بري لـ«الشرق الأوسط»: لا جدوى من التفاوض مع إسرائيل تحت النار

قال إن «الهدنة المزعومة» أتاحت لتل أبيب التمادي في عدوانها وارتكاب المجازر

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
TT

بري لـ«الشرق الأوسط»: لا جدوى من التفاوض مع إسرائيل تحت النار

رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)
رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري (أرشيفية - رويترز)

في أول تعليق له على البيان الصادر عن السفارة الأميركية في بيروت، والذي دعت فيه رئيس الجمهورية العماد جوزيف عون إلى عقد اجتماع مباشر مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قال رئيس مجلس النواب نبيه بري لـ«الشرق الأوسط» إن البيان يُعبّر عن نفسه، وليس عندي ما أضيفه عليه، مؤكداً أنه أوقف تشغيل محركاته، وأن جوابه على رئيس الجمهورية «جاء رداً على ما قاله أثناء استقباله للهيئات الاقتصادية» (في إشارة إلى ما قاله عون عن تنسيق كامل مع بري بخصوص المفاوضات)، وهذا ما يكمن وراء اعتذاره عن حضور اللقاء الذي كان مقرراً مع الرئيس عون ورئيس الحكومة نواف سلام في القصر الجمهوري.

وتطرّق الرئيس بري إلى تمديد الهدنة لثلاثة أسابيع بتدخل من الرئيس الأميركي دونالد ترمب، متسائلاً: أين هي هذه الهدنة؟ وهل أوقفت إسرائيل تجريفها البلدات وهدمها المنازل، واستباحتها دماء الأطفال والنساء والشيوخ، ومنعها فرق الإسعاف من إنقاذ الجرحى ونقلهم إلى المستشفيات، أو سحب من علقوا تحت الركام حتى فارقوا الحياة؟ كما أشار إلى استهداف الهيئات الصحية والمسعفين، ما أدى إلى استشهاد العشرات منهم، متسائلاً عمّا إذا كان جميع هؤلاء الضحايا جزءاً من البنى العسكرية لـ«حزب الله»، كما تدّعي إسرائيل لتبرير تدميرها للبلدات الجنوبية.

وقال إن الهدنة المزعومة أتاحت لإسرائيل التمادي في عدوانها وارتكاب المجازر على نحو غير مسبوق، من دون تدخّل الولايات المتحدة الأميركية لإلزامها بوقف الأعمال العدائية وتثبيت وقف النار، خصوصاً أنها كانت وراء التوصل لتمديد الهدنة، ما يدعوها لاحترام تعهّدها أمام اللبنانيين والمجتمع الدولي، وإلا ما الجدوى من المفاوضات تحت ضغط إسرائيل بالنار؟ وماذا سنقول لذوي شهداء الغدر الإسرائيلي من الجنوبيين؟

عون وبري... تباين لا خلاف

وفي هذا السياق، كشف مصدر نيابي مواكب للعلاقات الرئاسية عن أن الخلاف الطارئ بين الرئيسين عون وبري يبقى تحت سقف التباين الذي حصل في تفسيرهما للبيان الصادر عن «الخارجية الأميركية».

وقال المصدر لـ«الشرق الأوسط» إن وسطاء تدخّلوا لتبريد الأجواء بين الطرفين، مستبعداً أن تترتب على الخلاف أي قطيعة، في ظل الظروف الصعبة والدقيقة التي يمر بها لبنان، والتي تتطلب من الجميع، بدءاً من الرؤساء، تضافر الجهود لإلزام إسرائيل بوقف إطلاق النار وتثبيته، قبل الطلب من لبنان الدخول في مفاوضات مباشرة، وإن كان يفضَّل أن تكون غير مباشرة، وهو ما يُفترض أن تعمل عليه الإدارة الأميركية.

وأضاف المصدر أنه ما دام الرؤساء الثلاثة يُجمعون على ضرورة وقف الأعمال العدائية استباقاً لأي مسار تفاوضي مع إسرائيل، فإن تصويب الموقف على هامش جلسة مجلس الوزراء أسهم في ترطيب الأجواء بين الرئيسين، ما يفتح الباب أمام عودة الحيوية إلى العلاقات الرئاسية، انطلاقاً من عدم وجود مصلحة لأي من الرؤساء في غياب التشاور، بوصفه ضرورياً للتوصل إلى خريطة طريق في مقاربة ملف المفاوضات.

عون وبري (أرشيفية - رويترز)

ولفت إلى أنه لا مفر من معاودة التلاقي بين الرؤساء الثلاثة، ما داموا يتمسكون بالثوابت الوطنية وعدم التفريط بها بوصفه ممراً إلزامياً لبدء المفاوضات التي من غير الجائز أن تُعقد من دون أن تتلازم مع تثبيت وقف النار، وهذا ما يدعو ترمب للتدخل لدى إسرائيل لمنعها من التمادي في عدوانها.

موقف بري من المفاوضات

ودافع المصدر النيابي عن موقف بري من المفاوضات، وسأل عن الأسباب الكامنة وراء عدم تدخل الإدارة الأميركية لإلزام إسرائيل بتطبيق اتفاق وقف الأعمال العدائية الذي رعته بالتفاهم مع فرنسا (عام 2024)، والذي لم يرَ النور، بل أتاح لإسرائيل التمادي في خرقه بتوسعة عدوانها الذي تجاوز الجنوب إلى الضاحية الجنوبية لبيروت وبلدات بقاعية.

وأكد أن «حزب الله» تجاوب مع رغبة بري، والتزم إلى أقصى الحدود بوقف الأعمال العدائية، وكان له -بتفويض من الحزب- دور في التوصل إليه مع الوسيط الأميركي آنذاك، آموس هوكستين، وحظي برعاية الولايات المتحدة وفرنسا، في مقابل إطلاق يد إسرائيل لمواصلة عدوانها بذريعة أنه يعطيها حق الدفاع عن النفس بتوجيه ضربات وقائية تستهدف ما يخطط له الحزب بتهديده أمن مستوطناتها الشمالية.

وقال المصدر إن التزام «حزب الله» بوقف إطلاق النار طوال 15 شهراً، في مقابل إصرار إسرائيل على خرقه، شكّل إحراجاً له، خصوصاً مع امتناع واشنطن عن التدخل للضغط على إسرائيل لوقف خروقاتها، وصولاً إلى توسعة عدوانها، رغم أنها كانت قد تعهّدت بتلازم الخطوات بين الجانبين بوصفه شرطاً لتطبيق الاتفاق، مضيفاً أن حكومة نواف سلام، وإن كانت قد راهنت أساساً على الخيار الدبلوماسي لإلزام إسرائيل بالانسحاب من الجنوب، فإنها واجهت تمرداً إسرائيلياً على الاتفاق واستمراراً في سياسة الضغط بالنار لدفع لبنان إلى التسليم بشروطها.

هدنة الأسابيع الثلاثة

وعدّ أن هدنة الأسابيع الثلاثة بقيت حبراً على ورق، وأتاحت لإسرائيل تحويل الجنوب إلى منطقة عمليات عسكرية مفتوحة بمواصلة تدميرها الممنهج الذي طاول منطقة جنوب نهر الليطاني وشماله لتهجير سكانه تحت ضغط مطالبتهم بإخلاء بلداتهم.

امرأة تحمل صورتين لأمين عام «حزب الله» نعيم قاسم ورئيس مجلس النواب نبيه بري في تحرك شعبي (أ.ف.ب)

وقال المصدر إنه على ثقة بأن الرئيس عون ثابتٌ على موقفه القائم على اشتراط تثبيت وقف إطلاق النار أولاً، بوصفه ممراً إلزامياً لبدء مفاوضات مباشرة بين البلدين برعاية أميركية، من دون التفريط، مهما كانت الضغوط، بالثوابت الوطنية التي يتمسك بها، مضيفاً أن هذا الموقف يأتي في إطار تفاهمه مع بري وسلام، وقد أكده في جلسة مجلس الوزراء الأخيرة بقوله إن المفاوضات لم تبدأ حتى الساعة، ما يعني رفضه أي مسار تفاوضي قبل توقف إسرائيل عن ضغطها العسكري على لبنان.

تثبيت وقف إطلاق النار

ولفت المصدر إلى أن الرئيس عون لن يُسلّم ببدء المفاوضات بشكل مطلق من دون أي مقابل، وفي مقدمته تثبيت وقف إطلاق النار، ورأى المصدر، من وجهة نظره، أن الضغط الأميركي لعقد لقاء مع نتنياهو على نحو عاجل قد يؤدي إلى توتير الأجواء الداخلية ورفع منسوب الاحتقان، في ظل تصاعد وتيرة الخلافات، في حال الاستجابة لهذا الضغط من دون توفير ضمانات للبنان، وفي مقدمها وقف إطلاق النار وعودة النازحين إلى قراهم.

وأكد أنه يقف إلى جانب الرئيس عون في تفضيله عدم حرق المراحل عبر لقاء مع نتنياهو، معتبراً أن الوقت لم يحن بعد لمثل هذا اللقاء، وأنه يفترض أن يأتي تتويجاً للتوصل إلى اتفاق يقوم على الاستجابة للثوابت الوطنية التي يتمسك بها رئيس الجمهورية، مقابل إنهاء حالة الحرب بين البلدين، على أن يُترك ما بعد ذلك لكل حادث حديث، مستغرباً صدور بيان دعوة عون للقاء نتنياهو عن السفارة الأميركية في بيروت بدلاً من صدوره عن البيت الأبيض، مشيراً إلى أن هذا الأمر استوضحه الرئيس عون خلال استقباله السفير الأميركي في بيروت ميشال عيسى العائد حديثاً من واشنطن، للوقوف على الدوافع التي أملت صدور البيان عن السفارة، والذي يُعد سابقة في تاريخ العلاقات بين البلدين.


مقالات ذات صلة

معركة جنوب لبنان تتدحرج نحو التصعيد

المشرق العربي عمال يرفعون الركام الناتج عن غارات إسرائيلية استهدفت بلدة عين بعال بجنوب لبنان (أ.ف.ب)

معركة جنوب لبنان تتدحرج نحو التصعيد

تتدحرج وتيرة التصعيد في جنوب لبنان نحو مستويات غير مسبوقة مع انتقال العمليات الإسرائيلية من نمط الضربات الموضعية إلى استهداف واسع ومتزامن لبلدات وقرى عدة.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لافتة عملاقة في بيروت تتضمن شعار دعم للرئيس اللبناني جوزيف عون (إ.ب.أ)

الرئيس اللبناني يصرّ على تثبيت وقف النار لإطلاق المفاوضات مع إسرائيل

يصرّ الرئيس اللبناني جوزيف عون على تثبيت وقف النار ووقف استهداف إسرائيل للمدنيين في لبنان، قبل استكمال الاجتماعات الثنائية بين ممثلي لبنان وإسرائيل في واشنطن

نذير رضا (بيروت)
المشرق العربي دخان يتصاعد عقب غارة جوية إسرائيلية على جنوب لبنان كما شوهد من شمال إسرائيل... 29 أبريل 2026 (د.ب.أ)

6 قتلى بينهم طفل بغارتين إسرائيليتين على بلدة في جنوب لبنان

قُتل 6 أشخاص، بينهم طفل بغارتين إسرائيليتين على بلدة حبوش، اليوم (الجمعة)، في جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي الرئيس اللبناني جوزيف عون (رويترز)

في عيد العمال... عون وسلام يؤكدان التزامهما بتحسين أوضاعهم في لبنان

أشاد الرئيس اللبناني جوزيف عون بالعمّال في عيدهم، فيما أكد رئيس الحكومة نواف سلام استكمال مسيرة الإصلاح، ومواصلة العمل لتحسين الظروف المعيشية للعاملين.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي صورة نشرها الجيش اللبناني للمعاون علي رفعت جابر الذي قُتل في 30 أبريل 2026 جرّاء استهداف إسرائيلي في بلدة كفررمان بقضاء النبطية في جنوب لبنان (صفحة الجيش على «إكس»)

مقتل جندي لبناني في هجوم إسرائيلي على جنوب البلاد

أعلن الجيش اللبناني مقتل عسكري من الجيش مع عدد من أفراد عائلته، نتيجة غارة إسرائيلية معادية استهدفت منزلهم في بلدة كفررمان - النبطية جنوب لبنان.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

مقتل إمام مقام السيدة زينب بانفجار قنبلة قرب دمشق

صورة عامة للعاصمة دمشق (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة دمشق (أرشيفية - رويترز)
TT

مقتل إمام مقام السيدة زينب بانفجار قنبلة قرب دمشق

صورة عامة للعاصمة دمشق (أرشيفية - رويترز)
صورة عامة للعاصمة دمشق (أرشيفية - رويترز)

قُتل رجل الدين الشيعي فرحان المنصور، وهو إمام في مقام السيدة زينب الواقع في ضواحي دمشق، بانفجار قنبلة، اليوم الجمعة، كما أفاد التلفزيون السوري الرسمي، مشيراً إلى أن السلطات بدأت التحقيق في الحادث.

وأورد التلفزيون الرسمي «مقتل خطيب مقام السيدة زينب فرحان حسن المنصور بحادثة انفجار قنبلة ظهر اليوم بمنطقة السيدة زينب في ريف دمشق».

وأضاف أن «الجهات الأمنية باشرت التحقيقات في موقع الانفجار وبدأت عملية البحث عن الجُناة».

ومنذ سقوط الرئيس المخلوع بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) 2024 الذي كان مدعوماً من إيران، تعيش الأقلية الشيعية التي يبلغ عدد أبنائها نحو 300 ألف نسمة يتوزعون خصوصاً بين دمشق وأرياف حمص وريفي حلب وإدلب، في حالة قلق.

وسارعت الأقلية إلى تأييد السلطات الانتقالية، والتقى وجهاء منها الرئيس السوري أحمد الشرع في مارس (آذار) من العام الماضي.

ولم تتعرض الأقلية لأي هجمات باستثناء بعض الحوادث القليلة، أبرزها مقتل رجل الدين رسول شحود بالرصاص قرب مدينة حمص في يوليو (تموز) 2025.


قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية يحذر من انتفاضة فلسطينية

لافتة علّقها المستوطنون في الضفة الغربية كتب عليها: «لا مستقبل في فلسطين» (فيسبوك)
لافتة علّقها المستوطنون في الضفة الغربية كتب عليها: «لا مستقبل في فلسطين» (فيسبوك)
TT

قائد الجيش الإسرائيلي في الضفة الغربية يحذر من انتفاضة فلسطينية

لافتة علّقها المستوطنون في الضفة الغربية كتب عليها: «لا مستقبل في فلسطين» (فيسبوك)
لافتة علّقها المستوطنون في الضفة الغربية كتب عليها: «لا مستقبل في فلسطين» (فيسبوك)

بعد أسبوع واحد من التصريحات التي أدلى بها رئيس الموساد الأسبق، تامير باردو، بأن ما شاهده من نشاط الإرهاب اليهودي في الضفة الغربية يجعله يخجل من كونه يهودياً، خرج القائد الإسرائيلي العسكري لقوات الاحتلال هناك، اللواء آفي بلوط، بتصريحات شبيهة وأبدى عجبه كيف أن الفلسطينيين لم يثوروا ويفجروا انتفاضة حتى الآن، وكشف أنه أبلغ رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، بالوضع، وحذره من أن الاستمرار في السياسة الحالية سينفجر حتماً بانتفاضة.

جنود إسرائيليون يعاينون مكاناً هاجمه المستوطنون في قرية حوارة قرب نابلس (أرشيفية - إ.ب.أ)

وجاءت تصريحات الجنرال بلوط، في منتدى مغلق للقيادات العسكرية، ونشرها مراسلا صحيفة «هآرتس»، يهوشع براينر ويينيف كوفوفيتش، فأدان بشدة عنف المستوطنين في الضفة الغربية مؤخراً، ووصفه بـ«الإرهاب اليهودي»، وقال: «تكاد تكون معجزة أن يبقى الفلسطينيون غير مبالين. ولكن ذلك لن يبقى إلى الأبد».

ومع أن بلوط تجاهل دور قوات الجيش التي يقودها، وممارساتها الأكثر عنفاً من المستوطنين، وحاول التمييز بين المستوطنين وامتدح أولئك الذين تم إسكانهم في مستوطنات «قانونية»، ومستوطني المزارع «الشرعية» التي تمت إقامتها بالتنسيق مع الجيش، لكنه اعترف بوجود مئات المستوطنين المشاغبين الذين يتسببون بالغليان. وقال إن هؤلاء المشاغبين أرادوا استغلال الحرب مع إيران لتصعيد العنف. وأوضح قائلاً: «كان هناك من اعتقدوا أن الوقت قد حان لمعركة يأجوج ومأجوج، وأن الوقت قد حان لاحتلال المناطق أ (في الضفة الغربية)». وأضاف: «أتحدث إليهم، لكنهم ليسوا من النوع المهذب. يقولون لي (نحن أبطال داود وكل الردع لنا). هذا وهم. يجب أن تلتقوا مع هؤلاء الأشخاص فهم ليسوا من أصحاب الرتب العليا، وهم يضرون بشكل كبير بدولة إسرائيل والمشروع الصهيوني. أنا أعرف تجمعات في الضفة الغربية يقولون فيها: (نحن ضد العنف، لكن حان الوقت للردع، لكننا لا نرى إلى أي منحدر زلق سيقود هذا الأمر الدولة)».

وأشار قائد المنطقة الوسطى في الجيش إلى أنه حذر نتنياهو والحكومة مؤخراً من اندلاع أعمال عنف من قبل الفلسطينيين في الضفة الغربية، رداً على هجمات المستوطنين وسياسة الحكومة، بما في ذلك عدم تحويل أموال الضرائب التي تحتفظ بها إسرائيل للسلطة الفلسطينية. وقال: «قلت لرئيس الحكومة، يجب أن تعرف أن الوضع الراهن جيد بشكل عام والإرهاب في أدنى مستوى، لكن هناك توتراً متبادلاً ولا نعرف أين سيكون الانزلاق. ولكن عندما يتدهور الأمر فإنه يتدهور بسرعة».

جنود إسرائيليون يعاينون مكاناً هاجمه المستوطنون في قرية حوارة قرب نابلس (أرشيفية - إ.ب.أ)

وأشار بلوط إلى أنه اقترح على مجلس الوزراء تقديم مساعدات للفلسطينيين. وقال: «لقد قلت إنه يجب أن تكون لدينا أدوات لتهدئة الوضع بين حين وآخر، وخفض شدة التوتر. يجدر أن تكون لدينا أدوات أيضاً بين حين وآخر لتخفيف حدة النيران من خلال الترهيب والترغيب، وليس الترهيب فقط. الجزرة والعصا وليس العصا والعصا، والعصا فقط. هناك أمور قد تزيد شدة التوتر، مثل الأموال التي لم يتم تحويلها للفلسطينيين منذ سنة، وقوات الأمن الفلسطينية التي لم تحصل إلا على 40 في المائة من الرواتب منذ سنة تقريباً».

وبحسب بلوط، فإن الجيش يبذل جهده للحد من الجرائم القومية بقدر الإمكان. مع ذلك قال إن الجيش الإسرائيلي لا يجمع معلومات استخبارية عن الإسرائيليين، بل عن الفلسطينيين فقط. وحذر من أنه «في مرحلة معينة قد يتفاقم هذا الوضع، وعندها سيصبح حدثاً عظيماً. الجميع يعرفون أن وجود 2.5 مليون فلسطيني على بعد متر واحد عن الطريق السريع 5 يعدّ حدثاً مهماً جداً. الجيش الإسرائيلي يعمل على تعزيز المستوطنات الإسرائيلية من أجل أنه إذا، لا سمح الله، بدأت انتفاضة، فستشكل سلسلة من العمليات وليس حادث اقتحام مثلما كان في 7 أكتوبر (تشرين الأول)».

فلسطينيون يشيعون شاباً قتله المستوطنون في بلدة جيت بالضفة الجمعة (أرشيفية - رويترز)

وقال بلوط إنه «وجد صلة مباشرة بين أعمال الانتقام التي ينفذها المستوطنون ضد الفلسطينيين وازدياد الإرهاب الفلسطيني. اليوم نحن نعرف فلسطينيين تضرروا من عمليات تدفيع الثمن، وذهبوا على الفور بعد ذلك لتنفيذ عملية». وأضاف: «هؤلاء الأشخاص لا يعدون العرب بشراً، ويعتقدون أنه يمكن إحراق الناس وإحراق البيوت بسكانها، وهم يفعلون ذلك، للأسف، صباح مساء. لقد قرروا أن (يمحوا عار أوسلو). هذا عار على الشعب اليهودي، وأنا أشعر بالخجل الكبير من هذا الأمر بشكل عام».

واعترف بلوط بأن عدداً من المستوطنين قاموا بإحراق وسائل تشخيص عسكرية في مستوطنة «بات عاين» من أجل ألا يتم رصدهم عندما كانوا في طريقهم لإحراق بيوت الفلسطينيين في قرية صوريف القريبة. وقال: «لقد أحرقوا وسائل أمنية استهدفت الحماية من المخربين كيلا يصلوا إليهم. إذن من الذي انتقموا منه؟»، تساءل.

وانتقد بلوط جهاز القضاء والشرطة العاجزين أمام عنف المستوطنين. وقال: «بعد قتل يهودا شيرمان قاموا بإحراق ثلاث قرى في ثلاث ليالٍ متتالية. من بين الـ100 شخص الذين أحرقوا البيوت والسيارات اعتقلنا خمسة ملثمين وقدمناهم للمحاكمة. ماذا كان حكمهم؟ ثلاثة أيام في الإقامة الجبرية. هذا أمر لا يصدق. بعد 72 ساعة خرجوا وقاموا بمهاجمة جنود حرس الحدود، فحكم عليهم قاضٍ بإبعادهم عن القرية مدة شهر. هل هذا يعدّ رادعاً؟ هذا مضحك. لأنهم ذهبوا إلى قرية أخرى».

سيارات أحرقها المستوطنون في بلدة جيت بالضفة الغربية (أرشيفية - رويترز)

وانتقد بلوط أيضاً قرار وزير الدفاع، يسرائيل كاتس، التوقف عن استخدام الأوامر الإدارية ضد اليهود في الضفة الغربية. وقال: «هم متوحشون، هؤلاء أشخاص مكانهم في السجن. أنا لا ألوم أي أحد، لكن يجب علينا تسمية الشيء باسمه؛ عندما يتم إحراق البيوت بسكانها يسمى هذا إرهاباً إسرائيلياً، حتى لو لم تكن هناك جهة منظمة وراءه».

وأكد بلوط أن تصاعد العنف في الضفة الغربية لا يقتصر على هذه المنطقة، لأن كل المجتمع الإسرائيلي أصبح عنيفاً أكثر في أعقاب حرب قطاع غزة. وقال: «نرى الخطاب العنيف في الحياة العامة الإسرائيلية. مؤسف أن نقول ذلك، لكن إسرائيل أيضاً تغيرت، وبحسب رأيي أصبح السكان عنيفين أكثر».

يذكر أن حركات السلام الإسرائيلية نظمت قبل أسبوع زيارة لمجموعة من القادة العسكريين وكبار المسؤولين السابقين في الضفة الغربية وأطلعوهم على ممارسات المستوطنين، فعاد هؤلاء بانطباعات سيئة. وقال باردو باسمهم إنهم يخجلون من كونهم يهوداً، وهم يرون المستوطنين اليهود يمارسون اعتداءات كهذه، تذكّر بما تعرّض له اليهود في أوروبا في الماضي.


جنوب سوريا... عائلات تعيش قلق انتظار أبنائها المحتجَزين لدى إسرائيل

عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)
عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)
TT

جنوب سوريا... عائلات تعيش قلق انتظار أبنائها المحتجَزين لدى إسرائيل

عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)
عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)

في كل مرة تسمع طَرقاً على الباب، تخال فاطمة الصفدي أن القوات الإسرائيلية قد أفرجت عن ابنيها محمّد وأحمد، بعد نحو عام من احتجازهما. لكن مصيرهما، على غرار نحو خمسين سورياً اقتادتهم إسرائيل إلى أراضيها، ما زال مجهولاً.

وكان ابناها؛ محمّد (40 عاماً) وأحمد (36 عاماً)، في عداد سبعة أشخاص أعلن الجيش الإسرائيلي، في 12 يونيو (حزيران) الماضي، أنه اعتقلهم، خلال «عملية ليلية دقيقة» في قرية بيت جن، الواقعة جنوب غربي دمشق. وقال إنه جرى نقلهم إلى إسرائيل؛ للتحقيق معهم، متهماً إياهم بالتخطيط لشن هجمات.

بينما تفترش الأرض في منزلها المتواضع بالقرية، تقول فاطمة (57 عاماً)، حاملة صورة ولديها، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أسمع أحياناً طَرقاً على الباب، فأُسرع لفتحه، لكنني لا أجد أحداً في الخارج». وتضيف بصوت مرتجف: «أنا خائفة على مصير ولديّ المعتقلين، وأخشى ألا يُفرَج عنهما».

فاطمة الصفدي تجلس في منزلها إلى جانب صورتيْ ابنيها المحتجَزين لدى إسرائيل بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)

وتقع بيت جن جنوب غربي دمشق على سفح جبل الشيخ الفاصل بين سوريا ولبنان، قرب الحدود مع الجولان السوري الذي تحتل إسرائيل أجزاء منه. وهي ضِمن مناطق عدة؛ بينها القنيطرة (جنوب) توغلت فيها القوات الإسرائيلية، خلال الأشهر الماضية، واحتجزت منها قرابة خمسين شاباً، وفق تقديرات رسمية.

بعد الإطاحة بالرئيس المخلوع بشار الأسد، في ديسمبر (كانون الأول) 2024، شنّت إسرائيل مئات الضربات الجوية على أهداف عسكرية في سوريا، وتوغّلت في أراض داخل المنطقة العازلة المنزوعة السلاح في الجولان، والتي تفصل بين القوات الإسرائيلية والسورية، بموجب اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

وتتقدّم القوات الإسرائيلية بين الحين والآخر إلى مناطق في عمق الجنوب السوري، حيث تؤكد عزمها إقامة منطقة منزوعة السلاح.

وتقول فاطمة: «لم تكتمل فرحتي بتحرير سوريا، حتى جاءنا ما هو أصعب»، مضيفة: «فرح الناس جميعاً بالنصر، أما نحن فلا نزال نعاني».

«دون تهمة»

على طول الطريق المؤدي من دمشق إلى بيت جن، تقتصر المظاهر العسكرية السورية على حواجز ينتشر عليها عناصر أمن مع أسلحة خفيفة، بينما تغيب الآليات الثقيلة التي كانت موجودة سابقاً في مناطق قريبة من جبل الشيخ، الذي باتت القوات الإسرائيلية تسيطر على موقع دائم في قمّته.

لا تقوى عائشة الصفدي (53 عاماً) على حبس دموعها كلما نظرت إلى صورة ابنها حسام، الذي اقتادته القوات السورية من بيت جن أيضاً في يونيو الماضي.

عائشة الصفدي تحمل صورة ابنها مدوّناً عليها تاريخ اعتقاله على يد إسرائيل داخل منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)

وتقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أن تُقبِّل صورة ابنها المطبوعة على ورقة: «الأمر صعب لأننا لا نعرف شيئاً عنه».

وتضيف: «أَعدُّ الأيام والليالي، وفي كل يوم أقول لنفسي: سيخرج».

وبينما يتحلّق حولها أحفادها الثلاثة، ويلاعب أحدهم قطة صغيرة، تُناشد المرأة «الحكومة السورية، كما عملت على إخراج معتقلين من دول عربية، أن تنظر في أمرنا وتساعد في إخراج أبنائنا من إسرائيل بكل الطرق الممكنة».

فاطمة الصفدي تجلس برفقة أحفادها في منزلها بقرية بيت جن جنوب سوريا (أ.ف.ب)

وحين اعتقل الجيش الإسرائيلي في يونيو (حزيران) السوريين السبعة من أبناء القرية، قال إنهم «من مُخرِّبي منظمة (حماس) الإرهابية». وأسفرت عمليته حينها عن مقتل مدني.

وفي 28 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلن الجيش الإسرائيلي تنفيذه عملية بهدف «توقيف مشتبَه بهم ينتمون إلى تنظيم (داعش)»، قال إنهم كانوا «يقومون بأنشطة إرهابية ضد مدنيين في دولة إسرائيل»، دون أن يحدد عدد الموقوفين. وأسفرت العملية حينها عن مقتل 13 سورياً، وإصابة ستة جنود إسرائيليين.

«كل لحظة بلوعة»

من مكتبه داخل مبنى حكومي تقع قربه قاعدة إسرائيلية مستحدَثة، يحصي المسؤول بمحافظة القنيطرة محمّد السعيد، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، «اختطاف الجيش الإسرائيلي أكثر من خمسين شخصاً» من أبناء المنطقة.

ويُقدّر أن إسرائيل «احتلّت أراضي جديدة بعمق يراوح بين 500 متر وكيلومتر واحد، وبمساحة تُقدَّر بنحو 240 كيلومتراً مربعاً»، عمدت قواتها فيها «إلى نَصْب حواجز مؤقتة واقتحام البيوت».

محمد السعيد ينظر من نافذة منزله في بلدة خان أرنبة بمحافظة القنيطرة السورية (أ.ف.ب)

وأفاد متحدّث باسم الجيش الإسرائيلي مكتب «وكالة الصحافة الفرنسية» في القدس بأن القوات الإسرائيلية اعتقلت أفراداً في سوريا «حين كانت توجد شبهة بتورطهم في نشاط إرهابي ضد دولة إسرائيل».

وأضاف أنه في بعض الحالات يواصل الجيش احتجاز الأفراد «لأغراض أمنية وقائية، وفقاً للقانون الإسرائيلي والقواعد المعمول بها في القانون الدولي».

وتابع: «أوامر الاحتجاز ومدتها تخضع للمراجعة القضائية، كما يقتضي القانون».

ومنذ وصولها إلى دمشق، أبدت السلطات الجديدة إيجابية تجاه إسرائيل وعقدت معها سلسلة جولات من المحادثات. واتفق الطرفان، تحت ضغط أميركي، في يناير (كانون الثاني) الماضي، على إنشاء آلية تنسيق مشتركة، تمهيداً لاتفاق أمني بين البلدين اللذين يعدّان رسمياً في حالة حرب منذ عقود.

في بلدة خان أرنبة بالمحافظة نفسها، يستعيد محمّد محمود السيد (45 عاماً) بغصّةٍ بينما يجلس في مكتبه العقاري، تجربة اعتقاله بيد القوات الإسرائيلية، العام الماضي، قبل أن يُفرَج عنه لاحقاً.

ويقول، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «خلال سجني لمدة 65 يوماً، كل لحظة مرت عليّ كانت أشبه بالحصار، ونحن بعيدون من أهلنا وأولادنا وأقاربنا». ويضيف: «كل لحظة كانت تمرّ بلوعةٍ، فكيف مَن مرّ عليه أكثر من سنة ولا يعرف شيئاً عن أهله ولا يعرف أهله شيئاً عنه؟!».