سوريا: في يوم «الصمت الانتخابي»... تنافس ودعوات إلى التكتل لـ«ضمان التمثيل»

عشية الاقتراع على مقاعد مجلس الشعب السوري

ملصقات لأحد المرشحين لعضوية مجلس الشعب في دمشق (أ.ب)
ملصقات لأحد المرشحين لعضوية مجلس الشعب في دمشق (أ.ب)
TT

سوريا: في يوم «الصمت الانتخابي»... تنافس ودعوات إلى التكتل لـ«ضمان التمثيل»

ملصقات لأحد المرشحين لعضوية مجلس الشعب في دمشق (أ.ب)
ملصقات لأحد المرشحين لعضوية مجلس الشعب في دمشق (أ.ب)

دخل المرشحون لمجلس الشعب السوري مرحلة «الصمت الانتخابي»، السبت، عشية بدء عمليات الاقتراع لاختيار الهيئات الناخبة باختيار 140 ممثلاً من أصل 210 عن مختلف المناطق السورية، ما عدا محافظة السويداء (جنوب) ومناطق سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية» (قسد) في محافظتي الحسكة والرقة، شرق وشمال شرقي سوريا.

وهذه أول انتخابات برلمانية بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، لكنها ستكون انتخابات غير مباشرة وخاصة بالمرحلة الانتقالية. وقبل بدء فترة الصمت الانتخابي، صدرت دعوات إلى التكتل لـ«ضمان التمثيل»، وسط تنافس على المقاعد وتواصل حملات إقصاء المتهمين بموالاة النظام السابق.

وأفاد المتحدث باسم اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب، نوار نجمة، بأن أعضاء الهيئة الناخبة سيتوجهون إلى مراكز الاقتراع عند الساعة التاسعة من صباح الأحد، لتسلم بطاقاتهم الانتخابية، وبعدها سيحصلون على الورقة الانتخابية المختومة رسمياً من رؤساء اللجان الفرعية، ثم يدخل الناخب إلى غرفة الاقتراع السري لتجهيز ورقته، بعدها يقوم بالتصويت ضمن صندوق الاقتراع بشكل علني.

وقال نجمة، في تصريح لوكالة «سانا» الرسمية، السبت: «من المقرر مبدئياً انتهاء عملية الاقتراع عند الساعة الثانية عشرة ظهراً، وفي حال لم يُدلِ جميع أعضاء الهيئة الناخبة بأصواتهم يمكن تمديد عملية الاقتراع كحدّ أقصى حتى الساعة الرابعة بعد الظهر».

وأعلن نجمة أن صندوق الاقتراع سيفتح بشكل علني أمام وسائل الإعلام عند نهاية عملية الاقتراع، وكذلك فرز الأصوات.

وقال: «بمجرد بدء الفرز، تبدأ النتائج الأولية بالظهور على وسائل الإعلام». كما ستعرض النتائج الأولية والأسماء الأولية بعد صدورها من اللجنة العليا للانتخابات على لجان الطعون، في حال وجود اعتراضات من أعضاء الهيئة الناخبة حول آلية التصويت أو الفرز، على أن تعلن النتائج الرسمية خلال مؤتمر صحافي تعقده اللجنة العليا للانتخابات يوم الاثنين أو الثلاثاء.

وبعد انتهاء الاقتراع وإعلان النتائج رسمياً يصدر رئيس الجمهورية مرسوماً لتسمية أعضاء مجلس الشعب الذين سيختارهم، إلى جانب أسماء الفائزين بالاقتراع. ويكون بذلك العدد الكامل للمقاعد 210، صوّتت الهيئات الناخبة على 70 في المائة منهم، و30 في المائة يعينهم الرئيس أحمد الشرع.

وخلال أسبوع من صدور المرسوم، يعقد المجلس أولى جلساته، برئاسة العضو الأكبر سناً وأمانة سرّ الأصغر سناً. كما ينتخب في الجلسة الأولى رئيس المجلس ونائباه وأمين السر، ويكون الانتخاب بالاقتراع السري وبالأغلبية، وفي الجلسة الثانية يؤدي الأعضاء القسم أمام الرئيس، وفق الإعلان الدستوري.

وكان نجمة أعلن، في وقت سابق من يوم السبت، عبر حسابه في منصة «إكس»، بدء يوم «الصمت الانتخابي»، وقال: «سيكون التصويت سرياً، والفرز علنياً، بوجود وسائل الإعلام».

وشهدت المناطق السورية، التي سيجري فيها الاقتراع، خلال الأسبوع الماضي، حملات دعاية انتخابية تمثلت بعقد جلسات تعارف بين الهيئات الناخبة والمرشحين لانتخابات مجلس الشعب، حيث قام مرشحون بالتعريف بسيرتهم الذاتية، وعرض برامجهم الانتخابية، ورؤيتهم للعمل في المرحلة المقبلة.

وتخللت الدعاية الانتخابية دعوات إلى تكتل المجموعات الصغيرة لضمان التمثيل المناطقي في مجلس الشعب، بعد التنبه إلى أن تقسيم الدوائر قد يحرم المناطق ذات التعداد السكاني القليل من التمثيل، على غرار دائرة ريف دمشق التي قُسّمت إلى 3 كتل رئيسية، هي الغوطة الجنوبية والغوطة الشرقية والقلمون، وسيتم تمثيلها بـ3 نواب، وبالتالي قد تستأثر منطقة ذات تعداد سكاني كبير بمقعد أو أكثر على حساب المناطق الأخرى. ويسري الأمر نفسه على ريف حمص، حيث حظيت منطقة القصير بنصف مقعد، بالشراكة مع منطقة المخرم.

وشهدت مناطق كثيرة اعتراضات، حيث هدّد مجلس الأعيان والهيئة الناخبة في مدينة سقبا بريف دمشق بمقاطعة الانتخابات احتجاجاً على استبعاد عضوين من القوائم النهائية، قبل أن يتم التوصل إلى تسوية. ويشار إلى أن المتحدث باسم اللجنة العليا للانتخابات، نوار نجمة، أوضح أن تعديل بعض الأسماء في القوائم كان لضمان عدالة التمثيل الجغرافي والمهني والشرائحي.

وترافقت الدعاية الانتخابية بحملات إقصاء وتشهير ببعض المرشحين، على خلفية كتابتهم منشورات في زمن النظام السابق تأييداً للأسد وقواته في مواجهة فصائل المعارضة السابقة. وقد تم بالفعل إقصاء مرشحين ثبت عليهم تأييد النظام السابق أمام لجان الطعون، ومنهم مرشحة عن دمشق، وذلك بعد إعادة تداول منشور لها يعود إلى عام 2013، تؤيد فيه إزالة حي القابون.

وبعد تقديم المرشحة (وهي محامية) الاعتذار للشعب السوري عن هذا المنشور وتوضيح أنه قديم وأنها بعد تلك الفترة تعرض شقيقها للاعتقال، كما اضطرت للهروب مع عائلتها إلى ألمانيا لـ3 سنوات، وفق ما كشفه محاميها، الذي قال إنها سترفع دعوى ضد الذين ارتكبوا بحقّها جرائم تشهير، وسيدافع عنها مع أنه لا يؤيد ترشحها لمجلس الشعب، مشيراً إلى أنه هو من حضّها على تقديم اعتذار عن موقفها المؤيد للنظام.

وبلغ عدد المرشحين 1578، وشكّلت النساء ما نسبته 14 في المائة منهم.


مقالات ذات صلة

المؤسسات الأوروبية تتحسب لـ«الصدمة البلغارية»

أوروبا ملصقات انتخابية للرابح في الانتخابات البلغارية رومين راديف بصوفيا الاثنين (أ.ف.ب)

المؤسسات الأوروبية تتحسب لـ«الصدمة البلغارية»

يميل المزاج في المؤسسات الأوروبية إلى التخوّف من الخطوات التي سيقدم عليها رومين راديف بعد حصوله على أغلبية برلمانية تتيح له التفرّد كلياً بالقرار في بلغاريا.

شوقي الريّس (بروكسل)
أوروبا ملصقات انتخابية لرومين راديف في صوفيا الاثنين (أ.ب)

ارتياح في روسيا بعد فوز «صديق الكرملين» بانتخابات بلغاريا

مثّل الفوز الكبير الذي حققه حزب «بلغاريا التقدمية»، الذي يقوده الرئيس السابق للبلاد، رومين راديف، المعروف بصلاته الوثيقة مع الكرملين، مفاجأة سارة لموسكو.

رائد جبر (موسكو)
المشرق العربي محافظ الحسكة نور الدين أحمد استقبل وفد اللجنة العليا لانتخابات مجلس الشعب التي تعدّ لانتخابات الحسكة الفرعية استكمالاً لمقاعد مجلس الشعب الذي يفتتح قريباً (محافظة الحسكة)

«الإدارة الذاتية» تعدّ قوائم مرشحين للمشاركة في الوزارات السورية

تحدثت القيادية في «الإدارة الذاتية»، إلهام أحمد، عن اجتماع عُقد في 15 أبريل (نيسان) بدمشق، جمع بينها وبين القائد مظلوم عبدي، مع الرئيس السوري أحمد الشرع...

«الشرق الأوسط» (الحسكة (سوريا))
المشرق العربي إدارة الجلسة الاستثنائية للمؤتمر العام لـ«جبهة العمل الإسلامي» سابقاً في الأردن السبت لمناقشة التعديلات على النظام الأساسي واسم الحزب (حساب رسمي)

الأردن: «العمل الإسلامي» يخلع اسمه التاريخي ويتحوّل إلى «حزب الأمة»

غادر أقدمُ الأحزاب الأردنية؛ حزبُ «جبهة العمل الإسلامي»، اسمَه التاريخيَّ الذي رُخّص بموجبه في عام 1992.

محمد خير الرواشدة (عمّان)
أوروبا أدلى الناخبون بأصواتهم في مركز اقتراع بمدينة صوفيا خلال الانتخابات البرلمانية المبكرة (أ.ب)

بلغاريا تجري ثامن انتخابات برلمانية في 5 سنوات

توجَّه البلغاريون إلى صناديق الاقتراع اليوم الأحد للإدلاء بأصواتهم في الانتخابات البرلمانية الثامنة خلال خمس سنوات.

«الشرق الأوسط» (صوفيا )

سكان جنوب لبنان وضاحية بيروت يترددون في العودة بظلّ هدنة هشّة

طفلة أمام مبنى تعرَّض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
طفلة أمام مبنى تعرَّض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
TT

سكان جنوب لبنان وضاحية بيروت يترددون في العودة بظلّ هدنة هشّة

طفلة أمام مبنى تعرَّض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)
طفلة أمام مبنى تعرَّض لغارات إسرائيلية في الضاحية الجنوبية لبيروت (أ.ب)

يدخل العائدون إلى منازلهم في جنوب لبنان والضاحية الجنوبية لبيروت، بحذر. يرمّمون الحدّ الأدنى من تفاصيل يحتاجون إليها لاستئناف حياتهم، لكنهم يبقون على استعداد دائم للمغادرة. في هذه المساحة، تتحوّل الهدنة عامل ضغط نفسي، لا فسحة أمان، حيث يتقدّم الخوف من انهيارها على أي محاولة لإعادة ترتيب الحياة.

طفلان على متن حافلة في رحلة العودة إلى بلدتهم بجنوب لبنان (رويترز)

في بلدة أنصار الجنوبية، يعبّر أديب عن هذا الواقع بوضوح، قائلاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: إنّ الهدنة «لم تُشعِر الناس بأي راحة حقيقية، بل زادت منسوب القلق»، موضحاً أنّ «المشكلة ليست في مدّتها، بل في غياب أي ضمانة لاستمرارها؛ إذ يعيش الجميع على وقع احتمال انهيارها في أي لحظة».

خوف من الحرب... وعجز عن استئناف الحياة

يُنتج هذا الواقع، حسب أديب، ضغطاً نفسياً. ويقول: «الضغط النفسي يتولّد من جهتين: الأولى الخوف الدائم من عودة الحرب فجأة، والأخرى العجز عن ترتيب الحياة خلال فترة الهدنة»، مشيراً إلى أنّ «أي محاولة لإصلاح المنازل المتضرّرة تبقى محفوفة بالمخاطر؛ لأنّ احتمال تجدّد القصف يعني خسارة كل ما يُعاد ترميمه».

ويستند هذا القلق إلى تجربة شخصية مباشرة؛ إذ تعرّض منزله في حرب عام 2024 لضربة كبيرة أدّت إلى تدمير كل محتوياته، من الأثاث إلى الزجاج والألمنيوم، لافتاً إلى أنّه «عمل على إعادة تأهيله بالكامل بعد ذلك، لكنّه اليوم عاجز عن القيام بأي إصلاح جديد خوفاً من تكرار السيناريو نفسه».

حقائب جاهزة

تنعكس هذه الهشاشة في سلوك السكان اليومي. يقول أديب: «نعيش من دون أي إحساس بالاستقرار. حقائبنا جاهزة دائماً، وكأننا على أهبة نزوح جديد في أي لحظة»، مضيفاً أنّ «هذا الشعور ليس فردياً، بل يعمّ معظم أبناء البلدة، حيث عمد كثيرون إلى سحب أغراضهم أو الاكتفاء بالحدّ الأدنى من العودة؛ تحسّباً لأي طارئ».

ويشير إلى أنّ «الحركة في البلدة تعكس هذا التردّد، فهناك من عاد فعلاً، لكن في المقابل لا يزال عدد كبير من السكان، خصوصاً المستأجرين، خارجها بعدما فضّلوا عدم المجازفة»، مؤكداً أنّ «العودة حتى الآن تبقى جزئية، خاطفة وهشّة».

رجل نازح يقيم في خيمة بالعاصمة بيروت (أ.ب)

وفيما يتعلّق بواقع المنازل، يقول أديب إنّ «الأهالي لجأوا إلى حلول مؤقتة، كتركيب أغطية بلاستيكية أو شبك بدل الأبواب والنوافذ»، موضحاً أنّ «لا أحد مستعداً للاستثمار في ترميم كامل في ظل هذا الغموض، في حين بقيت بعض الأضرار من دون أي معالجة». ويضيف: «كل ما قمنا به هو تنظيف منازلنا وترتيب الحدّ الأدنى من أمورنا، مع إبقاء خيار الرحيل جاهزاً في أي لحظة، كأننا نعيش هدنة معلّقة بين إقامة مؤقتة ونزوح مؤجّل».

البقاع: إقامة مؤقتة

في بعلبك – الهرمل، يتخذ الضغط النفسي شكلاً أكثر هدوءاً، لكنه لا يقل حدّة. تصف فاطمة عودتها مع عائلتها إلى منزلها بأنها «لا تُشبه العودة بقدر ما تُشبه المرور المؤقت تحت سقف الخوف»، موضحة أنّ «الهدنة لم تعنِ استقراراً، بل مجرّد فسحة قصيرة بين موجتَي قلق».

وتقول لـ«الشرق الأوسط»: «جئنا إلى البيت ونحن نعرف أنّنا لن نبقى. هذه ليست إقامة، بل زيارة مشروطة بوقت محدّد سلفاً»، مشيرة إلى أنّ العائلة «قرّرت المغادرة صباح الأحد إلى منزل نزوحها في جبل لبنان، قبل ساعات من انتهاء الهدنة منتصف الليل؛ تفادياً لأي مفاجأة قد تعيدنا إلى نقطة الصفر».

وتتابع: «لم نفتح الحقائب بالكامل، ولم نُعد ترتيب المنزل. كل شيء بقي كما هو، كأننا نرفض أن نعطي هذه العودة أي معنى نهائي»، لافتة إلى أنّ «الإحساس العام هو أننا نقيم في مكان مؤقت، حتى لو كان منزلنا».

تضيف فاطمة: «الهدنة، بالنسبة لنا، ليست سوى استراحة مؤقتة لجهازنا العصبي من سماع أصوات القصف»، مضيفة: «توقُّف الصوت لا يعني انتهاء الخوف، بل يترك مساحة أوسع للانتظار».

سيارات تقلّ نازحين من جنوب لبنان باتجاه بيروت الأحد (أ.ف.ب)

تعيش فاطمة حالة ترقّب دائمة، «كأننا ننتظر شيئاً لا نعرف متى سيحدث». فالهدنة لا تعني أنّ القتال انتهى. كل دقيقة تمرّ «نشعر أنها مؤقتة، وأنّ أي صوت قد يعود في أي لحظة».

وتختم بالقول: «نغادر قبل أن تنتهي الهدنة؛ لأننا لا نثق بما سيأتي بعدها. نختار الرحيل بإرادتنا، بدل أن يُفرض علينا مرة جديدة تحت ضغط الخوف».

الضاحية... هدنة قلقة

في الضاحية الجنوبية لبيروت، تظهر صورة أكثر هشاشة للهدنة حين تُروى بلسان زهراء، ذات الخمسة عشر عاماً. تقول لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «فرحتنا بالعودة، هي معلّقة بين الخوف والترقّب؛ لأن أحداً منا لم يتمكن فعلياً من العودة إلى منزله»، مضيفة: «كنا نعتقد أنّ إعلان الهدنة يعني نهاية الحرب وعودة الحياة كما كانت، لكن ما نعيشه اليوم هو شيء مختلف تماماً».

وتوضح أنّ «الأيام الأولى حملت مشاعر متناقضة، بين أمل وخوف أكبر، قبل أن تتبدد هذه المشاعر تدريجياً مع رؤية حجم الدمار»، مشيرة إلى أنّ «النزول إلى المناطق المتضررة كان صادماً، خصوصاً مع مشاهد البيوت المهدّمة والناس الذين خسروا كل شيء».

وتضيف: «حتى الآن، لا نزال أنا وعائلتي في منزل خالي في بيروت، حيث نزحنا منذ بداية الحرب؛ لأننا لا نملك أي ضمانة بأن العودة ممكنة أو آمنة»، لافتة إلى أنّ «الهدنة بالنسبة لنا لم تعد تعني الأمان، بل أصبحت مرتبطة بالخوف من أن تنتهي في أي لحظة وتعود الحرب بشكل مفاجئ». وتضيف: «أطلب من أهلي أحياناً أن يأخذوني إلى منزلنا في الضاحية لدقائق فقط؛ لأراه، أخاف ألا أتمكن من رؤيته مجدداً، وكأنني أودّع كل شيء فيه».


غزو القوارض والحشرات يفاقم معاناة النازحين في غزة

طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

غزو القوارض والحشرات يفاقم معاناة النازحين في غزة

طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)
طفل يسير في مقبرة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

بعد أكثر من ستة أشهر على دخول وقف إطلاق النار حيّز التنفيذ بين حركة «حماس» وإسرائيل في قطاع غزة، يواجه النازحون في المخيمات المكتظة الكثير من المشاكل والتحديات، قد يتمثل أكثرها إلحاحاً في غزو القوارض والحشرات لخيامهم الرثة.

وتتفاقم هذه المعاناة في ظل ارتفاع درجات الحرارة مع اقتراب فصل الصيف، وما يوفّره ذلك من بيئة مواتية لانتشار الحشرات في ظروف بيئية وصحية كارثية في المخيمات.

يحمل محمد الرقب طفله البالغ من العمر ثلاثة أعوام، والذي عضّه جرذ وهو نائم في خيمة العائلة في مدينة خان يونس في جنوب القطاع.

ويقول بينما يعمل على تثبيت مصيدة للفئران في الخيمة: «العرسة (الجرذ) عضّت ابني في أنفه وهو نائم. لا أستطيع النوم طوال الليل لأنني مضطر لمراقبة أطفالي باستمرار».

ويضيف: «العرس والفئران تهاجمنا كلّ يوم، لقد أتلفت الخيمة وأغراضنا».

أطفال يسيرون وسط ملاجئ مؤقتة للنازحين الفلسطينيين في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وفقاً للأمم المتحدة، لا يزال نحو 1.7 مليون شخص من أصل 2.2 مليون نسمة يعيشون في مخيمات نزوح، في ظل الدمار الذي لحق بمنازلهم أو نظراً إلى أنّ حوالى نصف مساحة القطاع ما زال تحت السيطرة العسكرية الإسرائيلية، بموجب اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيّز التنفيذ في أكتوبر (تشرين الأول) 2025.

وبحسب مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية (أوتشا)، فإنّ الظروف المعيشية في هذه المخيمات «تتسم بانتشار القوارض والطفيليات»، وذلك استناداً إلى زيارات ميدانية لطواقمه في مارس (آذار).

تتفقد غالية أبو سلمى النازحة إلى غرب مدينة خان يونس ملابس مليئة بالثقوب داخل حقائب قماشية، وتقول لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «أُتلفت ملابس ابنتي العروس بسبب الجرذان والفئران، بعدما قضينا أربعة أشهر نستعدّ» لهذه المناسبة.

وبينما تشير إلى حفر كبيرة تتسلل منها القوارض في أرض خيمتها، تضيف: «كلّ شيء أصبح ملوثاً وينقل الأمراض. القوارض أضرّت الجميع، حتى الأثاث والملابس تضرّر، والبراغيث تسبّبت بحساسية جلدية للكبار والصغار».

ومنذ بدأت درجات الحرارة في الارتفاع «ظهرت القوارض والبراغيث بشكل غير مسبوق»، وفق غالية أبو سلمى، التي تؤكد أنّ «هذه ليست مشكلة فردية، بل يعاني منها جميع النازحين».

كلب ينظر من خلال غطاء قماش مشمع لمأوى مؤقت مهجور في خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

«نقص الأدوية والعلاجات»

تمتد غالبية المخيمات على طول غرب الشريط الساحلي المطل على البحر الأبيض المتوسط، بينما تتكدس ملايين الأطنان من الركام والنفايات.

وبينما لا تزال إسرائيل تسيطر على المعابر التي تربط القطاع بالخارج، فإنّ جميع البضائع تخضع للتفتيش وغالباً ما تُردّ الشاحنات، بحسب منظمات غير حكومية والأمم المتحدة.

من جانبها، تشير بلدية غزة إلى تكدّس النفايات في قلب المدينة والدمار الكبير في البنية التحتية والمنشآت وأزمة النزوح، إضافة إلى تردّي أماكن العيش والخيام، وتسرّب المياه العادمة في الشوارع.

وتقول صابرين أبو طيبة لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نعيش في خيام ومدارس تغمرها مياه الصرف الصحي. ابني يعاني من طفح جلدي في كل جسمه، لا نستطيع النوم، أخذته إلى الأطباء من دون جدوى».

فلسطيني يمرّ بجوار نقالة ملطخة بالدماء بعد غارة جوية إسرائيلية أسفرت عن مقتل عدد من الأشخاص في مستشفى ناصر بمدينة خان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

وبحسب رئيس قسم الأطفال في مستشفى «شهداء الأقصى»، الطبيب هاني الفليت، «هناك زيادة كبيرة في الأمراض الجلدية بين الأطفال، مع ارتفاع درجات الحرارة، خصوصاً في مخيمات النزوح التي تفتقر إلى أبسط مقومات النظافة والمياه».

ويقول: «نستقبل يومياً إصابات بجرب والتهابات جلدية فيروسية وبكتيرية، في ظل نقص الأدوية والعلاجات».

ومنذ دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ، تتبادل «حماس» وإسرائيل الاتهامات بخرق الهدنة، بينما قُتل 777 فلسطينياً على الأقل منذ سريانها، بحسب وزارة الصحة التابعة لحركة «حماس» في القطاع.

واندلعت الحرب في غزة إثر هجوم غير مسبوق شنته «حماس» على جنوب إسرائيل في السابع من أكتوبر 2023، وأسفر عن مقتل 1221 شخصاً، وفق حصيلة تستند إلى أرقام إسرائيلية رسمية.

وردّت إسرائيل بشن حرب هي الأعنف منذ عقود، أسفرت عن مقتل أكثر من 72 ألفاً و553 شخصاً في القطاع.


«حزب الله» يهدّد بإسقاط المفاوضات مع إسرائيل باستعادة سيناريو 1983

طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)
طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)
TT

«حزب الله» يهدّد بإسقاط المفاوضات مع إسرائيل باستعادة سيناريو 1983

طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)
طفل يرتدي البزة العسكرية خلال تشييع مقاتل من «حزب الله» بالضاحية الجنوبية لبيروت في أثناء فترة الهدنة مع إسرائيل (رويترز)

يواصل «حزب الله» هجومه على السلطة في لبنان، اعتراضاً على قرار خوضها مفاوضات مباشرة مع إسرائيل ويصر على وجوب تراجعها عن هذا المسار مع التهديد بإسقاطه بالقوة، لاعتبار أنه يتطلب تفاهماً وطنياً عارماً مفقوداً، وتوعد بأن يكون مصير هذه المحادثات وأي اتفاق يصدر عنها، مماثلاً لاتفاق 17 مايو (أيار) 1983.

وهذا الاتفاق الذي يعود إلى 43 عاماً إلى الوراء، هو عبارة عن معاهدة سلام بين لبنان وإسرائيل تضمنت ترتيبات أمنية تنهي حالة الحرب بين البلدين، وتؤدي بانسحاب القوات الإسرائيلية من لبنان وتنظيم وضع الحدود المشتركة.

وأتى هذا الاتفاق بعدما اجتاحت إسرائيل لبنان في يونيو (حزيران) 1982، وتمكنت من الوصول إلى العاصمة بيروت واحتلال أجزاء كبيرة من البلاد. وتلا ذلك انسحاب الفصائل الفلسطينية من لبنان، وانتخاب رئيس جديد للجمهورية؛ هو أمين الجميل الذي قاد المفاوضات.

مناصرون لـ«حزب الله» يشاركون في تشييع عنصر في الحزب في منطقة الشويفات جنوب بيروت (أ.ف.ب)

إلا أن هذا الاتفاق الذي تم برعاية أميركية، عاد وتراجع عنه في 5 مارس (آذار) 1984، بعد رفض داخلي واسع من قوى لبنانية (خصوصاً قوى وطنية ويسارية وإسلامية)، ورفض سوري قاطع في وقت كان فيه الوجود العسكري السوري مؤثراً في لبنان.

فارق في الظروف

وعلى الرغم من المعارضة الشرسة من قبل «حزب الله» لمسار التفاوض المباشر، يُنظر إلى هذا المسار على أن ظروفه تختلف عما كان الأمر عليه في عام 1983، وهو ما يؤكده النائب عن حزب «الكتائب اللبنانية» الدكتور سليم الصايغ، مذكراً بأنه «في 17 مايو 1983، كانت الحكومة اللبنانية والرئاسة والمجلس يواجهون سوريا وحلف (وارسو) وسوء نية إسرائيل وضعف الالتزام الأميركي مجتمعين. أما اليوم فتغيرت الأحوال الإقليمية، وأصبح (حزب الله) بلا مدى حيوي استراتيجي، كما أن قدراته محدودة جداً»، لافتاً إلى أن «أي خطوة ناقصة يقوم بها في الشارع، يعني تحويل كل الشارع اللبناني ضده».

ويضيف الصايغ في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «إضافة إلى ذلك، هناك موقف صارم من الحكومة اللبنانية التي ستضرب بيد من حديد»، مضيفاً: «كما أن التشكيك في قدرة الجيش ليست في محلها؛ إذ إن لديه معرفة بالأرض حجراً وبشراً، وما كان ينقصه هو المعركة الواضحة المعالم؛ إذ إن أي جيش لا يستطيع أن يزج نفسه في معركة مفتوحة الأفق. إنما إذا أراد (حزب الله) الذهاب إلى الفوضى والفتنة، فإنه سيجد في وجهه جيشاً متماسكاً وشعباً موحداً».

غضب وتهديد

وساد غضب واستياء كبير في صفوف جمهور «الثنائي الشيعي» (أمل وحزب الله)، بعد تناقل صور ومشاهد الاجتماع الذي ضم السفيرين اللبناني والإسرائيلي في واشنطن الثلاثاء الماضي، ما دفع إعلاميين وناشطين محسوبين عليهما، للتهديد بأن يكون مصيره مثل مصير «17 أيار». وقال النائب عن «حزب الله» حسن فضل الله، في تصريح له، إن «هناك فئة كبيرة ترفض مسار السلطة، وهي من أسقطت مع القوى الوطنية اتفاق (17 أيار)، ولن تسمح اليوم بتكرار التجربة»، لافتاً إلى أن «الموضوع لا يخص الطائفة الشيعية فقط؛ إذ هي فئة أساسية من الشعب اللبناني وترفض مسار التفاوض المباشر، ولن يستطيع أحد تجاوز دورها».

عضو كتلة «حزب الله» البرلمانية النائب حسن فضل الله (أ.ف.ب)

ويعتبر الصايغ في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، أنه «لا إمكانية أيضاً لدى الحزب لتشكيل أي بديل، كما كان يحدث مع جماعة سوريا بلبنان في الماضي؛ إذ كان كل تخريب في لبنان يصب في مصلحة سوريا. أما إسرائيل فكانت غارقة وقتها في تناقض داخلي أثّر عليها بشكل كبير، ما جعلها تفضل الإدارة الأمنية للملف اللبناني بالتوافق مع سوريا تماماً، كما حصل في اتفاق الخطوط الحمر الذي غطى دخول سوريا إلى لبنان عام 1976»، لافتاً إلى أن «الفائدة راهناً من الفوضى صفرية بعد فصل المسارين اللبناني والإيراني. كذلك فإن إسرائيل لن تساوم على الملف اللبناني؛ إذ اكتشفت أن تقوية الدولة في بيروت يؤمن لها ما تريد جنوباً مع احترام السيادة اللبنانية على كل المستويات».

حرب أهلية فتقسيم!

وإن كان أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الأميركية في بيروت، الدكتور هلال خشان، يوافق الصايغ على اختلاف الظروف بين المرحلتين، فإنه ييدو أكثر تشاؤماً بما يتعلق بوضعية لبنان المقبلة، معتبراً أن «الدور الأساسي لسوريا وقتها بإسقاط الاتفاق، غير موجود اليوم، والصراع بين دمشق وتل أبيب على لبنان لا وجود له راهناً».

ويشير خشان في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «ما تسعى إليه إسرائيل حالياً هو اتفاقية السلام تغطيها وتعطيها المشروعية لمواصلة قتال (حزب الله)، ويبدو واضحاً ألا أحد يستطيع إيقافها، والقرار نهائي بالنسبة إليها بإنهاء الوجود العسكري للحزب».

ويرى خشان أن هذا التصعيد يحمل مخاطر من أن يكون لبنان «يسير باتجاه حرب أهلية مع احتمالية تدخل سوريا، انطلاقاً من الشمال اللبناني»، معتبراً أن «ما يعزز هذا السيناريو هو انتشار عناصر الحزب في كل المناطق اللبنانية». ويضيف: «نخشى أيضاً أن تؤدي هذه الحرب إلى انقسام الجيش كما تقسيم البلد».

ويعتبر خشان أن «التفات (حزب الله) لتفجير الوضع الداخلي مرتبط بتطور المفاوضات بين لبنان وإسرائيل وما قد ينتج عنه، علماً بأن إسرائيل نفسها لا تعول كثيراً على هذه المفاوضات».