من الطاقة إلى البيانات... إيران توسِّع أوراق الضغط في هرمز

ناقلات في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات في مضيق هرمز (رويترز)
TT

من الطاقة إلى البيانات... إيران توسِّع أوراق الضغط في هرمز

ناقلات في مضيق هرمز (رويترز)
ناقلات في مضيق هرمز (رويترز)

بعد محاولتها فرض حصار على مضيق هرمز خلال الحرب، بدأت إيران تتجه إلى أحد الشرايين الخفية للاقتصاد العالمي: الكابلات البحرية الممتدة تحت المضيق، والتي تنقل كميات هائلة من حركة الإنترنت والمعاملات المالية بين أوروبا وآسيا والخليج العربي.

ووفق تقرير نشرته شبكة «سي إن إن»، تسعى إيران إلى فرض رسوم على أكبر شركات التكنولوجيا في العالم، مقابل استخدام كابلات الإنترنت البحرية الممدودة تحت مضيق هرمز، في وقت لوَّحت فيه وسائل إعلام مرتبطة بالدولة بإمكانية تعطيل حركة البيانات، إذا لم تلتزم الشركات بالدفع.

وناقش نواب في طهران، الأسبوع الماضي، خطة قد تستهدف الكابلات البحرية التي تربط الدول العربية بأوروبا وآسيا.

وقال المتحدث العسكري الإيراني، إبراهيم ذو الفقاري، الأسبوع الماضي: «سنفرض رسوماً على كابلات الإنترنت».

كما ذكرت وسائل إعلام مرتبطة بـ«الحرس الثوري» الإيراني، أن خطة طهران لتحقيق إيرادات من المضيق ستُلزِم شركات مثل «غوغل»، و«مايكروسوفت»، و«ميتا»، و«أمازون» بالامتثال للقوانين الإيرانية، بينما ستُلزِم الشركات المالكة للكابلات البحرية بدفع رسوم ترخيص لعبورها، مع منح حقوق الإصلاح والصيانة حصراً لشركات إيرانية.

ورغم أن بعض هذه الشركات استثمر بالفعل في الكابلات التي تمر عبر مضيق هرمز والخليج العربي، فلا يزال من غير الواضح ما إذا كانت تلك الكابلات تعبر المياه الإقليمية الإيرانية.

ولا يزال من غير الواضح أيضاً كيف يمكن للنظام الإيراني أن يُجبر عمالقة التكنولوجيا على الامتثال؛ إذ إن هذه الشركات ممنوعة من إجراء مدفوعات إلى إيران بسبب العقوبات الأميركية الصارمة، ما قد يدفع تلك الشركات إلى اعتبار التصريحات الإيرانية مجرد استعراض سياسي، أكثر من كونها سياسة قابلة للتنفيذ.

ومع ذلك، أطلقت وسائل إعلام مرتبطة بالدولة تهديدات مبطَّنة حذَّرت فيها من احتمال تعرُّض الكابلات البحرية لأضرار، وهو ما قد يؤثر على جزء من تريليونات الدولارات التي تمر عبر شبكات نقل البيانات العالمية، وقد ينعكس أيضاً على خدمات الاتصال بالإنترنت حول العالم.

ومع تصاعد المخاوف من احتمال تجدد الحرب بعد عودة الرئيس الأميركي دونالد ترمب من الصين، بدأت إيران ترسل إشارات متزايدة بأنها تمتلك أوراق ضغط تتجاوز القوة العسكرية التقليدية.

وتسلِّط هذه الخطوة الضوء على الأهمية الاستراتيجية لـمضيق هرمز، بما يتجاوز كونه ممراً لصادرات الطاقة، في وقت تسعى فيه إيران إلى تحويل موقعها الجغرافي إلى مصدر نفوذ اقتصادي واستراتيجي طويل الأمد.

وتشكل الكابلات البحرية العمود الفقري للاتصال العالمي؛ إذ تنقل الغالبية الساحقة من حركة الإنترنت والبيانات حول العالم. واستهدافها لن يؤثر فقط على سرعة الإنترنت؛ بل قد يهدد أنظمة مصرفية، واتصالات عسكرية، وبنى تحتية سحابية مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، إضافة إلى العمل عن بُعد، والألعاب الإلكترونية، وخدمات البث الرقمي.

وترى دينا إسفندري، المسؤولة عن شؤون الشرق الأوسط في «بلومبرغ»، أن تهديدات إيران تأتي ضمن استراتيجية تهدف إلى إظهار قدرتها على التأثير في مضيق هرمز وضمان بقاء النظام، وهو هدف أساسي لطهران في هذه الحرب.

وقالت: «إنها تسعى إلى فرض تكلفة باهظة إلى هذا الحد على الاقتصاد العالمي، بحيث لا يجرؤ أحد على مهاجمة إيران مرة أخرى».

«كارثة رقمية متسلسلة»

يمر عدد من الكابلات البحرية العابرة للقارات عبر مضيق هرمز. وبسبب المخاطر الأمنية المرتبطة بـإيران منذ سنوات، تعمدت الشركات الدولية المشغِّلة لهذه الكابلات تجنُّب المياه الإقليمية الإيرانية، وبدلاً من ذلك ركَّزت معظم هذه الكابلات ضمن نطاق ضيق على الجانب العُماني من الممر المائي؛ حسب مصطفى أحمد، الباحث الأول في «مركز الحبتور للأبحاث»، والذي نشر دراسة حول تداعيات أي هجوم واسع النطاق على البنية التحتية للاتصالات البحرية في الخليج.

لكن اثنين من هذه الكابلات، وهما «فالكون» و«جسر الخليج الدولي» (جي بي آي)، يمران عبر المياه الإقليمية الإيرانية، حسب آلان مولدن، مدير الأبحاث في شركة «تيلي جيوغرافي» المتخصصة في أبحاث الاتصالات.

ورغم أن إيران لم تعلن بشكل صريح أنها ستقوم بتخريب هذه الكابلات، فإنها كررت عبر مسؤولين ونواب ووسائل إعلام مرتبطة بالدولة، نيتها معاقبة حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة. ويبدو أن ذلك يمثل أحدث أساليب الحرب غير المتكافئة التي يعتمدها النظام للضغط على جيرانه.

وقال أحمد إن «الحرس الثوري» الإيراني، بما يمتلكه من غواصين قتاليين، وغواصات صغيرة، وطائرات مُسيَّرة تحت الماء، يشكل تهديداً للكابلات البحرية، مضيفاً أن أي هجوم قد يؤدي إلى «كارثة رقمية متسلسلة» تمتد آثارها عبر عدة قارات.

وأضاف أن مضيق هرمز يشكل ممراً رقمياً أساسياً بين مراكز البيانات الآسيوية، مثل سنغافورة ومحطات إنزال الكابلات في أوروبا.

وحذَّر من أن الأضرار قد تصبح أكبر بكثير إذا قررت الجماعات الحليفة لإيران استخدام الأسلوب نفسه في البحر الأحمر.

وفي عام 2024، انقطعت 3 كابلات بحرية، بعدما جرَّت سفينة أصابها الحوثيون في اليمن مرساتها على قاع البحر في أثناء غرقها، ما تسبب في تعطيل نحو 25 في المائة من حركة الإنترنت في المنطقة، وفق شركة «إتش جي سي» للاتصالات العالمية، ومقرها هونغ كونغ.

ومع ذلك، أكدت شركة «تيلي جيوغرافي» أن الكابلات التي تعبر مضيق هرمز تمثل أقل من 1 في المائة من إجمالي السعة الدولية لنقل البيانات عالمياً حتى عام 2025، رغم أن أي ضرر قد تكون آثاره كبيرة في الشرق الأوسط وبعض الدول الآسيوية.

الحرب على الكابلات ليست جديدة

أُرسلت أول برقية عبر المحيط الأطلسي من خلال كابل بحري عام 1858، وحملت رسالة تهنئة من الملكة فيكتوريا إلى الرئيس الأميركي جيمس بيوكانان، مؤلفة من 98 كلمة، واستغرق وصولها أكثر من 16 ساعة. ومنذ ذلك الحين، تضاعفت أهمية الكابلات البحرية بشكل هائل.

واليوم، يمكن لليف بصري واحد داخل الكابلات البحرية الحديثة أن ينقل بيانات تعادل نحو 150 مليون مكالمة هاتفية متزامنة بسرعة الضوء، وفق اللجنة الدولية لحماية الكابلات.

ويعود استهداف كابلات الاتصالات تحت الماء إلى ما يقرب من قرنين، منذ مدِّ أول كابل تلغراف في القناة الإنجليزية عام 1850. وفي بدايات الحرب العالمية الأولى، قامت بريطانيا بقطع كابلات التلغراف الرئيسية التابعة لألمانيا، ما أدى إلى عزل اتصالاتها مع قواتها.

وفي الظروف الطبيعية، لا يؤدي معظم الضرر الذي يصيب الكابلات الحديثة إلى اضطرابات كبيرة؛ لأن المشغلين يستطيعون عادة إعادة توجيه حركة البيانات بسرعة عبر الشبكة العالمية للكابلات البحرية. ولكن أي هجوم واسع النطاق اليوم ستكون له تداعيات أكبر بكثير مما كان عليه الأمر في عصر التلغراف، نظراً لاعتماد العالم شبه الكامل على تدفق البيانات عبر هذه الكابلات.

ويقول خبراء إن الحرب الجارية في إيران قد تعقِّد أيضاً محاولات إصلاح الكابلات؛ لأن سفن الصيانة تحتاج إلى البقاء ثابتة لفترات طويلة خلال إصلاح الأعطال. ويزداد التحدي لأن من أصل 5 سفن صيانة كانت تعمل عادة في المنطقة، لم تبقَ سوى سفينة واحدة داخل الخليج العربي، حسب الباحث آلان مولدن.

محاكاة نموذج قناة السويس

قدَّمت وسائل إعلام إيرانية مقترح فرض رسوم على الكابلات البحرية التي تمر عبر المياه الإيرانية على أنه متوافق مع القانون الدولي، مستندة إلى اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982، التي تتضمن بنوداً تنظم مرور الكابلات البحرية.

ورغم أن إيران وقَّعت على الاتفاقية لكنها لم تصادق عليها رسمياً، فإن المجتمع القانوني الدولي يعتبر كثيراً من أحكامها ملزمة بموجب القانون الدولي العرفي. وتنص المادة 79 من الاتفاقية على أن للدول الساحلية الحق في وضع شروط للكابلات أو خطوط الأنابيب التي تدخل إلى أراضيها أو مياهها الإقليمية.

وأشارت وسائل الإعلام الإيرانية إلى مصر كنموذج يمكن الاقتداء به. فقد استفادت القاهرة من الموقع الاستراتيجي لـقناة السويس لاستضافة عدد كبير من الكابلات البحرية التي تربط أوروبا بـآسيا، ما يدرُّ عليها مئات ملايين الدولارات سنوياً من رسوم العبور والتراخيص.

لكن -وفق خبير في القانون الدولي- يبدو فرق جوهري، هو أن قناة السويس ممر مائي اصطناعي تم حفره داخل الأراضي المصرية، بينما مضيق هرمز ممر طبيعي يخضع لإطار قانوني مختلف.

وقالت إيريني بابانيكولوبولو، أستاذة القانون الدولي في جامعة الدراسات الشرقية والأفريقية في لندن، لشبكة «سي إن إن»: «بالنسبة للكابلات القائمة بالفعل، يتعيَّن على إيران الالتزام بالعقود التي أُبرمت عند مدِّ هذه الكابلات. أما بالنسبة للكابلات الجديدة، فمن حق أي دولة -بما فيها إيران- أن تقرر ما إذا كانت ستسمح بمدِّ الكابلات في مياهها الإقليمية، وتحت أي شروط».


مقالات ذات صلة

إسرائيل تستعد بكل قوتها لاحتمال استئناف الحرب

شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - أ.ب)

إسرائيل تستعد بكل قوتها لاحتمال استئناف الحرب

تحدثت تقارير إسرائيلية الأحد عن «فشل قمة بكين» بين الرئيسين الصيني والأميركي وعودة ترمب «محبطاً ويائساً» قائلة إن استئناف الحرب على إيران بات مرجحاً

نظير مجلي ( تل أبيب)
الاقتصاد ناقلة غاز مسال قبالة سواحل شناص بسلطنة عمان يوم 11 مارس 2026 (رويترز)

الهند: وصول ناقلة غاز مسال إلى غوجارات بعد عبورها مضيق هرمز

قال مسؤولون هنود إن ناقلة تحمل 20 ألف طن متري من غاز البترول المسال وصلت إلى هيئة ميناء ديندايال في مدينة كاندلا بولاية غوجارات الهندية، بعد عبورها مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (نيودلهي)
خاص اجتماع سابق لاتحاد غرف دول مجلس التعاون الخليجي في الرياض (واس)

خاص مبادرة خليجية دولية لتقييم أثر الحرب على القطاع الخاص

علمت «الشرق الأوسط» بوجود مبادرة لتقييم سريع لأثر الحرب على القطاع الخاص وسوق العمل في دول مجلس التعاون الخليجي.

بندر مسلم (الرياض)
شؤون إقليمية وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي يلتقي رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة محمد باقر قاليباف في طهران الأحد (موقع البرلمان)

واشنطن تطرح 5 شروط على طهران... «هدوء قبل العاصفة»

أفادت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» بأن واشنطن حدّدت 5 شروط رئيسية في ردها على المقترحات الإيرانية بإطار محادثات محتملة بين الجانبين

«الشرق الأوسط» (لندن - طهران)
شؤون إقليمية رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف يتحدَّث خلال مؤتمر صحافي في بيروت 12 أكتوبر 2024 (د.ب.أ)

طهران تسند ملف الصين إلى قاليباف

أسندت طهران إلى رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع واشنطن، محمد باقر قاليباف، مهمة الإشراف على العلاقات مع الصين، بعد يومين من زيارة الرئيس الأميركي إلى بكين.

«الشرق الأوسط» (لندن)

ترمب: لن يتبقَّى شيء من إيران ما لم توافق على إبرام اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
TT

ترمب: لن يتبقَّى شيء من إيران ما لم توافق على إبرام اتفاق

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (أ.ف.ب)

حذَّر الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأحد، من أنه «لن يتبقَّى شيء» من إيران، إذا لم توقِّع اتفاقاً مع الولايات المتحدة، في ظل تعثُّر المباحثات بين البلدين، لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط.

وقال ترمب، على منصته الاجتماعية «تروث سوشيال»: «بالنسبة لإيران، الوقت ينفد، ومن الأفضل لهم أن يتحركوا بسرعة، وإلا فلن يتبقَّى منهم شيء»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وتستمر وساطة باكستان بين الجانبين الأميركي والإيراني، وكانت قد استضافت الشهر الماضي اجتماعاً رفيعاً بين وفدَي البلدين.

وأتاح وقف لإطلاق النار بدأ في الثامن من أبريل (نيسان) احتواء التصعيد الذي أعقب الهجمات الأميركية الإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط).


تباين في المواقف التركية يعرقل حلّ «المشكلة الكردية»

آلاف الأكراد شاركوا في مسيرة بديار بكر جنوب شرقي تركيا ليل السبت إلى الأحد (رويترز)
آلاف الأكراد شاركوا في مسيرة بديار بكر جنوب شرقي تركيا ليل السبت إلى الأحد (رويترز)
TT

تباين في المواقف التركية يعرقل حلّ «المشكلة الكردية»

آلاف الأكراد شاركوا في مسيرة بديار بكر جنوب شرقي تركيا ليل السبت إلى الأحد (رويترز)
آلاف الأكراد شاركوا في مسيرة بديار بكر جنوب شرقي تركيا ليل السبت إلى الأحد (رويترز)

يفرض تباين المواقف نفسه بقوة على «عملية السلام» مع الأكراد في تركيا، وسط غموض حول الجدول الزمني لنزع أسلحة حزب «العمال الكردستاني» بعد حلّه، واستمرار الخلافات حول وضع زعيم الحزب السجين عبد الله أوجلان.

يقول قياديو «العمال الكردستاني» من جبل قنديل بشمال العراق، إن «عملية السلام»، التي تطلق عليها الحكومة التركية «تركيا خالية من الإرهاب»، باتت مجمدة بسبب عدم اتخاذ أنقرة خطوات لإقرار تدابير قانونية مقترحة وتحسين وضع «القائد آبو» (أوجلان)، رداً على الخطوات التي قام بها الحزب استجابة لدعوة قائده لحله وإلقاء أسلحته.

ويرفض حزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب»، الممثل للأكراد في البرلمان التركي، الحديث عن «الجمود»، ويفضل توصيف الوضع بأنه «انسداد» أو «عقبات» تحتاج إلى تحرك سريع من البرلمان والحكومة لوضع التدابير القانونية.

مطالب كردية

ونظّم الحزب مسيرات في أنحاء تركيا استمرت حتى ساعة متأخرة من ليل السبت إلى الأحد، تحت شعار «خطوة نحو السلام» بمناسبة الاحتفال بيوم اللغة الكردية.

باكيرهان متحدثاً خلال مسيرة لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» من أجل السلام في أنقرة السبت (حساب الحزب في إكس)

وخلال المسيرة، التي خرجت في العاصمة أنقرة، طالب الرئيس المشارك للحزب تونجر باكيرهان الحكومة باتخاذ خطوات ملموسة في سبيل تحقيق السلام، وإنهاء العنف الذي استمر قرابة نصف قرن عبر الحوار والتفاوض.

وقال إنه «مع دعوة أوجلان إلى السلام والمجتمع الديمقراطي التي أطلقها في 27 فبراير (شباط) 2025، تعيش تركيا أياماً تاريخية بالغة الأهمية، لكن هذه العملية، التي استمرت نحو عام ونصف العام، اتُخذت فيها حتى الآن خطوات أحادية الجانب في الغالب».

وانتقد باكيرهان عدم اتخاذ أي خطوة بعد انتهاء «لجنة التضامن الوطني والأخوة والديمقراطية» البرلمانية من عملها ورفع تقريرها النهائي، في 18 فبراير الماضي، المتضمن اقتراحات التدابير القانونية التي يتعين اتخاذها على أساس قيام حزب العمال الكردستاني بإلقاء أسلحته، بما في ذلك عدم الإفراج عن السجناء السياسيين والاستمرار في ممارسات اعتقال وعزل رؤساء البلديات المنتخبين بإرادة الشعب، وتعيين أوصياء عليها. وأضاف: «طالبنا بتحسين ظروف أوجلان فيما يتعلق بحرية التواصل والمعيشة والعمل، وما زلنا لا نفهم ما الذي ينتظره» المسؤولون، مؤكداً ضرورة اتخاذ خطوات في هذا الشأن لكي تتقدم عملية السلام.

الرئيسة المشاركة لحزب «الديمقراطية والمساواة للشعوب» تتحدث خلال «مسيرة نحو السلام» في ديار بكر (حساب الحزب في إكس)

بدورها، قالت الرئيسة المشاركة للحزب، تولاي حاتم أوغولاري التي تقدمت مسيرة «خطوة نحو السلام» التي خرجت في مدينة ديار بكر ذات الغالبية الكردية (جنوب شرقي تركيا) ليل السبت، إن «دعوة أوجلان تحمل أهمية تاريخية لتركيا، وندرك جميعاً وجود بعض العقبات في عملية السلام، وضرورة اتخاذ خطوات لتذليلها»، مؤكدة أنه لا يمكن حل القضية الكردية عبر تصنيفها على أنها «إرهاب».

كما شددت على ضرورة تحديد وضع أوجلان وتهيئة الظروف المناسبة له للعمل والعيش بحرية «بشكل عاجل»، وإلغاء نظام الوصاية وإعادة المسؤولين المنتخبين إلى مناصبهم في البلديات، وتنفيذ قرارات المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان بالإفراج عن السياسيين المعتقلين.

إردوغان ينفي وجود عقبات

في المقابل، أكد الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان، أن عملية «تركيا خالية من الإرهاب» هي هدف من شأنه تعزيز وحدة وتضامن وأخوة شعبها، وأن «تحالف الشعب» (حزبا العدالة والتنمية والحركة القومية) عازم على تحقيقه ويتخذ خطوات حازمة وحكيمة وشجاعة برؤية مشتركة.

إردوغان متحدثاً لصحافيين رافقوه في رحلة عودته من كازاخستان (الرئاسة التركية)

وأضاف إردوغان، في تصريحات لصحافيين لدى عودته من زيارة لكازاخستان نشرت السبت، أنه خلال «الـ18 شهراً الماضية، أحرزنا تقدماً ملحوظاً وتغلبنا على العديد من التحديات العلنية والسرية، مثل الهجوم الإرهابي على شركة (توساش) للصناعات الجوية في أنقرة. ووضعت لجنتنا البرلمانية خريطة طريق قائمة على التوافق، يجب تنفيذها بنهج موجّه نحو الحلول، ويعمل جهاز مخابراتنا على تسريع عملية نزع أسلحة حزب العمال الكردستاني».

في الوقت ذاته، بدأت تتكشف تفاصيل مسودة القانون المُعدّة لدعم عملية نزع الأسلحة. وأفادت تقارير بأنه سيتم إنشاء «لجنة مراقبة وتنسيق الاندماج الاجتماعي» لمتابعة هذه العملية وتنفيذ جهود الاندماج الاجتماعي لأعضاء «العمال الكردستاني»، الذين سيلقون أسلحتهم، بناء على مقترح قانون «الاندماج الاجتماعي والتضامن الوطني»، الذي طرحته اللجنة البرلمانية.

وذكرت مصادر من حزب «العدالة والتنمية» أن اللجنة ستضم ممثلين عن جهاز المخابرات ووزارات الدفاع، والداخلية، والعدل، والأسرة، والعمل والضمان الاجتماعي، والصحة، وستتولى التنسيق بين المؤسسات، وستُراقب الإجراءات المُطبقة على أعضاء حزب العمال الكردستاني الذين يُلقون أسلحتهم، استناداً إلى المعلومات الواردة من الميدان، ووضع خطط لدمجهم في الحياة الاجتماعية.

طفل يرفع صورة لأوجلان من نافذة منزله خلال مرور مسيرة في ديار بكر السبت (رويترز)

في غضون ذلك، يتواصل الجدل بعد دعوة رئيس حزب «الحركة القومية»، دولت بهشلي، لمنح أوجلان وضعاً قانونياً من خلال إنشاء ما سماه «مكتب تنسيق عملية السلام والتسييس».

وقالت مصادر حزب «العدالة والتنمية»، إن الاتجاه العام داخل الحزب يقبل بتخفيف بعض القيود على أوجلان والسماح له بعقد لقاءات مع شرائح مختلفة من المجتمع، لكن دون إعطائه أي وضع قانوني، أو منحه صفة «منسق» أو «كبير المفاوضين»؛ كونه «سجيناً مُداناً».


إسرائيل تستعد بكل قوتها لاحتمال استئناف الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - أ.ب)
TT

إسرائيل تستعد بكل قوتها لاحتمال استئناف الحرب

الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو (أرشيفية - أ.ب)

تحدثت تقارير إسرائيلية، الأحد، عن «فشل قمة بكين» بين الرئيسين الصيني والأميركي، وعودة الرئيس دونالد ترمب «محبطاً ويائساً»، قائلة إن استئناف الحرب على إيران بات مرجحاً، وإن كانت هذه المرة لن تكون حرباً طويلة.

وحسب هذه التقديرات، التي نشرت عنها «يديعوت أحرونوت»، فإن إسرائيل رفعت جاهزيتها إلى أعلى مستوى بكل قواتها، وتنتظر إشارة من واشنطن.

وقالت الصحيفة إن ترمب «يدرك أنه وصل إلى الصين من دون أن يحمل انتصاراً، كما كان يأمل، بل عاد بخيبة وبدا عالقاً في مأزق». ورأت أن «النظام الإيراني صمد، ولم ينهَر رغم تصفية قادته الأساسيين، فيما لم تساعد الصين الرئيس الأميركي على تضييق الخناق على طهران».

وخلصت تقديرات الصحيفة إلى أن مهمة ترمب في هذا الملف «فشلت»، وأن الصين «بدت أكبر الرابحين» من نتائج الحرب حتى الآن، بينما بدا الرئيس الأميركي أقرب إلى قرار التحرك.

وأكدت مصادر أمنية في تل أبيب أن فريق العمل الأميركي - الإسرائيلي المشترك، الذي قاد الحرب الأخيرة ويضم جنرالات من الجيشين ومسؤولين في أجهزة الاستخبارات، بينها «الموساد»، لا يزال يجتمع ويعمل حتى الآن. وأضافت أن وتيرة مداولاته زادت في الأيام الأخيرة بشأن تفاصيل الخطط الحربية، وأنه أعد خططاً مشتركة للضربات المقبلة وأجرى تعديلات على بنك الأهداف.

وأفاد موقع «أكسيوس» عن مسؤول إسرائيلي، الأحد، بأن ترمب تحدث هاتفياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو وناقش معه الوضع المتعلق بإيران.

وقال إيتمار آيخنر، المراسل العسكري لصحيفة «يديعوت أحرونوت»، إن هناك قناعة في واشنطن بأن إيران تحاول استغلال المونديال لابتزاز الولايات المتحدة. وتعتقد طهران، حسب هذه القراءة، أن ترمب إذا قرر استئناف الحرب وجعلها طويلة، فسيؤثر ذلك في مونديال كأس العالم، حيث من المقرر أن يبدأ في 11 يونيو (حزيران) المقبل ويستمر شهراً في الولايات المتحدة وكندا والمكسيك، بما قد يوسع المعارضة الأميركية والدولية للحرب.

طائرة حربية إسرائيلية في طريقها للمشاركة بالعمليات العسكرية ضد إيران (الجيش الإسرائيلي)

وتضيف هذه التقديرات أن إيران تشدد مطالبها اعتقاداً منها بأن ترمب سيرضخ لها ويقبل شروطها حتى يصل إلى موعد المونديال وقد أنهى الحرب رسمياً. لكن ترمب، وفق القراءة نفسها، يدرك هذه الحسابات، ولذلك يميل إلى استئناف الحرب من دون تحويلها إلى حرب شاملة، بل إلى عملية محدودة وقاسية جداً، قد تشمل عمليات نوعية وربما محاولة السيطرة على اليورانيوم المخصب.

وحسب «يديعوت أحرونوت»، يريد ترمب أن تكون العملية محدودة زمنياً حتى لا تطيل الحرب، وأن يعلن بعد أيام وقف القتال، سواء باتفاق مع طهران أو من دون اتفاق رسمي. وبذلك، تبقى الحرب مفتوحة، كما ترغب إسرائيل، بالتوازي مع حصار اقتصادي خانق.

ومع ذلك، يؤكد آيخنر أن أحداً لا يعرف على وجه الدقة ما يفكر فيه الرئيس ترمب. ولا يزال التقدير في تل أبيب أن احتمالات استئناف الحرب متساوية، بواقع 50 في المائة مقابل 50 في المائة. كما يمتنع رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، عن عقد اجتماعات للكابينت بشكل متعمد، بهدف «تنويم العدو».

وفي موازاة ذلك، يزداد في إسرائيل الانتقاد لترمب، مع اتهامه بإدارة الصراع مع إيران بطريقة «فاشلة». ويقول البروفسور أيال زيسر، أحد أبرز المنظرين اليمينيين، إن هناك خشية من أن يكون ترمب «قد سئم الحرب والشرق الأوسط»، ويسعى إلى توقيع اتفاق بأي ثمن مع الإيرانيين.

وكتب زيسر، في مقال نشرته صحيفة «يسرائيل هيوم» اليمينية، الأحد، أن «الخوف هو من رفع العلم الأبيض والاستسلام لإيران ومطالبها».

وقال زيسر إنه «منذ سنوات طويلة لم تشهد إسرائيل، ولا الشرق الأوسط، ولا العالم كله، وضعاً يكون فيه هذا القدر من الأمور مرهوناً بإرادة وقرارات رجل واحد، هو الرئيس دونالد ترمب».

ورأى أن قوة ترمب الحزبية والسياسية، وبالطبع العسكرية، «غير مسبوقة»، وتتيح له اتخاذ قرارات بعيدة الأثر لم يجرؤ إلا قلة من الرؤساء قبله على اتخاذها، فيما لا يجرؤ أحد داخل الإدارة على تحديها أو التشكيك في حساباتها.

رجل دين إيراني يسير بجوار لافتة معادية لإسرائيل والولايات المتحدة كُتب عليها باللغة الفارسية «زئير الأسد أم صرير الفأر؟!» معلقة على مبنى حكومي في ساحة فلسطين وسط طهران (إ.ب.أ)

وأضاف أن ثقل المسؤولية الملقى على كتفي ترمب يوازي صعوبة توقع خطواته. وقال: «لا يبقى لنا في إسرائيل إلا أن ننتظر كل يوم ساعات ما بعد الظهيرة المبكرة عندنا، وساعات الصباح في واشنطن، حين يستيقظ الرئيس ترمب وينطلق في حملة تغريدات تدل على مزاجه ونواياه...».

وتابع زيسر أن ترمب، في قرار تاريخي فاجأ كثيرين، حيث ذهب إلى الحرب ضد إيران، لكنه «بالتصميم والحزم نفسيهما» اللذين بدأ بهما الحرب، قرر بعد شهر إنهاءها قبل الأوان، ومحاولة تحقيق ما لم ينجح في تحقيقه عسكرياً عبر المسار السياسي.

وقال إن ترمب بدأ، بعد إعلان وقف النار، مفاوضات «عقيمة» مع الإيرانيين لا تؤدي إلى أي نتيجة، لأن الفجوات بين مواقف الطرفين «غير قابلة للجسر»، إلا إذا رفع أحدهما «العلم الأبيض»، مرجحاً ألا تكون إيران هذا الطرف.

وأضاف أن «يد المعسكر المتطرف غلبت في طهران»، وأن هذا المعسكر ليس مستعداً للنظر في أي تنازل. ووفق زيسر، تنطلق إيران من قراءة مفادها أن ترمب هو من تراجع أولاً عندما قرر وقف النار، وبذلك أظهر ضعفاً.

وتابع أن الإيرانيين، بناءً على هذه القراءة، يرون أن كل ما عليهم فعله هو «البقاء بأي ثمن»، والتمسك بمواقفهم وعدم تقديم تنازلات، إلى أن «يستسلم ترمب في النهاية تحت ضغط داخلي وخارجي لإنهاء الحرب».