لبنان يحقق في إجبار طياري «الشرق الأوسط» على التحليق بالقرب من مواقع الغارات

طائرة تابعة لشركة «طيران الشرق الأوسط» اللبنانية تُقلع من مطار «رفيق الحريري» فيما يتصاعد الدخان جراء الضربات الإسرائيلية (أرشيفية - رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الشرق الأوسط» اللبنانية تُقلع من مطار «رفيق الحريري» فيما يتصاعد الدخان جراء الضربات الإسرائيلية (أرشيفية - رويترز)
TT

لبنان يحقق في إجبار طياري «الشرق الأوسط» على التحليق بالقرب من مواقع الغارات

طائرة تابعة لشركة «طيران الشرق الأوسط» اللبنانية تُقلع من مطار «رفيق الحريري» فيما يتصاعد الدخان جراء الضربات الإسرائيلية (أرشيفية - رويترز)
طائرة تابعة لشركة «طيران الشرق الأوسط» اللبنانية تُقلع من مطار «رفيق الحريري» فيما يتصاعد الدخان جراء الضربات الإسرائيلية (أرشيفية - رويترز)

أظهرت رسائل اطلعت عليها «رويترز» أن هيئة تنظيم الطيران المدني اللبنانية بدأت تدقيقاً يتعلق بالسلامة لشركة طيران الشرق الأوسط بعد أن أعربت مجموعات من الطيارين عن مخاوفها من إجبار الطواقم على التحليق بالقرب من مواقع الغارات الجوية ومعاقبتهم على الإبلاغ عن حوادث السلامة.

ويسلط التدقيق الضوء على شركة الطيران الوطنية التي تتخذ من بيروت مقراً لها، والتي حافظت على استمرار حركة الطيران في لبنان خلال الحرب والانهيار المالي، في حين تجنب العديد من شركات الطيران الأجنبية أجزاء كبيرة من المجال الجوي للشرق الأوسط بسبب مخاطر الصواريخ والطائرات المسيَّرة منذ بدء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران في فبراير (شباط).

وتحظى شركة طيران الشرق الأوسط، التي تمتلك أسطولاً يضم نحو 20 طائرة تعمل في الشرق الأوسط وأوروبا وغرب أفريقيا، بإشادة محلية لاستمرارها في تسيير رحلاتها خلال الصراع الإقليمي ومساهمتها في دعم اقتصاد ضعيف يعتمد أكثر من أي وقت مضى على السياحة وتحويلات المغتربين.

وقالت شركة الطيران إن لديها سجلاً قوياً ومثبتاً في مجال السلامة، وإن أي رحلات جوية خلال العمليات العسكرية تتم بناء على تقييمات للمخاطر معدة بالتعاون مع الحكومة والهيئة العامة للطيران المدني اللبنانية.

لكن منذ عام 2024، شنَّت إسرائيل العديد من الغارات الجوية قرب أكبر مطار في لبنان، مما أثار مخاوف الاتحاد الدولي لنقابات الطيارين، نظراً لتاريخ إسقاط الطائرات المدنية في مناطق النزاع أو بالقرب منها. وتزايدت المخاوف المتعلقة بالطيران مع تكثيف الغارات الإسرائيلية على لبنان هذا العام في ‌ظل اتساع رقعة ‌الصراع مع جماعة «حزب الله».

دخان يتصاعد من موقع غارة جوية إسرائيلية استهدفت مبنى مجاوراً للطريق السريع المؤدي إلى مطار بيروت الدولي 31 مارس الماضي (أ.ف.ب)

وكتب رئيس الاتحاد الدولي لنقابات الطيارين رون هاي في ​رسالة بتاريخ ‌12 ⁠مايو (أيار) ​إلى ⁠مصرف لبنان المركزي، الذي يمتلك حصة الأغلبية في طيران الشرق الأوسط «بينما قد يرى البعض أن تحليق الطائرات المدنية والركاب في مناطق عالية الخطورة ومناطق النزاع خلال ظروف الحرب عمل بطولي، فإننا نعتبر ذلك مخاطرة لا يمكن تبريرها». وأحال بنك لبنان المركزي، المعروف باسم مصرف لبنان، «رويترز» إلى شركة طيران الشرق الأوسط.

وقالت شركة الطيران: «نجل رئيس مجلس إدارة شركة طيران الشرق الأوسط ونجل رئيس الهيئة العامة للطيران المدني كلاهما قادا طائرات في الشركة وقاما بالتحليق خلال تلك الفترة».

تدقيق بشأن السلامة

قال رئيس الهيئة العامة للطيران المدني في لبنان محمد عزيز، وهو أحد المحققين في حوادث الطيران، للاتحاد الدولي لرابطات طياري الخطوط الجوية في خطاب بتاريخ 15 مايو إن فريقه سيجري تدقيقاً يتعلق بالسلامة بشأن شركة طيران الشرق الأوسط وإنه يعتزم «الدخول في حوار معها لمناقشة المخاوف التي تحدثتم عنها في خطابكم».

وأفادت ⁠شركة طيران الشرق الأوسط بأن أنشطة الرقابة التي أجرتها الهيئة على الشركة في الفترة من 18 مايو إلى أول يونيو (حزيران) أكدت امتثالها «لمتطلبات السلامة التنظيمية والتشغيلية».

لافتة على طريق «مطار بيروت الدولي» تروج للسياحة في لبنان (أ.ب)

وقال عزيز لـ«رويترز» إنه تم عقد ‌اجتماع ختامي مع شركة الطيران يوم الاثنين، غير أن تدقيق الهيئة لا يزال قيد ​المعالجة، مضيفاً: «نحن في طور الوساطة بين الطيارين والشركة».

وأشار أحد طياري الشركة ‌في مقابلة مع «رويترز» إلى أن الحافز لدى الطيارين للعمل هو حافز مالي، إذ تشكل أجور الرحلات الجزء الأكبر من رواتبهم بعد خفض ‌رواتبهم الأساسية بسبب الانهيار الاقتصادي الذي بدأ في لبنان عام 2019.

وسلط الاتحاد، بدعم من رابطات أخرى للطيارين، الضوء على حالات أفاد فيها طيارون بوجود أخطاء غير مقصودة بهدف تحسين السلامة، لكنهم تعرضوا للعقاب مثل إرسالهم إلى «التدريب»، وهو ما يفقدهم أجور الرحلات.

وقال هاي لـ«رويترز» عبر الهاتف: «نعلم يقيناً أن الطيارين تحدثوا عن ذلك واتُخذت إجراءات بحقهم».

ووصفت الشركة اتهامات الاتحاد بأنها «لا أساس لها من الصحة»، وقالت إن مهام التدريب تجرى وفقاً لمتطلبات الجهات التنظيمية و«لا ينبغي تفسيرها على أنها إجراءات تأديبية أو انتقامية».

طيارون ‌يتواصلون مع شركات في أميركا وأوروبا

دفعت المخاوف المتعلقة بالسلامة روابط الطيارين إلى التواصل مع تحالف شبكة شركات الطيران «سكاي تيم»، الذي يضم شركات مثل «طيران الشرق الأوسط» و«إير فرانس» و«دلتا إيرلاينز» لإثارة الانتباه.

وقال ⁠دارا فان لانجن رئيس رابطة ⁠الطيارين في «سكاي تيم» في مقابلة: «عندما تضع ركابك على متن طائرة تابعة لشركة طيران زميلة، فمن المؤكد أنك تريد التأكد من أن السلامة فيها عند المستوى الذي تريده».

طائرة تابعة لشركة «إير فرانس» (رويترز)

تلزم كل من إدارة الطيران الاتحادية الأميركية ووكالة سلامة الطيران الأوروبية شركات الطيران الواقعة ضمن نطاق اختصاصها القانوني بإجراء تدقيق بشأن الشركات الأجنبية التي تشاركها الرموز لضمان أنها على نفس المستوى في تدابير السلامة.

وقالت «إير فرانس» التي تربطها اتفاقية مشاركة رمز مع طيران الشرق الأوسط إنها تجري تدقيقاً دورياً بشأن جميع الشركات التي تشاركها الرمز. وأشار تحالف «سكاي تيم» و«شركة دلتا»، التي تربطها بها اتفاقية خطوط جوية أقل شمولاً، إلى أنهما على دراية بمخاوف الطيارين ويتابعان الوضع، وأن السلامة أمر بالغ الأهمية.

مدفوعات لموظفي هيئة الطيران المدني

أبدى الاتحاد الدولي لنقابات الطيارين قلقه إزاء تقديم الشركة مدفوعات لموظفي الهيئة العامة للطيران المدني المسؤولين عن الإشراف على سلامة الطيران.

وأظهرت جداول بيانات داخلية للمساعدات المالية لشهر نوفمبر (تشرين الثاني) اطلعت عليها «رويترز» أن العشرات من موظفي الهيئة تلقوا مدفوعات من شركة الطيران، بمن فيهم ثلاثة من موظفي سلامة الطيران.

وقال هاي: «إذا كانت شركة الطيران نفسها تدفع (جزءاً من التكاليف) للإشراف عليها، إذن أنتم لا تريدون الحديث، أليس كذلك؟».

وذكرت الشركة أنها قدمت دعماً مالياً بالتنسيق مع الحكومة اللبنانية لضمان استمرار عمل البنية التحتية للطيران ​في البلاد بعد الأزمة المالية التي أدَّت إلى انهيار العملة. وأضافت ​أن المدفوعات لمراقبي الحركة الجوية تقلصت بأكثر من 90 في المائة لتصل إلى أقل من 100 دولار شهرياً.

وقالت الشركة إن دعمها لم يؤثر على «الاستقلالية أو السلطة أو المسؤولية الإشرافية» للهيئة العامة للطيران المدني، وإن المدققين وقيادات الهيئة، بمن فيهم عزيز، لم يتلقوا أي مدفوعات.


مقالات ذات صلة

نازحو الجنوب والضاحية... بين حماسة العودة والخوف من المجهول

خاص نازحون لبنانيون يعودون إلى منازلهم في جنوب لبنان عبر مدينة صيدا (رويترز)

نازحو الجنوب والضاحية... بين حماسة العودة والخوف من المجهول

أعاد الاتفاق الأميركي - الإيراني فتح باب العودة أمام آلاف اللبنانيين الذين أمضوا الأشهر الماضية بين النزوح والترقب.

صبحي أمهز (بيروت)
المشرق العربي نازحون يعودون إلى بلداتهم في صيدا بجنوب لبنان بعد إعلان التوصل لاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران (أ.ب) p-circle

الرئيس اللبناني يأمل بأن يضع التفاهم الأميركي - الإيراني نهاية للحرب مع إسرائيل

أمل الرئيس اللبناني جوزيف عون اليوم (الاثنين) أن يضع التفاهم الأميركي-الإيراني «حداً نهائياً» للحرب مع إسرائيل.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي عناصر في الجيش والدفاع المدني بموقع الغارة الإسرائيلية بمنطقة الغبيري بالضاحية الجنوبية لبيروت (رويترز)

الضاحية الجنوبية لبيروت تحت النار مجدداً رداً على مسيّرات «حزب الله»

عادت الضاحية الجنوبية لبيروت الأحد إلى دائرة الاستهداف الإسرائيلي للمرة الثانية خلال أسبوع رداً على مسيّرات «حزب الله» باتجاه شمال إسرائيل

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي لبناني يتفقد المواقع الأثرية في مدينة صور بعد غارات جوية استهدفت محيطها (إ.ب.أ)

تقدّم إسرائيلي بمحيط مدينتي النبطية وصور بجنوب لبنان

أحرز الجيش الإسرائيلي، السبت، تقدماً جديداً على المحورين الغربي والشرقي، خارج "الخط الأصفر».

«الشرق الأوسط» (بيروت)
المشرق العربي مناصرون لـ«حزب الله» يرفعون أعلامه وأعلام إيران خلال مسيرة داعمة لطهران في ضاحية بيروت الجنوبية (د.ب.أ)

جهود لبنان لفصل مفاوضاته عن إيران تصطدم بعرقلة «حزب الله»

اصطدمت الجهود اللبنانية لفصل مفاوضات إنهاء الحرب عن المسار الإيراني، بإصرار «حزب الله» على ربط المسارين، ورفضه التعاون مع الدولة اللبنانية.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

في مدينة النبطية… لبنانيون يتحسرون على منازلهم وأرزاقهم

أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
TT

في مدينة النبطية… لبنانيون يتحسرون على منازلهم وأرزاقهم

أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)
أشخاص يشقّون طريقهم عبر أنقاض مبنى مدمر بينما يعود سكان نازحون إلى النبطية في جنوب لبنان... 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

بعدما علم بتوصّل طهران وواشنطن إلى اتفاق ينهي الحرب في الشرق الأوسط ويشمل لبنان، عاد كمال كمال إلى مدينته النبطية، ليفاجأ بأن تعب العمر استحال ركاماً، بعدما سوّت إسرائيل مؤسسته ومستودعاته بالأرض.

فمدينة النبطية، مركز المحافظة التي تحمل الاسم ذاته في جنوب لبنان، شكّلت منذ الأسبوع الماضي هدفاً لهجمات إسرائيل، بعدما طالتها إنذارات إخلاء وغارات، وتقدَّمَ الجيش الإسرائيلي ميدانياً في محيطها، ما جعلها شبه مقفرة من سكانها البالغ عددهم قرابة تسعين ألفاً قبل اندلاع الحرب الأخيرة بين «حزب الله» وإسرائيل في الثاني من مارس (آذار).

أمام الشارع الذي يحمل اسم مؤسسته «بن الكمال»، لم يقوَ كمال على حبس دموعه وهو يعاين أكوام الركام متكئاً على عصا تعينه في خطواته الثقيلة.

يقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بتأثر شديد: «يا ضيعان العمر الذي أفنيناه هنا»، مشيراً إلى مؤسسته ومستودعاته التي لم تبقِّ الغارات الإسرائيلية أثراً لها.

ويضيف بينما يمسح عينيه بمنديل ورقي: «افتتحتها في السبعينيات حين كنت لا أزال شابا... لم يبقَ شيء»، موضحاً أن الشارع بأكمله «يحتاج إلى جرف» لرفع الركام.

على غرار الرجل المعروف ومؤسسته من أبناء مدينته، يتحسّر العائدون من السكان على الدمار الهائل الذي يلف أحياء في المدينة بينها سوقها التجارية المسقوفة التي انهار سقفها ولحقت أضرار جسيمة بمحالها جراء الغارات الإسرائيلية.

مواطنون يسيرون على أنقاض مبنى مدمر في مدينة النبطية جنوب لبنان... يوم 15 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

وقال إن الجيش اللبناني الذي أخلى موقعاً في محيط المدينة الأسبوع الماضي، أقام الاثنين حاجزاً على مدخلها، وتولى إرشاد السكان إلى الطرق التي يمكنهم سلوكها على وقع دوي قصف مدفعي إسرائيلي متقطع وتصاعد الدخان في محيط المدينة.

وحضّ الجيش اللبناني السكان في بيان، الاثنين، على «التريّث» في العودة إلى القرى والبلدات الحدودية الجنوبية. ودعاهم «حزب الله» إلى «انتظار توجيهات المعنيين بشأن العودة الآمنة إلى قراهم وبلداتهم، حرصاً على سلامتهم وتفادياً لأي مخاطر قد تنجم عن خروقات العدو الإسرائيلي المحتملة».

ورغم أن بلدية النبطية دعت السكان إلى عدم العودة في الوقت الراهن... «نظراً لاستمرار دقة الوضع الأمني وعدم استقراره»، فإن ذلك لم يحُل دون عودة السكان التي كانت خجولة صباحاً قبل أن تزداد وتيرتها لاحقاً.

في أحد أحياء المدينة المدمرة بالكامل، وقفت رنا نصرالله (45 عاماً) التي نزحت خلال الحرب الأخيرة مع عائلتها إلى مدينة صيدا الساحلية تعاين الدمار، حيث تناثرت ملابس وفرش وأحواض زهور وذكريات تستعيدها بفخر.

وتقول السيدة التي خسرت منزلها: «نشأنا في هذا الحي. هنا كنا نلعب ونحن أطفال، وهنا كانت النسوة الكبار يتسامرن، وأمامنا سوق النبطية الأثرية... هنا المعالم التي أرادوا ربما محوها».

وتوضح بينما تحمل كمامة طبية بيدها: «فور الإعلان عن وقف لإطلاق النار وقبل أن يصدر أي بيان رسمي... انطلقنا وجئنا إلى هنا، لم يعد بإمكاننا أن ننتظر أكثر».

وتضيف: «جئنا لنشمّ تراب بلدنا... حتى لو لم يكن ثمة منزل يؤوينا ولا عمل، لكن تشعر بفرج للروح».

ورغم الدمار الهائل الذي يلف المدينة، على غرار العشرات من البلدات والقرى الجنوبية التي دمرتها القوات الإسرائيلية كلياً أو جزئياً خلال الحرب الأخيرة، تعرب نصرالله عن أملها بإعادة بناء ما تدمّر.

وتقول: «رغم الحزن والأسى عند رؤية المدينة مدمرة... لكن يعترينا الأمل بأننا سنعيد البناء». وتتابع قائلة: «لم نشعر لمرة أننا مهزومون وأننا لن ننتصر وأننا لن نعود لنعيد بناء النبطية».


سوريا: تنشيط السياحة الداخلية بانتظار الاستثمارات الكبرى

إطلاق فعاليات الموسم السياحي في جزيرة أرواد بطرطوس (وزارة السياحة)
إطلاق فعاليات الموسم السياحي في جزيرة أرواد بطرطوس (وزارة السياحة)
TT

سوريا: تنشيط السياحة الداخلية بانتظار الاستثمارات الكبرى

إطلاق فعاليات الموسم السياحي في جزيرة أرواد بطرطوس (وزارة السياحة)
إطلاق فعاليات الموسم السياحي في جزيرة أرواد بطرطوس (وزارة السياحة)

تطلق محافظة دمشق، مساء الاثنين، مهرجان «القرية السورية» الأول على أرض حديقة الأمويين (تشرين سابقاً)، بطاقة استيعابية تتجاوز 15 ألف زائر يومياً، في توجّه نحو تنشيط السياحة الداخلية وسياحة المغتربين كمرحلة أولى، في ظل تعثر قدوم الاستثمارات الكبرى التي يعول عليها لإنعاش القطاع السياحي في سوريا.

وقالت محافظة دمشق التي ترعى مهرجان «القرية السورية» على مدار 25 يوماً، إنه سيتم تقديم أنشطة وفعاليات تجارية وثقافية وترفيهية تدعم الفئات المجتمعية كافة، من حرفيين وأصحاب مشاريع صغيرة وذوي الهمم، وغيرهم.

رئيس اتحاد غرف السياحة مرهف نزهة (سانا)

ويعترض انتعاش قطاع السياحة العديد من المعوقات، وقال رئيس اتحاد غرف السياحة السورية مرهف نزهة، في تصريح خاص لـ«الشرق الأوسط»، إن من المعوقات «ضعف البنية التحتية في بعض المناطق، والحاجة إلى إعادة تأهيل المنشآت المتضررة، وارتفاع تكاليف التشغيل والطاقة والنقل، وصعوبات التمويل، وتراجع القدرة الشرائية، إضافة إلى تأثير الأوضاع الإقليمية على حركة السفر والاستثمار»، لافتاً إلى أن قطاع السياحة يحتاج إلى «بيئة استثمارية أكثر استقراراً ووضوحاً، بما يشجع المستثمرين على الدخول في مشاريع جديدة أو إعادة تشغيل منشآت قائمة»، ومشيراً إلى أهمية «وضع خطة ترويج سياحي تدريجية تبدأ من السياحة الداخلية وسياحة المغتربين، ثم تتوسع باتجاه الأسواق الخارجية وفقاً للظروف المتاحة».

وبهدف تحويل السياحة إلى قطاع إنتاجي مستدام، تعرض وزارة السياحة نحو 1460 منشأة جاهزة للاستثمار، واعتبر نزهة وجود هذا العدد الكبير من المنشآت والمشاريع «فرصة مهمة»، إلا أن «تحويلها إلى استثمارات فعلية يرتبط بتوفر التمويل، وضمانات الاستثمار، ووضوح الجدوى الاقتصادية، واستقرار البيئة التشغيلية».

ركيزة ثالثة للاقتصاد

تواجه الحكومة السورية جملة تحديات معقدة سياسية وأمنية واقتصادية في المرحلة الانتقالية، في حين تأمل أن تستعيد السياحة مكانتها كبوابة للتعافي، باعتبارها ركيزة ثالثة بعد الطاقة والصادرات في رفد الاقتصاد بعائدات كانت تصل إلى 6.1 مليار دولار عام 2010، في حين لا تتجاوز اليوم 80 مليون دولار.

ملصق لاتحاد غرف السياحة السورية

وتتمتع السياحة السورية بمقومات مهمة، منها «السياحة الثقافية والأثرية والدينية والبيئية والساحلية»، إضافة إلى قدرة قطاع السياحة على توليد فرص عمل وتنشيط قطاعات مرتبطة به. لكن تحويل هذه المقومات إلى عائدات فعلية يحتاج إلى «استقرار أكبر، وتحسين الخدمات، ورفع جودة المنشآت، وتنشيط الاستثمار والترويج السياحي»، وفق ما قاله مرهف نزهة، كما يتطلب تحسين البنية التحتية، وتبسيط إجراءات الترخيص والاستثمار، وتقديم حوافز ضريبية وتمويلية، وتدريب الكوادر العاملة في القطاع.

وخلال عام ونصف العام وضعت الحكومة خططاً إصلاحية لدعم قطاع السياحة وتشجيع الاستثمار فيه، منها تأسيس وحدة الشرطة السياحية التي تكون مهمتها حماية السياح وتأمين المواقع الأثرية، وتطوير البنية اللوجستية من خلال ورشات عمل موسعة لرفع الجاهزية في المحافظات الساحلية قبلة السياحة الصيفية، ومنح تسهيلات لشركات السفر والرحلات الدولية لتنظيم رحلات سياحية في سوريا، وزيارة المواقع التاريخية في دمشق، وحلب، وتدمر، وقلعة الحصن، بمرونة أكبر.

وتوقع وزير السياحة السوري مازن صالحاني، في تصريحات إعلامية، أن يكون الموسم السياحي لهذا العام «متميزاً» بعد الإجراءات الإصلاحية وتحسين الخدمات التي شملت أغلب المحافظات. وأكد أن الحكومة السورية قاطبة مهتمة بالسياحة، داعياً المجتمع المحلي للتعاون والاهتمام بالزائرين.

قلعة حلب مَعلم سياحي وموقع جاذب لفعاليات مختلفة كان آخرها اليوم العالمي لليوغا في 8 يونيو (متداولة - مواقع)

وتشير أرقام وزارة السياحة إلى انتعاش حركة الوافدين إلى سوريا، بما يتخطى 3.5 مليون وافد منذ الإطاحة بنظام بشار الأسد نهاية عام 2024؛ إذ أتاحت التغييرات السياسية عودة مئات الآلاف من السوريين المغتربين والمهجرين قسرياً الذين كانوا محرومين من زيارة بلدهم، وقد تجاوز عددهم مليونين ونصف المليون وافد ما بين عائد بشكل دائم وزائر.

الشرع في زيارة لجزيرة أرواد لتشجيع السياحة في الساحل (حساب الرئاسة السورية)

كما قفز عدد الزوار الأجانب والعرب بنسبة تصل إلى أكثر من 80 في المائة عما كانت عليه خلال السنوات القليلة الماضية، ووصل إلى نحو 868 ألف زائر (منهم 377 ألف سائح أجنبي)، مستفيدين من تسهيلات تأشيرات الدخول عند الوصول عبر الحدود اللبنانية.

ويرى رئيس اتحاد غرف السياحة السورية مرهف نزهة أن الحلول لإنعاش القطاع السياحي «تبدأ من تعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، وتقديم تسهيلات حقيقية للمستثمرين».

وما تزال الهشاشة الأمنية في العديد من المناطق، وتأخر الرفع الشامل للعقوبات عن سوريا، من أبرز معوقات جذب الاستثمارات التي تعد البوابة الكبرى للتعافي الاقتصادي في سوريا.

وانطلقت الأسبوع الماضي فعاليات الموسم السياحي في محافظة طرطوس بمشاركة الرئيس أحمد الشرع، فيما اعتُبر مؤشراً واضحاً على «استعادة الساحل السوري استقراره».

وقال الشرع: «نحن ذاهبون باتجاه التقدم والازدهار، وستكون هناك فرص عمل كثيرة حسب المشاريع التي اطلعنا عليها ونوجهها للساحل السوري».

وبحسب رؤية وزارة السياحة السورية، تشكل المشاريع الجديدة في أرواد وطرطوس واللاذقية، إلى جانب تطوير المرافئ والبنى التحتية «أرضية صلبة لقطاع قادر على المنافسة في منطقة شرق المتوسط».


لبنان «العالق» بين مطرقة إسرائيل وسندان «حزب الله»

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
TT

لبنان «العالق» بين مطرقة إسرائيل وسندان «حزب الله»

علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)
علمان لبناني وإسرائيلي عند الجانب الإسرائيلي من الحدود (أ.ب)

في وقت يترقب فيه اللبنانيون أي تفاصيل يمكن أن ترشح عن مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وتداعياتها المحتملة على بلدهم، تساءل ديفيد شنكر، الذي عمل مساعداً لوزير الخارجية الأميركي لشؤون الشرق الأدنى في الولاية الأولى للرئيس دونالد ترمب، عما إذا كانت الدولة اللبنانية ستبقى عالقة بين مطرقة إسرائيل التي تواصل ضغوطها العسكرية وسندان «حزب الله» الذي يرفض حتى الآن نزع سلاحه.

السؤال المحوري بالنسبة له ليس ما إذا كانت الحرب الحالية ستنتهي قريباً، بل ما إذا كان لبنان صار مستعداً وقادراً على معالجة المشكلة الأعمق وهي وجود تنظيم مسلح يعمل خارج سلطة الدولة.

وجادل شنكر، في حوار مع «الشرق الأوسط»، بأنه لا ينبغي النظر إلى الحرب باعتبارها مواجهة عسكرية معزولة، بل هي جزء من صراع أوسع يشمل إيران و«حزب الله» وإسرائيل ومستقبل الدولة اللبنانية نفسها. وإذ أشار أولاً إلى جهود إيران لربط مصير لبنان بالتوترات والمفاوضات بين طهران وواشنطن، قال إن «إيران تسعى إلى جعل لبنان جزءاً من مفاوضات أشمل» تتعلق بمضيق هرمز والبرنامج النووي الإيراني والنظام الأمني الإقليمي.

مجموعة من اليهود المتشددين ينظرون من إسرائيل باتجاه جنوب لبنان (رويترز)

ضبط النفس

توقع شنكر بأن تقوم واشنطن بتشجيع إسرائيل على ضبط النفس، من دون أن ترغمها على الوقف الشامل لإطلاق النار ومنع عملياتها ضد «حزب الله». وقال: «قد تُفرض قيود على إسرائيل، لا سيما فيما يتعلق ببيروت، لكن إسرائيل لن تنسحب من لبنان بسبب هذا الاتفاق، وستواصل استهداف (حزب الله)»، الذي قد يستفيد في نهاية المطاف، مضيفاً: «مرة أخرى، تتدخل إيران في السيادة اللبنانية. تتخذ قرارات تؤثر على لبنان، وتحمي (حزب الله) بمنحه فرصة لإعادة بناء صفوفه».

وبدا شنكر متشائماً حيال الحزب، الذي «لن يوافق على التفاوض مع الحكومة اللبنانية في شأن إلقاء سلاحه» لأن «إيران تريد استمرار (حزب الله)، وهو مسؤول أمامها» ما «يُبقي لبنان عالقاً في مأزق استراتيجي».

الدخان يتصاعد عقب غارة إسرائيلية في جنوب لبنان (إ.ب.أ)

«المناطق النموذجية»

وحول ما يُسمى «المناطق النموذجية» التي ينبغي إقامتها في جنوب لبنان بموجب الاتفاق الأخير بين المفاوضين اللبنانيين والإسرائيليين بوساطة الأميركيين، تساءل شنكر عما إذا كان الجيش اللبناني «قادراً على السيطرة على تلك المناطق»، مضيفاً أنه «في نهاية المطاف، سيحاول (حزب الله) العودة. وعندها سيتعين على الدولة اللبنانية أن تقرر ما إذا كانت مستعدة لصدّه». واعتبر أن «التحدي الأكبر الذي يواجه لبنان يكمن في دولة تفتقر إلى القدرة - أو ربما الإرادة - على فرض سلطتها في كل أنحاء البلاد». وشدد على أن «الحل يكمن في بناء لبنان لدولة»، لأن «قوة (حزب الله) ليست نتاجاً للدعم الإيراني فحسب، بل هي أيضاً نتيجة عقود من ضعف الدولة»، مستدركاً أن «الدولة غائبة، ليس فقط في الجنوب، بل في مناطق أخرى من البلاد أيضاً».

على رغم ما سبق، أقر شنكر بالمعضلة التي تواجه القادة اللبنانيين، فأي محاولة لمواجهة «حزب الله» تُنذر بعدم الاستقرار السياسي، وربما حتى بصراع أهلي. إلا أن رفض مواجهة «حزب الله» يُحكم على جزء من البلاد بما وصفه بحالة حرب دائمة. وقال: «إذا كانوا يخشون الحرب الأهلية، وبالتالي غير راغبين في تحدي (حزب الله)، فسيظل جزء من لبنان في صراع مستمر».

جنديان لبنانيان قرب موقع استهدفه قصف إسرائيلي في ضاحية بيروت الجنوبية (إ.ب.أ)

الأولوية للنووي لا للوكلاء

كذلك رفض إحدى الحجج الشائعة في لبنان لعدم نزع سلاح «حزب الله»، وهي أن الجيش اللبناني يفتقر ببساطة إلى الموارد اللازمة، مذكراً بأن «الولايات المتحدة قدمت للبنان زهاء ثلاثة مليارات دولار منذ عام 2005». وقال: «ليست هذه مشكلة قدرات بقدر ما هي مشكلة إرادة سياسية».

وبينما لا يزال العديد من اللبنانيين يأملون في أن يُساهم الاتفاق بين الولايات المتحدة وإيران في حل مشكلة «حزب الله»، نبّه شنكر إلى أن «المحادثات الأميركية - الإيرانية الحالية تُركّز بشكلٍ كبير على البرنامج النووي الإيراني بدلاً من دعم طهران للجماعات المسلحة الإقليمية».

وأضاف أنه «عندما طرح الرئيس ترمب مطالبه في المرة الأولى، تضمنت إنهاء دعم الوكلاء. لكن هذا ليس محور هذه المفاوضات اليوم». ورأى أن التغيير الجذري الوحيد الذي سيُغيّر المعادلة هو حدوث تحوّل جذري داخل إيران نفسها، لكنه لا يرى أي دليل على قرب حدوث مثل هذا التغيير.

وعلى رغم التوقعات القاتمة، عبّر شنكر عن دعمه للمحادثات المباشرة الجارية بين لبنان وإسرائيل، مشدداً على أن القضايا العملية، مثل ترسيم الحدود والترتيبات الأمنية وآليات خفض التوتر، لا تزال قابلة للمعالجة حتى في حال بقاء الخلافات الكبرى من دون حل. ولم ير غرابة في أن محادثات السلام تركز بشكل كبير على انسحاب «حزب الله» من جنوب لبنان بدلاً من انسحاب إسرائيل. وأشار إلى أن المسؤولين اللبنانيين أنفسهم أقروا منذ فترة طويلة بترابط المسألتين.