الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

إيداع مترشح الحبس الاحتياطي وإسقاط قوائم مرشحين بأكملها

أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)
أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)
TT

الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)
أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)

شهدت الأيام الأولى من حملة انتخابات الثاني من يوليو (تموز) بالجزائر تطورات مفاجئة خلطت أوراق الأحزاب وجعلتها في ورطة؛ فبينما أودع مترشح الحبس الاحتياطي بتهمتي «الاتجار بالمخدرات والمساس بالآداب»، جرى إسقاط قوائم مرشحين بأكملها لعدة أحزاب ومستقلين، بذريعة «الصلة بالمال الفاسد»، رغم تجاوزهم مصفاة الأمن الأولى. ولم تتوقف المفاجآت عند الداخل الجزائري فحسب، بل تحولت منصات الدعاية إلى منبر للهجوم الحاد على رئيس «الفيفا»، جياني إنفانتينو، إثر مطالبته عشية انطلاق المونديال بالإفراج عن الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المسجون بالجزائر في قضايا إرهاب.

* أحزاب في ورطة

في فضيحة من العيار الثقيل تزامنت مع الحراك الانتخابي، اهتزت ولاية عنابة (شرق) على خبر إيداع مرشح عن قائمة «جبهة التحرير الوطني» الحبس الاحتياطي، بتهم ثقيلة تمزج بين «تدنيس الآداب العامة» و«الاتجار بالمخدرات»، رفقة ستة أشخاص آخرين، وفق ما ذكرته مصادر إعلامية بعنابة، اليوم السبت، وذلك في اليوم الرابع من حملة الدعاية.

رئيس حركة البناء الوطني (إعلام حزبي)

وانطلقت خيوط القضية، وفق المصادر نفسها، من مداهمة مفاجئة نفذتها مصالح الشرطة، الأربعاء الماضي، لقاعة الشاي، التي يملكها المرشح نفسه، حيث تم اعتقال مسير المحل والأشخاص الست الآخرين، ومصادرة كمية من المخدرات كانت مخبأة بالمحل.

ولما أحيل الملف على المحكمة المحلية، قرر وكيل الجمهورية تأجيل فصول المحاكمة بآلية «المثول الفوري» إلى الأسبوع المقبل، مع إيداع جميع أطراف الملف السجن بتهمٍ يؤطرها قانون مكافحة المخدرات. كما كشفت التحريات أن المتهم الرئيسي هو نجل برلماني سابق عن الحزب نفسه بولاية سكيكدة المجاورة.

أمين عام جبهة التحرير الوطني (إعلام حزبي)

وضمن تطورات المشهد الانتخابي، نُقل رئيس «حركة البناء الوطني»، عبد القادر بن قرينة، على جناح السرعة إلى المستشفى بالعاصمة، ليلة الجمعة، بعدما شهدت حالته الصحية، الهشة أصلاً، تدهوراً مفاجئاً، وذلك بعد ساعات قليلة من تنشيطه تجمعاً شعبياً في ولاية بومرداس، شرق العاصمة. وحسب طاقم الإعلام التابع للحزب، فقد عاد بن قرينة إلى الحملة صباح السبت، بعد أن تلقى العلاج.

وعرف الحزب نفسه، المؤيد لسياسات الحكومة، إسقاط قائمة مرشحيه بالعاصمة بالكامل، التي تضم 38 مترشحاً، على الرغم من تجاوز مرحلة فرز المرشحين التي دامت عدة أيام قبل انطلاق الحملة، وأفضت إلى إقصاء 3 آلاف مترشح من أصل 10 آلاف، أغلبهم بذريعة «الصلة بالمال الفاسد»، وهي تهمة شملتها المادة 200 من قانون الانتخابات.

أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي (إعلام حزبي)

وحسب مصادر حزبية، فقد تم استبعاد مرشحين آخرين في بداية الحملة، ينتمون لـ«جبهة التحرير» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، وهو ما وضع الأحزاب المعنية في ورطة كبيرة، بحكم أن آجال استخلاف المترشحين المبعدين انتهت، وعلى أساس هذا الواقع الجديد ستغيب تشكيلات سياسية كبيرة، لأول مرة، عن الانتخابات في ولايات مهمة من حيث عدد المقاعد، التي تعود لها في «المجلس الشعبي الوطني».

إنفانتينو يشعل المهرجانات الدعائية

من ضمن المشاهدات غير المألوفة، تحولت منصات الحملة الانتخابية إلى منبر للهجوم على رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، إثر خوضه في قضية الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في الجزائر، بتهمة «الإرهاب»، وجاء ذلك بعد أن دعا إنفانتينو، عشية انطلاق المونديال، السلطات الجزائرية، إلى إطلاق سراحه ليتمكن، حسبه، من تغطية مباريات المونديال.

الرئيس الجزائري مع رئيس فيفا في أبريل الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وعد عبد القادر بن قرينة، رئيس «حركة البناء»، ومنذر بودن، أمين عام «التجمع الديمقراطي»، أمس الجمعة، خلال تجمعين دعائيين، تصريحات إنفانتينو «محاولة للهروب إلى الأمام، والتغطية على الفشل التنظيمي والسياسي للمونديال الحالي».

وواجه بن قرينة، رئيس الفيفا، بالقول إنه «كان الأجدر به الدفاع عن المنتخبات والصحافيين، الذين يعانون من تضييقات التأشيرة الأميركية بدلاً من التدخل في سيادة الجزائر»، في حين لم يتردد بودن في التلميح إلى «تعرض رئيس (الفيفا) للابتزاز من جهات معينة لقول ذلك»، موجهاً له رسالة مباشرة: «اذهب وانشغل بمشاكل المونديال ولا توجه الأنظار بعيداً!».

وهاجم الإعلام الجزائري بشدة رئيس هيئة كرة القدم العالمية. ففي مقال ناري قالت صحيفة «الشروق»: «لم يكن ما فعله جياني إنفانتينو في مكسيكو مجرّد التفاتة إنسانية عابرة. كان عملاً سياسياً محسوباً، تمّ تحت أضواء كأس العالم، عشيّة مباراة الافتتاح. وباسم مؤسسة رياضية يفترض أنها لا تتدخل في شؤون الدول، ولا تمارس الضغط العلني على سلطاتها القضائية والسيادية»، مؤكدة أنه «حين خصّص رئيس الفيفا كرسياً فارغاً للصحافي الفرنسي كريستوف غليز، ودعا علناً إلى منحه عفواً رئاسياً في الجزائر، لم يكن يتكلم كحارس لكرة القدم، بل كفاعل ضغط دولي، اختار أن يستخدم المسرح الكروي العالمي للتأثير في ملف قضائي جزائري، فصلت فيه محكمة ابتدائية، وأكدته محكمة استئناف».

رئيس فيفا مع وزير الرياضة الجزائري (وزارة الرياضة)

وأضاف المقال: «ليست القضية في التعاطف مع شخص، ولا في حق أي منظمة في التعبير عن موقف. القضية هي أن رئيس الفيفا، وهو على رأس مؤسسة يفترض أنها رياضية عالمية، نصب نفسه فوق الحدود، وفوق القضاء وفوق سيادة دولة مستقلة، وقرر أن يحوّل مؤتمراً كروياً إلى منصة ضغط رمزي على الجزائر. لماذا الآن؟ ولماذا من منصة كأس العالم؟ ولحساب أي مناخ سياسي وإعلامي؟ هذه الأسئلة ليست هامشية... إنها قلب الموضوع».


مقالات ذات صلة

الجزائر: استرجاع ممتلكات بالخارج واتهامات ثقيلة في «ملفات فساد»

شمال افريقيا رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء في ملف استرداد الأموال المنهوبة خلال زيارته فرنسا يوم 1 يونيو الحالي (وزارة الداخلية)

الجزائر: استرجاع ممتلكات بالخارج واتهامات ثقيلة في «ملفات فساد»

أفضت عملية تفكيك شبكة إجرامية منظمة في الجزائر، وُصفت بأنها الكبرى منذ سنوات، إلى استرجاع وحجز ممتلكات عقارية ومنقولات فاخرة...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

الجزائر وواشنطن لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل

الجزائر وواشنطن يوقعان اتفاقيات لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
الرياضة كأس العالم 2026... مسرح ولادة «الأوراق الرابحة» للكرة العربية

شبان برتبة نجوم... أصغر الوجوه العربية في مونديال 2026

شباب عرب يقتحمون المسرح العالمي بمونديال 2026. «الشرق الأوسط» ترصد الترتيب العمري، والأدوار التكتيكية لأصغر 9 مواهب واعدة بقيادة المصري حمزة عبد الكريم.

كوثر وكيل (لندن)
شمال افريقيا صورة لوفدي وزارتي العدل الجزائري والفرنسي (الوزارة الجزائرية)

قضاة جزائريون في باريس لتسريع إجراءات «الأموال المنهوبة»

بحث وفد قضائي جزائري وصف بـ«المهم» الاثنين في فرنسا تسريع إجراءات استرداد «الأموال المنهوبة» وتسليم مطلوبين لدى الجزائر متهمين بـ«الفساد»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس سلطة الانتخابات الجزائرية مع كادرها الإداري (سلطة الانتخابات)

حملة الانتخابات البرلمانية في الجزائر تنطلق غداً

تنطلق، الثلاثاء، بالجزائر حملة انتخابات البرلمان المقررة في الثاني من يوليو (تموز) المقبل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
TT

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)

تسارعت التحركات الأميركية، على أكثر من مستوى، في الملف الليبي، عقب صدور التوصيات النهائية لـ«الحوار المهيكل»، برعاية أممية، مطلع الأسبوع الماضي، مما أثار تساؤلات في الأوساط السياسية حول ما إذا كانت واشنطن قد بدأت فعلياً التمهيد لتنفيذ مبادرة تُنسب إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، وتهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011.

برنت ورئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في لقاء بمدينة بنغازي الثلاثاء الماضي (السفارة الأميركية)

وتقوم المبادرة -وفق ما يُتداول في الأوساط الليبية منذ أشهر ولم ينفه أي طرف ولا حتى الجانب الأميركي- على بناء تفاهمات بين سلطتي الشرق والغرب عبر صيغة جديدة لتقاسم السلطة، تتضمّن تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

مؤشرات على قرب تنفيذ المبادرة

يرى رئيس حزب الكرامة الليبي، الدكتور يوسف الفارسي، أن التحركات الدبلوماسية الأميركية من جانب القائم بالأعمال في ليبيا، جيريمي برنت، بين طرابلس وبنغازي خلال الأيام القليلة الماضية تُعطي مؤشرات على أن «تنفيذ المبادرة بات أقرب من أي وقت مضى»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن واشنطن تعمل بالتوازي على المسارَين العسكري والاقتصادي لتهيئة الأرضية المناسبة لأي تسوية سياسية محتملة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

على المستوى العسكري، التقى القائم بالأعمال الأميركي كلاً من رئيس أركان قوات حكومة الوحدة في غرب ليبيا، الفريق أول صلاح الدين النمروش، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي. كما عقد اجتماعاً مع رئيس أركان الجيش الوطني في شرق ليبيا، الفريق أول خالد حفتر. وركزت اللقاءات على تطوير التعاون العسكري، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وتعزيز بناء القدرات المهنية للقوات المسلحة الليبية.

مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه خلال إعلان توصيات «الحوار المهيكل» في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

وينظر مراقبون إلى هذه اللقاءات بوصفها حلقة جديدة في مسار أميركي متدرج بدأ خلال الأشهر الماضية، عبر خطوات دعّمتها واشنطن لبناء جسور تواصل بين مؤسسات الشرق والغرب، تمهيداً لتقليص الانقسام القائم. وشمل ذلك جمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها في مناورات «فلينتلوك»، التي استضافتها مدينة سرت في أبريل (نيسان) الماضي، فضلاً عن رعاية اتفاق الإنفاق والميزانية الموحدة بين السلطتَين في بنغازي وطرابلس في الشهر ذاته، في خطوة عُدّت سابقة لم تشهدها البلاد منذ 13 عاماً من الانقسام المؤسسي.

وفق هذا التقدير أيضاً، شملت لقاءات برنت في بنغازي (شرق) مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر، والمدير العام للجهاز الوطني للتنمية محمود الفرجاني، حيث تركزت المحادثات على تنفيذ اتفاقية الميزانية الموحدة، وتشجيع الاستثمارات الأميركية، وضمان توزيع الإنفاق التنموي على مختلف المناطق الليبية.

كما سجل تعزيز التعاون الليبي مع الشركات الأميركية العاملة في قطاع النفط جانباً مهماً من جولة برنت، ضمن لقائه مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، حيث بحثا سبل زيادة الإنتاج النفطي وحماية البنية التحتية للطاقة.

تحديات سياسية معقّدة

هذا التحرك الأميركي متعدد المسارات، الذي انطلق منذ منتصف الأسبوع الماضي ولا يزال مستمراً، لا يراه مراقبون معزولاً عن نتائج «الحوار المهيكل»، التي تضمنت مقترحات لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد، يضم رئيساً ونائبين، إلى جانب تشكيل حكومة جديدة تحت اسم «حكومة الاستحقاق الوطني» برئاسة رئيس حكومة وثلاثة نواب، يمثلون الأقاليم التاريخية الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان).

ومع ذلك فإن الطريق لا يزال يواجه تحديات سياسية معقدة، حسب محللين، وقال الناشط الليبي، عمر بوسعيدة، إن المبادرة تواجه داخل طرابلس «تداخلاً في أجندات قوى إقليمية تستخدم حلفاءها المحليين لعرقلة أي ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة»، لافتاً إلى أن «الاختبار الحقيقي للمبادرة يتمثّل في القدرة على إنتاج جسم تنفيذي موحّد يحظى بقبول الأطراف الرئيسية».

وبالنسبة إلى رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا»، أشرف بلها، فإن «المبادرة لا تزال بحاجة إلى معالجة عدد من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها معايير اختيار الحكومة المقبلة، وتوزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية الجديدة، وهي قضايا لم تصل الأطراف الليبية بعد إلى توافق نهائي بشأنها».

واستبعد بلها، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إمكانية التوصل إلى تفاهمات ليبية واسعة من دون ضغوط دولية مؤثرة، مستشهداً بتجربة ملتقى الحوار السياسي، الذي رعته الأمم المتحدة في جنيف بقيادة المبعوثة الأممية السابقة، ستيفاني ويليامز، وأسفر عن تشكيل السلطة التنفيذية الحالية بعد توافقات دعمتها قوى دولية فاعلة.

وفي هذا السياق، قال رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا» إن واشنطن تسعى حالياً إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق بين المبادرة الأميركية ومسار الأمم المتحدة، مشيراً إلى معلومات متداولة بشأن جهود لعقد اجتماع دولي في النرويج، خلال الفترة المقبلة، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية لدعم هذا المسار.

وقبل جلسة مقررة لمجلس الأمن الشهر الحالي تعرض خلالها تيتيه نتائج «الحوار المهيكل»، أكد بولس عقب لقائه مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، الجمعة، أن جهود بلاده في توحيد السلطتَين «تتكامل» مع خريطة طريق بعثة الأمم المتحدة ومخرجات الحوار، بما يضمن عملية سياسية يقودها الليبيون لتحديد مستقبل بلادهم.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة الليبية (المجلس)

وهنا يرى الفارسي أن حديث بولس عن تكامل الجهود الأميركية مع خريطة الطريق، التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا ينفي، في رأيه، أن واشنطن تمثّل القوة الدولية الأكثر تأثيراً في دفع هذا المسار، مشيراً إلى أن التحركات الأممية تحظى بدعم أميركي واضح.

ومع هذا فإن المبادرة الأميركية قد لا تستهدف من منظور باحثين إنهاء الأزمة الليبية بصورة نهائية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم موازين القوى وإدارة الانقسام القائم عبر أدوات سياسية ومؤسسية متدرجة.

ووفق تقدير الباحث في الشؤون الأفريقية، عبد الله فارس القزاز، في دراسة نشرها «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» فإن واشنطن «تبدو منشغلة ببناء إطار أكثر استقراراً لإدارة الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها أكثر من انشغالها بفرض تسوية نهائية شاملة في المدى القريب».

Your Premium trial has ended


أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
TT

أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)

تتجه «الحركة المدنية الديمقراطية»، التي تعد أكبر تجمع لأحزاب وشخصيات عامة معارضة في مصر، نحو اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة هيكلة تنظيمها، بعد انتقادات لاذعة طالتها مؤخراً على خلفية دفاعها عن أحد قياداتها بعد تحرك جهات تنفيذية لهدم قصر قام ببنائه على النيل بالمخالفة للقوانين الحكومية.

وتحاول «الحركة المدنية» إنعاش حضورها السياسي في أعقاب الأزمة الأخيرة. وبحسب قيادات داخلها تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن اجتماعاً انعقد، مساء الجمعة، قررت فيه الحركة تشكيل لجنة لإعادة «الهيكلة»، تتولى فحص ودراسة جميع المقترحات المقدمة من داخل وخارج الحركة لتطوير وتجديد أدائها السياسي والتنظيمي، مشيرين إلى أن تلك الإجراءات بمنزلة مقدمة لـ«تصحيح المسار».

وأصدر التكتل المعارض الذي تشكل في عام 2017، بياناً نهاية الشهر الماضي، أعلن فيه رفضه قيام الحكومة بهدم قصر على النيل مملوك لرئيس حزب «المحافظين» رجل الأعمال أكمل قرطام، حيث ربطت «الحركة» قضية القصر، الذي قالت الحكومة إنه خالف إجراءات البناء، بقضايا جماهيرية عامة؛ ما أثار انتقادات واسعة، واضطرت الحركة لاحقاً إلى الاعتذار، وسحب البيان.

ولم تكن هذه هي الأزمة التي مرت بها «الحركة المدنية» خلال العامين الماضيين؛ حيث شهدت تباينات وخلافات في أثناء الإعداد للمشاركة في اقتراعات سياسية مهمة في مقدمتها انتخابات الرئاسة المصرية الأخيرة في عام 2024، وانتخابات البرلمان (مجلسي النواب والشيوخ) العام الماضي، وبدت غير قادرة على أن تكون متماسكة داخلياً.

اجتماع سابق لمجلس أمناء الحركة المدنية (صفحة الحركة على فيسبوك)

وأكد المتحدث الإعلامي باسم «الحركة المدنية» وليد العماري، أن اللجنة التي تم إسناد رئاستها إلى منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» (أحد أحزاب الحركة) أكرم إسماعيل، سترسل نتائجها والرؤية التي ستضعها خلال أسبوعين إلى جميع الأحزاب المكونة للحركة لدراستها، واستطلاع رأي قواعدها الحزبية، تمهيداً لاتخاذ القرارات النهائية خلال اجتماع سيُعقد بعد 3 أسابيع.

وقال العماري لـ«الشرق الأوسط» إن «المحاور العامة لعمل اللجنة، تتلخص في التوسع لضم شخصيات عامة جديدة من أجيال مختلفة، وإفساح المجال للقيادات الشابة، واستعادة التواصل مع الجماهيىر ليس فقط في العاصمة، بل من خلال أنشطة متنوعة بالمحافظات».

وبحسب العماري، تجري الحركة «نقداً ذاتياً لتقييم أدائها خلال المرحلة الماضية، وتدارك الأخطاء وإجراء مراجعة شاملة»، مؤكداً أنه «من بين المقترحات التي سوف تناقشها اللجنة ما يتعلق بدور مجلس الأمناء (أعلى سلطة تنظيمية بالحركة)، حيث يوجد اقتراح بإلغائه، والبحث عن تشكيل تنظيمي مختلف، بينما يذهب رأي آخر إلى الإبقاء عليه على أن يكون رأيه استشارياً».

وتضم «الحركة المدنية» عدداً من الشخصيات العامة البارزة إلى جانب أحزاب (الدستور، والكرامة، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والمحافظين، والعربي الديمقراطي الناصري، والعيش والحرية «تحت التأسيس») وشهدت المرحلة الماضية خلافات داخلية، أعقبها إعلان أحزاب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» و«الإصلاح والتنمية»، و«العدل» تجميد عضويتها بالحركة، وعقب أزمة «قصر قرطام» أعلن حزب «العدل» انسحابه الكامل من الحركة.

وأكد منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» أكرم إسماعيل، أن هدف اللجنة «تصحيح مسار الحركة، وإعادة تجديد الدماء»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة بدأت تلقي المقترحات من داخل وخارج الحركة لبلورة رؤية للمرحلة المقبلة، تنطلق من عدة محاور، منها تصعيد القيادات الشبابية لضخ دماء جديدة، والبحث عن ضم شخصيات جديدة مرتبطة بالحركة الاجتماعية والنقابية، والنزول للجماهير لاستعادة دور الحركة بالشارع للتعبير عن القضايا المجتمعية التي تهم الناس».

وتحدث إسماعيل عن موقف الأحزاب المنسحبة من الحركة، مؤكداً أن «الرؤية الجديدة لتطوير أداء الحركة لن تتضمن أي محاولات لإعادة التواصل مع الأحزاب المنسحبة».

جانب من المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته الحركة المدنية مطلع الشهر الماضي (صفحة الحركة على فيسبوك)

لكن الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية، نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو هاشم ربيع، لا يتفاءل بشأن مستقبل الحركة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «ما دامت الوجوه نفسها موجودة فلن يكون هناك جديد، وستتم إعادة إنتاج الأفكار نفسها، فإعادة الهيكلة لن تكفي»، حسب رأيه.

واستطرد قائلاً: «ربما ضخ دماء شبابية جديدة يمكن أن يؤدي إلى استعادة الحركة لدورها السياسي وتطويره، وسيظل مستقبل الحركة مرهوناً بقدرتها على مواجهة التحديات الداخلية وتوحيد الرؤى، والتركيز على قضايا سياسية نوعية، مثل ملف حقوق الإنسان، وإذا حدث ذلك فربما تستعيد الحركة زخمها السياسي».

لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، القيادي بالحركة، الدكتور مصطفى كامل السيد، أكد أن «المرجعات التي تقوم بها الحركة هدفها تدارك الأخطاء السابقة والاستفادة منها مستقبلاً»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أبرز الأخطاء التي ارتكبتها الحركة سابقاً، فكرة المركزية الديمقراطية، حيث من المفترض أنه عندما يتم اتخاذ قرارات بالتصويت عقب نقاشات بين الأحزاب أن يلتزم الجميع برأي الأغلبية، لكن هذا لم يكن يحدث».

وبحسب السيد، تحتاج الحركة إلى «البحث عن آليات جديدة، وابتكار أساليب مختلفة للتواصل مع الجماهير، مثل الأنشطة الفنية والعلمية، فالعمل السياسي ليس مجرد بيانات».


حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
TT

حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

بالقرب من القيادة العامة للجيش في العاصمة السودانية الخرطوم، تقبع ملايين الوثائق التي تؤرخ لأكثر من 5 قرون من تاريخ السودان داخل مبنى «دار الوثائق القومية»، وسط ظروف قاسية فرضتها الحرب، بعدما أحاطت بها أكوام الركام والغبار، وأصبحت مهددة بالتلف نتيجة الأضرار الواسعة التي لحقت بالمبنى.

وكانت «دار الوثائق القومية» قد وقّعت تحت سيطرة «قوات الدعم السريع» منذ الساعات الأولى لاندلاع الحرب في أبريل (نيسان) 2023، وشهد محيطها مواجهات عسكرية عنيفة تركت آثاراً واضحة على المبنى المؤلف من 4 طوابق، من حريق ودمار وأضرار هيكلية لا تزال شاهدة على حجم المعارك التي دارت في المنطقة.

وتضم الدار أكثر من 30 مليون وثيقة تاريخية، جرى جمعها منذ عام 1505، وتُمثل سجلاً متكاملاً لتاريخ السودان السياسي والإداري والاجتماعي. وعلى الرغم من نجاة الجزء الأكبر من هذه الوثائق من النيران التي طالت أجزاء واسعة من المبنى، فإن بقاءها داخل بيئة متضررة وغير مهيأة للحفظ يُهدد سلامتها على المدى الطويل.

أرشيف الصحافة السودانية في «دار الوثائق» عليه آثار الغبار (الشرق الأوسط)

وقالت مديرة دار الوثائق القومية، الدكتورة نجوى محمود، لـ«الشرق الأوسط»، إن غالبية محتويات الدار نجت من الحرائق التي صاحبت الحرب، إلا أن استمرار وجودها داخل مبنى متضرر قد يؤدي إلى إتلاف الوثائق والمخطوطات القديمة، لا سيما تلك التي تعاني أصلاً الهشاشة والتقادم.

وأشارت إلى أن الأرشيف الإلكتروني للدار تعرّض للفقدان، موضحة أن الإدارة أعدّت خطة للتحول الرقمي تبدأ فور الانتهاء من عمليات تنظيم وترتيب الوثائق، وأضافت: «خاطبنا وزارة الاتصالات والجهات الحكومية ذات الصلة لتقديم الدعم اللازم لتنفيذ الخطة، بما يضمن حماية هذا الإرث الوطني من المخاطر المستقبلية».

وبعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على ولاية الخرطوم في مارس (آذار) 2025، أصدرت الحكومة قراراً يقضي بنقل عدد من المؤسسات الحكومية من وسط العاصمة، وشمل القرار دار الوثائق القومية.

وفي هذا السياق، أوضحت الدكتورة نجوى محمود أن إدارة الدار تقدّمت بطلب إلى مجلس الوزراء لاستثنائها من قرار النقل، مؤكدة أن المبنى الحالي شُيّد وفق مواصفات ومعايير خاصة لحفظ الوثائق التاريخية والأرشيف الوطني. وقالت إن نقل أكثر من 30 مليون وثيقة يمثل تحدياً لوجستياً كبيراً، ويتطلب توفير مقر بديل يتمتع بالمواصفات الفنية نفسها التي تضمن الحفاظ على الوثائق من التلف والعوامل البيئية المختلفة.

مدير الإدارة العامة للتوثيق بالدار محمد يوسف متحدثاً لــ«الشرق الأوسط»

من جانبه، أعرب مدير الإدارة العامة للتوثيق بالدار، محمد يوسف، عن مخاوفه من الأضرار التي قد تتعرض لها الوثائق مع اقتراب موسم الأمطار، مشيراً إلى أن القذائف التي أصابت المبنى خلّفت فتحات واسعة في الأسقف، ما قد يسمح بتسرب مياه الأمطار إلى القاعات وغرف الحفظ.

وقال إن الدار ترتبط بمذكرات تفاهم مع مؤسسات أرشيفية في عدد من الدول العربية والأفريقية، لافتاً إلى وجود وثائق سودانية مهمة محفوظة في «دار الوثائق المصرية»، إضافة إلى أرشيفات أخرى لدى جامعة الدول العربية، خصوصاً في أقسام التوثيق والأرشفة.

وثائق على الأرض

وفي جولة داخل المبنى، تبدو آثار الحرب حاضرة في كل زاوية، فالمخطوطات القديمة المبعثرة على الأرض توثق مراحل مختلفة من تاريخ السودان، في حين تنتشر صور لزعماء تعاقبوا على حكم البلاد منذ الاستقلال، إلى جانب وثائق تعود إلى حقبة الدولة المهدية وفترة الحكم الثنائي البريطاني - المصري، فضلاً عن أرشيف ضخم للصحافة السودانية يمتد لعقود طويلة. أما الطابق الأرضي، الذي كان يضم معامل متخصصة وعشرات أجهزة الحاسوب، فقد تعرض للنهب الكامل، حسب مسؤولين في الدار. ومع ذلك، ما زال آخر كتاب خضع لعملية الرقمنة قبل أيام قليلة من اندلاع الحرب محفوظاً في مكانه، في مشهد يُجسد المفارقة بين ما نجا وما فُقد من ذاكرة البلاد.

ورغم حجم التحديات التي تواجه المؤسسة، فإن المسؤولين فيها يتمسكون بالأمل في الحصول على موافقة حكومية تسمح ببقائها في مقرها الحالي، والعمل على تنفيذ خطط لإعادة تأهيل المبنى، واستعادة دوره في حفظ الذاكرة الوطنية للسودان.

آخر كتاب تمت أرشفته إلكترونياً قبل اندلاع الحرب بأيام قليلة (الشرق الأوسط)

وتعود جذور «دار الوثائق القومية» إلى عام 1916، حين كانت إدارة الوثائق الرسمية تتم عبر مكتب الحاكم العام للسودان، بمشاركة السكرتيرين المالي والقضائي والإداري، الذين تولوا حفظ الوثائق الصادرة عن مؤسسات الدولة آنذاك.

وفي عام 1965، صدر قانون «دار الوثائق القومية»، الذي منحها صفة قومية واعتبارية مستقلة، وأسند إليها مسؤولية حفظ وإدارة الوثائق الرسمية التي تنتجها مؤسسات الدولة، إلى جانب الوثائق الأهلية والخاصة ذات القيمة التاريخية، لتصبح الحارس الرسمي للذاكرة الوطنية السودانية.