظار الاجتماع الأول الذي سيرأسه كيفن وارش في منتصف يونيو (حزيران) المقبل دون وجود أي فرصة تذكر لإقرار أي خفض، بل إن أسواق السندات العالمية بدأت تسعر حتمية اتجاه البنوك المركزية الكبرى لرفع تكاليف الاقتراض قريباً للجم تضخم الحرب.
وانعكست هذه المخاوف التضخمية والانقسامات العميقة بشكل مباشر على أداء أسواق السندات الأميركية؛ حيث قفز عائد سندات الخزانة لأجل عامين والتي تعد المؤشر الأكثر حساسية لتوقعات السياسة النقدية من مستويات 3.40 في المائة المسجلة قبيل بدء الضربات الجوية ضد إيران، ليصل إلى أعلى مستوى له في 15 شهراً، متجاوزاً عتبة 4.10 في المائة، بالتزامن مع تحول حاد في تقديرات خبراء الاقتصاد وفق أحدث استطلاعات وكالة «رويترز». إذ تراجعت نسبة المتوقعين لخفض الفائدة قبل نهاية العام الحالي إلى أقل من 50 في المائة، مقارنة بثلثي الخبراء قبل شهر واحد فقط، في حين يرى نصف المستطلعين بقاء الفائدة دون تغيير طيلة العام، وتوقع عدد قليل منهم لجوء «المركزي» لرفع الفائدة مرة واحدة على الأقل لإعادة ضبط الأسواق الدولية وتأمين استقرارها.
