أميركا تدفع نحو تثبيت اتفاق «الميزانية الموحدة» في ليبيا

تزامناً مع مناقشة ممثلين عن طرابلس وبنغازي الإنفاق العام وإيرادات النفط

اجتماع ممثلين لغرب وشرق ليبيا لبحث اتفاق الموازنة الموحدة في تونس الجمعة (المصرف المركزي)
اجتماع ممثلين لغرب وشرق ليبيا لبحث اتفاق الموازنة الموحدة في تونس الجمعة (المصرف المركزي)
TT

أميركا تدفع نحو تثبيت اتفاق «الميزانية الموحدة» في ليبيا

اجتماع ممثلين لغرب وشرق ليبيا لبحث اتفاق الموازنة الموحدة في تونس الجمعة (المصرف المركزي)
اجتماع ممثلين لغرب وشرق ليبيا لبحث اتفاق الموازنة الموحدة في تونس الجمعة (المصرف المركزي)

تدفع الولايات المتحدة لتثبت الاتفاق الليبي بشأن «الميزانية الموحدة»، الذي رعت التوصل إليه في أبريل (نيسان) الماضي، حيث عادت مجدداً لرعاية مشاورات بين ممثلين عن طرابلس وبنغازي حول الإنفاق العام وإدارة الإيرادات النفطية، في إطار ترتيبات تُعد «خطوة مهمة نحو توحيد المالية العامة للمرة الأولى منذ أكثر من 13 عاماً».

وتجلى هذا الدفع الأميركي، وفق مراقبين، من خلال استضافة السفارة الأميركية في تونس اجتماعاً، الجمعة، ضمَّ ممثلين عن صندوق إعادة الإعمار في شرق ليبيا وحكومة الوحدة الوطنية (المؤقتة) في غربها، وأعضاء اللجنة الفنية المعنية بتنفيذ الاتفاق، بحضور القائم بالأعمال الأميركي، جيرمي برنت، وبرعاية وزارة الخزانة الأميركية.

لقاء رئيس حكومة الوحدة الليبية عبد الحميد الدبيبة ومسعد بولس في طرابلس يناير الماضي (حكومة الوحدة)

وحسب بيانات صادرة عن مصرف ليبيا المركزي وتقارير لوسائل إعلام محلية، الجمعة، فقد ناقش الاجتماع آليات تنفيذ الاتفاق المالي، ومستويات الإنفاق العام حتى مايو (أيار) الجاري، إلى جانب مراجعة الإيرادات النفطية وغير النفطية وتوقعات الإيرادات حتى نهاية العام، فضلاً عن بحث آليات توريد المحروقات عبر وزارة المالية والمصرف المركزي.

وخلصت مخرجات اجتماع تونس إلى تأكيد المشاركين، بمن فيهم الجانب الأميركي، أهمية الحفاظ على أجواء التوافق القائمة والبناء عليها، مع التشديد على استمرار التنسيق الفني والمؤسسي لضمان التنفيذ العملي لبنود الاتفاق، وتعزيز الشفافية والإفصاح في إدارة الموارد العامة.

ويرى اقتصاديون أن هذا الاهتمام الأميركي «يعكس رغبة في تحصين التفاهمات المالية من الانهيار، وتحديات اتفاق الميزانية الموحدة»، وهي رؤية يطرحها رئيس «منتدى بنغازي للتطوير الاقتصادي والتنمية»، خالد بوزعكوك، الذي يشير إلى أن جوهر الخلاف في ليبيا يتمحور حول تقاسم الموارد المالية في ظل الانقسام السياسي القائم، واعتماد الاقتصاد الليبي شبه الكامل على عائدات النفط، التي تمثل نحو 90 في المائة من تمويل الميزانية.

وقال بوزعكوك لـ«الشرق الأوسط» إن «واشنطن تسعى إلى بناء تفاهمات اقتصادية ومالية كمدخل مسبق لأي تسوية سياسية شاملة، باعتبار أن توحيد الميزانية يمثل خطوة أساسية نحو استقرار المؤسسات وتقليص عوامل الانقسام».

وسبق أن حذرت الحكومة المكلفة من البرلمان (شرق)، هذا الشهر، من أي محاولات لعرقلة تنفيذ الاتفاق بشأن الميزانية الموحدة أو الالتفاف عليه، مؤكدةً «استعدادها لاتخاذ إجراءات قانونية وإدارية لضمان استمراره، بوصفه خطوة نحو توحيد المؤسسات المالية للدولة».

محافظ مصرف ليبيا المركزي ناجي عيسى (صفحة المصرف)

ويرى المراقبون أن الاهتمام الأميركي بملف «توحيد الميزانية» بات يشكل أولوية جوهرية في تعاطي واشنطن مع الملف الليبي، وهو ما أبرزته تصريحات مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، لوسائل إعلام عربية الأسبوع الماضي، حول دور وزارة الخزانة في الدفع نحو هذا المسار، وتشديده على استمرار دعم واشنطن لتوحيد المؤسسات السيادية، والعمل مع مختلف الأطراف الليبية.

كما أن اتفاق «الميزانية الموحدة» فرض نفسه على رأس أجندة لقاء بولس مع وزراء المجموعة الاقتصادية في حكومة غرب ليبيا، الذين زاروا واشنطن مطلع هذا الشهر، إلى جانب مناقشات شملت قطاعات الطاقة والبنية التحتية والاتصالات، في إطار رؤية أوسع لتعزيز الاستقرار السياسي والاقتصادي في ليبيا.

ويعتقد الخبير الاقتصادي، محمد الصافي، أن الاهتمام الدولي بتوحيد الميزانية يمثل «سابقة» في التعاطي مع الملف الليبي، مقارنةً باهتمام دولي سابق بعوائق الانتخابات في ليبيا، أو أطراف الحروب الأهلية التي خاضتها البلاد.

ولا يستبعد الصافي، حسب تدوينة عبر «فيسبوك»، «وجود قناعة لدى المؤثرين في المشهد بأن الوضع الاقتصادي الحالي يعد قنبلة قد تنفجر في أي لحظة، ويجب احتواؤها أو إخمادها، ولو مؤقتاً»، عادّاً ذلك «مؤشراً إيجابياً» على تلاقي مصلحة المؤثرين في المشهد مع المصلحة الاقتصادية.

بموازاة ذلك، يرى بعض المراقبين أن المصالح الأميركية تشكل أحد المحركات الأساسية في مقاربة واشنطن للملف الليبي، إذ انخرط مستشار الرئيس الأميركي في مفاوضات بين الأطراف الليبية منذ يوليو (تموز) الماضي، في إطار مساعي دعم الاستقرار السياسي، بالتوازي مع تعزيز الحضور والمصالح الاقتصادية الأميركية في ليبيا، الدولة النفطية التي تعتمد أوروبا بشكل كبير على صادراتها من الخام.

وتعززت هذه القراءة، وفق تقارير غربية، بعد توقيع شركة «شيفرون» الأميركية، بعد أسابيع من إعلان اتفاق الموازنة، اتفاقاً أولياً مع المؤسسة الوطنية للنفط لتقييم إمكانات النفط والغاز الصخري في البلاد، في خطوة تعكس تنامي الاهتمام الأميركي بقطاع الطاقة الليبي، وازدياد انخراط الشركات الأميركية فيه.

كما أشار مسؤولون أميركيون، بينهم مستشار الرئيس الأميركي، عقب محادثات مع وزراء ليبيين، إلى أن الاهتمام الأميركي لا يقتصر على قطاع الطاقة فحسب، بل يمتد ليشمل البنية التحتية والاتصالات والتعدين والطيران، في إطار مقاربة أوسع تربط بين المسار الاقتصادي، ومحاولات تثبيت الاستقرار السياسي في ليبيا.

والشهر الماضي اتفق ممثلون عن شرق وغرب ليبيا على اتفاق الإنفاق الموحد، الذي نص على اعتماد جداول الإنفاق العام، وتحديد سقف مالي يقارب 26 مليار دولار، ضمن أول توافق مالي شامل منذ أكثر من عقد، في محاولة لوضع إطار رقابي موحد تحت إشراف المصرف المركزي.

Your Premium trial has ended


مقالات ذات صلة

«الرئاسي» الليبي لاحتواء فوضى العاصمة بعد حرق مقر حكومة «الوحدة»

شمال افريقيا محمد المنفي خلال اجتماع مع آمر قوة إسناد مديرية أمن طرابلس الجمعة في طرابلس (المجلس الرئاسي)

«الرئاسي» الليبي لاحتواء فوضى العاصمة بعد حرق مقر حكومة «الوحدة»

كثّف رئيس المجلس الرئاسي في ليبيا، محمد المنفي، تحركاته الأمنية والعسكرية لاحتواء تداعيات أعمال الشغب العنيفة التي شهدتها طرابلس وترهونة عقب مباراة

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الدفاع التركي يتوسط الزوبي (إلى اليمين) وصدام حفتر (وزارة الدفاع التركية)

ليبيون يتساءلون حول فرص توحيد المؤسسة العسكرية قريباً

في ظل جدل مجتمعي في ليبيا حيال التقارب بين شرق البلاد وغربها، تتجدد تساؤلات بشأن الدور الذي يمكن أن تلعبه واشنطن لتوحيد المؤسسة العسكرية، بما يلبي طموح الليبيين

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا الزادمة ملتقياً المبعوثة الأممية في طرابلس و(البعثة الأممية)

تيتيه تبدي تفاؤلاً بتلبية «الحوار المهيكل» لتطلعات الليبيين السياسية

قالت البعثة الأممية لدى ليبيا إن رئيستها هانا تيتيه ناقشت مع سالم الزادمة، نائب رئيس حكومة «الوحدة»، التطورات السياسية والأمنية والاقتصادية في ليبيا.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
رياضة عربية صدامات وإضرام نار في مبنى حكومي بطرابلس (وكالة الأنباء الليبية)

صدامات وإضرام نار في مبنى حكومي عقب مباراة كرة قدم بليبيا

أصيب عدد من الأشخاص في صدامات عقب مباراة كرة قدم في غرب ليبيا، وفق ما أعلنت السلطات الجمعة، بينما أُضرمت النار في مبنى حكومي بطرابلس.

«الشرق الأوسط» (طرابلس)
شمال افريقيا  الزادمة يناقش مع المجلس الأعلى للدولة في ليبيا أزمات الجنوب ومشروعات متوقفة 13 مايو (جهاز تنمية الجنوب)

«الوحدة» الليبية لمحاصرة أزمة الوقود بطرابلس إثر تعطّل «مصفاة الزاوية»

طمأنت حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة المواطنين بأن «إمدادات الوقود متوفرة بصورة طبيعية، وأن الناقلة النفطية موجودة بميناء طرابلس البحري».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

مصر وباكستان تعززان تعاونهما العسكري بتدشين صناعات دفاعية

لقاء مصري باكستاني ناقش في القاهرة السبت التعاون في مجال الصناعات الدفاعية المشتركة (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
لقاء مصري باكستاني ناقش في القاهرة السبت التعاون في مجال الصناعات الدفاعية المشتركة (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
TT

مصر وباكستان تعززان تعاونهما العسكري بتدشين صناعات دفاعية

لقاء مصري باكستاني ناقش في القاهرة السبت التعاون في مجال الصناعات الدفاعية المشتركة (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)
لقاء مصري باكستاني ناقش في القاهرة السبت التعاون في مجال الصناعات الدفاعية المشتركة (وزارة الإنتاج الحربي المصرية)

يمضي التعاون العسكري بين مصر وباكستان نحو مرحلة جديدة تقوم على التصنيع المشترك، بعد تقارب سياسي وتدريبات مشتركة ومباحثات تطرقت إلى تعزيز التعاون؛ ما يحمل مؤشرات على أن البلدين يهدفان للاستفادة من القدرات العسكرية التي يمتلكها كل طرف.

ولا ينفصل التوجه المصري - الباكستاني الساعي لتدشين شراكة في مجال «الصناعات الدفاعية» عن التوسع المصري في التصنيع العسكري القائم على التعاون مع دول صديقة، والاستفادة من التكنولوجيا العسكرية الحديثة للدول الأخرى، وكذلك تعزيز الخبرات المصرية في هذا المجال، إلى جانب إحداث التنوع المطلوب بين صفقات السلاح والتصنيع المشترك والتصنيع المحلي الكامل، وفق خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط».

تعاون مشترك

وناقش اجتماع عقده وزير الإنتاج الحربي في مصر، صلاح جمبلاط، مع السفير الباكستاني لدى مصر، عامر شوكت «سبل تعزيز التعاون المشترك بين الجانبين، خصوصاً في مجالات الصناعات الدفاعية والتكنولوجية».

وشهد اللقاء، بحسب بيان صادر عن وزارة الإنتاج الحربي المصرية، السبت، «مناقشة فرص تبادل الخبرات ونقل التكنولوجيا، وبحث آليات إقامة شراكات صناعية بين شركات الإنتاج الحربي المصرية والشركات الباكستانية العاملة في مجال الصناعات الدفاعية».

بينما أكد السفير الباكستاني في القاهرة أن التعاون بين البلدين يشهد تطوراً مستمراً، خصوصاً في المجالات العسكرية والأمنية. وأعرب عن تطلع بلاده إلى تعزيز الشراكة الثنائية مع مصر بما يدعم العلاقات الاستراتيجية الراسخة بين الجانبين.

ويأتي هذ اللقاء بعد شهر تقريباً من ختام التدريب المصري - الباكستاني المشترك «رعد 2» والذي شارك فيه عناصر من قوات المظلات المصرية والقوات الخاصة الباكستانية بميادين التدريب القتالي في باكستان.

وقال المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» اللواء نصر سالم، إن تدشين التصنيع العسكري المشترك مع باكستان جاء أسوة بما أقدمت عليه مصر من قبل مع تركيا وبعض الدول الصديقة الأخرى، ويستهدف تطوير منظومة الأسلحة المصرية وتخفيف الضغوط التي يمكن أن تُمارَس على مصر بشأن إبرام صفقات لأسلحة بعينها، إلى جانب الاستفادة من عوائد التصدير.

وأوضح سالم في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن التعاون مع باكستان في الصناعات الدفاعية المشتركة لا ينفصل عن تنامي التعاون العسكري بين البلدين مؤخراً مع إقامة تدريبات مشتركة، ووجود مبعوثين عسكريين باكستانيين للاستفادة من الخبرات العسكرية المصرية، ووجود مبعوثين مصريين لدى باكستان، مشيراً إلى أن مصر تستهدف الاستفادة من القدرات العسكرية الباكستانية المتطورة في مجال التصنيع العسكري.

وربط سالم بين تطور العلاقات السياسية والتوجه نحو تعزيز التعاون العسكري المشترك، قائلاً: «نحن نتعاون مع دولة نووية لدينا معها علاقات متطورة، ونستهدف من وراء تطوير التعاون تقديم رسائل ردع بأن الجيش المصري قوة لا يستهان بها، بالإضافة إلى إحداث التنوع المطلوب بين صفقات السلاح والتصنيع المشترك والتصنيع المحلي الكامل».

القاهرة وإسلام آباد لتدشين تعاون مشترك في الصناعات الدفاعية بعد شهر من مناورة «رعد 2» بين الجيشين المصري والباكستاني (المتحدث العسكري المصري)

وفي أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، تحدث الرئيس المصري، عبد الفتاح السيسي، خلال لقاء برئيس أركان القوات البرية الباكستانية، عاصم منير، في القاهرة، عن حرص بلاده على مواصلة «الارتقاء بالتعاون مع باكستان في مختلف المجالات».

أيضاً أجرى السيسي في يوليو (تموز) الماضي محادثات بالقاهرة مع رئيس هيئة الأركان المشتركة الباكستانية، ساهر شمشاد مرزا، تناولت «سبل دعم وتعزيز التعاون المشترك خصوصاً في المجالات العسكرية والأمنية، إلى جانب تبادل الخبرات في مكافحة الإرهاب والتطرف».

نجاحات مصرية في التصنيع العسكري

ويرى المستشار «بالأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» اللواء عادل العمدة، أن مصر حققت نجاحات مهمة في التصنيع العسكري يجعلها قادرة على جذب الشراكات مع الدول الصديقة، خصوصاً بعد أن نظمت 4 معارض للصناعات العسكرية منذ عام 2018 تضمنت العديد من الأسلحة المصنعة محلياً، وكذلك بعض أسلحة التصنيع المشترك، خصوصاً أنها نوَّعت من المنتجات التي تقدمها بين الدبابات والمُسيرات وراجمة الصواريخ ومنظومة الدفاع الجوي المتقدمة.

وأكد في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن مصر تبرهن وراء التوسع في التصنيع المشترك أنها قادرة على التكيف مع مستجدات الخطط الدفاعية وما تكشف عنه تطورات الصراعات القائمة حالياً في المنطقة، مشيراً إلى أن التعاون مع باكستان ليس وليد الصدفة، ولكن هناك شراكات ممتدة بما لديها من تكنولوجيا عسكرية حديثة وقدرات متطورة.

خلال اللقاء الأخير، وجّه السفير الباكستاني دعوة رسمية لوزير الدولة للإنتاج الحربي المصري للمشاركة في معرض الصناعات الدفاعية الدولي «IDEAS 2026»، المقرر عقده في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل.

وبحسب منصة «الدفاع العربي»، فإن التصنيع العسكري المشترك بين مصر وباكستان يفتح الباب أمام مشاريع نقل التكنولوجيا، حيث تشير تقارير إلى مفاوضات لإنتاج مشترك لمقاتلات JF-17 وطائرات مسيّرة هجومية داخل مصر، إضافة إلى اهتمام مصري ببرامج تطوير باكستانية لإعادة تأهيل طائرات «ميراج» وتحويلها إلى منصات إطلاق لصواريخ «كروز»؛ ما يوفر حلولاً منخفضة التكلفة لتحديث الترسانة الجوية».


وفد مصري يزور إريتريا للتنسيق بشأن «أمن البحر الأحمر»

الرئيس الإريتري أثناء محادثات السبت مع الوفد المصري (الخارجية المصرية)
الرئيس الإريتري أثناء محادثات السبت مع الوفد المصري (الخارجية المصرية)
TT

وفد مصري يزور إريتريا للتنسيق بشأن «أمن البحر الأحمر»

الرئيس الإريتري أثناء محادثات السبت مع الوفد المصري (الخارجية المصرية)
الرئيس الإريتري أثناء محادثات السبت مع الوفد المصري (الخارجية المصرية)

سعياً لدعم الاستقرار والتنمية في منطقة القرن الأفريقي، بحث وفد حكومي مصري تعزيز الشراكة مع إريتريا، إلى جانب التنسيق بين القاهرة وأسمرة بشأن «أمن البحر الأحمر».

واستقبل الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، السبت، وفداً مصرياً ضم وزير الخارجية بدر عبد العاطي، ووزير النقل كامل الوزير، ورجال أعمال، وممثلين للقطاع الخاص، وحسب إفادة لوزارة الخارجية بحث اللقاء «سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين البلدين»، إلى جانب «تبادل الرؤى إزاء تطورات الأوضاع الإقليمية في القرن الأفريقي، والبحر الأحمر».

وأكد عبد العاطي، السبت، «دعم بلاده الكامل لإريتريا، من أجل الحفاظ على سيادتها، ووحدة وسلامة أراضيها»، وأشار إلى «حرص القاهرة على تعزيز تعاونها الاقتصادي مع أسمرة في مختلف المجالات، من خلال إقامة مشروعات تعاون ثنائي».

ووفق «الخارجية المصرية» اصطحب وزيرا الخارجية والنقل عدداً من رجال الأعمال، وممثلي القطاع الخاص بما يسهم في تعزيز الشراكة مع أسمرة في عدد من القطاعات، وعلى رأسها التعدين، والنقل، والصناعات الدوائية، والثروة السمكية، فضلاً عن دعم برامج بناء القدرات، والتدريب، لتأهيل الكوادر الإريترية في مختلف القطاعات.

وفيما يتعلق بأمن البحر الأحمر، شدد عبد العاطي على أن «حوكمة وأمن البحر الأحمر يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، باعتباره ممراً استراتيجياً يرتبط بشكل مباشر بالأمن القومي لتلك الدول».

وقال إنه «لا يجوز لأي أطراف غير مشاطئة الانخراط في ترتيبات أو تفاهمات تخصه»، مؤكداً «دعم بلاده للرؤية الإريترية بشأن إدارة البحر الأحمر، وما تضمنته من التأكيد على وحدة وسيادة الدول المطلة عليه».

أسياس أفورقي خلال لقاء نظيره المصري عبد الفتاح السيسي في القاهرة نوفمبر الماضي (الرئاسة المصرية)

وعارضت مصر تحركات لدول تسعى للتواجد بمنطقة القرن الأفريقي، حيث رفضت الإعلان أحادي الجانب من إسرائيل بالاعتراف بإقليم «أرض الصومال» كدولة مستقلة، كما اعترضت على توقيع الحكومة الإثيوبية في يناير (كانون الثاني) 2024 اتفاقاً مبدئياً مع إقليم (أرض الصومال) تحصل بموجبه أديس أبابا على مَنفذ بحري يتضمن ميناءً تجارياً وقاعدة عسكرية في منطقة بربرة لمدة 50 عاما، مقابل اعتراف إثيوبيا بـ«أرض الصومال»، وعدّت القاهرة هذه التحركات «مخالفة للقانون الدولي، واعتداء على السيادة الصومالية».

الرئيس الإريتري أشاد من جانبه، السبت، بجهود القاهرة في دعم أمن واستقرار منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر، وأكد «حرص بلاده على تعزيز التنسيق والتعاون مع مصر في المجالات السياسية، والاقتصادية، والأمنية، بما يحقق المصالح المشتركة للبلدين».

كما وقعت مصر وإريتريا على اتفاقية للتعاون في مجال النقل البحري، وذكرت وزارة الخارجية أن «الاتفاقية تشكل خطوة مهمة لتعزيز الربط اللوجستي، ودعم حركة التجارة والاستثمار، وفتح آفاق للتعاون الاقتصادي والتنموي، مع تعظيم الاستفادة من الموقع الاستراتيجي للبلدين في البحر الأحمر».

وأبدى وزير النقل المصري استعداد بلاده لنقل خبراتها في مجالات السكك الحديدية، والموانئ، والنقل البحري بما يدعم جهود التنمية، وتعزيز الربط الاقتصادي بين القاهرة وأسمرة»، وأشاد بـ«اتفاقية التعاون في مجال النقل البحري، وتسيير خط ملاحي للشحن يربط بين الموانئ المصرية والإريترية عبر البحر الأحمر»، عاداً أن الاتفاق «سيسهم في تعزيز التعاون الاقتصادي بين البلدين».

ويرى مساعد وزير الخارجية الأسبق للشؤون الأفريقية، السفير محمد حجازي، أن من بين أولويات الاهتمام المصري خارجياً تعزيز الشراكة والتعاون مع دول القرن الأفريقي وشرق أفريقيا. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «علاقات القاهرة مع إريتريا وجيبوتي والصومال متنامية بهدف تعزيز حضورها الاستراتيجي في تلك المنطقة، ودعم مصالحها».

ويشير حجازي إلى أن «علاقات التعاون المصري تتخذ عدة مسارات، من بينها الإطار الثنائي والجماعي»، ويلفت إلى أن «القاهرة ترى ضرورة الربط الاستراتيجي بين هذه الدول لحماية وتأمين الملاحة في البحر الأحمر، ومنع وجود أو مشاركة أي دول غير مشاطئة له في حوكمته».

الرئيس أسياس أفورقي خلال لقاء بدر عبد العاطي السبت (الخارجية المصرية)

وترفض مصر مشاركة أي دولة غير مشاطئة للبحر الأحمر، وتدعو إلى تفعيل «مجلس الدول العربية والأفريقية المشاطئة للبحر الأحمر» الذي تم تأسيسه عام 2020 في الرياض، ويضم ثماني دول عربية وأفريقية، هي «مصر والسعودية واليمن والأردن والسودان والصومال وجيبوتي وإريتريا»، ويستهدف «تعزيز الأمن والتنمية بين أعضائه».

وبحسب حجازي «تدرك مصر الأهمية التنموية والاقتصادية لدول القرن الأفريقي»، ويقول إن «القاهرة تسعى للاستفادة من قدرات القطاع الخاص في تعزيز الاستثمارات في موانئ دول الساحل الغربي للبحر الأحمر (السودان وإريتريا وجيبوتي والصومال)»، إلى جانب «دعم الاستثمار في قطاعات أخرى مثل التعدين ومشروعات البنية التحتية».

فيما يعتقد عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع»، وليد جاب الله أن «الربط البحري بين الموانئ يعد نقطة الانطلاق التي يمكن التعويل عليها في زيادة التبادل التجاري بين مصر ودول القرن الأفريقي»، ويرى أن «مصر يمكن أن تنفذ استثمارات نوعية في قطاع الموانئ بمشاركة حكومية، ومن القطاع الخاص».

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «مصر تمتلك منتجات عديدة يمكن تصديرها لأسواق دول القرن الأفريقي، من بينها المنتجات الغذائية، ومواد البناء، والأجهزة الكهربائية، والأدوية»، كما يشير إلى أن «هذه المنتجات يمكن أن تحظى بترحيب في أسواق هذه الدول، غير أن القطاع الخاص دائماً ما يبحث عن ضمانات للاستثمار الآمن في أسواق تلك الدول».


تحركات نشطاء نحو غزة تضع ليبيا أمام اختبار جديد

نشطاء من «قافلة الصمود 2» في الزاوية الليبية (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)
نشطاء من «قافلة الصمود 2» في الزاوية الليبية (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)
TT

تحركات نشطاء نحو غزة تضع ليبيا أمام اختبار جديد

نشطاء من «قافلة الصمود 2» في الزاوية الليبية (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)
نشطاء من «قافلة الصمود 2» في الزاوية الليبية (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)

دخلت ليبيا اختباراً جديداً مع إطلاق نشطاء «قافلة الصمود 2» المغاربية، التي يقول منظموها إنها تهدف «لكسر الحصار على قطاع غزة»، مثيرين بإصرارهم على تكرار محاولة عبور الأراضي الليبية باتجاه الحدود المصرية تساؤلات سياسية وأمنية، في ظل مشهد لا يزال عالقاً في ذاكرة المشهد الليبي، عقب تعثر القافلة الأولى العام الماضي عند مدينة سرت، وما صاحب ذلك من ضجة واسعة.

وفي وقت يستمر فيه الانقسام السياسي والأمني بين شرق ليبيا وغربها، واصلت «القافلة الإنسانية الإغاثية التخصصية»، السبت، تحركها السلس بين مدن غرب البلاد، انطلاقاً من غابة «جود دائم» بمدينة الزاوية بمشاركة نحو 300 متضامن، يمثلون 28 جنسية، وسط مرافقة آلية عسكرية تابعة لسلطات غرب ليبيا.

نشطاء من «قافلة الصمود 2» في مدينة الزاوية غرب ليبيا (الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان)

وتداولت وسائل إعلام محلية ليبية تسجيلاً مصوراً لعناصر من «اللواء 111»، التابع لحكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة، وهم يقدمون وجبات عشاء للمشاركين عقب وصول القافلة إلى منطقة كعام غرب مصراتة.

ورغم حديث منظمي القافلة، من بينهم «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان»، أن التحرك يحمل طابعاً إنسانياً لإيصال مساعدات إلى قطاع غزة، مع نفي وجود أي توجهات سياسية أو فكرية، فإن نشطاء وإعلاميين ليبيين واصلوا التشكيك في أهداف القافلة ودوافعها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

وذهب الإعلامي الليبي، خليل الحاسي، إلى التساؤل عن جدوى عبور القافلة لمسافة تقارب 1800 كيلومتر عبر الساحل الليبي، رغم أن ليبيا لا ترتبط بحدود مباشرة مع فلسطين.

أما الناشط الليبي، أسامة الشحومي، فقد عدّ أن «أهداف القافلة قد تتجاوز دعم غزة إلى احتمال إثارة قلاقل داخل ليبيا، التي تعاني انقساماً سياسياً وأمنياً»، مستغرباً مما أسماه «تحالف الإسلاميين واليساريين في هذه القافلة».

ويظل التساؤل الأبرز مطروحاً بشأن إمكانية عبور «القافلة» إلى مناطق نفوذ «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر في شرق البلاد، في ظل ما واجهته «قافلة الصمود» الأولى في يونيو (حزيران) من العام الماضي من توقف عند مدخل مدينة سرت، بدعوى «انتظار موافقات أمنية، واستكمال إجراءات قانونية تخص بعض المشاركين ووثائق سفرهم، قبل أن يقرروا إنهاء رحلتهم إلى معبر رفح، التي بدا أنها فشلت على أبواب سرت».

ووفق مراقبين، فإن منظمي «القافلة» تجاهلوا تحذيرات صدرت عن سلطات شرق ليبيا، الخميس، بشأن ضرورة الالتزام بالضوابط المنظمة لعبور الحدود المصرية، التي تقتصر بحسب ما أعلنته الحكومة المكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد على حاملي الجنسية الليبية عبر المنافذ البرية، وهو أمر أكدته السلطات المصرية.

«قافلة الصمود» الأولى خلال تخييمها أمام بوابات سرت بعدما أوقفتها السلطات الليبية في يونيو (حزيران) الماضي (تنسيقية العمل من أجل فلسطين)

يشار إلى أن حكومة الشرق الليبي أكدت في بيانها ضرورة استخدام الراغبين في دخول الأراضي المصرية للمنافذ الجوية، واستيفاء التأشيرات المطلوبة، مع إبداء استعدادها للتنسيق مع الهيئات الإنسانية الليبية، في مقدمتها الهلال الأحمر الليبي، لتسلّم المساعدات والعمل على إيصالها إلى قطاع غزة، بالتعاون مع الهلال الأحمر المصري.

وبالنسبة لجمعية «الهلال الأحمر» الليبي في بنغازي (شرق) فقد أبدت استعدادها الكامل لتسلّم مساعدات «الصمود 2»، مؤكدة أن أي عمليات إغاثية عابرة للحدود تخضع لإجراءات قانونية وإنسانية، تستوجب التنسيق مع السلطات المختصة في ليبيا ومصر.

القيادي في حزب «ليبيا النماء»، حسام فنيش، يرى أن «تكرار مشهد القافلة يعد اختباراً جديداً للمشهد الليبي»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن «موقف الحكومة في الشرق الليبي يعكس محاولة للموازنة بين الاعتبارات الإنسانية ومتطلبات السيادة، من خلال الترحيب بالقافلة، مقروناً بشروط تنظيمية صارمة تتماشى مع التنسيق الأمني القائم مع مصر»، مشيراً إلى أن «تمرير أي تحرك بري جماعي إلى مصر خارج الأطر الرسمية أمر بالغ الصعوبة».

فيما قال وكيل «جهاز الاستخبارات» المصرية الأسبق، اللواء محمد رشاد لـ«الشرق الأوسط»، إن دعم القضية الفلسطينية «التزام قومي تقوم به مختلف مؤسسات الدولة المصرية، بما يشمل إيصال المساعدات الإنسانية».

ويعتقد رشاد أن أي إجراءات مصرية لتأمين الحدود «تخضع لحسابات الأمن القومي والتطورات الإقليمية»، وأشار في الوقت ذاته إلى أن هذه القوافل «تثير شكوكاً واسعة بشأن أهدافها الحقيقية، واحتمال تجاوزها البعد الإنساني إلى الاستعراض، وإثارة توترات بين مصر وإسرائيل عند معبر رفح الحدودي».

أسامة حماد والمشير خليفة حفتر في فعالية بمدينة درنة الشهر الحالي (حكومة الاستقرار)

وبحسب رشاد، فإن «الاحتفاء المبالغ فيه من بعض وسائل الإعلام المحسوبة على جماعة (الإخوان) بهذه القوافل يدعو إلى التدقيق، واتخاذ الاحتياطات اللازمة لتأمين الحدود بالتنسيق مع سلطات شرق ليبيا».

ولا يتوقف الحديث عن «القافلة» عند ما تمثله من اختبار على الصعيد الأمني، إذ يرى مراقبون أنها قد تكتسب أبعاداً سياسية داخلية، في ظل الانقسام القائم بين حكومة «الوحدة» في غرب ليبيا برئاسة الدبيبة، وحكومة حماد المدعومة من «الجيش الوطني».

وقال حسام فنيش إن تحركات القوافل المتجهة إلى غزة تأتي في توقيت حساس، يتقاطع مع التوازنات الداخلية الليبية وجهود التسوية المدعومة دولياً، بما في ذلك المقاربة الأميركية المعروفة بـ«خطة بولس»، معتبراً أن ذلك «يمنح هذه التحركات أبعاداً قد تتجاوز طابعها الإغاثي».

وتقضي المبادرة المنسوبة إلى كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، إلى بناء تفاهمات بين سلطتي طرابلس وبنغازي، من خلال تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد بدلاً من محمد المنفي، مع إبقاء الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

وأشار فنيش إلى أن تأثير هذه التحركات سيظل في إطار «الضغط الرمزي والسياسي»، من دون توقعات بإحداث تغيير مباشر في مسارات التفاوض القائمة، لكنه رجح أن تضيف مزيداً من التعقيد إلى بيئة الثقة الهشة بين أطراف الأزمة الليبية. وأوضح أن مسار القافلة، سواء نجحت في بلوغ أهدافها أو واجهت عراقيل، قد يتحول إلى «ورقة إضافية في التنافس السياسي بين حكومتي الدبيبة وحماد، خصوصاً في ما يتعلق بإظهار القدرة على إدارة الملفات الإقليمية الحساسة، والتفاعل مع القضية الفلسطينية».