فايز سارة
كاتب وسياسي سوري. مقيم في لندن. عمل في الصحافة منذ أواسط السبعينات، وشارك في تأسيس وإدارة عدد من المؤسسات الإعلامية، وكتب في كثير من الصحف والمجلات، ونشر دراسات ومؤلفات في موضوعات سورية وعربية. وساهم في تأسيس العديد من التجارب السياسية والمدنية.
TT

سوريا... الملاحقة مستمرة

استمع إلى المقالة

تزايدت في الفترة الأخيرة عملياتُ إلقاءِ القبض على مجرمي النظام السابق بالتركيز على أركان قواته العسكرية ورموز في أجهزته الأمنية، واستندت الاعتقالات في كل الأحوال إلى ارتكاب هؤلاء أعمالاً إجرامية، شملت عمليات الاعتقال والتعذيب والقتل والتغييب القسري، وأشياء أخرى يصعب تصورها، خاصة ممن تم اعتقالهم من عاملين في الخدمات الطبية العسكرية، بينهم أطباء وفنيون وإداريون، يفترض الواقع أنهم الأبعد عن الانخراط في منظومات الإجرام التي عاشتها سوريا، وقد أضافوا إليها بصمة انتهاك جثث المقتولين على طريق قيامهم بدور تنفيذي في تجارة الأعضاء.

وكعادتي المستمدة من المهنة، كنت أتابع من يتم اعتقالهم بالأسماء والمسؤوليات التي كانت مسندة إليهم في هياكل جيش النظام وأجهزة الأمن، ودورهم في الجرائم التي حدثت؛ وتكثف اهتمامي بالأمر، إذ كنت أبحث عن أسماء بعينها أعرف أصحابها، أو التقيتهم في ظروف احتكاكي بوصفي صحافياً ومعارضاً للنظام على مدار عقود، وكثير منهم ألحقوا بي في خلالها كثيراً من الأذى مثل غيري من السوريين، وكان الأصعب بينها اعتقال ولدي، وسام، للمرة الثانية في عام 2013، والتي انتهت بقتله تحت التعذيب في فرع المداهمة والاقتحام (الفرع 215) التابع للمخابرات العسكرية.

كان بين أسماء الضباط التي أتابعها أسماء غير شائعة، وهذا أمر طبيعي لدى غالبية ضباط المخابرات في سوريا، الذين يعيشون الحياة في الظل بلا صور ولا أسماء ولا علاقات ولا روابط إلا للضرورة وفي الحد الأدنى، والسبب الرئيس في ذلك التغطية على شخصياتهم، وكتم أي معلومات توصل إليهم، وتفضح ما يقومون به من جرائم وأعمال سوداء، ويرغبون ألا ترتبط بأسمائهم ويعرفها الناس، وقد ضاق نظام الأسد في زمن حافظ وزمن بشار بالجرائم والأعمال الإجرامية لمسؤولين فيه، وخاصة من ضباط الجيش والأمن، والتي صار العالم على اطلاع واسع عليها بفضل ثورة السوريين وتضحياتهم لإطاحة النظام.

يُعرف فرع المداهمة والاقتحام (الفرع 215) باسم «فرع الموت»؛ نظراً لكثرة وفيات المعتقلين فيه، فزادت الوفيات، سواء بسبب التعذيب أو نتيجة الظروف الصحية والمعاشية، التي خلفت أمراضاً قاتلة مثل الطاعون والسل والتهاب الكبد، وقد منع أصحابها من الوصول إلى العلاج، حسب شهادات عشرات من نزلاء الفرع، تمت مقابلتهم بعد خروجهم، والذين قدروا أن عشرات كانوا يموتون يومياً في الفرع، وحسب وثائق «قيصر»، فإن 3532 من الضحايا، كانوا من هذا الفرع وحده.

هناك ضباط متورطون في قضايا إجرامية ونحن ننتظر ونأمل أن تتمكن قوات الأمن من القبض عليهم لينالوا جزاء ما اقترفوه في حق الشعب، ويجب تقديمهم للقضاء لمحاكمتهم عن جرائمهم، ليس من باب الانتقام، وإنما من باب إحقاق الحق، وتكريس فكرة ألا يتكرر ما حدث في سوريا ولا غيرها، إضافة إلى أن محاسبة المجرمين، تمثل خطوة أساسية في العدالة الانتقالية، التي لا يتفق عليها أغلب السوريين فقط، بل هي نقطة توافق عالمي، كرستها قرارات الأمم المتحدة الخاصة بسوريا، وأبرزها القرار 2254 لعام 2015، الذي رسم ملامح العدالة الانتقالية، مؤكداً بشكل خاص على محاسبة كل من ارتكب جرائم ضد السوريين، وكشف مصائر المختفين، وتعزيز السلم الأهلي، وجبر الضرر وتعويض الضحايا، وهي خطوات ضرورية في تطبيع حياة السوريين وإعادة إعمار سوريا.

وهذا الأمر بات يتطلب خطوات أسرع من جانب الحكومة السورية باتجاه إنجاز المفاصل الأساسية الملحة والعاجلة في العدالة الانتقالية، وتعزيز أمل السوريين في تصفية تركة نظام الأسد والسير نحو حياة أفضل؛ وكلها تمثل أملاً وهدفاً لأغلب السوريين، إن لم نقل كلهم!