في ذكرى «جلاء البريطانيين»... ليبيون يرفضون بقاء القوات الأجنبية

الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)
TT

في ذكرى «جلاء البريطانيين»... ليبيون يرفضون بقاء القوات الأجنبية

الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)
الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي (أرشيفية - رويترز)

تجددت في ليبيا دعوات رافضة للوجود العسكري الأجنبي، تزامناً مع حلول ذكرى جلاء القوات البريطانية من إحدى القواعد العسكرية بشرق البلاد في 28 مارس (آذار) 1970، وذلك في ظل واقع يتسم بانقسام سياسي وعسكري حاد منذ عام 2011، وتزامناً مع استمرار وجود عسكري أجنبي، لا سيما الروسي والتركي، إلى جانب عناصر من المرتزقة.

ويعود جلاء القوات البريطانية من ليبيا إلى عام 1970، عقب شروع السلطات الجديدة، إثر وصول العقيد الراحل معمر القذافي إلى الحكم بعد «ثورة الفاتح من سبتمبر (أيلول)»، في إغلاق القواعد العسكرية الأجنبية. وغادر بعدها آخر جندي بريطاني قاعدة «العدم» قرب طبرق، بعد مفاوضات بدأت أواخر 1969، تلا ذلك لاحقاً جلاء القوات الأميركية من قاعدة «ويلس»، التي عُرفت لاحقاً بـ«معيتيقة».

غير أن الاستهجان الليبي للوجود الأجنبي المستمر منذ بضع سنوات عبر عن نفسه بشكل ملحوظ بواسطة سياسيين وحقوقيين ورجال قبائل، تزامناً مع هذه الذكرى، حيث أعربوا عبر منشورات بوسائل التواصل الاجتماعي عن رفضهم لهذا التواجد في مشهد يعكس مفارقة تاريخية، بين ماضٍ احتُفل فيه بـ«استعادة السيادة»، وحاضرٍ يراه كثيرون مثقلاً بتدخلات خارجية متعددة.

واستثمر العجمي العتيري، قائد كتيبة «أبو بكر الصديق»، والحارس السابق لسيف الإسلام القذافي، هذه الذكرى للتأكيد على أسفه لما اعتبره «عودة القواعد الأجنبية»، متهماً أطرافاً سياسية بما أسماه «جلب الاستعمار مجدداً»، وذلك بعدما استذكر ما وصفه بـ«طرد الإنجليز المغتصبين من تراب ليبيا سنة 1970 بفضل عزيمة أبناء البلاد»، مشيراً إلى ما تمثله ذكرى إجلاء القواعد الأجنبية من فخر لليبيين.

طائرات مقاتلة في قاعدة طبرق العسكرية الجوية التي تم إجلاء القوات البريطانية عنها في عام 1970 (إعلام القيادة العامة)

أما أحمد حمزة، رئيس «المؤسسة الوطنية لحقوق الإنسان في ليبيا»، فجمع بين «الاعتزاز بذكرى وطنية مجيدة»، و«الحزن على عودة القواعد الأجنبية والمرتزقة»، مرجعاً ذلك إلى ما وصفه بأنه «تدخلات سلبية من دول إقليمية في الشأن الليبي».

في حين رأى الناشط محمد الشيباني أن الاحتفاء بالجلاء لا ينفصل عن الواقع الحالي، قائلاً إن الليبيين «يحتفلون بالجلاء رغم عودة الاستعمار»، معتبراً أن «النضال سيستمر حتى استعادة السيادة»، في إشارة إلى استمرار الوجود العسكري الأجنبي.

وأعادت صفحات ليبية على مواقع التواصل تداول مقتطفات من كلمة القذافي خلال الجلسة الافتتاحية للمفاوضات الليبية - البريطانية، التي يسرت جلاء القوات البريطانية عن تلك القاعدة، والتي قال فيها إن «المعاهدات والصداقات والتعاون أمور لا يمكن أن تُبنى في ظل السيف وتحت أزيز الطائرات»، وعلق رئيس المجلس الاجتماعي لقبيلة القذاذفة بدوره قائلاً: «ستبقى ذكرى الجلاء شاهداً على أن الأوطان تستعاد بالعزم لا بالتمني».

ومنذ الإطاحة بنظام العقيد القذافي عام 2011، تحولت البلاد إلى ساحة لتقاطع نفوذ إقليمي ودولي، حيث وثّقت تقارير أممية متكررة وجود قوات أجنبية ومرتزقة. ويرى مراقبون أن استدعاء هذه الذكرى في الخطاب الليبي المعاصر يعكس حالة «الحنين السيادي»، حيث تُستخدم المناسبات الوطنية، مثل عيد الاستقلال وذكرى الجلاء، للتعبير عن رفض الانقسام والتدخلات الخارجية.

في غرب البلاد، تنتشر قوات تركية وصلت بناءً على اتفاق أمني مع حكومة «الوفاق الوطني» السابقة نهاية 2019، وتشمل مستشارين عسكريين وأنظمة دفاع جوي، إضافة إلى مقاتلين مرتزقة سوريين تم نقلهم خلال فترة الحرب على طرابلس (2019-2020)، حسب تقارير للأمم المتحدة.

وفي الشرق والجنوب، سبق أن أشارت تقارير للأمم المتحدة إلى وجود عناصر ما يعرف بـ«الفيلق الروسي»، كما تحدثت تقارير دولية عن وجود مجموعات مسلحة أجنبية من دول أفريقية، خاصة في الجنوب، في ظل هشاشة السيطرة الأمنية على الحدود. ورغم اتفاق وقف إطلاق النار الموقع في أكتوبر (تشرين الأول) 2020، الذي نص على خروج جميع القوات الأجنبية خلال 90 يوماً، فإن هذا البند لم يُنفذ حتى الآن.

ومن منظور الباحث السياسي الليبي، علام الفلاح، فإن «المزاج العام في ليبيا لا يزال متأثراً بإرث طويل من العداء، وصراع طويل ضد الاستعمار الغربي وأسهم في تكوين حساسية واضحة تجاه أي وجود أجنبي على الأراضي الليبية».

وسلط الفلاح في تصريح لـ«الشرق الأوسط» الضوء على أن إرث الحساسية تجاه الوجود الأجنبي «ترسخ على مراحل تاريخية متعاقبة، سواء خلال حركة المقاومة الليبية ضد الاستعمار الإيطالي بقيادة الشيخ عمر المختار، أو خلال فترة الإدارتين الفرنسية والبريطانية، وأيضاً خلال حكم معمر القذافي»، عاداً «هذا الإرث يفسّر إلى حد كبير حالة الرفض الواسعة لوجود القوات الأجنبية والمرتزقة في البلاد».

واعتبر الفلاح أن المواقف الصادرة في ذكرى الجلاء تعكس ما وصفه بـ«مشروع وطني» يحظى بقدر واسع من التوافق، يقوم على رفض بقاء أي قوات غير ليبية داخل البلاد، مشيراً إلى أن «عودة هذا الوجود منذ عام 2011 أعادت تنشيط هذا الرفض على المستويين الشعبي والسياسي في كل مناسبة ترتبط باحتفالات وطنية تتقارب مع هذا السياق».

وبينما تختلف الأطراف الليبية في تحالفاتها السياسية والعسكرية، يبقى مطلب «إنهاء الوجود الأجنبي» نقطة مشتركة في الخطاب العام، وإن ظل تحقيقه رهناً بتسوية سياسية شاملة لم تتبلور بعد، حسب محللين.


مقالات ذات صلة

السلطات الليبية لاحتواء غضب الشارع من «التوطين»

شمال افريقيا تظاهرة مناهضة للتوطين في طرابلس (حركة نشطاء طرابلس ضد التوطين)

السلطات الليبية لاحتواء غضب الشارع من «التوطين»

تسابقت القيادات السياسية والعسكرية والأمنية في شرق ليبيا وغربها خلال الساعات الماضية، في إطلاق مواقف «تُظهر حزماً بشأن الهجرة غير النظامية».

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا اجتماع لجنة «4+4» الليبية في تونس الخميس (البعثة الأممية)

حراك أممي يستبق إعلان توصيات الحوار المهيكل بليبيا

يترقب الليبيون، الأحد، إعلان مخرجات الحوار المهيكل الذي رعته بعثة الأمم المتحدة منذ ديسمبر (كانون الأول) الماضي، ضمن مساعيها للدفع بـ«خريطة طريق».

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا مشايخ وأعيان مدينة الزاوية خلال إلقاء بيان استنكار لفوضى الميليشيات (وسائل إعلام محلية)

أهالي الزاوية الليبية ينتفضون ضد تصاعد فوضى الميليشيات المسلحة

شنّت المكونات القبلية والاجتماعية في مدينة الزاوية، غرب ليبيا، السبت، هجوماً عنيفاً وغير مسبوق على ما وصفته بـ«فوضى متصاعدة» من قتل وتدمير للممتلكات.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال» درنة الليبية «تتعافى» بالإعمار (أ.ف.ب)

بعد 3 سنوات على كارثة «دانيال».... درنة الليبية «تتعافى» بالتشييد والإعمار

تحاول مدينة درنة الليبية، التي كادت أن تُمحى بفعل إعصار دانيال عام 2023، النهوض من جديد، من خلال عملية إعمار متسارعة، تشمل تشييد جسور ومبانٍ سكنية ومنشآت صحية.

«الشرق الأوسط» (درنة (ليبيا))
شمال افريقيا الزادمة خلال اجتماعه مع وزراء ومسؤولين بحكومة «الوحدة» لبحث أزمات الجنوب (منصة «حكومتنا»)

«الوحدة» الليبية تتحرك لمعالجة أزمات الجنوب بـ«خطط عاجلة»

وسط معاناة الجنوب الليبي الممتدة منذ سنوات، تقول حكومة «الوحدة» إنها «تسعى إلى إيجاد حلول جذرية ومستدامة لإعادة إعمار البنية التحتية هناك»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تأكيد أميركي بانضمام مصر لـ«قوات غزة»... وترقب لنشرها بالقطاع

عسكري مصري يصافح أحد أفراد القوات الأميركية (الخارجية الأميركية)
عسكري مصري يصافح أحد أفراد القوات الأميركية (الخارجية الأميركية)
TT

تأكيد أميركي بانضمام مصر لـ«قوات غزة»... وترقب لنشرها بالقطاع

عسكري مصري يصافح أحد أفراد القوات الأميركية (الخارجية الأميركية)
عسكري مصري يصافح أحد أفراد القوات الأميركية (الخارجية الأميركية)

جاء الإعلان الأميركي عن مشاركة مصر في «قوة الاستقرار الدولية» بقطاع غزة، ليطرح تساؤلات حول مدى مساهمة قوات مصرية في حلِّ أزمة تأخر نشر «القوة الدولية» بالقطاع حتى الآن، وإلى أي مدى سيتم تجاوز تحديات إعلان تشكيلها لمراقبة تنفيذ «اتفاق وقف إطلاق النار» بالقطاع.

وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية، مشاركة مصرية في «قوة الاستقرار الدولية» بغزة، ونشرت عبر حسابها الرسمي، صوراً لعسكريين مصريين لدى انضمامهم. وأكدت أن «المساهمة المصرية بالغة الأهمية من دولة جارة للقطاع».

ووفق عسكريين ودبلوماسيين مصريين، تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ «المساهمة المصرية في هذه القوات تُعدُّ خطوةً مهمةً، بالنظر إلى دور القوة الدولية في الإشراف على حركة المعابر ودخول المساعدات الإغاثية، والإشراف على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وعملية إعادة الإعمار والتعافي المبكر بالقطاع».

وتُعدُّ «قوات استقرار غزة»، أحد أبرز بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع، الذي جرى التوقيع عليه في «قمة السلام» بشرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، غير أنَّها لم ترَ النور، رغم تشكيل أجهزة تنفيذية كثيرة مثل «مجلس السلام العالمي»، الذي يشرف على القطاع، برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

«الخارجية الأميركية» تؤكد انضمام مصر إلى «قوة الاستقرار الدولية بغزة» (الخارجية الأميركية)

وخلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام العالمي» في واشنطن، في شهر فبراير (شباط) الماضي، قال قائد قوة الأمن الدولية في قطاع غزة جاسبر جيفرز: «إن 5 دول تعهَّدت بإرسال قوات للمشارَكة في قوة أمنية دولية لقطاع غزة». وأشار إلى أنَّ تلك الدول هي: إندونيسيا، والمغرب، وكازاخستان، وكوسوفو، وألبانيا، بينما تعهَّد الأردن ومصر بتدريب عناصر الشرطة الفلسطينية.

وأرفقت وزارة الخارجية الأميركية، صوراً لعسكريين مصريين، لدى انضمامهم لـ«قوة الاستقرار الدولية» بغزة.

وقالت: «بصفتها دولة مجاورة للقطاع، فإنَّ مشاركة مصر وقيادتها في هذا الجهد المشترك، تُعدُّ بالغة الأهمية لنجاح المهمة»، في حين لم تعلن القاهرة من جانبها، رسمياً مشاركة قوات في «قوة الاستقرار الدولية».

وفي أكثر من مناسبة، شدَّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، على أهمية «سرعة تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية»، إلى جانب «دعم نشر عناصر الشرطة الفلسطينية للاضطلاع بدورها في حفظ الأمن، واستكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن قطاع غزة».

آثار قصف إسرائيلي لخان يونس صباح السبت (أ.ف.ب)

و«تعدُّ مصر شريكاً أساسياً في اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة»، وفق عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، والمستشار بـ«الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية»، اللواء عادل العمدة، الذي يضيف قائلاً: «أي مشاركة مصرية في دعم الأمن والاستقرار بغزة، تأتي من منطلق ارتباط ما يحدث في القطاع بأمن مصر القومي المباشر».

ويشير العمدة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنَّ «تنسيق الجهود بين القوات المشاركة في قوة الاستقرار الدولية، يتم وفق الأطر المحددة لها من جهة تشكيلها، وهي مجلس السلام العالمي». وقال: «إن جزءاً من تحديات عمل تلك القوة، يتمثل في مسألة نزع سلاح حركة حماس، التي من الصعب أن تتخلى عنه إلا بتوافر ضمانات كثيرة من الجانب الإسرائيلي، أهمها عدم العدوان على الفلسطينيين المدنيين».

ولتجاوز تحديات عمل القوة الدولية، يعتقد الخبير العسكري المصري، اللواء سمير فرج، أن «من المهم تحديد طبيعة مهمة قوت الاستقرار الدولية، ما إذا كانت لحفظ السلام والاستقرار، أو لفرض السلام»، مشيراً إلى أن «هذه خطوة ضرورية لأنه إذا كانت المهمة فرض السلام، فإنَّ ذلك يعني اللجوء لتدخل عسكري في مواجهة عناصر المقاومة الفلسطينية، وهو ما لا تريده القاهرة».

وتستهدف القاهرة دفع جهود استكمال استحقاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع، وفق فرج الذي يوضِّح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة أشرفت مع الأردن على تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية تمهيداً لنشرها داخل القطاع»، إلى جانب «استضافة اجتماعات الفصائل الفلسطينية؛ بهدف تهيئة المناخ الفلسطيني لاستكمال خطة السلام وإعادة الإعمار في القطاع».

العنف اليومي يهز قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأعلنت حركة «حماس»، الجمعة، وصول وفد من قيادة الحركة برئاسة خليل الحية، إلى القاهرة؛ استعداداً لبدء جولة جديدة من المفاوضات. وقالت: «إن وفد الحركة سيعقد لقاءات مع المسؤولين المصريين والوسطاء؛ بهدف استكمال تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار».

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد، أنه «لا يوجد تقاطع بين دور مصر في تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية، ومشاركتها في قوة الاستقرار الدولية». وأضاف: «هذه القوة سيكون دورها مُكمِّلاً لدور قوات الشرطة الفلسطينية في دعم الاستقرار بقطاع غزة»، عادّاً أن «المساهمة المصرية ستساعد على طمأنة الفلسطينيين داخل القطاع».

ويوضِّح أحمد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تعويل مصري على دور القوة الدولية لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار، كما أنه سيكون من بين أدوارها، الإشراف على حركة المعابر الخاصة بالقطاع، وضمان وصول المساعدات الإغاثية للفلسطينيين، إلى جانب مراقبة انسحاب الجانب الإسرائيلي من المناطق التي يسيطر عليها، وضمان إجراءات عملية التعافي المبكر، وإعادة الإعمار داخل القطاع».

وباعتقاد السفير رخا أحمد، أن «التحدي الرئيسي الذي يواجه قوة الاستقرار الدولية، يتمثل في ممارسات الجانب الإسرائيلي داخل القطاع، ومدى قبول تل أبيب بقيام هذه القوات بدورها».


«النيابة المصرية» تسند لصبري نخنوخ تهم «حيازة أسلحة والخطف»

مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
TT

«النيابة المصرية» تسند لصبري نخنوخ تهم «حيازة أسلحة والخطف»

مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)

أعلنت النيابة المصرية، السبت، تفاصيل قضية توقيف رجل الأعمال المثير للجدل صبري نخنوخ، على خلفية اتهامات تتعلق بـ«اقتحام أحد معارض السيارات في منطقة التجمع الخامس شرق القاهرة».

ومنذ منتصف الأسبوع الماضي، لا تزال قضية توقيف نخنوخ، الذي أُلقي القبض عليه، الثلاثاء الماضي، تحظى باهتمام واسع في مصر.

وسلطت النيابة الضوء على تفاصيل الواقعة التي بدأت «ببلاغات مقدمة من مالك معرض سيارات أفادت بقيام المتهم وآخرين باقتحام المعرض على خلفية خلافات مالية، والتعدي على أحد العاملين وإحداث إصابات به، فضلاً عن الاستيلاء على وحدة تسجيل كاميرات المراقبة الخاصة بالموقع، وهو ما أكدته تحريات الأجهزة الأمنية»، بحسب بيان قضائي، السبت.

وأورد البيان سرداً لتفاصيل ما جرى العثور عليه خلال تفتيش مسكن المتهم والمقار التابعة له، ومنها «كميات من الأسلحة النارية شملت بنادق آلية ورشاشاً وطبنجة، إلى جانب كميات كبيرة من الذخيرة الحية قُدرت بنحو 1000 طلقة، إضافة إلى أجهزة اتصال غير مرخصة، وقطع يُشتبه في كونها أثرية، فضلاً عن وحدة تسجيل كاميرات المراقبة المبلَّغ بسرقتها».

وأشارت إلى أن التحقيقات الأولية خلصت إلى وجود مؤشرات على تشكيل يُشتبه في كونه عصابياً، يمارس أعمال «فرض السيطرة والبلطجة» باستخدام القوة والتهديد، متخذاً من أنشطة تجارية واجهة لتحركاته، في حين جرى حبس المتهمين احتياطياً على ذمة القضية، وتجديد حبسهم لاحقاً لمدة 15 يوماً.

وكشف فحص الهواتف المحمولة الخاصة بالمتهمين وتفريغ محتواها، بحسب النيابة العامة، عن تسجيلات ومحادثات تتضمن وقائع أخرى قيد التحقيق، من بينها اتهامات «تتعلق بالخطف والاحتجاز القسري والتعذيب والإكراه على توقيع مستندات، إضافة إلى حيازة أسلحة وأدوات تعذيب»، مشيرة إلى أن هذه الوقائع تخضع لفحص موسع إلى جانب تحقيقات مالية موازية لتتبع مصادر الأموال.

رجل الأعمال المصري المثير للجدل صبري نخنوخ (صفحته على فيسبوك)

الخبير القانوني، علاء عابد، يرى أن الجرائم حسب ما أوردها بيان النيابة «تقع تحت طائلة مواد قانون العقوبات، ويعاقب عليها بالسجن المشدد والمؤبد». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «النيابة العامة ووزارة الداخلية ستتخذان الإجراءات القانونية الكفيلة لإعادة حقوق المجني عليهم بمختلف القضايا المنظورة».

وتعيد هذه القضية إلى الواجهة ملف صبري نخنوخ القضائي السابق؛ إذ سبق أن أُدين عام 2012 في قضايا تتعلق بـ«البلطجة وحيازة أسلحة وتعاطي مواد مخدرة»، وصدر بحقه حكم بالسجن قبل أن يشمله عفو رئاسي عام 2018 لأسباب صحية؛ ما جعل اسمه حاضراً بقوة في النقاش العام، وتزايد مع ارتباط اسمه بإدارة شركة «فالكون» للأمن والحراسة، التي تُعد من أبرز شركات الأمن الخاص في مصر.

ولا يزال التباين سيد الموقف في ردود الفعل داخل الشارع المصري، ومواقع التواصل الاجتماعي، بين من اعتبر توقيفه «تأكيداً لهيبة القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء»، ومن يرى أن «القضية تعيد طرح تساؤلات أوسع حول الأنشطة غير القانونية».

أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاهتمام الشعبي الواسع بالقضية يعكس شعوراً مزدوجاً بين الارتياح لملاحقة شخصية مثيرة للجدل تتمتع بنفوذ واسع، والدهشة من استمرار حضورها في المشهد العام رغم سجلها القضائي السابق».

واعتبر أن القضية تثير تساؤلات حول ما وصفه بـ«المنطقة الرمادية» بين النفوذ السياسي والأنشطة الإجرامية، مشيراً إلى أن «الرأي العام يترقب ما إذا كانت التحقيقات والإجراءات الجارية ستقتصر على هذه القضية أم ستطول شخصيات أخرى».

واختتمت النيابة العامة بيانها، السبت، بالتأكيد على أن «دولة القانون ماضية في طريقها بكل حزم»، وأن التحقيقات مستمرة لكشف ملابسات الواقعة كاملة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية حيال جميع المتورطين.


سلام السودان... وعقدة ما بعد الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

سلام السودان... وعقدة ما بعد الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

كشفت الاجتماعات التشاورية التي عقدتها الآلية الخماسية الدولية، بشأن السودان في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، خلال الفترة بين 3 و5 يونيو (حزيران) 2026 عن أنَّ الطريق إلى إنهاء الحرب المستمرة في السودان، منذ أكثر من 3 أعوام، لا يمر فقط عبر وقف إطلاق النار بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، بل عبر مواجهة أسئلة سياسية، أكثر تعقيداً تتعلق بشكل الدولة المقبلة، والقوى التي يحقُّ لها المشاركة في بنائها.

ورأى عدد من المراقبين أنَّ هذه الاجتماعات تمثل أول محاولة جادة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل (نيسان) 2023 لبناء توافق سياسي ومدني واسع ضد استمرار القتال. إلا أن المشاورات شهدت خلافاً حاداً بين المشاركين حول مشاركة «الحركة الإسلامية» وحزب «المؤتمر الوطني»، الذي حكم السودان خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير، في أي عملية سياسية مستقبلية، ليصبح هذا الملف الأكثر إثارة للجدل خلال الاجتماعات.

ونظمت الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي، ومنظمة إيغاد، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، هذه الاجتماعات؛ بهدف استكشاف السبل الكفيلة بإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة، وتشكيل لجنة تحضيرية تمهِّد لحوار وطني يقود إلى السلام والاستقرار.

أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين وحالياً في لقاءات أديس أبابا (إكس)

ووفقاً للوثائق التي نوقشت خلال الاجتماعات، اتفقت القوى المشارِكة على ضرورة التعامل مع الأزمة السودانية عبر 3 مسارات متوازية تشمل: معالجة الكارثة الإنسانية، والتوصُّل إلى وقف لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية تعالج جذور الأزمة وتؤسِّس لسلام مستدام. كما تَوافَقَ المشاركون على اتخاذ إجراءات لبناء الثقة، وتهيئة المناخ السياسي، وضمان مشاركة أوسع للقوى المدنية والمجتمعية.

الخلاف حول الإسلاميين

غير أنَّ هذا التوافق تعثر عند نقطة جوهرية تتعلق بمستقبل الإسلاميين وحزب «المؤتمر الوطني». فقد تضمَّنت إحدى مسودات الوثيقة الختامية نصاً يؤكد أنَّ العملية السياسية يجب أن تكون شاملة، باستثناء «المؤتمر الوطني» و«الحركة الإسلامية» والواجهات التابعة لهما. إلا أنَّ هذه الصياغة أثارت اعتراض بعض المشاركين؛ ما أدى إلى حذفها من النسخة التي وقَّعها تحالف «الكتلة الديمقراطية»، المؤيد للجيش السوداني.

في المقابل، تمسَّك تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، المقرب من «قوات الدعم السريع»، بموقفه الداعي إلى استبعاد «الحركة الإسلامية» و«المؤتمر الوطني» من أي عملية سياسية مقبلة، عادّاً أنَّ تحقيق السلام الحقيقي يتطلب معالجة الأسباب التي قادت إلى الحرب، ومحمِّلاً الإسلاميين جانباً من المسؤولية عن الأزمة الراهنة.

واتخذت «حركة تحرير السودان»، بقيادة عبد الواحد محمد نور موقفاً أكثر تشدداً، إذ رفضت التوقيع على الوثيقة المشتركة مع «الكتلة الديمقراطية»؛ بسبب اعتراض الأخيرة على النصِّ الخاص باستبعاد الإسلاميين. وعدّت الحركة أن السماح للإسلاميين بالمشاركة السياسية يمثِّل مكافأةً لهم على الحرب، وطالبت بحرمانهم من أي دور سياسي مستقبلي، ووصفتهم بأنهم «جماعة إرهابية».

حمدوك وعبد الواحد محمد نور خلال لقاء سابق في باريس (الشرق الأوسط)

واستند هذا الموقف أيضاً إلى قرار وزارة الخارجية الأميركية الصادر في مارس (آذار) 2026، والذي صنَّف ما وصفتها بـ«الحركة الإسلامية السودانية» أو «الإخوان المسلمين السودانيين» تنظيماً إرهابياً، وهو القرار الذي استندت إليه بعض القوى السودانية في مطالبتها بإبعاد الإسلاميين عن أي ترتيبات تخصُّ مستقبل البلاد.

من جانبه، أبدى «التيار الثوري الديمقراطي»، بقيادة ياسر عرمان، وهو أحد مكونات تحالف «صمود»، اعتراضه على حذف النص المتعلق باستبعاد «المؤتمر الوطني»، عادّاً أنَّ ذلك يثير تساؤلات حول الوجهة النهائية للعملية السياسية. كما جدَّد «حزب الأمة»، بقيادة مبارك الفاضل رفضه عودة «المؤتمر الوطني» و«الحركة الإسلامية» إلى قيادة المشهد السياسي.

تباينات «الكتلة الديمقراطية»

أما الكتلة الديمقراطية، فقد تبنَّت موقفاً مختلفاً، إذ أعلنت موافقتها شفهياً، على استبعاد حزب «المؤتمر الوطني» من العملية السياسية، لكنها اعترضت على تضمين نص صريح يستبعد «الحركة الإسلامية»، كما رفضت الجلوس مع تحالف «تأسيس» الذي تعدّه مظلةً سياسيةً لـ«قوات الدعم السريع».

وأظهر هذا التباين أن الخلاف لم يعد مقتصراً على الموقف من الحرب أو أطرافها العسكرية، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بمَن يملك حقَّ المشاركة في صياغة مستقبل السودان بعد توقف القتال.

ولم تقتصر الخلافات على العلاقة بين «الكتلة الديمقراطية» وبقية القوى المشاركة، بل امتدت إلى داخل الكتلة نفسها. فقد رفض تيار يضم قوى مقربة من وزير المالية ورئيس حركة «العدل والمساواة»، جبريل إبراهيم، وحلفائه وعلى رأسهم ناظر عموم قبائل الهدندوة محمد الأمين ترك، المشارَكة في اجتماعات أديس أبابا من الأساس، عادّاً أنَّ الوفد الذي شارك لا يمثل «الكتلة الديمقراطية» بكل مكوناتها.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش رفض المشاركة في الاجتماعات (رويترز)

وتبادل طرفا الخلاف بيانات متعارضة بشأن شرعية التمثيل داخل الكتلة، في وقت عكست فيه هذه الأزمة صراعاً أوسع حول مَن يملك حقَّ التحدُّث باسم المعسكر السياسي المؤيِّد للجيش ضمن العملية السياسية المرتقبة.

كما زادت حدة الجدل بعد استقالة القيادية في «الكتلة الديمقراطية» ومساعدة رئيس مجلس السيادة سالي زكي، وإعلانها اعتزال العمل السياسي عقب مشاركتها في الاجتماعات. وأشارت في بيان نشرته عبر صفحتها على موقع «فيسبوك» إلى وجود تكتلات داخل التحالف، مؤكدة في الوقت نفسه دعمها القوات المسلحة.

ويشير هذا الانقسام إلى أنَّ أزمة أديس أبابا لم تكن مرتبطةً فقط بمستقبل الإسلاميين أو بمشاركة تحالف «تأسيس»، بل شملت أيضاً التنافس على تمثيل القوى المتحالفة مع الجيش، وحدود التفويض الذي تمتلكه الأطراف المشاركة باسمها.

وخلال المشاورات برز أيضاً دور «تنسيقية القوى الوطنية»، بقيادة محمد سيد أحمد المعروف بـ«الجكومي»، التي سعت إلى تثبيت حضورها داخل العملية السياسية بوصفها ممثلةً لشريحة من القوى المؤيدة للجيش.

ودعت التنسيقية إلى عملية سياسية لا تقوم على الإقصاء، مع رفضها مشاركة تحالفَي «صمود» و«تأسيس»، ورفض أي دور سياسي لـ«قوات الدعم السريع» أو مساواتها بالقوات المسلحة.

مؤشرات إيجابية... وتحديات مستقبلية

ورغم هذه التباينات، يرى مراقبون أنَّ اجتماعات أديس أبابا شكَّلت تطوراً مهماً في مسار البحث عن حل سياسي للحرب، إذ نجحت للمرة الأولى منذ اندلاع النزاع في جمع قوى سياسية ومدنية متعارضة حول طاولة واحدة لمناقشة مستقبل البلاد. كما أظهرت الوثائق المتداولة وجود أرضية مشتركة واسعة بشأن وقف الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف اللازمة لإطلاق حوار سياسي شامل.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

لكن الاجتماعات كشفت في الوقت نفسه عن أنَّ التحدي الأكبر قد لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب، وإنما في إدارة الخلافات السياسية التي ستبرز فور توقفها. فبينما ترى قوى كثيرة أن إبعاد الإسلاميين شرط أساسي لمنع إعادة إنتاج الأزمة التي قادت إلى الحرب، تعتقد أطراف أخرى أنَّ فرض هذا الشرط مسبقاً قد يقوِّض فرص التوافق الوطني، ويؤدي إلى انقسامات جديدة.

وبذلك تبدو مشاورات أديس أبابا أقرب إلى نواة أولية لأوسع توافق سوداني ضد استمرار الحرب منذ اندلاعها، لكنها كشفت أيضاً عن أنَّ معركة السلام قد تكون أقل تعقيداً من معركة تحديد الأطراف التي ستجلس إلى طاولة السياسة للمشارَكة في رسم مستقبل السودان بعد انتهاء الحرب.

وشارك في المشاورات ممثلون لـ«تحالف قوى الثورة المدنية (صمود)»، بقيادة عبد الله حمدوك، وتحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، و«الكتلة الديمقراطية»، وحزب «الأمة» بقيادة مبارك الفاضل، وحزب «البعث العربي الاشتراكي»، و«حركة تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد محمد نور، إضافة إلى شخصيات مستقلة ومنظمات مجتمع مدني ومجموعات نسوية وشبابية. كما أجرى «الحزب الشيوعي السوداني» مشاورات منفصلة مع الآلية الخماسية بشأن تصميم العملية السياسية ومستقبل المرحلة الانتقالية في السودان.