الجزائر: ملاحقة المحيط الرئاسي بالفساد عنوان مرحلة «ما بعد بوتفليقة»

محاكمات جديدة تطال وزير الصناعة ورئيس اتحاد كرة القدم

وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)
وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)
TT

الجزائر: ملاحقة المحيط الرئاسي بالفساد عنوان مرحلة «ما بعد بوتفليقة»

وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)
وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)

شهدت فترة حكم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تكريساً للتوجه القضائي في التعاطي الصارم مع ملفات الفساد، حيث استمرت الملاحقات لتطال أسماء وازنة في هرم السلطة، شملت وزراء وكبار الموظفين برئاسة الجمهورية.

ويرى مراقبون أن هذه المحاكمات تعكس إصراراً على محاسبة مسؤولين في صدارة المشهد السياسي، ضمن مسعى تضعه السلطة في إطار «أخلقة الحياة العامة».

شهدت فترة حكم عبد المجيد تبون تكريساً للتوجه القضائي في التعاطي الصارم مع ملفات الفساد (الرئاسة)

في هذا السياق يعيش علي عون، الوزير السابق للصناعة والإنتاج الصيدلاني، على وقع عاصفة قضائية قد تنتهي به إلى السجن، باعتبار أنه ترأس قطاعان اقتصاديان بالغا الأهمية، وسيمثل مطلع شهر فبراير (شباط) المقبل أمام «القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بمحكمة سيدي أمحمد» بالعاصمة.

وبالإضافة إلى ابنه، الذي سيُستدعى للمثول أمام الجهة القضائية نفسها، أفادت جريدة «الشروق» بأن 25 شخصاً سيُستدعون إلى منصة المحكمة بصفتهم متهمين وشهوداً. وتعد التهم الموجهة إلى بعضهم ثقيلة، إذ تتعلق، من بين قضايا أخرى، باختلاسات طالت مؤسسات عمومية، من بينها مجمّع «إيميتال» الحكومي لإنتاج الحديد والصلب، والشركة الوطنية للصناعة الحديدية، وبعض فروعها.

وزير الصناعة وإنتاج الدواء السابق علي عون (الوزارة)

وذكرت الصحيفة نفسها أن المحاكمة ستشمل أيضاً رجل أعمال من وهران، هو شرف الدين عمارة، الرئيس السابق لمجمع «مدار»، وهو مجمّع قابض ذو فروع واسعة النشاط تمتد من تكرير السكر إلى صناعة التبغ، إضافة إلى المسؤول الأول بفندق «الأوراسي» الكبير بالعاصمة، وكذا صاحب علامة سيارات صينية تنشط في الجزائر.

وتتمحور الوقائع المنسوبة إلى المتهمين حول «إبرام صفقات غير قانونية»، تشمل «عمليات مشبوهة» لشراء وبيع نفايات حديدية وغير حديدية، ما ألحق أضراراً مالية جسيمة بالمجمع العمومي. علماً أن شرف الدين عمارة يوجد في الحبس الاحتياطي منذ شهر لاتهامه في قضية فساد تخص «مدار»، وهو متابع أيضاً في ملف آخر يخص فترة رئاسته الاتحاد الجزائري لكرة القدم (2021-2022).

وزير العمل السابق تيجاني حسان هدام (الوزارة)

وعلى خلاف باقي المتهمين، سيمثل علي عون في حالة سراح. علماً أنه كان قد أدين بالفساد سنة 2007، بوصفه رئيساً لمجمع «صيدال» للدواء العمومي (1995- 2008)، وتمت تبرئته سنة 2022. وقد أُقيل عون من منصبه وزيراً للصناعة وإنتاج الدواء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 عقب تفجر القضية الحالية.

تورط أقارب المسؤول في الفساد

تُمثل قضية نسيم ضيافات، الوزير المنتدب السابق المكلف بالمؤسسات الناشئة والمصغرة (2020–2022)، تحولاً لافتاً في المسار القضائي الجزائري، كونه أول وزير في عهد الرئيس عبد المجيد تبون يُدان في قضايا فساد. ففي فبراير (شباط) 2024، أصدر القضاء حكماً بسجنه خمس سنوات نافذة بعد ملاحقات بدأت في أبريل (نيسان) 2023، شملت تهم «تبديد الأموال العامة، وإساءة استغلال المنصب، واستغلال النفوذ».

وقد كشفت التحقيقات عن تجاوزات في صفقات مرتبطة بشركة «ألريم» للهياكل المعدنية، وتورط الوزير في تمكين أفراد من عائلته من مشروعات حكومية مستغلاً سلطته الوظيفية. كما توقفت المحكمة عند إنفاق غير مبرر للمال العام، تمثل في تمويل هدايا باهظة الثمن لمسؤولين، من بينها «مجسم سيف الأمير عبد القادر»، وهي وقائع بررها ضيافات بأنها «أعراف إدارية»، و«تنفيذ لتعليمات الوزير الأول الأسبق» عبد العزيز جراد، وهو ما لم يمنع إدانته مع عدد من مسؤولي الشركات.

رئيس مجمَع الحديد والصلب شرف الدين عمارة (صحيفة المجاهد الحكومية)

وتبرز أهمية هذه القضية في كونها شملت شبكة من الأقارب والموظفين السامين، مما عزز توجه السلطة نحو تكريس مبدأ المساءلة ليشمل المسؤولين المباشرين في صدارة المشهد السياسي الحالي.

وتندرج «قضية تيجاني حسان هدام» ضمن تصفية ملفات التسيير المرتبطة بنهاية الحقبة السابقة، حيث شغل منصب وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي في الفترة ما بين أبريل (نيسان) 2019 ويناير(كانون الثاني) 2020، وهو ما يجعله من المسؤولين، الذين ورثهم الرئيس تبون عن آخر حكومة سبقت توليه الرئاسة في نهاية 2019.

وقد واجه هدام ملاحقات قضائية بتهم ثقيلة تتعلق بـ«تبديد أموال عمومية، وإبرام صفقات مخالفة للتشريع» خلال إدارته لـ«الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية»، وانتهى المسار القضائي بإدانته في سبتمبر (أيلول) 2025 بالسجن 7 سنوات مع التنفيذ، في قضية تسببت في تبديد ما يقارب 45.6 مليون دولار.

الفساد يطال المحيط المباشر للرئيس

يعد «ملف محمد بوعكاز» من أبرز قضايا الفساد التي مست الدائرة الضيقة للرئاسة، حيث شغل منصب مستشار رئيس الجمهورية والمدير العام للتشريفات منذ ديسمبر (كانون الأول) 2019، وكان يصنف أحد أكثر المقربين من الرئيس تبون. غير أن هذا المسار انتهى بإقالته في يونيو (حزيران) 2024 بسبب «أخطاء جسيمة»، حسب بيان الرئاسة الذي أعلن عزله.

وأحيل بوعكاز لاحقاً على القضاء بتهم «استغلال الوظيفة والإثراء غير المشروع».

وفي أبريل 2025 أدانته «محكمة بئر مراد رايس» في العاصمة بالسجن خمس سنوات نافذة. وقد شهدت المحاكمة لحظات مؤثرة ودرامية، حيث انهار بوعكاز خلال الجلسة صارخاً ببراءته، ومذكراً بما وصفه بـ«أفضاله على الدولة» وتفانيه في خدمتها، نافياً استغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية، إلا أن المحكمة قضت بإدانته بناءً على الأدلة المقدمة، وألزمته بتعويض الخزينة العمومية عن الأضرار الناجمة عن أفعاله.

وبعد استقالة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة في الثاني من أبريل 2019، تحت ضغط الشارع، شنت السلطات حملة اعتقالات وسجن، طالت عدداً كبيراً من كبار المسؤولين المدنيين بتهمة «الفساد»، من بينهم ثلاثة رؤساء حكومات سابقين.

ووفق الصحافة، فقد تابع القضاء أكثر من 30 وزيراً، كما تم سجن العديد من المسؤولين بالجيش، بالتهمة ذاتها، منهم رئيسا جهاز الأمن الداخلي الجنرال بشير طرطاق، والجنرال واسيني بوعزة، وقائد سلاح الدرك الجنرال مناد نوبة، زيادة على سجن مديري الشرطة عبد الغني هامل وفريد بن الشيخ.


مقالات ذات صلة

الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

شمال افريقيا أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)

الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

شهدت الأيام الأولى من حملة انتخابات الثاني من يوليو (تموز) بالجزائر تطورات مفاجئة خلطت أوراق الأحزاب وجعلتها في ورطة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء في ملف استرداد الأموال المنهوبة خلال زيارته فرنسا يوم 1 يونيو الحالي (وزارة الداخلية)

الجزائر: استرجاع ممتلكات بالخارج واتهامات ثقيلة في «ملفات فساد»

أفضت عملية تفكيك شبكة إجرامية منظمة في الجزائر، وُصفت بأنها الكبرى منذ سنوات، إلى استرجاع وحجز ممتلكات عقارية ومنقولات فاخرة...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

الجزائر وواشنطن لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل

الجزائر وواشنطن يوقعان اتفاقيات لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الرياضة كأس العالم 2026... مسرح ولادة «الأوراق الرابحة» للكرة العربية

شبان برتبة نجوم... أصغر الوجوه العربية في مونديال 2026

شباب عرب يقتحمون المسرح العالمي بمونديال 2026. «الشرق الأوسط» ترصد الترتيب العمري، والأدوار التكتيكية لأصغر 9 مواهب واعدة بقيادة المصري حمزة عبد الكريم.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)

قضاة جزائريون في باريس لتسريع إجراءات «الأموال المنهوبة»

بحث وفد قضائي جزائري وصف بـ«المهم» الاثنين في فرنسا تسريع إجراءات استرداد «الأموال المنهوبة» وتسليم مطلوبين لدى الجزائر متهمين بـ«الفساد»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
TT

أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)

تتجه «الحركة المدنية الديمقراطية»، التي تعد أكبر تجمع لأحزاب وشخصيات عامة معارضة في مصر، نحو اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة هيكلة تنظيمها، بعد انتقادات لاذعة طالتها مؤخراً على خلفية دفاعها عن أحد قياداتها بعد تحرك جهات تنفيذية لهدم قصر قام ببنائه على النيل بالمخالفة للقوانين الحكومية.

وتحاول «الحركة المدنية» إنعاش حضورها السياسي في أعقاب الأزمة الأخيرة. وبحسب قيادات داخلها تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن اجتماعاً انعقد، مساء الجمعة، قررت فيه الحركة تشكيل لجنة لإعادة «الهيكلة»، تتولى فحص ودراسة جميع المقترحات المقدمة من داخل وخارج الحركة لتطوير وتجديد أدائها السياسي والتنظيمي، مشيرين إلى أن تلك الإجراءات بمنزلة مقدمة لـ«تصحيح المسار».

وأصدر التكتل المعارض الذي تشكل في عام 2017، بياناً نهاية الشهر الماضي، أعلن فيه رفضه قيام الحكومة بهدم قصر على النيل مملوك لرئيس حزب «المحافظين» رجل الأعمال أكمل قرطام، حيث ربطت «الحركة» قضية القصر، الذي قالت الحكومة إنه خالف إجراءات البناء، بقضايا جماهيرية عامة؛ ما أثار انتقادات واسعة، واضطرت الحركة لاحقاً إلى الاعتذار، وسحب البيان.

ولم تكن هذه هي الأزمة التي مرت بها «الحركة المدنية» خلال العامين الماضيين؛ حيث شهدت تباينات وخلافات في أثناء الإعداد للمشاركة في اقتراعات سياسية مهمة في مقدمتها انتخابات الرئاسة المصرية الأخيرة في عام 2024، وانتخابات البرلمان (مجلسي النواب والشيوخ) العام الماضي، وبدت غير قادرة على أن تكون متماسكة داخلياً.

اجتماع سابق لمجلس أمناء الحركة المدنية (صفحة الحركة على فيسبوك)

وأكد المتحدث الإعلامي باسم «الحركة المدنية» وليد العماري، أن اللجنة التي تم إسناد رئاستها إلى منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» (أحد أحزاب الحركة) أكرم إسماعيل، سترسل نتائجها والرؤية التي ستضعها خلال أسبوعين إلى جميع الأحزاب المكونة للحركة لدراستها، واستطلاع رأي قواعدها الحزبية، تمهيداً لاتخاذ القرارات النهائية خلال اجتماع سيُعقد بعد 3 أسابيع.

وقال العماري لـ«الشرق الأوسط» إن «المحاور العامة لعمل اللجنة، تتلخص في التوسع لضم شخصيات عامة جديدة من أجيال مختلفة، وإفساح المجال للقيادات الشابة، واستعادة التواصل مع الجماهيىر ليس فقط في العاصمة، بل من خلال أنشطة متنوعة بالمحافظات».

وبحسب العماري، تجري الحركة «نقداً ذاتياً لتقييم أدائها خلال المرحلة الماضية، وتدارك الأخطاء وإجراء مراجعة شاملة»، مؤكداً أنه «من بين المقترحات التي سوف تناقشها اللجنة ما يتعلق بدور مجلس الأمناء (أعلى سلطة تنظيمية بالحركة)، حيث يوجد اقتراح بإلغائه، والبحث عن تشكيل تنظيمي مختلف، بينما يذهب رأي آخر إلى الإبقاء عليه على أن يكون رأيه استشارياً».

وتضم «الحركة المدنية» عدداً من الشخصيات العامة البارزة إلى جانب أحزاب (الدستور، والكرامة، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والمحافظين، والعربي الديمقراطي الناصري، والعيش والحرية «تحت التأسيس») وشهدت المرحلة الماضية خلافات داخلية، أعقبها إعلان أحزاب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» و«الإصلاح والتنمية»، و«العدل» تجميد عضويتها بالحركة، وعقب أزمة «قصر قرطام» أعلن حزب «العدل» انسحابه الكامل من الحركة.

وأكد منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» أكرم إسماعيل، أن هدف اللجنة «تصحيح مسار الحركة، وإعادة تجديد الدماء»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة بدأت تلقي المقترحات من داخل وخارج الحركة لبلورة رؤية للمرحلة المقبلة، تنطلق من عدة محاور، منها تصعيد القيادات الشبابية لضخ دماء جديدة، والبحث عن ضم شخصيات جديدة مرتبطة بالحركة الاجتماعية والنقابية، والنزول للجماهير لاستعادة دور الحركة بالشارع للتعبير عن القضايا المجتمعية التي تهم الناس».

وتحدث إسماعيل عن موقف الأحزاب المنسحبة من الحركة، مؤكداً أن «الرؤية الجديدة لتطوير أداء الحركة لن تتضمن أي محاولات لإعادة التواصل مع الأحزاب المنسحبة».

جانب من المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته الحركة المدنية مطلع الشهر الماضي (صفحة الحركة على فيسبوك)

لكن الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية، نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو هاشم ربيع، لا يتفاءل بشأن مستقبل الحركة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «ما دامت الوجوه نفسها موجودة فلن يكون هناك جديد، وستتم إعادة إنتاج الأفكار نفسها، فإعادة الهيكلة لن تكفي»، حسب رأيه.

واستطرد قائلاً: «ربما ضخ دماء شبابية جديدة يمكن أن يؤدي إلى استعادة الحركة لدورها السياسي وتطويره، وسيظل مستقبل الحركة مرهوناً بقدرتها على مواجهة التحديات الداخلية وتوحيد الرؤى، والتركيز على قضايا سياسية نوعية، مثل ملف حقوق الإنسان، وإذا حدث ذلك فربما تستعيد الحركة زخمها السياسي».

لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، القيادي بالحركة، الدكتور مصطفى كامل السيد، أكد أن «المرجعات التي تقوم بها الحركة هدفها تدارك الأخطاء السابقة والاستفادة منها مستقبلاً»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أبرز الأخطاء التي ارتكبتها الحركة سابقاً، فكرة المركزية الديمقراطية، حيث من المفترض أنه عندما يتم اتخاذ قرارات بالتصويت عقب نقاشات بين الأحزاب أن يلتزم الجميع برأي الأغلبية، لكن هذا لم يكن يحدث».

وبحسب السيد، تحتاج الحركة إلى «البحث عن آليات جديدة، وابتكار أساليب مختلفة للتواصل مع الجماهير، مثل الأنشطة الفنية والعلمية، فالعمل السياسي ليس مجرد بيانات».


حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
TT

حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

بالقرب من القيادة العامة للجيش في العاصمة السودانية الخرطوم، تقبع ملايين الوثائق التي تؤرخ لأكثر من 5 قرون من تاريخ السودان داخل مبنى «دار الوثائق القومية»، وسط ظروف قاسية فرضتها الحرب، بعدما أحاطت بها أكوام الركام والغبار، وأصبحت مهددة بالتلف نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالمبنى.

وكانت «دار الوثائق القومية» قد وقّعت تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، وشهد محيطها مواجهات عسكرية عنيفة تركت آثاراً واضحة على المبنى المؤلف من 4 طوابق، من حريق ودمار وأضرار هيكلية لا تزال شاهدة على حجم المعارك التي دارت في المنطقة.

وتضم الدار أكثر من 30 مليون وثيقة تاريخية، جرى جمعها منذ عام 1505، وتُمثل سجلاً متكاملاً لتاريخ السودان السياسي والإداري والاجتماعي. وعلى الرغم من نجاة الجزء الأكبر من هذه الوثائق من النيران التي طالت أجزاء واسعة من المبنى، فإن بقاءها داخل بيئة متضررة وغير مهيأة للحفظ يُهدد سلامتها على المدى الطويل.

أرشيف الصحافة السودانية في «دار الوثائق» عليه آثار الغبار (الشرق الأوسط)

وقالت مديرة دار الوثائق القومية، الدكتورة نجوى محمود، لـ«الشرق الأوسط»، إن غالبية محتويات الدار نجت من الحرائق التي صاحبت الحرب، إلا أن استمرار وجودها داخل مبنى متضرر قد يؤدي إلى إتلاف الوثائق والمخطوطات القديمة، لا سيما تلك التي تعاني أصلاً الهشاشة والتقادم.

وأشارت إلى أن الأرشيف الإلكتروني للدار تعرّض للفقدان، موضحة أن الإدارة أعدّت خطة للتحول الرقمي تبدأ فور الانتهاء من عمليات تنظيم وترتيب الوثائق، وأضافت: «خاطبنا وزارة الاتصالات والجهات الحكومية ذات الصلة لتقديم الدعم اللازم لتنفيذ الخطة، بما يضمن حماية هذا الإرث الوطني من المخاطر المستقبلية».

وبعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على ولاية الخرطوم في مارس (آذار) 2025، أصدرت الحكومة قراراً يقضي بنقل عدد من المؤسسات الحكومية من وسط العاصمة، وشمل القرار دار الوثائق القومية.

وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة نجوى محمود أن إدارة الدار تقدّمت بطلب إلى مجلس الوزراء لاستثنائها من قرار النقل، مؤكدة أن المبنى الحالي شُيّد وفق مواصفات ومعايير خاصة لحفظ الوثائق التاريخية والأرشيف الوطني. وقالت إن نقل أكثر من 30 مليون وثيقة يمثل تحدياً لوجستياً كبيراً، ويتطلب توفير مقر بديل يتمتع بالمواصفات الفنية نفسها التي تضمن الحفاظ على الوثائق من التلف والعوامل البيئية المختلفة.

مدير الإدارة العامة للتوثيق بالدار محمد يوسف متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

من جانبه، أعرب مدير الإدارة العامة للتوثيق بالدار، محمد يوسف، عن مخاوفه من الأضرار التي قد تتعرض لها الوثائق مع اقتراب موسم الأمطار، مشيراً إلى أن القذائف التي أصابت المبنى خلّفت فتحات واسعة في الأسقف، ما قد يسمح بتسرب مياه الأمطار إلى القاعات وغرف الحفظ.

وقال إن الدار ترتبط بمذكرات تفاهم مع مؤسسات أرشيفية في عدد من الدول العربية والأفريقية، لافتاً إلى وجود وثائق سودانية مهمة محفوظة في «دار الوثائق المصرية»، إضافة إلى أرشيفات أخرى لدى جامعة الدول العربية، خصوصاً في أقسام التوثيق والأرشفة.

وثائق على الأرض

وفي جولة داخل المبنى، تبدو آثار الحرب حاضرة في كل زاوية، فالمخطوطات القديمة المبعثرة على الأرض توثق مراحل مختلفة من تاريخ السودان، في حين تنتشر صور لزعماء تعاقبوا على حكم البلاد منذ الاستقلال، إلى جانب وثائق تعود إلى حقبة الدولة المهدية وفترة الحكم الثنائي البريطاني - المصري، فضلاً عن أرشيف ضخم للصحافة السودانية يمتد لعقود طويلة. أما الطابق الأرضي، الذي كان يضم معامل متخصصة وعشرات أجهزة الحاسوب، فقد تعرض للنهب الكامل، حسب مسؤولين في الدار. ومع ذلك، ما زال آخر كتاب خضع لعملية الرقمنة قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب محفوظاً في مكانه، في مشهد يُجسد المفارقة بين ما نجا وما فُقد من ذاكرة البلاد.

ورغم حجم التحديات التي تواجه المؤسسة، فإن المسؤولين فيها يتمسكون بالأمل في الحصول على موافقة حكومية تسمح ببقائها في مقرها الحالي، والعمل على تنفيذ خطط لإعادة تأهيل المبنى، واستعادة دوره في حفظ الذاكرة الوطنية للسودان.

آخر كتاب تمت أرشفته إلكترونياً قبل اندلاع الحرب بأيام قليلة (الشرق الأوسط)

وتعود جذور «دار الوثائق القومية» إلى عام 1916، حين كانت إدارة الوثائق الرسمية تتم عبر مكتب الحاكم العام للسودان، بمشاركة السكرتيرين المالي والقضائي والإداري، الذين تولوا حفظ الوثائق الصادرة عن مؤسسات الدولة آنذاك.

وفي عام 1965، صدر قانون «دار الوثائق القومية»، الذي منحها صفة قومية واعتبارية مستقلة، وأسند إليها مسؤولية حفظ وإدارة الوثائق الرسمية التي تنتجها مؤسسات الدولة، إلى جانب الوثائق الأهلية والخاصة ذات القيمة التاريخية، لتصبح الحارس الرسمي للذاكرة الوطنية السودانية.


بنغازي لتجاوز «عقدة» الإرهاب باستضافة مؤتمر برلماني آسيوي - أفريقي

أحد الوفود البرلمانية الأفريقية لدى وصوله إلى بنغازي للمشاركة في المؤتمر البرلماني السبت (الناطق باسم مجلس النواب)
أحد الوفود البرلمانية الأفريقية لدى وصوله إلى بنغازي للمشاركة في المؤتمر البرلماني السبت (الناطق باسم مجلس النواب)
TT

بنغازي لتجاوز «عقدة» الإرهاب باستضافة مؤتمر برلماني آسيوي - أفريقي

أحد الوفود البرلمانية الأفريقية لدى وصوله إلى بنغازي للمشاركة في المؤتمر البرلماني السبت (الناطق باسم مجلس النواب)
أحد الوفود البرلمانية الأفريقية لدى وصوله إلى بنغازي للمشاركة في المؤتمر البرلماني السبت (الناطق باسم مجلس النواب)

تستعد مدينة بنغازي، الواقعة في شرق ليبيا، لاستضافة أعمال مؤتمر يضم وفوداً برلمانية، من عدد من الدول الأفريقية والآسيوية، في خطوة ينظر إليها منظمو المؤتمر بوصفها «فرصة لتعزيز الحضور الإقليمي للمدينة، وإبراز التحولات التي شهدتها بعد سنوات من الصراع والاضطرابات الأمنية».

وقال رئيس ديوان مجلس النواب، عبد الله المصري، السبت، إنَّ اختيار بنغازي لاستضافة المؤتمر الذي سيُعقَد يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين يعكس ما تشهده المدينة من «استقرار أمني ونهضة عمرانية»، مؤكداً جاهزيتها لتنظيم فعاليات دولية كبرى.

ويأتي تنظيم المؤتمر بعد نحو 9 سنوات من إعلان القوات التابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، بسط سيطرتها الكاملة على المدينة، في وقت لا يزال فيه المشهد السياسي الليبي منقسماً بين مؤسسات الشرق والغرب.

«وفد نيبال» المشارك في مؤتمر برلماني بمدينة بنغازي (الناطق الرسمي باسم مجلس النواب)

وبالنسبة لسلطات شرق ليبيا، يمثِّل المؤتمر مناسبةً لتأكيد التحسُّن الأمني وفك عقدة الإرهاب، الذي شهدته بنغازي قبل سنوات، وتقديم المدينة بوصفها مركزاً قادراً على استضافة الفعاليات الإقليمية والدولية، بعد أن ارتبط اسمها لسنوات بملفات الحرب ومكافحة الجماعات المتشددة، وتحديداً بعد نحو عقد من المواجهات المسلحة، التي شهدتها المدينة ضد جماعات متشددة، وتنظيم «داعش».

وبدأت بنغازي في استقبال الوفود المشارِكة في المؤتمر، وسط استعدادات مكثفة، شملت تعزيز الإجراءات الأمنية في محيط أماكن انعقاد الجلسات ومقار إقامة الضيوف، وأعمالاً لتجميل بعض الشوارع الرئيسية. ووصلت خلال اليومين الماضيين وفود من مالاوي والمغرب والكاميرون وجنوب السودان والصومال، إضافة إلى ممثلين عن الاتحاد البرلماني الأفريقي، عبر مطار بنينا الدولي، في مؤشر على اتساع المشارَكة في أعمال المؤتمر.

ويُعقد المؤتمر تحت شعار «الرؤية المستقبلية للعلاقات الأفريقية - الآسيوية»، ومن المقرر أن يناقش آليات تطوير التعاون البرلماني، ودور المؤسسات التشريعية في دعم التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار، إلى جانب بحث التحديات المشتركة التي تواجه دول القارتين.

وقال المتحدث باسم مجلس النواب الليبي، عبد الله بليحق، إن المؤتمر سيشهد جلسات حوارية ونقاشات متخصصة، بمشاركة وفود برلمانية من دول القارتين، مشيراً إلى أنَّ الحدث يندرج ضمن جهود تعزيز الحوار والتعاون البرلماني بين آسيا وأفريقيا.

ويتضمَّن جدول الأعمال مقترحات مؤسسية، من بينها ترشيح رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، لرئاسة المجلس البرلماني الآسيوي - الأفريقي، واقتراح اعتماد مدينة بنغازي مقراً دائماً للمجلس.

ويُعقَد الحدث برعاية مجلس النواب الليبي، الذي يتَّخذ من شرق البلاد مقراً له، في ظلِّ غياب مشاركة معلنة من المجلس الرئاسي أو المجلس الأعلى للدولة في غرب البلاد، ما يعكس استمرار حالة الانقسام المؤسسي والسياسي، التي تشهدها ليبيا منذ سنوات.

في المقابل، نفى المجلس البرلماني الآسيوي - الأفريقي، برئاسة محسن المندلاوي، وجود صلة مؤسسية له بالمؤتمر، مؤكداً أنَّ أي تمثيل رسمي للمجلس يجب أن يتم عبر القنوات المعتمدة وتحت إشراف رئاسته. ويعود الخلاف إلى تباين داخل قيادة المجلس بشأن ترتيبات المؤتمر، وآلية الترشيحات الخاصة بمناصبه القيادية.