1000يوم على حرب السودان

رسمت نمط حياة جديدة علامتها النزوح والجوع والموت بقلب مفطور

طفل ينظر إلى نساء يصطففن لتلقي المساعدات في مخيم ببلدة الدبة شمال السودان يوم 15 نوفمبر (أ.ف.ب)
طفل ينظر إلى نساء يصطففن لتلقي المساعدات في مخيم ببلدة الدبة شمال السودان يوم 15 نوفمبر (أ.ف.ب)
TT

1000يوم على حرب السودان

طفل ينظر إلى نساء يصطففن لتلقي المساعدات في مخيم ببلدة الدبة شمال السودان يوم 15 نوفمبر (أ.ف.ب)
طفل ينظر إلى نساء يصطففن لتلقي المساعدات في مخيم ببلدة الدبة شمال السودان يوم 15 نوفمبر (أ.ف.ب)

ذات صباح بدا عادياً، فتحتْ وداد عثمان حقيبتها الصغيرة لتفتش عمّا تبقَّى من بيت خرجت منه هي وأطفالها مذعورين، وتركته خلفها في الخرطوم بحري، فلم تجد سوى مفاتيح ملقاة في قاع الحقيبة، صدئة، خفيفة، كأنها تخصّ مكاناً آخر لا صلة له بالحياة الآن، هي مفاتيح بلا باب. وحتى لو عادت، فالبيوت كما قالت «صارت بلا أبواب».

وقبل أن تمسح دمعة فاجأتها، تذكَّرت الهاتف، لم يكن ترفاً ولا نافذةً للتسلية، بل صار شريان حياة، تستقبل عبرهتحويلات صغيرة من أقارب وأصدقاء، تسند بها يومها وتدفع بها ثمن خبزٍ أو ماء، لكن الكهرباء مقطوعة منذ أيام، ولا خيار أمامها سوى «طبلية» شحن مدفوعة الأجر تعمل بالطاقة الشمسية، قد تأكل ما تبقَّى لديها من نقود.

حكاية الألف يوم

تختصر حكاية وداد ما عاشه سودانيون كثر خلال ألف يوم ويوم من الحرب، نجوا بأجسادهم، لكنهم تُركوا معلقين على حافة الخوف، وعلى خيط رفيع من المعونة، وعلى فكرة بيت لم تعد تعني عنواناً يمكن الرجوع إليه.

سودانيون فرّوا من الفاشر يستريحون لدى وصولهم إلى مخيم «الأفاد» للنازحين بمدينة الدبة شمال السودان في 19 نوفمبر 2025 (أ.ف.ب)

وهي حكاية - رغم كل شيء - أفضل حالاً من آخرين تقطَّعت بهم السبل فبقوا حيث هم، ينتظرون موتاً محدقاً لا يعرفون متى يأتي ولا من أين، ولا كيف.

تقف وراء هذه الحكاية الأرقام ظلاً ثقيلاً، لا تشرح الألم، لكنها تكشف حجمه. مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، قدَّر أن 33.7 مليون شخص داخل السودان بحاجة لمساعدة إنسانية، أي أن أكثر من ثُلثي السكان يعيشون الآن على حافة الجوع، دون مستقبل واضح.

وفي آخر تحديثات المفوضية السامية للاجئين في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، بلغ إجمالي مَن أُجبروا على النزوح داخلياً واللجوء إلى دول الجوار 11.87 مليون شخص... وهم أناس لم تعد كلمة «البيت» تشير عندهم إلى مكان يمكن العودة إليه.

نمط حياة

ولم تعد المأساة محصورة في الذين نزحوا بالفعل، فمَن لم ينزحوا قد يُدفَعون للنزوح، ومَن نزحوا قد يجرهم القتال والحصار وموجات العوز إلى نزوحٍ جديد. فقد صار النزوح، مع كل موجة قتال، أو قلة طعام، أو حاجة لدواء، أو فشل في الحصول على مأوى، أقرب إلى «نمط حياة». ويكفي أن تعجز الأسرة عن سداد إيجار باهظ، أو أن تشعر بأن الحركة اليومية أصبحت فخاً، أو تحول «الأكل» إلى أزمة، فتبدأ رحلة أخرى.

ثم يأتي الطعام، أو بالأحرى غيابه، فـ«صينية» الأكل السودانية المعروفة، لو توفرت لبعض الناس، لم تعد تحمل طعاماً نوعياً أو ذا قيمة غذائية، أو مذاقاً حتى، فقط ما تيسَّر لإسكات عواء بطن طفل جف ثدي أمه جوعاً. هؤلاء الذين يجدون «سفرة» أكل وإن كانت فقيرة، هم أحسن حالاً ممَّن يقفون مع الجوعى في صف طويل ينتظرون وجبةً فقيرةً من «تكية» في مكان ما.

أطفال سودانيون فروا مع عائلاتهم جراء العنف بمدينة الفاشر يجلسون وسط مخيم في ظل المعارك بين «الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

لكن المخيف حقاً هو أنه مع اقتراب الحرب من عامها الثالث - تتبقى نحو مائة يوم فقط - تتعقد معضلة الغذاء يوماً بعد يوم. ويقول «برنامج الغذاء العالمي»، إنه ابتداءً من الشهر الحالي، سيضطر لتقليل الحصص الغذائية بنسبة 70 في المائة، في المناطق المُهدَّدة بالمجاعة، و50 في المائة في المناطق المعرَّضة للمجاعة، مع احتمالات انقطاعات كاملة في سلسلة الإمدادات إذا لم يحصل على تمويل جديد.

أمراض منقرضة تعود

تبدو الأيام المقبلة أثقل، إذ يتوقع خبراء أن تضطر أسر كثيرة للنزوح مجدداً، ليس بسبب القتال وحده، بل بسبب انعدام الغذاء المتوقع خلال الأيام المتبقية، أو بسبب القتال الدائر في مدن وبلدات محاصَرة، لا سيما في كردفان.

تقف نساء نازحات من الفاشر وسط طابور لتلقي مساعدات غذائية بمخيم العفّاد الذي أُنشئ حديثاً في الدبّة بولاية شمال السودان (أ.ب)

فإذا كان الجوع يدفع الناس إلى خارج بيوتهم، فإن انهيار النظام الصحي هو الآخر قد يدفعهم إلى ذلك أيضاً، حيث لم يعد الرصاص وحده القاتل الأعظم، بل أمراض عادية أهلكت الآلاف... آلاف النساء يمتن في الولادة، ولا يجد مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم أدويتهم المعتادة، بينما تفتك الأوبئة الناتجة عن خراب البيئة مثل حمى الضنك والملاريا، بالناس يومياً. كما أن أمراضاً كان يُظَنُّ أنها انحسرت، مثل الحصبة والسعال الديكي، عادت من جديد. بل قد تقتلك جراح بسيطة تعفنت لأن مضاداً حيوياً بسيطاً لم يعد متاحاً.

في ديسمبر (كانون الأول) 2025 حذَّرت «منظمة الصحة العالمية» من تصاعد الهجمات على مؤسسات الرعاية الصحية، وقالت إنه منذ أبريل (نيسان) 2023، تم شنُّ أكثر من 200 هجوم على المؤسسات الصحية، ما خلّف خسائر بشرية ومادية كبيرة، وجعل العلاج والدواء ترفاً لا يتوفر للجميع.

وميدانياً، حتى المنشآت التي تعمل «كيفما اتفق»، يعرقل انقطاع التيار الكهربائي، ونقص مياه الشرب النقية، عملها، ويحوِّلها إلى مكان انتظار لموت قد يأتي في أي لحظة.

نازحة سودانية بمدينة القضارف بشرق السودان بعد فرارها من منطقة هيجليج في الغرب 26 ديسمبر 2025 (أ.ف.ب)

قلب مفطور

وسط هذا كله، تغير معنى «العيش» نفسه، وتحول إلى مجرد «إدارة حياة تحت الخوف»، فقد سكت قلب الصحافية عائدة قسيس فجأة وهي في طريقها إلى منزلها بأم درمان، وسط دوي الرصاص والقتال. سقطت هكذا ومضت، ربما حزناً على مدينتها، وربما فزعاً من أصوات القتال، فاختار قلبها أن يستريح.

لم تعد البندقية وحدها ما يخيف، فهناك نقاط تفتيش وجبايات يحدث فيها «ابتزاز ونهب واعتقال وعنف» لا تنقله الوسائط كما هو، يدفع الناس للبقاء في منازلهم إلا للضرورة، وحين يخرجون يشترون بسرعة، يتجنبون طرقاً بعينها، وقد يؤجلون العلاج لأن الطريق أخطر من المرض.

ومع طول الوقت صار الأطفال لا يرتجفون من الرصاص القريب، لكن كثيرين ماتوا حزناً وفزعاً بـ«قلب مفطور».

حلول الناس لأنفسهم

بين شح الغذاء وندرة الدواء، ظهرت حلول الناس لأنفسهم، فوُلدت مبادرات أهلية، تمثلت في «غرف الطوارئ، والتكايا»: غرف الطوارئ تسعف المصابين، وتجلي المرضى المحاصَرين، توزع الأدوية وتنسِّق المعلومات والاحتياجات، بينما توفر «التكايا» الطعام والمياه للنازحين والأسر المُحاصَرة، عن طريق جمع تبرعات من المجتمع المحلي والمغتربين، فتخفف الجوع والدموع وتدعم التماسك الاجتماعي.

نجوى عيسى آدم النازحة من الفاشر تقدم وجبات لأطفال سودانيين يتامى (رويترز)

تقول معلمة بشرق النيل في الخرطوم، إن «التكية» ساعدت بنات مدرستها اللواتي كنَّ يغبن عن الدراسة؛ بسبب الجوع. وفي إفادة لحملة «أصوات السودانيين» التي تنظمها مؤسسة «طيبة برس»، قالت المعلمة: «بسبب التكية، استقرت مدرستنا، كانت البنات مريضات وجائعات، لكن التكية ساعدتنا».

لكن المشهد ليس واحداً في كل مكان، ففي «معسكر السلام» بمنطقة طويلة بشمال دارفور، نقلت «أصوات السودانيين» شهادة نازحة تقول فيها: «هذا المعسكر لا يحمل من السلام إلا اسمه، فهناك فقط أجساد متهالكة، ونساء وأطفال في أسمال بالية»، وتضيف: «هنا أطفال أيتام قُتل آباؤهم، ونساء أرامل أخذت الحرب أرواح أزواجهن، وكل جريرتهم أنهم كانوا في الفاشر».

ووسط هذه الشهادة تظهر آلاء بساق مصابة تحتاج إلى علاج، و8 أطفال تركوا جثة أبيهم تحت أنقاض الحرب في الفاشر التي سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» وسط اتهامات لها بارتكاب جرائم حرب وإبادة جماعية.

ضربة للتعليم

تحتاج آلاء إلى قائمة طويلة: علاج لساقها المهددة بالبتر، ومأوى، وكساء، وغذاء، ودواء، وتعليم لأبنائها، لكنها تختصر كل المطالب في جملة واحدة: «كنت أريد تحقيق حلم أبيهم في أن يتعلموا، لكن الآن أريد فقط أن يبقوا أحياء».

طفلان من الفاشر يستريحان في مخيم للنازحين السودانيين ببلدة الدبة الشمالية (أ.ف.ب)

ومن هنا، يصبح التعليم جزءاً من الحكاية وليس هامشاً لها، فالحرب لم تكن مجرد توقف مؤقت للدراسة، بل ضربة للتعليم كله، من الأساس حتى الجامعة. هناك مدارس تدمرت، وأخرى تحولت إلى ملاجئ ومراكز إيواء، وتلاشت المساحة الآمنة للتعلم.

نزح آلاف المعلمين بحثاً عن الأمان أو لقمة العيش، وتفرق التلاميذ بين مدن وقرى ومخيمات تفتقر لأبسط مقومات المدرسة، ومع الفقر والجوع صار الذهاب إلى الفصل ترفاً مستحيلاً لكثير من الأسر، فالخبز يسبق الكتاب، والنجاة تسبق الواجبات.

أما الجامعات، فلا تبدو أفضل حالاً، توقفت الدراسة فيها، وتضررت القاعات والمعامل والمكتبات، وتشتت الأساتذة والطلاب بين النزوح واللجوء. ومَن بقي يواجه رسوماً باهظة، وغلاء معيشة، وصعوبة تنقل، وضعف الاتصالات، فضاعت 3 سنوات من عمر كثيرين كانوا على أعتاب التخرج.

أبوبكر، طالب في كلية مرموقة، كان في السنة الثالثة والأخيرة من دراسته الجامعية حين اندلعت الحرب، فلجأ مع أسرته إلى أوغندا، حاول التواصل مع جامعته، لكن الرسوم الباهظة التي طالبت بها، جعلته يعدل عن الفكرة. قرَّر بدء رحلة جامعية جديدة في بلد لجوئه لأنها «أكثر رحمةً» من جامعته في بلاده، لكن ضاعت من عمره سنوات لا تقدر بثمن... يقول بمرارة: «أبي كان يمازحني، ستتخرج إلى المعاش».

عائلات سودانية نازحة من الفاشر تتواصل مع عمال الإغاثة خلال توزيعهم الإمدادات الغذائية بمخيم العفد في الضبعة بولاية شمال السودان الشهر الماضي (أ.ب)

ومع ذلك، يظلُّ مَن هم في حال أبوبكر أفضل من كثيرين تقطعت بهم السبل، فهم لا أكملوا دراسة، ولا يرون أملاً قريباً لذلك.

أيام ثقيلة

هكذا تعيدنا النهاية إلى ما بدأنا به، إلى حقيبة وداد ومفاتيحها الصدئة، وهاتفها الذي صار نافذة صغيرة تفتح احتمال يوم جديد، ليمضي السودانيون وهم مثقلون بهذه الأيام الأليمة، يعانون حرباً طالت، حتى صارت حياة كاملة من ألف يوم ويوم. ويتساءلون كل صباح عن سبب استمرارها، وعن كيفية كسر حصار الحاجة إلى لقمة تسكت الجوع، ودواء يرد الموت خطوة، ومدرسة تعيد معنى الغد، أو بيت يلم شعثهم، أو مجرد فرصة أن يبقوا أحياء.

أما الذين ماتوا بالحرب، أو قُتلوا بدم بارد فيها، جنوداً من الطرفين كانوا، أم مدنيين لا دخل لهم فيها، فتحسب أكثر التقديرات تفاؤلاً أن أعدادهم تفوق الـ150 ألفاً.


مقالات ذات صلة

قوى سودانية تجتمع في أديس أبابا للتوافق على حوار سياسي شامل

شمال افريقيا لاجئات سودانيات في مخيم تولوم للاجئين في ولاية وادي فيرا شرق تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

قوى سودانية تجتمع في أديس أبابا للتوافق على حوار سياسي شامل

ينطلق في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، الأربعاء، الاجتماع الاستكشافي الأول للقوى السياسية والمدنية في السودان، برعاية الآلية «الخماسية» الدولية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا نازحون من دارفور يسيرون وسط عاصفة رملية بمخيم للاجئين السودانيين شرق تشاد في 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

16 قتيلاً في اشتباكات قبلية بإقليم دارفور السوداني

قُتل 16 شخصاً وأصيب آخرون في مواجهات قبلية مسلحة بولاية جنوب دارفور بالسودان في حين أُحرقت قرى ومنازل بحسب ما أفادت مصادر محلية «وكالة الصحافة الفرنسية».

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا أطفال سودانيون من الفاشر في مخيم للنازحين شرق تشاد يوم 21 نوفمبر 2025 (رويترز)

«الدعم السريع»: لجنة تحقيق في أحداث كردفان

جددت «قوات الدعم السريع» استعدادها لقبول «أي مبادرة سلام أو هدنة إنسانية»، وكشفت عن تشكيل «لجنة تقصي حقائق» بشأن هجمات دامية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا صور بثتها منصات موالية للجيش لأجزاء من المسيّرة التي أُسقطت في ولاية النيل الأبيض (فيسبوك)

تصاعد التوترات في كردفان... والجيش يسقط مسيّرة لـ«الدعم السريع»

شهدت الساحة السودانية تطورات ميدانية جديدة، وردود فعل رسمية وسياسية، السبت، عقب هجوم دامٍ استهدف منطقة «المرة» غرب مدينة بارا في ولاية شمال كردفان.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان (أ.ف.ب)

البرهان: نمضي بخطوات ثابتة لسحق «التمرد»... واستعادة دارفور

صعّد رئيس مجلس السيادة السوداني قائد الجيش، عبد الفتاح البرهان، لهجته مجدداً تجاه «قوات الدعم السريع»، وقال: «نمضي بخطى حثيثة لسحق المتمردين، والقضاء عليهم».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

محكمة تونسية تقضي بسجن زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي مدى الحياة

رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي لدى مغادرته المحكمة (أرشيفية - متداولة)
رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي لدى مغادرته المحكمة (أرشيفية - متداولة)
TT

محكمة تونسية تقضي بسجن زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي مدى الحياة

رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي لدى مغادرته المحكمة (أرشيفية - متداولة)
رئيس البرلمان السابق راشد الغنوشي لدى مغادرته المحكمة (أرشيفية - متداولة)

أصدرت محكمة تونسية الثلاثاء، احكاما بالسجن بحق زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي وآخرين، تراوح بين السجن مدى الحياة ولمدة 10 سنوات، بتهم الارهاب، وفق ما أفادت الحركة وتقارير إعلامية.

واتهم الغنوشي وشخصيات أخرى في النهضة بتأسيس «جهاز أمني سري» لخدمة الحركة التي فازت في الانتخابات التي أعقبت الثورة في عام 2011 وهيمنت من بعدها على الحياة السياسية التونسية لنحو عقد.

وحكم على الغنوشي البالغ 84 عاما بالسجن مدى الحياة مع 30 سنة، وفق وسائل إعلام محلي والحركة التي أكدت الأحكام. كما حكم على الضابط المتقاعد كمال البدوي بالسجن مدى الحياة مع 32 سنة. أما رئيس الوزراء السابق علي العريض المحتجز منذ عام 2022 والذي يواجه اتهامات في قضية منفصلة تتعلق بالمساعدة في إرسال مقاتلين إلى العراق وسوريا، فقد حُكم عليه بالسجن لمدة 42 عاما.

واعتقل الغنوشي عام 2023 وبلغ مجموع الأحكام عليه في قضايا عدة، بينها «التآمر ضد أمن الدولة»، أكثر من 40 عاما في السجن، قبل حكم الثلاثاء.

ويعتبر منتقدون أن الأحكام الصادرة ضد شخصيات المعارضة ذات دوافع سياسية. ووصفت حركة النهضة الحكم بأنه «يفتقر إلى أبسط شروط العدالة».

وتندد منظمات غير حكومية تونسية ودولية عدة بتراجع الحقوق والحريات في البلاد منذ وصول الرئيس قيس سعبد إلى السلطة في يوليو (تموز) 2021، حيث أقال رئيس حكومته وعلّق عمل البرلمان قبل أن يُنتخب برلمان بصلاحيات محدودة جدا.


الفرقاء السودانيون للاجتماع في أديس أبابا


أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة في السودان منتصف أبريل الماضي (إكس)
أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة في السودان منتصف أبريل الماضي (إكس)
TT

الفرقاء السودانيون للاجتماع في أديس أبابا


أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة في السودان منتصف أبريل الماضي (إكس)
أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين لمناقشة الأزمة في السودان منتصف أبريل الماضي (إكس)

تحتضن العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، اليوم (الأربعاء)، اجتماعاً للفرقاء السودانيين، برعاية الآلية «الخماسية الدولية»، المكونة من الاتحاد الأفريقي، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، والهيئة الحكومية للتنمية (إيغاد). ويشارك في هذا الاجتماع الاستكشافي الأول قوى سياسية ومدنية متحالفة مع الجيش، وأخرى مساندة لـ«الدعم السريع».

ويهدف الاجتماع، الذي يستمر يومين، إلى بحث إمكانية تشكيل آلية سودانية موحدة للمساهمة في جهود وقف الحرب، والتفاوض بشأن الترتيبات الانتقالية، تمهيداً لإطلاق حوار سياسي شامل بين السودانيين. ويشارك في اللقاء تحالف «صمود» الذي يقوده رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«الكتلة الديمقراطية» الحليفة للجيش، وتحالف «تأسيس» المساند لـ«الدعم السريع»، إلى جانب ممثلين للمجتمع المدني.

ويأتي الاجتماع بعد مشاورات مكثفة لتجاوز خلافات حول قائمة المشاركين، وسط آمال بأن يسهم في تقريب وجهات النظر وفتح مسار سياسي جديد لإنهاء النزاع المستمر في البلاد.


«أرض الصومال» في الاستراتيجية الأميركية... شراكة أمنية تتجاوز «معضلة الاعتراف»

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة وأكبر مدينة في «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة وأكبر مدينة في «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
TT

«أرض الصومال» في الاستراتيجية الأميركية... شراكة أمنية تتجاوز «معضلة الاعتراف»

منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة وأكبر مدينة في «أرض الصومال» (أ.ف.ب)
منظر عام لمدينة هرجيسا عاصمة وأكبر مدينة في «أرض الصومال» (أ.ف.ب)

كشف تقرير حديث لـ«الخارجية الأميركية» عن توجه واشنطن لاعتبار الإقليم الانفصالي «أرض الصومال»، شريكاً محتملاً في المصالح الأمنية، بما في ذلك ضمان حرية الملاحة التجارية والعسكرية من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي لموقعها الاستراتيجي، دون أن يمس ذلك حدود الصومال.

ويتوقع خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الإقليم وواشنطن بصدد «صياغة جديدة قائمة على شراكة أمنية تتوسع دون التقييد بمعضلة الاعتراف، وسط تباين بشأن المستقبل وإمكانية إعطاء الإقليم شرعية دبلوماسية».

والإقليم الانفصالي يملك ساحلاً بطول 740 كيلومتراً على خليج عدن، ويحتل موقعاً استراتيجياً عند نقطة التقاء المحيط الهندي بالبحر الأحمر في منطقة القرن الأفريقي، ولا يحظى باعتراف دولي منذ انفصاله عن جمهورية الصومال الفيدرالية عام 1991، إلا من تل أبيب في ديسمبر (كانون الأول) 2025، ولا يزال ميناء بربرة الاستراتيجي التابع للإقليم محل صراع نفوذ إقليمي ودولي في تلك المنطقة.

وأرسلت «الخارجية الأميركية» تقريراً حديثاً إلى الكونغرس لعام 2026 بشأن المجالات المحتملة لتعزيز انخراط الولايات المتحدة مع «أرض الصومال»، مؤكدة أن «واشنطن معترفة بسيادة الصومال ووحدة أراضيه بما فيها أرض الصومال»، معتبرة أن المنطقة الانفصالية جزءاً من جمهورية الصومال الفيدرالية.

وأشار التقرير إلى أن «أرض الصومال» تعدّ شريكاً محتملاً في المصالح الأمنية بما في ذلك ضمان حرية الملاحة التجارية والعسكرية من البحر الأحمر إلى المحيط الهندي؛ لموقعها الاستراتيجي وقربها من اليمن ومضيق باب المندب.

وأضاف أن موقع أرض الصومال الجغرافي قد يساعد في جهود مراقبة ومكافحة التنظيمات المتطرفة العنيفة، وخاصة الروابط بين جماعة الحوثيين وحركة «الشباب»، موضحاً أن «القيادة العسكرية الأميركية في أفريقيا تجري اتصالات منتظمة مع سلطات أرض الصومال، وتبحث مجالات التعاون المحتملة».

الخبيرة الأميركية المختصة في الشؤون الأمنية والاستراتيجية، إيرينا تسوكرمان، ترى أن هذا النهج الأميركي في «أرض الصومال» يعكس اتجاهاً أوسع في السياسة الخارجية الأميركية، يركز على التعاون الأمني بمعزل عن الاعتراف الرسمي.

و«توسع أنشطة الحوثيين في البحر الأحمر، والمخاوف بشأن شبكات تهريب الأسلحة، واستمرار حركة )الشباب)، أدت إلى خلق ضغوط تتجاوز النزاعات الدستورية الداخلية في الصومال، وعقد شراكات مع جهات قادرة على تحقيق نتائج عملية، بدلاً من مجرد امتلاك وضع قانوني دولي»، وفق تسوكرمان.

شاب يحمل علم «أرض الصومال» أمام النصب التذكاري لحرب هرجيسا (أ.ف.ب)

فيما يرى المحلل السياسي في «أرض الصومال»، عبد الكريم صالح، أن هذا التقرير الأخير حال تنفيذه، ستجني هرجسيا فوائد جمة على الصعيد الاقتصادي والأمني والاستثماري، حيث ستعمل الولايات المتحدة وأرض الصومال معاً بشكل مباشر، وهذه خطوة مهمة تسبق الاعتراف الرسمي الذي يمكن أن تتخذها واشنطن في المستقبل ضمن خطوات أخرى.

وينبه صالح إلى أن «الولايات المتحدة لها وجود في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وتتمركز قواتها في جيبوتي. وإن ترسيخ وجودها في بربرة سيسهل على الولايات المتحدة المساعدة في تأمين باب المندب ومراقبة الأنشطة التي تهدد أمن هذا الممر البحري المهم».

وفي فبراير (شباط) الماضي، قال وزير الرئاسة في أرض الصومال، خضر حسين عبدي، إنهم «مستعدون لمنح الولايات المتحدة حق الوصول إلى المعادن والقواعد العسكرية، في إطار مساعي الحصول على اعتراف دولي»، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية» وقتها.

وجاء ذلك السعي الحثيث للإقليم بعد نحو شهر من اعتراف إسرائيل بالإقليم وسط رفض عربي وإسلامي.

وفي مايو (أيار) 2025، التقى وزير خارجية أرض الصومال، عبد الرحمن طاهر آدم ووفد مرافق له مسؤولين كباراً في الإدارة الأميركية في واشنطن، وركزت المحادثات على «تعزيز الأمن الإقليمي، والتعاون بين الولايات المتحدة وأرض الصومال»، وفق بيان «خارجية الإقليم».

وعن المستقبل، يرجح صالح أنه من الممكن أن يتبع ذلك الاعتراف الرسمي بمجرد ترسيخ العلاقات بين أرض الصومال والولايات المتحدة، مستدركاً: «إلا أنه من غير المعروف متى سيحدث ذلك، سواء هذا العام أو العام المقبل».

حول إمكانية أن تعلن واشنطن الاعتراف الرسمي بأرض الصومال في المستقبل، لا تستبعد تسوكرمان، هذا التطور، مستدركة: «لكن النتيجة الأكثر ترجيحاً على المدى المتوسط ليست الاعتراف، بل التوسع التدريجي للعلاقات الأمنية والاستخباراتية والدبلوماسية والاقتصادية، بما يُشبه شراكة بين دولتين في الواقع، مع بقائها رسمياً ضمن حدود الصومال المعترف بها دولياً».

وسبق أن حذر الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود في مقابلة مع صحيفة «واشنطن بوست»، فبراير 2025، من أن بعض المقربين من الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسعون لدفعه للاعتراف رسمياً بـ«أرض الصومال»، مؤكداً أن «هذا قد يشكل تهديداً لتغيير حدود القارة الأفريقية».

وبتأكيد واشنطن احترام حدود الصومال، يعتقد صالح أن «الولايات المتحدة تنظر باستمرار إلى أرض الصومال من منظور مصالحها الخاصة، ولا سيما موقعها الاستراتيجي وعلاقاتها مع الولايات المتحدة وحلفائها، بما في ذلك إسرائيل».

ولا ترجح تسوكرمان أن تُرحب مقديشو بهذا التطور سياسياً، لكنها قد تجد نفسها مُقيدة بشكل متزايد في قدرتها على معارضته، خاصة إذا ما جادل المسؤولون الأميركيون بأن التعاون مع أرض الصومال يُسهم بشكل مباشر في مكافحة الإرهاب وحماية التجارة البحرية، متوقعة أن يسعى القادة الصوماليون إلى الحصول على ضمانات بأن التعاون الأمني لن يتطور إلى اعتراف دبلوماسي، أو اتفاقيات دفاع ثنائية، أو ترتيبات تُشير إلى قيام دولة.