تلقى البيت الأبيض عرضاً إيرانياً جديداً لإعادة فتح مضيق هرمز وإنهاء الحرب، مع ترحيل المفاوضات النووية إلى مرحلة لاحقة، في محاولة لكسر جمود دبلوماسي ازداد تعقيداً بعد تعثر مسار باكستان، واستمرار الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية، وتمسك واشنطن بأهدافها النووية.
وكشفت مصادر إيرانية عن أحدث مقترح من طهران، والذي يسعى إلى إنهاء الحرب وفتح مضيق هرمز وتأجيل المفاوضات حول البرنامج النووي إلى مرحلة لاحقة. ومن غير المرجح أن يحظى الاقتراح الجديد، الذي نقلته باكستان إلى الولايات المتحدة، بتأييد الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يريد إنهاء برنامج إيران النووي ضمن اتفاق شامل يشمل مضيق هرمز، ويجعل وقف إطلاق النار دائماً.
وقال ترمب لقناة «فوكس نيوز»، الأحد: «لدينا كل الأوراق. إذا أرادوا التحدث، فيمكنهم القدوم إلينا، أو الاتصال بنا». لكن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي قال الأثنين إن طهران تدرس «طلب» ترمب إجراء مفاوضات . وأوضح للصحافيين في روسيا أن ترامب طلب إجراء مفاوضات لأن الولايات المتحدة لم تحقق أيا من أهدافها.
في الوقت نفسه، أفادت «رويترز» عن مصادر باكستانية قولها إن الجهود المبذولة لتقريب وجهات النظر بين لم تتوقف رغم تعثر عقد محادثات مباشرة.
ونقلت شبكة «سي بي إس نيوز» عن مصادر أن إيران عرضت إعادة فتح مضيق هرمز أمام حركة الشحن التجاري، مقابل رفع الولايات المتحدة حصارها العسكري المفروض على الموانئ والسفن الإيرانية.
وأفادت الشبكة بأن العرض، على ما يبدو، لا يتضمن أي تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني، وهو الملف الذي يؤكد الرئيس الأميركي دونالد ترمب ضرورة تفكيكه ضمن أي اتفاق لإنهاء الحرب المستمرة منذ شهرين.
وتتمثل الخطوة الأولى في إنهاء الحرب الأميركية_الإسرائيلية على إيران وتقديم ضمانات بأن واشنطن لن تشعلها من جديد. وسيعمل المفاوضون بعد ذلك على رفع الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية وتحديد مصير مضيق هرمز، الذي تسعى إيران إلى فتحه وأن يبقى تحت سيطرتها.وعندها فقط ستتناول المحادثات قضايا أخرى، من بينها النزاع القائم منذ فترة طويلة بخصوص البرنامج النووي الإيراني. ولا تزال طهران تسعى إلى الحصول على نوع من الاعتراف الأميركي بحقها في تخصيب اليورانيوم لأغراض سلمية.
عرض يتجاوز النووي
وقال مسؤولون ومصادر لـ«أكسيوس» إن الدبلوماسية وصلت إلى حالة جمود، وإن القيادة الإيرانية منقسمة بشأن طبيعة التنازلات النووية التي يمكن وضعها على الطاولة.
ومن شأن المقترح الإيراني، وفق الموقع، أن يتجاوز هذا الخلاف مؤقتاً عبر اتفاق أسرع يفتح المضيق ويُنهي الحرب أو يمدد وقف إطلاق النار لفترة طويلة.
لكنَّ «أكسيوس» أشار إلى أن رفع الحصار وإنهاء الحرب سيزيلان ورقة الضغط التي يملكها ترمب في أي محادثات لاحقة لإخراج مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وإقناع طهران بتعليق التخصيب، وهما هدفان أساسيان من أهداف الحرب بالنسبة إليه.
وطلبت واشنطن من طهران التخلي عن مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب وعن الامتناع عن عمليات تخصيب إضافية، وهي خطوة ضرورية لتصنيع قنبلة ذرية. وتقول الولايات المتحدة إن هدفها الرئيسي من الحرب هو منع إيران من الحصول على سلاح نووي.

وحسب المقترح، الذي نُقل إلى واشنطن عبر الوسطاء الباكستانيين، تُحل أزمة مضيق هرمز والحصار الأميركي أولاً. وفي هذا الإطار، يُمدد وقف إطلاق النار لفترة طويلة، أو يتفق الطرفان على إنهاء دائم للحرب. وبعد ذلك فقط، تبدأ المفاوضات النووية في مرحلة لاحقة.
قال مصدران مطلعان لـ«أكسيوس» إن وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، طرح خطة تجاوز الملف النووي خلال اجتماعاته في إسلام آباد. وقال أحدهما إن عراقجي أوضح للوسطاء الباكستانيين والمصريين والأتراك والقطريين، خلال عطلة نهاية الأسبوع، أنه لا يوجد توافق داخل القيادة الإيرانية بشأن كيفية التعامل مع المطالب الأميركية.
وتطالب واشنطن إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن عقد، وإخراج اليورانيوم المخصب من البلاد. وفي المقابل، تريد طهران حصر المرحلة الأولى بفتح المضيق ورفع الحصار، قبل الانتقال إلى الملف النووي.
عراقجي يلوم واشنطن
تزامن المقترح مع تحرك دبلوماسي مكثف لعراقجي. فقد زار إسلام آباد، الجمعة، والتقى قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، ورئيس الوزراء شهباز شريف، ثم توجه إلى سلطنة عمان، حيث اجتمع مع السلطان هيثم بن طارق، قبل أن يعود إلى إسلام آباد لجولة ثانية من المحادثات، ثم يتوجه إلى روسيا للقاء الرئيس فلاديمير بوتين.
وقال عراقجي لدى وصوله إلى روسيا إن هدف زيارته هو «مناقشة التطورات المتعلقة بالحرب» و«التشاور مع أصدقائنا». وأضاف في مقابلة نشرتها وكالة «إرنا»: «إنها فرصة جيدة لنا للتشاور مع أصدقائنا الروس حول التطورات التي حدثت فيما يتعلق بالحرب خلال هذه الفترة وما يحدث الآن».
وأشار عراقجي إلى أن «المطالب المبالغ فيها» من جانب واشنطن هي التي أدت إلى «فشل الجولة السابقة من المفاوضات رغم التقدم الذي تحقق». وقال أيضاً إن نهج الولايات المتحدة هو الذي «تسبب في تأخير المفاوضات» التي كان مقرراً عقدها في إسلام آباد.

ورأى عراقجي، لدى وصوله إلى روسيا، أن ضمان سلامة حركة الملاحة في مضيق هرمز يشكل «مسألة عالمية مهمة». وقال تعليقاً على زيارته سلطنة عمان: «المرور الآمن عبر مضيق هرمز مسألة عالمية مهمة. ومن الطبيعي أنه بوصفنا الدولتين الساحليتين لهذا المضيق، إيران وعمان، يجب أن نتحاور لضمان مصالحنا المشتركة، وأن نكون منسقين في أي خطوة تُتخذ في هذا الصدد».
وكتب عراقجي على منصة «إكس» عن زيارته مسقط: «بصفتنا الدولتين الوحيدتين المطلتين على مضيق هرمز، ركزنا على سبل ضمان عبور آمن بما يخدم مصالح جيراننا والعالم».
ويمر من مضيق هرمز عادة خُمس الإنتاج العالمي من النفط والغاز المسال، ولذلك أثار إغلاقه قلقاً واسعاً. وقالت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» إن إيران نقلت «رسائل مكتوبة» إلى الأميركيين عبر باكستان، تناولت «بعض الخطوط الحمراء للجمهورية الإسلامية الإيرانية، بما في ذلك القضايا النووية ومضيق هرمز»، لكنها شددت على أن هذه الرسائل ليست جزءاً من أي مفاوضات.
مواصلة الحصار
وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت للصحافيين إن الرئيس دونالد ترمب ناقش الاثنين مع كبار مستشاريه في مجال الأمن القومي مقترحاً إيرانياً جديداً للتوصل إلى حل للحرب بين البلدين.
ولم تبد ليفيت رأيها خلال إفادة صحفية عن المقترح الذي يقضي بفتح مضيق هرمز ومناقشة البرنامج النووي الإيراني في وقت لاحق. لكنها أكدت أن مطالب ترمب الأساسية لا تزال كما هي.ويريد ترمب فتح مضيق هرمز وأن تُسلّم إيران مخزونها من اليورانيوم المخصب.وقالت ليفيت «لا أستطيع القول إنهم يدرسون الأمر. كل ما أستطيع قوله هو أنه دار نقاش هذا الصباح، ولا أريد استباق الأحداث، وستسمعون بالتأكيد تصريحا مباشرا من الرئيس حول هذا الموضوع».
وقال ترمب في مقابلة مع «فوكس نيوز» إنه يريد مواصلة الحصار البحري الذي يخنق صادرات النفط الإيرانية، على أمل أن يدفع ذلك طهران إلى التراجع خلال الأسابيع المقبلة.
وأضاف: «عندما تكون لديك كميات هائلة من النفط تتدفق عبر نظامك... إذا أُغلق هذا الخط لأي سبب، لأنك لا تستطيع وضعه في حاويات أو سفن... فإن ما يحدث هو أن الخط ينفجر من الداخل... يقولون إن أمامهم نحو ثلاثة أيام فقط قبل أن يحدث ذلك».
A U.S. Sailor watches a commercial ship as U.S. forces continue to enforce a blockade against Iranian ports, preventing ships from entering or exiting. American forces have directed 38 ships to turn around, or return to port. pic.twitter.com/Trtc41NZyp
— U.S. Central Command (@CENTCOM) April 27, 2026
وقال ترمب أيضاً: «إذا أرادوا التحدث، فبوسعهم القدوم إلينا، أو الاتصال بنا. كما تعلمون، لدينا هاتف. لدينا خطوط جيدة وآمنة». وأضاف: «يعرفون ما يجب أن يتضمنه الاتفاق. الأمر بسيط للغاية... لا يمكنهم امتلاك سلاح نووي، وإلا لا يوجد سبب للاجتماع».
كان البيت الأبيض قد أعلن أن مبعوثي ترمب، ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر، سيلتقيان عراقجي في إسلام آباد، لكن الإيرانيين لم يقدموا التزاماً واضحاً. وقال ترمب لـ«أكسيوس» إن الموقف الإيراني دفعه إلى إلغاء الرحلة.
في وقت مبكر الاثنين، قالت القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم) إن قواتها تواصل فرض الحصار على الموانئ الإيرانية، ومنع السفن من الدخول إليها أو الخروج منها.
وأضافت أن بحاراً أميركياً يراقب سفينة تجارية، بينما تواصل القوات الأميركية تنفيذ الحصار، مشيرةً إلى أن القوات الأميركية وجّهت 38 سفينة إلى تغيير مسارها أو العودة إلى الميناء.
«أوراق اللعب»
في طهران، قال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، إن بلاده لا تزال تملك «أوراقاً» في مواجهة الولايات المتحدة، في رد على حديث ترمب المتكرر عن امتلاك واشنطن «كل الأوراق».
ونقلت وكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن قاليباف عرض ما وصفتها بـ«أوراق اللعب الاقتصادية» لدى إيران والولايات المتحدة. ووفق هذا الطرح، تشمل «أوراق جانب العرض» لدى إيران مضيق هرمز، الذي قال إنه «استُخدم إلى حد ما»، ومضيق باب المندب، الذي «لم يُستخدم بعد»، وخطوط أنابيب النفط، التي «لم تُستخدم بعد».

في المقابل، أشار إلى «أوراق جانب الطلب» لدى الولايات المتحدة، وتشمل ضخ احتياطيات النفط الاستراتيجية لإدارة السوق، وهو ما قال إنه «استُخدم»، وإدارة الاستهلاك وخفض الطلب على النفط، وهو ما «استُخدم إلى حد ما»، وصولاً إلى «الانتظار السلبي لارتفاع الأسعار».
واختتم قاليباف منشوره بسخرية من القيود الاقتصادية الأميركية، قائلاً إنه يجب إضافة زيادة الطلب على الطاقة خلال عطلة الصيف في الولايات المتحدة إلى القائمة، «إلا إذا كانوا يريدون إلغاءها في أميركا».
في الأثناء، أعلن 261 نائباً في البرلمان الإيراني دعمهم فريق التفاوض الإيراني برئاسة قاليباف. وقال النواب، في بيان، إن مسار صنع القرار واتخاذه على مختلف المستويات الإدارية في البلاد يتم «بإجماع وفي إطار القيادة».
وأشار البيان إلى الجولة الأولى من مفاوضات إسلام آباد، مدَّعياً أن الولايات المتحدة وإسرائيل تسعيان إلى التأثير في الرأي العام عبر إثارة «انعدام الثقة» بالمسؤولين، بمن فيهم فريق التفاوض، حسبما أورد موقع البرلمان الإيراني.
وقال النائب إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، للتلفزيون الرسمي، إن البرلمان أعدَّ مسودة مشروع يمنح هيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الإيرانية صلاحية إدارة مضيق هرمز، على أن تدفع السفن العابرة رسوماً بالريال الإيراني.
وأوضح أن المشروع ينص على منع عبور سفن الدول «المعادية»، لا سيما «جميع السفن التابعة لإسرائيل». وأضاف أن عبور سفن الدول التي قال إنها ألحقت أضراراً بإيران أو جمّدت أموال طهران، لن يُسمح به إلا بعد تحصيل التعويضات.
وقال مسؤولون باكستانيون إن المفاوضات لا تزال جارية عن بعد، لكن لا توجد خطط لعقد اجتماع مباشر حتى يتقارب الطرفان بما يكفي لتوقيع مذكرة تفاهم.وقال مصدر باكستاني مطلع على المفاوضات لوكالة «رويترز» إنه «سيجرى التفاوض على المسودة عن بعد إلى أن يتوصلا إلى قدر من التوافق».




