فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران»

بين الهاجس الأمني... وهشاشة التعايش بين مكوّنات المجتمع

أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)
أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)
TT

فرنسا أمام التداعيات الداخلية لـ«حرب إيران»

أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)
أعمدة دخان في سماء العاصمة الإيرانية طهران بعد عمليات القصف (آ ف ب)

تُواجِه فرنسا، مع اندلاع حرب إيران، حزمةً معقّدةً من التداعيات الداخلية، تمتدّ من الأمن القومي إلى تماسك النسيج الاجتماعي، مروراً بالمعارك الانتخابية والخطاب حول الهجرة والإسلام. وبينما يحرص «الإليزيه» (مقر الرئاسة الفرنسية) على الحفاظ على خطاب «التهدئة» والدفاع عن الشرعية الدولية، فإنَّ أجهزة الدولة تتعامل مع هذه الحرب بوصفها أيضاً محفِّزاً ممكناً لتوترات داخلية، سواء عبر مخاطر الإرهاب أو عبر إعادة تسييس «ملف الضواحي» والهجرة ذات الأغلبية المسلمة. وحقاً، منذ اللحظات الأولى للنزاع، وجَّه وزير الداخلية لوران نونييز برقيةً عاجلةً إلى الموقّعين في الدولة (المحافظين، قيادة الشرطة والدرك، والاستخبارات الداخلية) يأمر فيها برفع درجة اليقظة إلى «حالة إنذار» تحسّباً لأي «عمل يمكن أن يخلَّ بالنظام العام» داخل فرنسا. وتضمَّنت التعليمات التركيز على حماية المصالح الدبلوماسية للطرفَين المتحاربَين، ومراقبة التجمّعات والاحتجاجات المرتبطة بالجاليات المعنية، خصوصاً المظاهرات التي ينظّمها إيرانيون ومعارضون للنظام في طهران على الأراضي الفرنسية.

في خلفية الوضع الراهن في فرنسا، تستحضر وزارة الداخلية مساراً طويلاً من التهديدات المرتبطة بإيران، من محاولة تفجير مؤتمر «مجاهدين خلق» في ضاحية فيلبانت عام 2018 التي اتُّهم فيها دبلوماسي إيراني، إلى محاكمات حديثة لناشطة ومترجمة إيرانية و4 رجال أدينوا بالتحريض على الإرهاب ونشر «خطابات كراهية» ودعوات لعنف ضد اليهود في فرنسا أمام خلفية الحرب على غزة.

لذلك تَعُدُّ الحكومة الحالية وجهاز الأمن الداخلي الحربَ الحالية عاملاً مضاعِفاً لمخاطر «العمليات بالوكالة» على الأرض الفرنسية، سواء عبر شبكات مرتبطة بإيران مباشرة، أو عبر أفراد يستثمرون المناخ المشحون لصالح «أجندات» جهادية أو معادية لليهود.

الخوف من انتقال الصراع

للعلم، تضمّ فرنسا واحدة من أكبر الجاليات المسلمة في أوروبا، يصل تعدادها إلى 6 ملايين، بل 7 ملايين نسمة، حسب بعض الدراسات. وضمن هؤلاء جالية إيرانية تقدّر بنحو 25 ألف شخص معظمهم من المعارضة الناشطة سياسياً وإعلامياً، ولكن بينهم أيضاً كثير من الطلبة والباحثين، ما يجعل أي ارتجاج في الشرق الأوسط يُقرأ داخل الحدود الفرنسية عبر عدَسة الهوية والانتماء.

ولقد كانت صحيفة «لو باريزيان» في عددها الصادر يوم 2 مارس (آذار) الحالي قد كشفت عن أنّ السلطات الفرنسية قرَّرت توفير حماية خاصة لبعض المعارضين الإيرانيين المقيمين في فرنسا، خشية تحوّلهم إلى أهداف لعمليات انتقامية «رسالية» تُنسب إلى طهران. وأيضاً وضعت عدداً من الناشطين الأكراد الإيرانيين تحت مراقبة لصيقة في ضواحٍ مثل الفال - دواز، حيث تتركّز جالية إيرانية كردية ناشطة.

هذه الإجراءات، التي ثبّتها وزير الداخلية لوران نونييز خلال اجتماع أمني في باريس، تتضمَّن دوريات شرطية مُعزَّزة حول مقارّ الجمعيات والهيئات المعارضة للنظام الإيراني، فضلاً عن رفع مستوى اليقظة حول أماكن وجود الجالية الكردية الإيرانية ومكاتبها. كل هذا في سياق مقاربة أمنية ترى في الحرب الراهنة مع إيران لحظة عالية الخطورة لاحتمال انتقال الصراع إلى الأراضي الفرنسية عبر عمليات انتقامية أو هجمات بالوكالة.

وزير الداخلية نونييز، تطرّق في اجتماعاته مع المحافظين وقادة الشرطة، إلى هذا «السجلّ»، مؤكّداً أنّ فرنسا «ليست هدفاً مباشراً» للصواريخ الإيرانية بيد أنها قد تغدو مسرحاً لـ«النتائج غير المباشرة للصراع»، في إشارة واضحة إلى التهديد الذي تمثّله «عمليات بالوكالة» أو هجمات انتقامية ضد المعارضين واليهود.

الخلفية التاريخية

هذه الهواجس لم تولد من فراغ، فمنذ ثمانينات القرن الماضي، ومع قيام الجمهورية الإسلامية في إيران، تحوَّلت فرنسا إلى أحد الملاذات الرئيسية للمعارضة الإيرانية بشقّيها العلماني والإسلامي المعارض، واستقبلت شخصيات وحركات نُظر إليها في طهران بوصفها تهديداً مباشر للنظام.

غير أن هذا «المنفى» أو «الملاذ الآمن» تعرَّض لاختبارات متكرّرة أبرزها: إحباط محاولة تفجير مؤتمر لمنظمة «مجاهدين خلق» في ضاحية فيلبانت عام 2018، اتُّهم فيها دبلوماسي إيراني معتمد في العاصمة النمساوية فيينا، ثم سلسلة هجمات استهدفت يوم 31 مايو (أيار) 2023 مركز جمعية «سيماي أزادي» المرتبطة بالمعارضة الإيرانية في ضاحية سانت وان لومون القريبة من باريس، حيث أطلق النار وأُلقيت زجاجات حارقة على المبنى، الذي كان يضم أيضاً قناة إخبارية، قبل أن تُحبط الأجهزة الفرنسية استمرار هذه الاعتداءات.

هذه السوابق رسَّخت لدى أجهزة الأمن الفرنسية الاقتناع بأنَّ طهران تمتلك القدرة والإرادة على استخدام الأراضي الأوروبية، والفرنسية خصوصاً، لتصفية حساباتها مع خصومها في الخارج، سواء عبر شبكات منظمة أو عبر «مجرمين صغار» يُستأجَرون لتنفيذ عمليات لا تظهر صلتها السياسية إلا لاحقاً.

لذا، حين اندلعت «حرب إيران» في مطلع 2026، كان منطقياً - في نظر وزارة الداخلية - النظر إلى المعارضة الإيرانية في فرنسا بوصفها هدفاً محتملاً لعمليات مثل الاغتيال، أو الخطف، أو الترهيب، وهو ما يفسِّر درجة الاستنفار الحالية حولها.

موضع مزدوج

يُضاف إلى هذه الأبعاد الأمنية - السياسية بعدٌ آخر هو ملف الهجرة واللجوء. إذ إنّ نسبة مهمّة من المعارضين الإيرانيين والكرد - الإيرانيين موجودون في فرنسا بصفتهم لاجئين سياسيين أو طالبي لجوء، ما يجعل مسؤولية الدولة عن أمنهم مضاعفة. ذلك أنه من الناحية القانونية والأخلاقية، حين تمنح فرنسا حقّ اللجوء، فهي لا تمنح فقط ترخيص الإقامة، بل تقدّم وعداً ضمنياً بالحماية من الاضطهاد. وحين يثبت أنّ أجهزة النظام المُهدِّد قادرة على الوصول إلى اللاجئ في منفاه، يتعرّض هذا الوعد للاهتزاز.

في السياق الفرنسي، يتشابك هذا الملف مع الجدل العام حول الهجرة واللاجئين الذي ازدادت حدّته منذ موجة 2015 الأوروبية، وتصاعد «الإسلاموفوبيا» والقلق من العقيدة الإسلامية في ضوء هجمات 2015 - 2016 في باريس ومدينة نيس وغيرهما. وهنا تبرز مفارقة: فالمعارضون الإيرانيون والكرد - الإيرانيون، الذين يُنظر إليهم غالباً في باريس بوصفهم «حلفاء» ضد «التهديد الإيراني»، هم في الوقت نفسه جزء من كتلة مهاجرة أوسع تشمل مسلمين من المغرب العربي والشرق الأوسط، غالباً ما يختزلها خطاب اليمين المتطرف في صورة «كتلة مشبوهة» تشكِّل في ذاتها تهديداً أمنياً وثقافياً.

إشكاليات التعايش بين المسلمين واليهود

في الوقت عينه، تخشى باريس الرسمية من أن تتحوّل أي تعبئة تضامنية مع الشعب الإيراني أو مع الفلسطينيين إلى منبِر لخطابات متطرفة أو معادية لليهود. وهو ما يدفع وزارة الداخلية إلى مطالبة المحافظين بـ«إبلاغ فوري» عن أي مؤشرات «تأثير أو زعزعة استقرار» مرتبطة بهذا النزاع، خصوصاً إذا أخذت طابعاً عنيفاً.

هذا المنطق الوقائي يعكس رؤيةً أمنيةً ترى في بعض شوارع الضواحي ذات الكثافة المسلمة العالية، فضاءات يمكن أن تنتقل إليها عدوى الصراع الرمزي بين «المعسكر الغربي» و«العالم الإسلامي»، ولو على مستوى الشعارات والاحتجاجات، بما ينعكس سلباً على العلاقات بين المسلمين واليهود، وعلى شعور الانتماء الوطني نفسه.

وفي السياق ذاته، أضحت عمليات حماية الكُنُس (جمع كنيس) والمدارس والمراكز الثقافية اليهودية في فرنسا واقعاً ملموساً منذ سنوات، خصوصاً بعد هجوم «هيبر كاشر» عام 2015. ويومذاك، أعلن الرئيس فرانسوا هولاند عن «تأمين» جميع المواقع اليهودية (794 موقعاً حسب تقرير برلماني لعام 2016)، بمشاركة 66 في المائة من قوات «سنتينيل» العسكرية و34 في المائة من الشرطة والدرك.

ومع تصاعد الأعمال التي توصف بأنها «معادية للسامية»، تحوَّلت الحراسة الديناميكية (دوريات منتظمة بدلاً من حراسة ثابتة منذ 2016) إلى جزء من «المنظر اليومي» في مدن مثل باريس ومرسيليا وليون وستراسبورغ، حيث تُشاهد سيارات الشرطة أمام المدارس اليهودية في أثناء دخول الطلاب وخروجهم. أمّا النُّخب اليهودية الفرنسية، ممثّلة بمنظمات مثل «الكريف»، و«خدمة حماية الجالية اليهودية (SPCJ)» - التي أُسست عام 1980 بعد تفجير شارع كوبرنيك الباريسي - فهي تدفع بقوة نحو تشديد التشريعات ضد «معاداة السامية»، كما في دعوات فرانسيس كاليفات (رئيس «الكريف» سابقاً) لإعادة الحراسة الثابتة أمام المدارس لتهدئة «الإحساس بالقلق».

في المقابل، يشعر قطاع كبير من المسلمين بغياب موازٍ صارمٍ لمكافحة ظاهرة العداء للمسلمين «الإسلاموفوبيا»، إذ لا تُلاحظ حملات مماثلة أو تمويل أمني مكثّف للمساجد (1047 موقعاً محمياً عام 2016 دون تغطية مماثلة)، ما يُغذّي سردية «الكيل بمكيالين» ويزيد من التوتر بين الجاليتين، حيث يرى البعض في التركيز الرسمي على اليهود دليلاً على تحيّز بنيوي.

هذا الإطار يُنتج أثراً مزدوجاً على الجالية اليهودية: فمن جهة يعزِّز إحساساً عميقاً بالهشاشة وبضرورة الاحتماء بالدولة وأجهزتها الأمنية - بل وأحياناً بإسرائيل كأفق حماية بديل -، ومن جهة أخرى يغذّي لدى جزء من المسلمين انطباعاً بأن الدولة تنحاز «بصورة بنيوية» لليهود ضدهم... وبهذا المعنى، يتحوّل كل توتر في الشرق الأوسط إلى لحظة اختبار حادة للعلاقات الإسلامية اليهودية في فرنسا، حيث يتهدّد شعور الانتماء الوطني ذاته، عندما يخشى بعض اليهود أن يكونوا غير آمنين كمواطنين فرنسيين، ويخشى بعض المسلمين أن يظلوا دائماً مواطنين مشكوكاً في ولائهم. وهكذا صار كل شعار في مظاهرة، وكل حادثة اعتداء أو شتيمة، تطوراً يُقرأ في عيون جزء من اليهود دليلاً إضافياً على تصاعد الكراهية ضدهم، وفي عيون جزء من المسلمين قمعا لصوتهم السياسي وتضامنهم مع ضحايا الحروب في غزة أو إيران.

استثمار اليمين المتطرف لورقة الهجرة والإسلام

على المستوى السياسي، أعادت الحرب على إيران فتح معركة السرديات الداخلية حول الهجرة والإسلام في فرنسا، ووفّرت ذخيرة جديدة للتيارات اليمينية المتطرّفة. فرئيس حزب «التجمّع الوطني» جوردان بارديلا دعا الرئيس إيمانويل ماكرون إلى جمع قادة الأحزاب الممثَّلة في البرلمان «لتوضيح دور فرنسا»، لكن خلف خطاب «الوحدة الوطنية» يواصل حزبه رسم خط مستقيم بين «التهديد الخارجي» و«الخلل الداخلي» الذي يُحمَّل جزء منه إلى الهجرة والمسلمين.

وهنا، يجد الخطاب التقليدي لـ«اليمين المتطرف» فرصته لتجديد معادلاته، فكل اشتعال في الشرق الأوسط يُقدِّم دليلاً إضافياً على أن فرنسا «تستورد النزاعات» عبر الهجرة، وأن وجود جاليات كبيرة من أصول مغاربية أو شرق أوسطية يحمل في ذاته مخاطر «بَلقنة» الساحة الداخلية. وحتى لو لم تُقَل هذه العبارات دائماً بشكل صريح، ثمة إشارات متكرّرة إلى «خطر التآكل الهوياتي» و«الغيتوهات الإسلامية» و«المد الإسلاموي العالمي» تظهر في خطاب قيادات يمينية ترى أن الحرب مع إيران تبرهن على ضرورة تشديد سياسة الهجرة واللجوء، وعلى أن أي تخلخل إقليمي يمكن أن يُترجم بموجة جديدة من اللاجئين أو بتصعيد في الخطاب الديني المتشدّد في الضواحي.

أجهزة الأمن الفرنسية مقتنعة بأنَّ طهران تمتلك القدرة والإرادة على استخدام أراضي أوروبا لتصفية حساباتها مع خصومها

إشكالية موقف اليسار

في الضفة المقابلة، تحاول قوى اليسار الراديكالي والاشتراكي - البيئي تفكيك الربط التلقائي بين الحرب على إيران وبين المسلمين في فرنسا. ولقد طالبت النائبة ماتيلد بانو، زعيمة كتلة «فرنسا الأبية» البرلمانية، بمناقشة برلمانية وبتصويت حول الموقف من الشرق الأوسط، وحذّرت من أن استمرار منطق «الحرب الدائمة» يغذّي كل أشكال التطرّف. أما جان - لوك ميلانشون، زعيم كتلة «فرنسا الأبية»، فعدَّ أنّ ما يجري «حرب بلا أخيار» أطرافها «لا نحبّها»، واضعاً واشنطن وتل أبيب وطهران في سلّة واحدة.

هذا الخطاب، وإن تعرَّض لانتقادات عنيفة من اليمين، يلتقي مع حساسية واسعة في أوساط الشباب المسلمين أو المتضامنين مع القضية الفلسطينية، ويرفض تحويل الحرب على إيران إلى ذريعة لمزيد من الرقابة الأمنية على الجاليات العربية والمسلمة أو لإعادة إنتاج خطاب «الانفصالية الإسلامية».

القانون الدولي... وضبط الشارع

وأما في الطيف الوسطي واليسار المعتدل، فثمة محاولة لصياغة موقف مزدوج:

- دعم القانون الدولي والتحذير من التوسُّع الإقليمي للحرب.

- والتأكيد على رفض أي وصم جماعي للمسلمين في فرنسا.

النائب الأوروبي الاشتراكي الحليف رافاييل غلوكسمان شدّد، قائلاً: «لا يمكن أن نتبع ترمب ونتنياهو بلا شروط»، داعياً إلى مسار انتقال سياسي بإشراف الأمم المتحدة «لمنع الفوضى من أن تحلّ محلّ الاستبداد». وذكّر أوليفييه فور، زعيم الحزب الاشتراكي، بأن «البوصلة الوحيدة المتبقية في هذا العالم هي القانون الدولي»، في تلميح واضح إلى رفض أي منطق «حرب صليبية» أو «صدام حضارات» تكون له تداعيات مُدمِّرة على التعايش داخل فرنسا.

ومن جهتها، ربطت زعيمة «الخضر» مارين توندلييه، في تصريح تلفزيوني، بين ضرورة الدفاع عن الأمن الداخلي وبين معايير الشرعية الدولية. ورأت أن انتهاك هذه المعايير في الخارج يضعف حجة فرنسا في محاربة التطرّف داخلياً، لأن الشباب المعنيين يرون في ذلك «ازدواجية معايير» تغذّي سرديّات الضحية في بعض الأوساط المسلمة.

وبهذا المعنى، تصبح كيفية تعاطي فرنسا مع الحرب على إيران جزءاً من معركتها السردية داخل أحيائها الشعبية ومدارسها ومساجدها؛ فإما تثبت أن القانون واحد للجميع، أو تُتَّهم بأنها تُطبِّق معايير مختلفة حين يتعلق الأمر بالعالمَين العربي والإسلامي.

لتأثير الانتخابي وإعادة تشكيل الخريطة الحزبية الفرنسية

تأتي الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران قبل أسابيع من الانتخابات البلدية الفرنسية، ما يمنحها وزناً انتخابياً خاصاً. هذا الواقع يقلق «الإليزيه» من أن تتحوّل أي حادثة أمنية، ولو محدودة، إلى وقود لصعود خطاب «الاستبدال الكبير» و«الخطر الإسلامي» في خطاب اليمين المتطرف، وأن يستثمر خصوم الرئيس إيمانويل ماكرون أي تردّد أو تناقض في موقفه لتصويره كرئيس «عاجز» عن حماية الفرنسيين أو «متذبذب» بين واشنطن وطهران. في المقابل، يراهن جزءٌ من اليسار على تعبئة الشباب والناخبين من أصول عربية ومسلمة عبر خطاب مناهض للحرب والتبعية، على قاعدة الدفاع عن الفلسطينيين والإيرانيين في آن، تحت شعار «لا لهذا النظام ولا لتلك الحروب». لكن هذا الاستقطاب قد يعمّق انقسام المشهد الحزبي إلى معسكرين: الأول يرى في الحرب فرصة لتشديد القبضة الأمنية والهجرة، والثاني يرى فيها مناسبة لإعادة النظر جذرياً في علاقة فرنسا بالولايات المتحدة وبالشرق الأوسط، وفي مكانة المسلمين داخل الجمهورية.


مقالات ذات صلة

إيران تدرس اتفاقاً لوقف الحرب مع استمرار الجمود

شؤون إقليمية جندي أميركي يُجري أعمال صيانة على منظومة «باتريوت» للدفاع الجوي في موقع غير معلن بالشرق الأوسط (الجيش الأميركي - أ.ف.ب)

إيران تدرس اتفاقاً لوقف الحرب مع استمرار الجمود

تُراجع إيران اتفاقاً مقترحاً مع الولايات المتحدة لوقف الحرب بين البلدين، بعدما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات للتوصل إلى اتفاق لا تزال مستمرة.

«الشرق الأوسط» (لندن - واشنطن - طهران)
العالم صورة نشرها التلفزيون الرسمي الإيراني لإطلاق صواريخ باليستية في بداية الحرب (أ.ف.ب)

حروب اليوم... عندما يُقاس النصر بعدم سقوط النظام

ماذا يعني أن تُعلن دولة انتصارها تحت شعار «ربحنا لأننا لم نخسر»؟ هل يُقاس النصر بما حقّقه العدو من أهدافه المُعلنة؟ هل يُقاس النصر بعدم سقوط النظام؟

المحلل العسكري (لندن)
الاقتصاد دخان يتصاعد من مصفاة ناتريف في جنوب أفريقيا خلال انعقاد مؤتمر رابطة مصافي وموزعي النفط الأفارقة بكيب تاون أبريل 2026 (رويترز)

«ستاندرد آند بورز»: ارتفاع النفط يهدد اقتصاد جنوب أفريقيا القائم على الاستهلاك

حذّرت وكالة التصنيف الائتماني «ستاندرد آند بورز» من أن ارتفاع أسعار النفط الناجم عن التوترات في الشرق الأوسط يشكّل مخاطر كبيرة على اقتصاد جنوب أفريقيا

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ )
الاقتصاد سفن راسية في مضيق هرمز (رويترز)

شحنات نفط تغادر «هرمز»... و4 ناقلات غاز تتجه إلى المدخل الشرقي للمضيق

أظهرت بيانات شحن أن ناقلتَي نفط تحملان منتجات نفطية غادرتا مضيق هرمز الأسبوع الماضي، في حين تم تحميل ناقلة غاز طبيعي مسال بشحنة في الإمارات.

«الشرق الأوسط» (لندن)
الاقتصاد خزانات للنفط والغاز في مستودع بميناء تشوهاي الصيني (رويترز)

توقعات بتكثيف الصين السحب من احتياطيات النفط

قال محللون ومسؤولون في قطاع النفط إنه من المتوقع أن تلجأ الصين إلى سحب كميات أكبر من مخزوناتها القياسية من النفط الخام

«الشرق الأوسط» (بكين)

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
TT

هل يريد نتنياهو فعلاً وقف المساعدات الأميركية؟

خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)
خطط مستقبلية للتعاون العسكري الأميركي - الإسرائيلي (رويترز)

المسؤول الإسرائيلي الذي يزور الولايات المتحدة هذه الأيام، يتعب. الأسئلة التي تُطرح عليه صعبة، بعضها لم يُطرح على الإسرائيليين حتى في دول معادية. على سبيل المثال: «إذا شئتم أن تعيشوا كل حياتكم على الحراب فهذا شأنكم، ولكن لماذا تريدون للولايات أيضاً أن تعيش مثلكم؟ تريدون منا مساعدات، مفهوم. لكن لماذا تريدون أن ندير نحن حروبكم، التي لا تنتهي؟ هل أنتم تريدون حقاً وقف المساعدات الأميركية، أم أن هذه مجرد تصريحات تضليلية يطرحها رئيس حكومتكم ويخدعنا بها؟ أنتم قوة إقليمية عظمى في الشرق الأوسط، ولكن كيف ومتى سترون أن هناك قوى عظمى أخرى في هذه المنطقة، لا تقل عنكم أهمية، بل في قضايا عديدة هي أهم منكم؟ لدينا قائمة طويلة بمطالبكم منا ومن حلفائنا ومن المؤسسات والأطر التي يوجد لنا تأثير فيها. فماذا تعطون بالمقابل؟ إلى متى تريدوننا أن نقف معكم في مواجهة العالم؟ متى سنرى مبادرات إسرائيلية للسلام، تمكننا من الاستمرار في الدفاع عنكم أيضاً في المستقبل؟».

الأسئلة أعلاء مأخوذة عن شهادات إسرائيلية منشورة، تثير قلق كثيرين، خصوصاً وأنها صادرة عن «حلفاء إسرائيل المقربين»، كما يقول الجنرال في الاحتياط عاموس يدلين، الذي عاد أخيراً من زيارة طويلة من الولايات المتحدة. ومما قاله: «ثمة أزمة متفاقمة في الموقف الشعبي الأميركي تجاه إسرائيل. إنك تلمس فوراً أن هناك جبهة معادية لإسرائيل تجمع بين اليسار التقدمي في الحزب الديمقراطي والمعسكر الانعزالي في الحزب الجمهوري. وكلّما اتجهنا نحو الفئات العمرية الأصغر، اتسع نطاق هذه الظاهرة لتشمل بعض المعتدلين في الحزبين. وتزداد هذه الظاهرة حدةً في ضوء التعاون الأمني غير المسبوق بين البلدين في الحرب ضد إيران، والمساهمة الإسرائيلية الكبيرة والمؤثرة في العمليات القتالية المشتركة».

يدلين يُعدّ من كبار المهتمين بالشؤون الاستراتيجية لإسرائيل. إذ شغل لسنين طويلة منصب رئيس «معهد أبحاث الأمن القومي»، بعد خدمة طويلة في الجيش طالت لأكثر من 30 سنة، وتولى آخر منصب فيها رئيساً لشعبة الاستخبارات العسكرية (أمان). والزيارة الأميركية المذكورة لم تكن زيارة عابرة، بل جاءت في إطار دراسة للعلاقات الأميركية - الإسرائيلية تعدّها منظمة «مايند يسرائيل»، التي يقودها، وكان معه مؤسس «المنظمة» الدكتور أفنر غولوب.

الرجلان يريان، كما ورد في مقال نُشر في موقع معهد الأبحاث المذكور، أنه «مقابل التقدير البالغ للجيش الإسرائيلي على شراكته الحرب مع الجيش الأميركي ضد إيران، وخارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس دونالد ترمب، تتشكّل جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين، تُصوّر إسرائيل على أنها (جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية)». بل حتى الذين يصفون هذا الادعاء بأنه لا أساس له من الصحة، يُقرّون بأن هذه حملة فعّالة للغاية، خاصة بين الشباب من كلا الحزبين. ولهذا السبب تحديداً؛ يجب على إسرائيل أن تُقدّم للولايات المتحدة رواية جديدة. ولا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين.

أيضاً، وفق المقال، «تحتاج تل أبيب إلى تعزيز نموذج جديد للعلاقة بين إسرائيل والولايات المتحدة لا يقتصر على تلقّي المساعدات، بل يشمل الشراكة؛ ولا يقتصر على الأمن فحسب، بل يشمل التكنولوجيا أيضاً؛ ولا يقتصر على الدبّابات والطائرات، بل يشمل أيضاً الذكاء الاصطناعي، والحوسبة الكمومية، والرقائق الإلكترونية، والطاقة، والمواد الحيوية، والتقارب الحيوي (مزيج من الهندسة والبرمجيات والذكاء الاصطناعي مع علم الأحياء)».

العلاقات الثنائية اليوم

معروف أن الدعم الأميركي لإسرائيل حالة نادرة في العلاقات الدولية. ففي المجال العسكري قدّمت واشنطن لإسرائيل غالبية الأسلحة التي تستخدمها في الحروب. وقد بلغ 69 في المائة حتى سنة 2023 وارتفع إلى 78 في المائة خلال الحرب على غزة ولبنان وإيران. وتمّول واشنطن هذا الدعم بمساعدات مالية، بلغ مجموعها 220 مليار دولار منذ عام 1948. وكذلك تجاوزت المساعدات الأميركية لإسرائيل 21.7 مليار دولار منذ بدء الحرب في غزة، لتضاف إلى المساعدات السنوية الاعتيادية البالغة 3.8 مليار دولار. بيد أن الأهم من الحسابات المالية في هذا الدعم هو «المبدأ» الذي تسير عليه، وهو «ضمان تفوق الجيش الإسرائيلي على جميع الجيوش العربية والجيوش المعادية في الشرق الأوسط».

في الولايات المتحدة يعتبر هذا دعماً للدفاع عن إسرائيل في مواجهة أعدائها. ولكن الحقيقة أن ثمة سبباً آخر، لا يقل أهمية، ألا وهو خدمة مصالح واشنطن في المنطقة. بالمناسبة، إسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم، التي لا تعارض خوض حرب يُقتل فيها أبناؤها، لخدمة دولة أخرى. ولقد سبق أن فعلتها عام 1956 عندما شاركت في «العدوان الثلاثي» على مصر لخدمة مصالح فرنسا وبريطانيا، الغاضبتين من تأميم قناة السويس. وفعلتها بعشرات العمليات المغامرة، وراء الحدود، بواسطة عملاء «الموساد». ولقد عبّر المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، عن ذلك في يونيو (حزيران) 2025، خلال تصريح على هامش مشاركته بقمة «مجموعة السبع» في كندا، عندما أشاد بالضربات الواسعة التي تشنها إسرائيل على إيران وقال: «هذه مهمة قذرة تؤديها إسرائيل نيابةً عنّا جميعاً».

لكن المسؤولين الإسرائيليين لا يجرؤون على الاعتراف الصريح بذلك، مع أنهم يزعمون أن «إسرائيل تحارب الإرهاب الإيراني لمصلحة الغرب كله». ويفضلون وصف الدعم الأميركي لإسرائيل بأنه «استثمار مُجدٍ».

دبلوماسي إسرائيلي سابق أفاد بأن «كل دولار تصرفه الولايات المتحدة على إسرائيل تسترده بخمسة اضعاف على الأقل». وعدَّد فوائد إسرائيل للولايات المتحدة، من خلال دراسة أعدها ونشرها على موقع الجمعية في يناير (كانون الثاني) الماضي، قائلاً: «إسرائيل تجرّب عشرات أنواع الأسلحة الأميركية في الحروب والعمليات العسكرية. ومنذ عام 1967، وهي تعمل كقاعدة عسكرية تعمل في خدمة العَلم الأميركي كأفضل قاعدة وأطول ذراع في الشرق الأوسط لخدمة مصالحها في وجه الأعداء والإرهاب وحتى لردع الصين وروسيا في المنطقة. ويكفي أن نعرف أن هناك اليوم 128 قاعدة أميركية في 51 دولة في العالم تكلفها مبلغ 70 - 80 مليار دولار في السنة، لكن لا توجد قاعدة كهذه في إسرائيل. لأنها كلها تعتبر قاعدة أميركية. وهي لا تكلف الجيش الأميركي سنتاً واحداً ولا يعمل فيها أي جندي أميركي». من هنا، فإن الدعم الأميركي بقيمة 3.8 مليار دولار «مبلغ متواضع جداً أمام الفوائد التي تجنيها من إسرائيل».


أُطلِقت أخيراً مبادرة تُوازن بين مكانة إسرائيل كما تعرّفها السلطات الأميركية وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي المنتقد لإسرائيل حالياً

المبادرة الجديدة

اعتماداً على هذا المنطق، يدرس الإسرائيليون مبادرة أُطلقت تُوازن بين مكانة إسرائيل، كما يعرّفها قادة البيت الأبيض والبنتاغون، وبين ما لا يعرفه الجمهور الأميركي الذي يعادي إسرائيل اليوم.

المبادرة أُطلقت في الأسبوع الماضي بالتعاون بين «معهد أبحاث الأمن القومي» في تل ابيب (INSS) ومعهد «مايند يسرائيل» وبين معهد أبحاث SCSP، الذي أسسه هنري كيسنجر والرئيس التنفيذي السابق لشركة «غوغل» إريك شميدت، ويشارك فيها نحو 50 شخصية أميركية وإسرائيلية من السياسيين والعسكريين والباحثين والخبراء، الذين يدعون إلى بناء عملية ذات شقين: خفض تدريجي للمساعدات المباشرة لإسرائيل، بالتزامن مع بناء شراكة تكنولوجية واسعة النطاق.

يدلين وغولوب يشرحان هذه المبادرة، موضحين: «على الصعيد الأمني، يعني ذلك استثماراً مشتركاً في تقنيات الدفاع المستقبلية، ودمج إسرائيل في برنامج (القبة الذهبية) الدفاعي الأميركي. ويمثل هذا تحوّلاً من نموذج الرعاية - دولة راعية للأمن تتلقى مساعدات - إلى نموذج شراكة تكنولوجية عميقة من شأنها تعزيز وتعميق وتحصين العلاقة من خلال المساهمات الإسرائيلية للولايات المتحدة في صراعها ضد الصين».

ويصف الرجلان الرؤية الإسرائيلية للفكرة قائلَين: «أظهرت الحرب ضد إيران بوضوح أهمية إسرائيل كحليف أمني لواشنطن: إذ قدّمت إسرائيل قدرات استخباراتية وعملياتية وتكنولوجية جعلتها شريكاً استراتيجياً يقاتل، مُظهراً أداءً مذهلاً، إلى جانب أقوى قوة في العالم لتحقيق أهداف الحرب. وتساوت مشاركة القوات الإسرائيلية والأميركية في الهجوم والدفاع، وكانت مساهمة إسرائيل في إنقاذ الجنود الأميركيين مساوية لمساهمة الولايات المتحدة في حماية سكان إسرائيل. لم نلتقِ بمسؤول واحد إلا وأبدى تقديره للمساهمة الإسرائيلية في الحرب، وردّد تعريف البنتاغون لإسرائيل (حليف يُحتذى به). لكن، وبما أنه خارج المؤسسة الأمنية وحاشية الرئيس ترمب، تتشكّل راهناً جبهة معادية لإسرائيل من الحزبين الأميركيين الكبيرين، تُصوّر إسرائيل على أنها جرّت الرئيس الأميركي إلى صراع إقليمي لتحقيق طموحاتها بالقوة العسكرية، علينا ان نحدث شيئاً يغيّر الصورة. على إسرائيل أن تُقدّم لواشنطن رواية جديدة. لا ينبغي أن تكون هذه مجرد علاقة أخرى قائمة أساساً على المصالح الأمنية أو الالتزامات التاريخية، بل شراكة تُحقق قيمة استراتيجية مباشرة للمصالح المشتركة للبلدين».

المعروف أن مفعول مذكرة التفاهم الحالية بشأن المساعدات الأميركية لإسرائيل ينتهي عام 2028. ولقد أعلن رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو سابقاً - وكرّر ذلك هذا الأسبوع - أن على إسرائيل أن تُقلل اعتمادها على المساعدات الأمنية، وقد يكون هذا هو الهدف الصحيح على المدى البعيد.

لكن قلائل جداً في إسرائيل يصدّقون فعلاً بأنه جاد في التخلي عنها، وبخاصة الآن، في خضم أو حتى بعد الحرب ضد إيران. وحسب يدلين: «بالتأكيد إذا اختارت الولايات المتحدة في المستقبل تقليص وجودها في الشرق الأوسط أو التوصل إلى اتفاق جديد مع طهران، فمن المنطقي الإبقاء على المساعدات العسكرية لعقد آخر، ليس فقط لمساهمتها في ميزانية الجيش الإسرائيلي، بل لأنها أصبحت رمزاً لالتزام أميركا بأمننا. ويمكن تفسير أي توقف مفاجئ لها في المنطقة على أنه تقويض لهذا الالتزام».

ويضيف يدلين وغولوب: «لقد رأت المؤسسة الأمنية الأميركية وإدارة ترمب مساهمة مباشرة في المصلحة الأمنية العليا لواشنطن عندما خاضت طائرات (إف -35) و(إف -15)، التي اشتريت بأموال المساعدات، معارك جوية مثيرة للإعجاب، ينفذها الطيارون الإسرائيليون جنباً إلى جنب مع القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأميركية. ولكن بعيداً عن الاستراتيجية الأمنية، ووفقاً لتقديراتنا في (مايند إسرائيل)، فإن المساهمة المباشرة للمساعدات الأمنية في الاقتصاد الأميركي تفوق قيمة المساعدات نفسها بأربعة أضعاف على الأقل. بل في النموذج الحالي، لا يتعلق الأمر كثيراً بـ(«مساعدة إسرائيل) بقدر ما يتعلق بالاستثمار الأميركي في منظومة أمنية تكنولوجية مشتركة؛ ولهذا السبب أطلقنا في واشنطن هذه المبادرة».

للعلم، كان معهد الأبحاث الإسرائيلي قد خصّص فصلاً من المبادرة للعمل على الصعيد المدني، لا العسكري فحسب. ويتضمّن الفصل تخصيص موارد متساوية لصندوق مشترك، بقيمة مليار دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، يركز على تطوير أهم التقنيات الاستراتيجية للمستقبل.

وتشمل المشاريع الرئيسة التي برزت خلال المناقشات بين الفريقين الإسرائيلي والأميركي: إنشاء مصنع للرقائق الإلكترونية المتقدمة، الموجود حالياً في تايوان فقط؛ وتطوير قدرات البلدين في مجال الأمن السيبراني عبر الذكاء الاصطناعي، وجهود مشتركة لإنتاج ومعالجة المواد الحيوية التي يستخدمها قطاع التكنولوجيا وتسيطر عليها الصين بشكل رئيس، وتطوير الريادة في الحوسبة الكمومية وتطوير تقنيات الاندماج النووي لإنتاج الطاقة... وهي قدرات تضمن الاستقلال الاستراتيجي للبلدين ونفوذاً كبيراً على الساحة العالمية.

يهود أميركا يتغيّرون

على صعيد آخر، في إسرائيل قلق شديد من مكانتها عند يهود الولايات المتحدة، الذين يضاهي عددهم عدد اليهود في إسرائيل.

الباحثان الإسرائيليان تيد ساسون وإلزا زيلبرمان، ذكرا في دراسة جديدة لـ«معهد الأمن القومي» في تل أبيب أن «المجتمع اليهودي الأميركي يسهم إسهاماً كبيراً في الأمن القومي الإسرائيلي وتعزيز صمود المجتمع. فهو يدير شبكة قوية من المنظمات التي تُساعد في حشد الدعم لإسرائيل في المجالين الدبلوماسي والأمني. ويتبرع بمبالغ طائلة للنهوض بالفنون والعلوم والطب والتعليم والرعاية الاجتماعية في إسرائيل، ويُعدّ جزءاً لا يتجزأ من النسيج الثقافي الذي يُشكّل المجتمع الإسرائيلي. لهذه الأسباب وغيرها؛ يُشكّل وجود مجتمع يهودي أميركي قوي ومؤيد لإسرائيل رصيداً استراتيجياً حيوياً لدولة إسرائيل.

مع ذلك، تُشير مؤشرات عدة إلى ضعف هذا المجتمع وتراجع دعمه لإسرائيل»، مع: تزايد التباعد عن المجتمع اليهودي المنظم، وانخفاض عدد الأعضاء في المعابد اليهودية، وتراجع الإقبال على برامج التعليم اليهودي المكملة، وتناقص عدد المتبرعين لحملات الاتحادات اليهودية.

الباحثان رصدا انخفاضاً في عدد الشباب اليهود من الشتات الذين زاروا إسرائيل في السنوات الخمس الماضية بعشرات الآلاف مقارنة بالتوقعات. ويتزايد الجدل حول إسرائيل على خلفية الانتقادات الواسعة لإدارة الحرب في غزة، ولا سيما ارتفاع عدد الضحايا المدنيين، ونقص المساعدات الإنسانية، والسياسة الإسرائيلية في الضفة الغربية. وبشكل عام، وصل التعاطف مع إسرائيل إلى أدنى مستوياته منذ عقود، وخاصة بين جيل الشباب. وان الاستقطاب تتسع بين الفصائل اليمينية والليبرالية في مجال المناصرة والضغط المؤيد لإسرائيل، مع تصاعد التطرف لدى كلا الجانبين.


عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
TT

عاصم منير... رئيس أركان الجيش الباكستاني و«وجه» دبلوماسية إسلام آباد مع واشنطن

برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود
برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود

في أواخر مارس (آذار) الماضي، بدأت باكستان تموضع نفسها وسيطاً غير اعتيادي بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء الحرب بين الطرفين، وراحت تنقل رسائل لوقف النار، انتهت بإعلان هدنة في 8 أبريل (نيسان)، وذلك بعد قرابة 5 أسابيع من القتال، ما زالت مستمرة حتى اليوم. وهي الآن تكمل لعب دور الوسيط الرئيس بين واشنطن وطهران بهدف التوصُّل إلى اتفاق نهائي يثبِّت الهدنة، ويهدف إلى تحقيق اتفاق حول برنامج إيران النووي. لقد فاجأت الوساطة الباكستانية هذه كثرة من المراقبين، لا سيما أن العلاقة بين إسلام آباد وواشنطن لم تكن يوماً علاقة ثقة كاملة بين حليفين يتشكِّك كلاهما من الآخر. وفي الماضي القريب، حتى انطلاق الحرب في 28 فبراير (شباط) الماضي، وبدء إيران باستهداف دول الخليج رداً على العملية التي أطلقتها واشنطن وتل أبيب ضدها، كانت دول في المنطقة مثل قطر وتركيا ومصر، تلعب دور الوسيط مع إيران. أيضاً، كان الاتحاد الأوروبي وسيطاً لسنوات بين واشنطن وطهران، وقاد المفاوضات التي تُوجِّت باتفاق نووي عام 2015 انسحب منه الرئيس الأميركي دونالد ترمب في فترته الرئاسية الأولى عام 2018، ثم عاد الرئيس السابق جو بايدن ليطلق مفاوضات جديدة فاشلة، بوساطة بروكسل، لإعادة إحيائه. ولكن مع تحوُّل دول المنطقة إلى أهداف لإيران خلال الأشهر الماضية، ووصول حدة التوترات بين واشنطن والدول الأوروبية إلى مستويات غير مسبوقة، برزت إسلام آباد وسيطاً مقبولاً لدى طرفي النزاع. في قلب هذا التحوُّل، كان هناك رجل عزا إليه كثيرون تغيير الموقف الأميركي: المشير عاصم منير، رئيس أركان الجيش الباكستاني. وبمجهود شخصي، نجح منير في كسب ودِّ الرئيس الأميركي الذي يعوّل في كثير من الأحيان في علاقاته مع الدول، على بناء روابط شخصية مع قادتها، وفي حالة باكستان - التي لطالما لعب الجيش فيها دوراً محورياً في السلطة - مع مشيرها.

يطلق الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، على عاصم منير لقب «مشيري المُفضَّل». وخلال الأشهر الأخيرة الماضية، امتدحه أكثر من مرة بعبارات تراوحت بين «جنرال رائع وقوي»، و«رجل استثنائي»، و«مقاتل رائع». ولا يمر ذكر باكستان أو رئيس وزرائها على لسان الرئيس الأميركي من دون ذكر عاصم منير.

هذا الإعجاب الذي أبداه ترمب مراراً بالجنرال الباكستاني بدأ قبل سنة تقريباً عند اندلاع «حرب الأيام الأربعة» بين «الجارتين» اللدودتين النوويتين، باكستان والهند، على خلفية تفجير في كشمير الهندية.

يومذاك، أنحت نيودلهي باللائمة في التفجير على إسلام آباد، وردَّت بقصف مواقع عديدة لجيشها، ليبدأ تصعيد خطير بين الطرفين، انتهى سريعاً بجهود دبلوماسية أميركية. ومع أن نيودلهي رفضت الإقرار بـ«فضل» ترمب في إنهاء التوتر مع باكستان، وإعلانها أنَّ القتال إنما توقَّف بعد «حوار ثنائي»، فإنَّ إسلام أباد لم تترد بامتداح الرئيس الأميركي علناً، بل وترشيحه أيضاً لـ«جائزة نوبل للسلام».

وهنا يقول محللون إن باكستان استغلت فتور الرد الهندي على الوساطة الأميركية كي تتموضع في مكان أقرب لقلب ترمب ومزاجه. ولكن من هو عاصم منير؟

البداية والنشأة

وُلد عاصم منير في راولبندي عام 1968 لعائلة محافظة ذات جذور في جالاندهار، بشرق إقليم البنجاب، كانت قد هاجرت إلى باكستان بعد الانفصال عن الهند عام 1947.

ونشأ في بيئة دينية انعكست لاحقاً على شخصيته العامة وخطابه السياسي. فهو لا يتحدر من عائلة عسكرية، إذ كان أبوه معلماً في إحدى مدارس مدينة راولبندي وإماماً لمسجد. وخلال نشأته في راولبندي، العاصمة السابقة لباكستان، زاول منير رياضة الكريكت، وحظي بدراسة دينية مبكّرة في مدرسة إسلامية تقليدية. وبعدها، تحوَّل إلى منشد ديني، ويُقال إنه حفظ القرآن بشكل كامل إبان تدريبه العسكري.

وبالفعل، تلقَّى منير تعليمه العسكري في مانغلا، وتخرّج بتفوق، وهو ما وضعه مبكراً ضمن الضباط الذين يُنظر إليهم باعتبارهم «مشاريع قادة» داخل المؤسسة العسكرية.

ثم إنَّه تخرَّج في «مدرسة تدريب الضباط»، ومن ثم التحق بالجيش الباكستاني بعد تخرجه عام 1986، وبدأ الخدمة في وحدات ميدانية، ثم انتقل تدريجياً إلى مواقع أكثر حساسية، خصوصاً في مجالات الاستخبارات والأمن. ومن ثم، ترقّى بسرعة ليصبح مديراً للاستخبارات العسكرية عام 2016، ثم أصبح المدير العام للاستخبارات الباكستانية عام 2018. وخلال هذه الفترة دخل في صراع مع رئيس الوزراء (آنذاك) عمران خان الذي أقاله من منصبه عام 2019... مُطلقاً صراعاً مفتوحاً بين الطرفين.

انضباط ميداني... وبروز في مجال الاستخبارات

هذا المسار المُبكِّر مهَّد لصورته كضابط يجمع بين الانضباط الميداني والخبرة الاستخباراتية. وكما سبقت الإشارة، منذ عام 2016 تولّى منير مناصب بارزة في الاستخبارات، وصولاً إلى قمة الهرم، وهو ما منحه وزناً سياسياً كبيراً داخل الدولة الباكستانية.

هذه المرحلة كانت مفصلية، لأنها صنعت له شبكة علاقات داخلية وخارجية، وعرّفته على ملفات أفغانستان والهند والإرهاب والتوازنات الإقليمية. إلا أن عمران خان أقاله عام 2019 من المنصب من دون إعلان الأسباب.

توليه قيادة الجيش

يوم 29 نوفمبر (تشرين الثاني) 2022 أصبح عاصم منير رئيس الأركان الـ11 للجيش الباكستاني، وهو المنصب العسكري الأقوى في البلاد. ومنذ تلك اللحظة بدأ حضوره يتجاوز الإطار العسكري البحت، ليصبح لاعباً محورياً في السياستين الداخلية والخارجية لباكستان.

وبين عاميَ 2023 و2024، برز منير قائداً يمزج بين التشدّد الأمني والخطاب المؤسساتي، مع تركيز واضح على مكافحة الإرهاب وضبط الحدود. وعمل على توسيع قنوات باكستان مع الخليج والصين وتركيا، وإبقاء التواصل مع واشنطن مفتوحاً في إطار «تنويع التحالفات» بدل الارتهان الكامل لأي طرف.

أيضاً، منذ عام 2024 ارتبط اسم عاصم منير بمحاولات تهدئة الاقتصاد الباكستاني عبر دعم آليات لجذب الاستثمار ومكافحة المضاربة في سوق الصرف، بالتوازي مع اتساع دور الجيش في إدارة ملفات الدولة. وفي الداخل، أثار ذلك جدلاً بين مَن يرى فيه رجل دولة قوياً، ومَن يعدّه متوسعاً في مساحة التأثير السياسي.

بعدها، في مايو (أيار) 2025 رُقّي منير إلى رتبة مشير (فيلد مارشال)، وهي أعلى رتبة عسكرية في باكستان، في خطوة أكّدت حجم حضوره بعد اشتباكات باكستان والهند وتعاظم مكانته داخل النظام. وجعلت هذه الترقية من منير واحداً من أكثر القادة نفوذاً في تاريخ الجيش الباكستاني الحديث.

أكثر من هذا، في نوفمبر 2025 وافق البرلمان الباكستاني على تعديل دستوري يوسِّع دور رئيس أركان الجيش، ويضع القوات البحرية والجوية تحت سلطته، ووافق أيضاً على منح مَن يرقّون إلى رتبة 5 نجوم (فريق) حصانة قانونية مدى الحياة. وهكذا بات المشير يتمتع بحصانة تحميه من الملاحقات القانونية حتى بعد مغادرة منصبه.

العلاقة مع واشنطن

منذ عام 2025 تحوَّلت علاقة عاصم منير بواشنطن إلى عنصر سياسي مهم، مع تقارير عن لقاءات ومشاورات عزَّزت قنوات التواصل مع إدارة ترمب. وفي الوقت نفسه، برز اسمه في ملفات الوساطة الأميركية - الإيرانية، حيث نُظر إليه كقناة غير تقليدية قادرة على تخفيف التوتر الإقليمي عبر موقع باكستان إزاء الطرفين.

والواقع أنَّ العلاقة بين واشنطن وإسلام آباد كانت قد بدأت تترمّم قبل أشهر، عندما سلّمت السلطات الباكستانية مطلوباً أفغانياً لواشنطن متهماً بالمسؤولية عن تفجير مطار كابل الدولي في عام 2021 في أثناء الانسحاب الأميركي ما أدى إلى مقتل 13 عسكرياً أميركيا آنذاك. وكان الفضل في تسليم المتهم وغيره من المطلوبين لدى الولايات المتحدة، يعود بشكل أساسي إلى منير نفسه. وبالفعل، حرص الرئيس ترمب على تقديم الشكر إلى باكستان، إبان الإعلان عن اعتقال المتهم، في خطوة كانت لافتة، خصوصاً بعدما وجَّه الرئيس الأميركي انتقادات لاذعة لها في ولايته الأولى، متهماً إياها بـ«الكذب والخداع» في التعاون بمسائل تتعلق بمكافحة الإرهاب.

زيارة البيت الأبيض

بالنتيجة، هذا الإعجاب المُتجدِّد من طرف الرئيس الأميركي، تُوِّج في يونيو (حزيران) العام الماضي باستضافة ترمب لرئيس الأركان الباكستاني في البيت الأبيض، للجنرال الذي كان قد رقّي بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند، إلى رتبة مشير، في زيارة غير مسبوقة. إذ ليس من المعتاد أن يستقبل البيت الأبيض قائداً عسكرياً من دون القيادة المدنية، ولكن هذا الحدث كان مؤشراً إلى أنَّ منير كان المُحرِّك الأساسي خلف إعادة إطلاق العلاقات الثنائية. ومع أنَّ الرجل شخصية عسكرية بشكل أساسي، فإنَّه لعب دور الدبلوماسي خلف الأبواب، معتمداً على التكتم، والعمل ما وراء الكواليس.

دور حساس وحيوي

بل لقد كان واضحاً، بعد لقائه ترمب، أنه نقطة التواصل الرئيسة لواشنطن مع إسلام آباد في مواضيع تتجاوز الترتيبات العسكرية والاستخباراتية. فبعد لقاء الرجلين في البيت الأبيض، أصدر الجيش الباكستاني بياناً كشف فيه عن أنَّ اللقاء استمرَّ ساعتين، وناقش مسائل تتعلق بالتجارة والعلاقات الاقتصادية والعملات المشفّرة، إضافة إلى التوترات بين إسرائيل وإيران. ولم تكن، حينذاك، قد اندلعت الحرب بين الطرفين، لكن ترمب أراد - كما يقول البعض - ربما الاستفادة من العلاقة المقربة للمشير بـ«الحرس الثوري الإيراني». وهو قال حقاً بعد لقائه به في البيت الأبيض: «الباكستانيون يفهمون إيران جيداً، بشكل أفضل منا، وهم لاعبون أساسيون في السلام بالمنطقة».

وبحسب ترمب أيضاً، فإنَّ السبب الرئيس لدعوة منير إلى البيت الأبيض كان لشكره على تخفيف التصعيد مع الهند. وكان لافتاً أن زيارة رئيس الأركان الباكستاني جاءت بعد أيام على زيارة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي، وهو ما أشار إليه ترمب، مضيفاً: «نحن نعمل على اتفاقية تبادل تجاري مع الهند وباكستان». وما كان لافتاً في هذا الإطار أن ترمب اختار دعوة منير، وليس رئيس الحكومة الباكستاني، إلى واشنطن بعد رئيس الحكومة الهندي، والتشاور معه في أمور تتجاوز المسائل العسكرية.

وللعلم، عاد منير إلى البيت الأبيض بعد 3 أشهر، ولكن هذه المرة مع رئيس الوزراء الباكستاني نواز شريف ليلتقيا معاً الرئيس الأميركي. وبدا واضحاً أن ترمب بات يرى في باكستان شريكاً موثوقاً، وليس ناقص الأهلية، كما كانت الحال في عهده الأول.


دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)
TT

دور منير المؤثر في عملية الوساطة مع طهران

قاليباف (آ ف ب)
قاليباف (آ ف ب)

يرى المراقبون، بكثير من الثقة، أن اللقاءات والعلاقة المتجددة لواشنطن مع باكستان، وبفضل رئيس أركان جيشها عاصم منير، عامل أساسي مهَّد الطريق أمام الوساطة التي لعبتها إسلام آباد عندما بدأت الحرب مع إيران. فهنا أيضاً قاد الوساطة المشير منير، الذي نجح في جمع الطرفين على طاولة المفاوضات يومي 11 و12 أبريل (نيسان) في إسلام آباد.

ولقد تحوّل اللقاء الذي شارك فيه نائب الرئيس الأميركي جي دي فانس رئيساً للوفد الأميركي، ورئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباق رئيساً لوفد بلاده، إلى لقاء تاريخي مع أنه لم يتيسر تحقيق أي خرق أو اتفاق فيه؛ إذ كان المرة الأولى التي يلتقي فيها مسؤولون أميركيون وإيرانيون رفيعون بهذا المستوى منذ الثورة الإيرانية.

هنا كان المشير الباكستاني «نقطة الوصل» الرئيسة بين الطرفين والحاضر الثالث على طاولة المفاوضات. وهكذا حلّت إسلام آباد محل كل من فيينا وجنيف اللتين استضافتا جولات كثيرة بين المفاوضات النووية بين الولايات المتحدة وإيران. واستعيض عن الوسيط الأوروبي الذي كان الشريك الأقرب للأميركيين، بوسيط باكستاني.

أيضاً، على الرغم من تعذّر التوصل إلى اتفاق آنذاك، ظل منير متأهباً ويواصل اتصالات لا تتوقف وزيارات مكّوكية لإقناع الطرفين بتوقيع اتفاق. وكان آخرها زيارته إلى طهران الأسبوع الماضي حين التقى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي للتفاوض على النقاط الأخيرة في الاتفاق. ومع أن الزيارة الأخيرة لم تثمر اتفاقاً... فإن جهود المشير الباكستاني مستمرة بلا توقف.

والحقيقة، أن الجهود الدبلوماسية التي قادها منير أوسع من مجرّد إعادة «ترميم» العلاقات مع واشنطن. فهو كان محرّك «اتفاقية الدفاع المشترك» مع المملكة العربية السعودية من الجانب الباكستاني، وهي وصفت بأنها اتفاقية تاريخية تنص على أن أي اعتداء على أحد الطرفين يشكّل اعتداءً على الآخر.

هذه النجاحات الدبلوماسية نادراً ما يحققها قائد عسكري. وهنا يذكر محللون بأن منير كان سبب ملاحقة خان واعتقاله عام 2024 بتهم فساد. وعاد رئيس الحكومة شهباز شريف ليعيّن منير رئيساً لأركان الجيش الباكستاني، ثم تصدر ترقيته العام الماضي إلى رتبة مشير بعد «حرب الأيام الأربعة» مع الهند. إذ سُجّل له الفضل بالوقوف في وجه نيودلهي وإلحاق إضرار كبيرة بجيشها خلال المواجهة الوجيزة.

تلك الحرب، فتحت في الواقع الباب أمام عاصم منير لتصحيح العلاقات مع واشنطن وحوّلته «نقطة تواصل» موثوق بها ووسيطاً دبلوماسياً رئيساً مع إيران. وفعلاً، أنهى منير بجهود متراكمة، سنوات من تشكيك الإدارات الأميركية المتعاقبة بشراكة باكستان. وللعلم، ما زال في الأذهان قرار إدارة الرئيس الأميركي الأسبق باراك أوباما، تنفيذ عملية اغتيال أسامة بن لادن على الأراضي الباكستانية من دون التنسيق معها. وظل التشكيك بإسلام آباد والتساؤل حول ما إذا كانت فعلاً تجهل وجوده على أراضيها، يلاحقها حتى اليوم.

أخيراً، ما إذا كان سينجح المشير الباكستاني في دوره الجديد ويتوّج جهوده الدبلوماسية باتفاق نهائي بين الولايات المتحدة وإيران، تساؤل غير واضح الإجابة بعد. ولكنه من دون شك، نجح في تغيير صورة باكستان لدى الإدارة الأميركية، وتحويلها من شريك ناقص مشكوك فيه، إلى شريك كامل محل ثقة، حتى في أكثر الملفات تعقيداً.