العلماء يتعلمون إعادة صياغة شفرة الحياة

الهندسة الوراثية تتيح توظيفها لتطوير أدوية علاجية

لقطة لامتدادات الحمض النووي للبكتريا الاشريكية القولونية تحت المجهر
لقطة لامتدادات الحمض النووي للبكتريا الاشريكية القولونية تحت المجهر
TT

العلماء يتعلمون إعادة صياغة شفرة الحياة

لقطة لامتدادات الحمض النووي للبكتريا الاشريكية القولونية تحت المجهر
لقطة لامتدادات الحمض النووي للبكتريا الاشريكية القولونية تحت المجهر

في صميم كل أشكال الحياة توجد شفرةٌ. وتستخدم خلايانا هذه الشفرة لتحويل المعلومات الموجودة في الحمض النووي إلى بروتينات. وكذلك تفعل أشجار القيقب، وأسماك قرش المطرقة، فطر الشيتاكي. وباستثناء بعض الاختلافات الطفيفة، فإن الشفرة الوراثية عالمية.

كما أنها متكررة. إذ يمكن للحمض النووي أن يُشفّر نفس مكونات البروتينات بأكثر من طريقة. ولطالما ناقش الباحثون الغرض من هذا التكرار - أو ما إذا كان مجرد صدفة تاريخية.

وحدات بنوية جزيئية لشفرة الحياة

بفضل التقدم في الهندسة الوراثية، صار بإمكانهم الآن تجاوز مجرد الجدل. على مدار العقد الماضي، صنع العلماء ميكروبات ذات شفرات أصغر تفتقر إلى بعض هذا التكرار. وتصف دراسة جديدة - نُشرت حديثا في مجلة «ساينس» - ميكروباً يحتوي على أكثر الشفرات الوراثية سلاسةً حتى الآن.

ومن اللافت للنظر أن البكتيريا المعدلة وراثياً يمكنها العمل بشفرة مختصرة، ما يوضح أن الشفرة الوراثية الكاملة ليست ضرورية للحياة.

يقول الدكتور ويسلي روبرتسون، عالم الأحياء الاصطناعية في مختبر البيولوجيا الجزيئية التابع لمجلس البحوث الطبية في كمبردج، إنجلترا، وأحد مؤلفي الدراسة الجديدة: «الحياة لا تزال قيد العمل».

يتكون الحمض النووي لدينا من أربع وحدات بنيوية جزيئية مختلفة، تسمى القواعد: الأدينين، والثايمين، والغوانين، والسيتوزين. والسلسلة المتكونة من مئات أو آلاف هذه القواعد - المعروفة باختصار باسم A، وT، وG، وC - تشكل جيناً. وتُترجم خلايانا تسلسل القواعد في الجينات لإنتاج البروتينات.

ولإتمام عملية الترجمة، تقرأ خلايانا القواعد ثلاثاً في كل مرة، في وحدات تسمى «الكودونات». يتطابق كل «كودون» (codon) مع واحد من 20 حمضاً أمينياً مختلفاً متوفراً في الخلية. وهذه الأحماض الأمينية هي التي تربطها الخلية معاً لتكوين البروتينات.

من السمات الرئيسية للشفرة الوراثية إمكانية ترميز أكثر من كودون واحد لنفس الحمض الأميني. على سبيل المثال، تؤدي القواعد الثلاثية «TCT» إلى الحمض الأميني «سيرين». ولكن هناك خمسة كودونات أخرى تفعل الشيء نفسه، وهي: «TCC» و«TCA» و«TCG» و«AGT» و«AGC». وإجمالاً، هناك 61 كودوناً مختلفاً تنتج 20 حمضاً أمينياً. وهناك ثلاثة كودونات أخرى تخبر خلايانا عندما تصل إلى نهاية الجين. وبإجمالي 64 كودوناً، فإن الشفرة الوراثية زائدة عن الحاجة بصورة كبيرة.

شفرة متضخمة تحيّر العلماء

لقد حيّر العلماء الشفرة المتضخمة للحياة منذ أن ظهرت إلى النور في ستينات القرن الماضي. مع استثناءات قليلة، تعتمد كل الأنواع على الأرض على الكودونات الـ64 نفسها. ونظراً لأن الشفرة عالمية، فقد تكهن العلماء بوجود أمر أساسي في سر هذ العدد الكبير من الطرق لبناء البروتين.

وقبل نحو عقد من الزمان، بدأ العلماء في اختبار هذه الفكرة من خلال بناء شفرات وراثية جديدة مضغوطة. وسمحت لهم التطورات في مجال تخليق الحمض النووي ببناء جينومات من الصفر، والقضاء على بعض الكودونات الزائدة عن الحاجة للوقوف على ما إذا كانت الخلايا يمكنها البقاء على قيد الحياة بشفرة أصغر.

يقول الدكتور أكوس نيرجيس، عالم الأحياء الاصطناعية في كلية الطب بجامعة هارفارد، الذي يعمل على تقليص حجم الشفرة الوراثية: «يمكنك البدء في استكشاف ما يمكن أن تتحمله الحياة. يمكننا أخيراً اختبار هذه الشفرات الوراثية البديلة».

يعمل روبرتسون وزملاؤه في مجلس البحوث الطبية على تحقيق الهدف نفسه. يُجري كلا الفريقين تجارب على البكتيريا الإشريكية القولونية، وهي نوع من البكتيريا التي تعيش في أمعاء الإنسان، وقد خضعت لدراسات مكثفة لأكثر من قرن. وقد اختاروا الكودونات الزائدة للتخلص منها، على أمل ألا تضر بالميكروب في هذه العملية. على سبيل المثال، شرع روبرتسون وزملاؤه في تقليل الكودونات الستة للسيرين إلى اثنين فقط.

تتطلب هذه الخطط قدراً هائلاً من الهندسة. إذ يبلغ طول جينوم البكتيريا الإشريكية القولونية نحو 4 ملايين قاعدة، ويظهر كل نوع من الكودونات في آلاف الأماكن المختلفة على طوله. ولإجراء هذا العدد الكبير من التغييرات، يتعين على الباحثين بناء جينومات كاملة من الصفر.

إنجازات ناجحة

كشف فريق مجلس البحوث الطبية عن أول إنجاز ناجح له في عام 2019: نسخة من البكتيريا الإشريكية القولونية تحتوي على 61 كودوناً فقط، وأطلقوا عليها اسم «سين 61 - Syn61». وقد شجعتهم قدرتها على البقاء على قيد الحياة من دون ثلاثة كودونات على تقليص شفرتها الوراثية بصورة أكبر.

وقال الدكتور روبرتسون: «كنا متحمسين لمعرفة إلى أي مدى يمكننا تبسيط الشفرة الوراثية».

ثم شرع هو وزملاؤه في إنشاء «Syn 57»، وهي نسخة من البكتيريا الإشريكية القولونية تحتوي على 57 كودوناً فقط. ودخلوا في سباق مع الدكتور نيرجيس وزملائه في جامعة هارفارد، الذين كانوا يحاولون بالفعل بلوغ الهدف نفسه.

بالنسبة إلى «Syn 61»، عدّل الباحثون أكثر من 18 ألف كودون في جينوم البكتيريا الإشريكية القولونية. ولكي يتمكنوا من إنشاء «Syn 57»، كان عليهم تغيير أكثر من 100 ألف كودون. اختبروا هذه التغييرات عن طريق صنع أجزاء صغيرة من ال‍حمض النووي ومراقبة مدى قدرة الميكروبات على قراءتها.

ولم تسبب بعض التغييرات أي مشاكل، لكن تغييرات أخرى سببت ضرراً مدمراً. على سبيل المثال، تمتلك البكتيريا جينات معينة تتداخل، وقد يؤدي تغيير الكودون في أحدها إلى تحطيم تسلسل الآخر عن طريق الخطأ.

وبلمحة خاطفة، اكتشف الباحثون كيفية إصلاح الحمض النووي المُعدّل. وأخيراً، أعلن الباحثون أنهم نجحوا في ذلك، حيث أنشأوا «Syn 57».

يقول الدكتور يوناتان شيملا، عالم الأحياء الاصطناعية في «معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا»، الذي لم يُشارك في الدراسة: «إنه لأمر مذهل أن يتمكنوا من تحقيق هذا الهدف. إنها رحلة تتطلب جهداً تقنياً كبيراً».

لا شك أن «Syn 57» لا يزال على قيد الحياة، لكن بالكاد. عادة ما تستغرق البكتيريا الإشريكية القولونية ساعة واحدة لمضاعفة أعدادها؛ في حين يحتاج «Syn 57» إلى أربع ساعات كاملة. وقال الدكتور شيملا: «إنه ضعيف للغاية».

يباشر الدكتور روبرتسون وزملاؤه الآن العمل على تحسين «Syn 57» لمعرفة ما إذا كان بوسعهم الإسراع من نموه. وإذا نجحوا في ذلك، فربما يتمكن علماء آخرون من هندسته للقيام بأعمال مفيدة لا تستطيع الميكروبات العادية القيام بها.

شفرات مبرمجة لصنع الأدوية

جنباً إلى جنب مع الأحماض الأمينية العشرين التي تستخدمها خلايانا لإنتاج البروتينات، يمكن للكيميائيين خلق مئات الأحماض الأمينية الأخرى. قد يكون من الممكن إعادة برمجة «Syn 57»، بحيث تُشفّر الكودونات السبعة المفقودة أحماضاً أمينية غير طبيعية، ما من شأنه أن يُمكّن البكتيريا من صنع أنواع جديدة من الأدوية أو غير ذلك من الجزيئات المفيدة.

قد يساعد «Syn 57» العلماء أيضاً على معالجة المخاطر المحتملة التي قد تنشأ في حالة إطلاق الميكروبات المُعدّلة في البيئة. وقد حقق علماء الأحياء المجهرية منذ فترة طويلة في كيفية تناول الميكروبات للبلاستيك أو اكتشاف الملوثات في الأرض.

كما تسمح كائنات حية مثل «Syn 57» للعلماء بحل لغز الشفرة الوراثية. ففي عام 1968، رسم الدكتور فرانسيس كريك، عالم الأحياء الحائز على جائزة نوبل، فرضيتين متعارضتين لتفسير سبب كونها زائدة عن الحاجة وعالمية في آن واحد.

كان أحد الاحتمالات المطروحة أن الشفرة الوراثية التي تتألف من 64 كودوناً تحظى ببعض المزايا الخفية على أي ترتيب آخر. وعندما تطورت على الأرض في بداياتها المبكرة، فضّلها الانتقاء الطبيعي حتى تفوقت على جميع الترتيبات الأخرى.

لكن الدكتور كريك كان يميل إلى تفسير ثانٍ: الشفرة الوراثية كانت نتيجة للصدفة إلى حد كبير. وقد تكهن بأن الطفرات تسببت في تشفير بعض الكودونات لأحماض أمينية معينة. ومع توسع أشكال الحياة المبكرة في الشفرة الوراثية، فإنها كانت قادرة على بناء بروتينات أكثر تعقيداً. غير أن التطور ربط الكودونات بالأحماض الأمينية بصفة عشوائية.

بمجرد أن تصبح البروتينات كبيرة ومعقدة، لا يمكن للشفرة الوراثية أن تتطور أكثر من ذلك؛ وأي طفرة قد تتغير سوف تنتج الكثير من البروتينات المعيبة. وقد وصف الدكتور كريك هذا السيناريو بأنه «حادث مُجمّد».

وقال الدكتور روبرتسون إن قدرة «Syn 57» على البقاء على قيد الحياة من دون سبعة كودونات قادته إلى تفضيل نظرية كريك عن الحوادث المجمدة.

• خدمة «نيويورك تايمز».


مقالات ذات صلة

توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

علوم توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

توقيت الوجبات ونوع الدهون يعيدان رسم خريطة الجينات

كشفت دراستان حديثتان أن الأنسجة الدهنية في الجسم ليست مجرد مخزن للطاقة بل عضو حيوي يتفاعل بدقة مع توقيت تناول الطعام ونوعه.

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم حين تبدأ الآلة بالتفكير بدلاً من الطبيب

هل سيتآكل «الحكم السريري» للطبيب في عصر الذكاء الاصطناعي؟

نتيجة الاعتماد المفرط على الأنظمة الذكية

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
علوم أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

أجهزة استشعار متطورة تفتح آفاقاً جديدة لفهم الأمراض الوراثية

في خطوة علمية قد تُحدِث تحولاً جذرياً في أبحاث الدماغ طوّر فريق من الباحثين أجهزة استشعار بسيطة ومنخفضة التكلفة

د. وفا جاسم الرجب (لندن)
علوم من اداة صامتة الى زميل ذكي

حين يدخل الذكاء الاصطناعي غرفة العمليات... من يقود الجراحة فعلاً؟

في الماضي، كان الجراح يدخل غرفة العمليات بوصفه العقل المركزي الذي تبدأ منه القرارات وتنتهي عنده، بينما تبقى الأجهزة مجرد أدوات صامتة تنفّذ ما تمليه خبرته البشري

د. عميد خالد عبد الحميد (لندن)
صحتك ارتفاع نسبة الأحماض في العصائر الحمضية قد يزيد تهيّج المعدة عندما تكون فارغة خاصة لدى من يعانون من ارتجاع المريء أو حساسية الجهاز الهضمي (بيكسباي)

مشروبات شائعة على معدة فارغة قد تضر بصحتك

يحذّر خبراء الصحة من أن تناول بعض المشروبات على معدة فارغة قد يسبب آثاراً سلبية على الجهاز الهضمي.

«الشرق الأوسط» (بيروت)

اكتشاف كواكب بمجالات مغناطيسية خارج المجموعة الشمسية

كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)
كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)
TT

اكتشاف كواكب بمجالات مغناطيسية خارج المجموعة الشمسية

كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)
كواكب المجموعة الشمسية (أرشيفية-رويترز)

توصَّل علماء الفلك إلى أقوى دليل حتى الآن على أن الكواكب الواقعة خارج منظومتنا الشمسية، لها مجالات مغناطيسية، مثل الأرض وخمسة كواكب أخرى في المجموعة الشمسية، وذلك بناء على حركة وسرعة واتجاه الرياح في سبعة كواكب غازية كبيرة وساخنة خارج المجموعة الشمسية.

ويُعزز هذا الاكتشاف، المستند إلى عمليات رصد أُجريت بأجهزة التلسكوبات في تشيلي وهاواي، فهمنا لتلك الكواكب، إذ يُظهر أن بعضها على الأقل يشترك في سمة مهمة موجودة في كل كواكب المجموعة الشمسية باستثناء كوكبين.

ورغم أن جميع الكواكب الغازية الواقعة خارج المجموعة الشمسية غير قابلة للعيش عليها، لكن وجود المجال المغناطيسي قد يكون أحد العوامل التي ساعدت في جعل كوكب صخري، مثل الأرض، صالحاً للحياة، وفقاً لما ذكرته وكالة «رويترز» للأنباء.

وتدور هذه الكواكب الخارجية كل منها على مقربة شديدة من نجم كبير وساخن، بحيث يكون أحد جانبيها مواجهاً للنجم بشكل دائم، والجانب الآخر بعيداً بشكل دائم، كما هي حال القمر والأرض.

ويطلق على هذا النوع من الكواكب اسم «المشتري الحار»؛ نظراً لتشابه حجمها وتكوينها مع أكبر كوكب في مجموعتنا الشمسية، وإن كانت درجة حرارتها أعلى بكثير. وتراوحت كتلة الكواكب السبعة بين ما يعادل كتلة كوكب المشتري تقريباً وبين أكثر من ثلاثة أمثالها. وتهبُّ رياح قوية من «الجانب المضيء» الحار إلى «الجانب المظلم» البارد على هذه الكواكب، وذلك بسبب قرب مداراتها من نجومها، مما يجعل غلافها الجوي شديد الحرارة على الجانب المضيء. وكلها أقرب إلى نجمها المُضيف من قرب كوكب عطارد؛ أقرب كوكب في مجموعتنا الشمسية إلى الشمس.

وقالت عالِمة الفلك جوليا سايدل، من مختبر لاغرانج التابع لمرصد كوت دازور في نيس بفرنسا، والمُعدّ الرئيسي للدراسة التي نُشرت اليوم الثلاثاء في دورية «نيتشر أسترونومي»، إن «ما قد تتوقعه هو أن الرياح ستكون أقوى في الكواكب ذات درجات الحرارة الأعلى. فكلما زادت الطاقة التي تدخلها في المنظومة، زادت شدة الرياح. لكننا نرى العكس».

وأضافت أن «الكواكب الأشد حرارة هي الأقل عرضة لرياح قوية تؤثر على غلافها الجوي. وهذا أمر غريب حقاً مقارنة بما نعرفه عن طبيعة الأغلفة الجوية».

وتابعت قائلة: «هذا يعني أن كل تلك الطاقة التي يضخّها النجم في الغلاف الجوي للكوكب يجب أن تتبدد بطريقة مختلفة. والاحتمال الوحيد لإبطاء حركة الغلاف الجوي بهذه السرعة هو عبر المجال المغناطيسي وتفاعله مع الجسيمات المشحونة المتحركة في الغلاف الجوي».

وتصل سرعات الرياح على الكواكب السبعة خارج المجموعة الشمسية إلى 25 ألف كيلومتر في الساعة؛ أيْ أقوى من تلك الموجودة على كوكب المشتري.

وبالنظر إلى أن معظم كواكب مجموعتنا الشمسية لها مجالات مغناطيسية، يرى الباحثون أنه ليس من المستغرب أن يكون للكواكب الخارجية مجالات مغناطيسية أيضاً، لكنهم أشاروا إلى أن العلماء كانوا حتى وقتنا هذا يجدون صعوبة في التوصل إلى أدلة مقنعة.

ويُعد المجال المغناطيسي أحد العوامل التي تُحدد ما إذا كان الكوكب قادراً على الحفاظ على غلافه الجوي لفترات طويلة من الزمن. فالمريخ، على سبيل المثال، كان له مجال مغناطيسي، لكنه فقَدَه قبل مليارات السنين بعد أن برَدَ باطنه، وأصبح، الآن، بغلاف جوي ضعيف وبيئة غير صالحة للعيش.

وقالت عالِمة الفلك بيبيانا برينوث، من المرصد الأوروبي الجنوبي في ألمانيا، والمشارِكة في إعداد الدراسة: «رغم الاعتقاد الخاطئ الشائع بأن المجالات المغناطيسية تُحدد، بشكل مباشر، ما إذا كان الكوكب صالحاً للعيش، لكنها قد تلعب دوراً مهماً في (معرفة) كيفية تطور الكوكب عبر الزمن».

وأضافت: «الحياة، كما نعرفها، تعتمد على وجود الغلاف الجوي الذي يساعد في الحفاظ على الضغط على سطح (الكوكب) وتنظيم درجة الحرارة، ويسمح على الأرض بوجود ماء سائل على السطح».


قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
TT

قواعد إنسانية جديدة لعصر الذكاء الاصطناعي والهندسة الجينية

قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث
قانون دولي إنساني جديد للعصر التكنولوجي الحديث

في عام 1864، اجتمع ممثلو عدد من الدول في مدينة جنيف السويسرية لوضع أول إطار قانوني حديث يحمي ضحايا الحروب. ومن تلك البذرة الأخلاقية ولدت لاحقاً اتفاقيات جنيف الأربع عام 1949، والتي أصبحت أحد أعمدة القانون الإنساني الدولي بعد أن شاهد العالم أهوال الحرب العالمية الثانية، وما خلّفته من ملايين الضحايا، والجرحى، والمشرّدين.

لقد نجحت تلك الاتفاقيات في ترسيخ مبدأ بسيط وعظيم في آنٍ واحد: حتى في الحرب، تبقى هناك حدود لا يجوز للإنسان تجاوزها.

تقدم تكنولوجي واتفاقيات قديمة

غير أن العالم الذي صاغ اتفاقيات جنيف لم يكن يعرف الحواسيب، ولم يتخيّل وجود خوارزميات قادرة على تحليل ملايين البيانات في ثوانٍ، أو طائرات مسيّرة تستطيع اختيار أهدافها ذاتياً، أو تقنيات جينية يمكن أن تعيد تشكيل مستقبل البشر قبل ولادتهم. ولذلك فإن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم لا يتعلق بقيمة اتفاقيات جنيف، أو مكانتها التاريخية، بل بقدرتها على مواكبة عصر أصبحت فيه التكنولوجيا نفسها طرفاً فاعلاً في الصراع.

تحول طبيعة القوة

إننا لا نعيش فقط مرحلة تطور في أدوات الحرب، بل نعيش تحوّلاً جذرياً في طبيعة القوة ذاتها. فالسلاح لم يعد مجرد دبابة، أو صاروخ، أو طائرة مقاتلة، بل أصبح خوارزمية قد تتخذ قراراً خلال أجزاء من الثانية، ومنصة رقمية قد تؤثر في مصير ملايين البشر، وتقنية جينية قد تستهدف أفراداً أو جماعات بطرق لم تكن معروفة في أي مرحلة سابقة من التاريخ.

لم تعد المشكلة في الرصاصة التي تخطئ هدفها، بل في الخوارزمية التي تختار هدفها. ولم يعد الخوف مقتصراً على القنبلة التي تدمر مدينة، بل على نظام ذكي قد يخطئ في تفسير البيانات، أو يتأثر بتحيزات خفية، أو يُستخدم بطريقة تنتهك أبسط المبادئ الإنسانية دون أن يكون هناك إطار قانوني واضح للمحاسبة.

حين يصبح الجين ساحة للحرب

ثورة بيولوجية تواكب الرقمية

الأكثر خطورة أن الثورة البيولوجية تسير جنباً إلى جنب مع الثورة الرقمية. فالهندسة الوراثية، والتعديل الجيني، والطب الدقيق، كلها تحمل وعوداً علاجية كبيرة، لكنها تطرح أيضاً أخطاراً أخلاقية وقانونية إذا استُخدمت خارج الضوابط الإنسانية.

ومن هنا يظهر سؤال لم يكن مطروحاً عندما وُقعت اتفاقيات جنيف: كيف نحمي الأطفال والنساء وكبار السن والمرضى من أخطار الحروب التي تُدار بالخوارزميات، أو تستغل المعرفة الجينية؟

ومع اتساع قدرات الذكاء الاصطناعي على تتبع الأفراد، وتحليل سلوكهم، والتنبؤ بتحركاتهم، تبرز تحديات غير مسبوقة تتعلق بحماية المدنيين، وصون حقوقهم الأساسية في أوقات النزاع. كما تزداد الحاجة إلى تحديد المسؤولية القانونية والأخلاقية عندما تتسبب الأنظمة المستقلة في قرارات خاطئة تؤدي إلى خسائر بشرية، وإلى مراجعة مدى قدرة القانون الدولي الحالي على التعامل مع أسلحة تعمل بدرجات غير مسبوقة من الاستقلالية.

لقد أدرك العالم عبر تاريخه أن التكنولوجيا تتقدم دائماً أسرع من القوانين. ولهذا لم تكن اتفاقيات جنيف سوى استجابة أخلاقية وقانونية لتحولات عسكرية وصناعية فرضها عصرها. واليوم يبدو أن البشرية تقف أمام منعطف مشابه، لكن هذه المرة في عصر الذكاء الاصطناعي، والحروب الرقمية، والتقنيات الجينية.

ولا يتعلق الأمر باستبدال اتفاقيات جنيف، أو الانتقاص من قيمتها التاريخية، بل بتطوير إطار إنساني جديد يكمّلها، ويُحدّثها، ويمنحها القدرة على التعامل مع تحديات لم تكن مطروحة عندما صيغت نصوصها قبل أكثر من سبعين عاماً.

نحو مبادرة دولية جديدة

ومن هنا قد يكون من المناسب التفكير في مبادرة دولية جديدة يمكن أن يطلق عليها مجازاً «الاتفاقيات الإنسانية»، والتي يمكن أن تُنسب إلى مدينة الرياض عاصمة السعودية، ليس باعتبارها بديلاً عن جنيف، بل كونها امتداداً معاصراً لروحها الإنسانية. نريد إطاراً عالمياً يجمع الحكومات، والعلماء، وخبراء القانون، والأخلاقيات، والتقنية، لوضع مبادئ تحكم استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الجينية في النزاعات المسلحة، وتحمي الفئات الأكثر ضعفاً من المخاطر الناشئة عن هذه التحولات التكنولوجية المتسارعة.

فإذا كانت جنيف قد منحت العالم قواعد إنسانية للحروب التقليدية في القرن العشرين، فقد يحتاج القرن الحادي والعشرون إلى منصة جديدة تضع حدوداً أخلاقية للحروب التي تخوضها الخوارزميات، وتوجهها البيانات، وتغذيها المعرفة الجينية.

إن المملكة العربية السعودية تمتلك اليوم مقومات فريدة تؤهلها للإسهام في هذا النقاش العالمي. فهي لا تقود مشروعاً تنموياً طموحاً عبر رؤية 2030 فحسب، بل أصبحت أيضاً من الدول الرائدة في مجال حوكمة الذكاء الاصطناعي، وأخلاقياته، وكانت من أوائل الدول التي تبنت أطراً ومبادئ أخلاقية لتنظيم استخدام هذه التقنيات الناشئة، وسعت إلى ترسيخ مفهوم يجعل الإنسان محوراً للتقدم التقني لا ضحيته.

من المسؤول عندما تخطئ الخوارزمية

حماية الفئات الأكثر ضعفاً من التقنيات المدمرة

ولعل العالم يحتاج اليوم إلى مبادئ جديدة توازي في أهميتها المبادئ التي خرجت من جنيف قبل أكثر من قرن ونصف... مبادئ تؤكد أن القرار القاتل يجب أن يبقى تحت مسؤولية بشرية واضحة لا تحت سلطة خوارزمية مجهولة، وأن المستشفيات والمنشآت الصحية يجب أن تحظى بحماية خاصة من الهجمات السيبرانية، وأن الأطفال والفئات الأكثر ضعفاً لا يجوز أن يصبحوا أهدافاً لأنظمة المراقبة، أو الاستهدافات الذكية، وأن أي استخدام للتقنيات الجينية في النزاعات ينبغي أن يخضع لرقابة دولية صارمة، ومعايير أخلاقية متفق عليها عالمياً.

قواعد إنسانية جديدة لعصر الخوارزميات والهندسة الجينية

إن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت هذه التحديات ستواجهنا في المستقبل، بل كيف سنتعامل معها وقد بدأت بالفعل. فالعالم الذي نجح في وضع قواعد أخلاقية للحروب التقليدية بعد مآسي القرن العشرين، مدعو اليوم إلى التفكير في قواعد إنسانية جديدة لعصر الخوارزميات، والبيانات، والهندسة الجينية. وليس المطلوب تقييد التقدم العلمي، أو إبطاء الابتكار، بل ضمان أن يبقى التقدم خادماً للإنسان لا متجاوزاً له.

ولهذا ربما لا يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه اليوم: هل ما زلنا بحاجة إلى اتفاقيات جنيف؟ بل هناك سؤال أكثر إلحاحاً: من سيحمي الإنسان عندما تصبح الخوارزمية جندياً، وتصبح البيانات سلاحاً، ويصبح الجين البشري ساحةً جديدة للصراع؟

وربما يكون الوقت قد حان لبدء حوار عالمي جديد، ربما من الرياض، يستلهم روح جنيف ولا ينافسها، ويبحث عن إجابات أخلاقية وقانونية للتحديات التي لم يعرفها القرن الماضي.

فكما أنجبت الحروب الصناعية اتفاقيات جنيف، قد تفرض حروب الخوارزميات والتقنيات الجينية على العالم البحث عن اتفاقيات إنسانية جديدة. وربما لن تسألنا الأجيال القادمة كيف تطور الذكاء الاصطناعي، بل ستسألنا سؤالاً أبسط وأكثر قسوة: هل تحركنا في الوقت المناسب قبل أن تسبقنا التكنولوجيا إلى ساحات لم يصل إليها القانون، ولم تبلغها الأخلاق بعد؟


خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة
TT

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

خريطة الهند الجينية تكشف عن ملايين الطفرات المفقودة

في إنجاز علمي ضخم قد يغيّر مستقبل الطب الوراثي في آسيا والعالم، كشفت أكبر دراسة جينية في تاريخ الهند عن ملايين المتغيرات الوراثية التي لم تكن معروفة سابقاً؛ ما يسلط الضوء على التنوع الجيني الهائل في البلاد ويكشف عن حدود النماذج الطبية المعتمدة بشكل أساسي على البيانات الأوروبية.

مشروع «جينوم الهند»

الدراسة التي جاءت ضمن مشروع «جينوم إنديا» GenomeIndia ونُشرت على موقع MedRxiV في نسخة أولية ولم تخضع لمراجعة الأقران في 24 مارس (آذار) 2026 بقيادة أنالابها باسو من المعهد الوطني لعلم الجينوم الطبي الحيوي (BRIC-NIBMG) والمركز الإقليمي للتكنولوجيا الحيوية (RCB) في الهند، اعتمدت على تحليل الجينوم الكامل لـ9768 شخصاً أصحاء ينتمون إلى 83 مجموعة سكانية مختلفة في الهند.

* 4 ملايين متغير لم تُسجل من قبل في قواعد البيانات العالمية الشهيرة *

وأسفرت النتائج عن اكتشاف ما يقارب 130 مليون متغير جيني، بينها 44 مليون متغير لم تُسجل من قبل في قواعد البيانات العالمية الشهيرة مثل «1000 Genomes» و«gnomAD».

ويقول الباحثون إن النتائج كانت مفاجئة حتى بالنسبة لهم. فقد أوضحت عالمة الأحياء الحاسوبية براتاتي كاهالي من مركز أبحاث الدماغ (CBR) بنغالورو الهند المشاركة بالدراسة، أن الفريق كان يتوقع العثور على طفرات جديدة «لكن حجم الاكتشافات غير المسبوق كان صادماً»، مشيرة إلى أن نسبة كبيرة من المتغيرات المكتشفة لم تكن معروفة للعلم من قبل.

لماذا تُعد هذه الدراسة مهمة؟

لطالما اعتمد الطب الجيني الحديث على قواعد بيانات جُمعت أساساً من أشخاص ذوي أصول أوروبية؛ ما جعل كثيراً من التوقعات الطبية والفحوص الجينية أقل دقة بالنسبة للشعوب الأخرى، خصوصاً في جنوب آسيا وأفريقيا.

وتحاول الهند الآن سد هذه الفجوة من خلال بناء واحدة من أكبر الخرائط الوراثية في العالم مع خطط مستقبلية لتوسيع المشروع ليشمل مليون جينوم بشري، ودراسات خاصة بالأمراض المزمنة والنادرة.

ويرى العلماء أن هذه البيانات قد تفتح الباب أمام تطوير علاجات أكثر دقة وتحسين فهم الأمراض الوراثية وحتى تصميم أدوية تتناسب مع الخصائص الجينية للسكان المحليين.

«التجانس الجيني» نتاج العزلة الوراثية

وكان أحد أكثر الجوانب إثارة في الدراسة هو اكتشاف مستويات مرتفعة من «التجانس الجيني» لدى بعض القبائل الهندية؛ نتيجة قرون من الزواج داخل المجموعة نفسها والعزلة الجغرافية.

هذا النمط يزيد احتمالية انتقال الأمراض الوراثية المتنحية، وهي أمراض تظهر عندما يرث الشخص نسختين معطوبتين من الجين نفسه.

طفرات لأمراض وراثية في المجموعات القبلية

وأظهرت النتائج أن 27 من أصل 29 مجموعة قبلية حملت طفرات مسببة للأمراض بمعدلات ذات أهمية سريرية. ففي إحدى القبائل بجنوب الهند وُجدت طفرة مرتبطة بمرض نادر يُعرف بداء الألكابتونوريا alkaptonuria (مرض وراثي نادر ينتج من طفرة في جين HGD يمكن أن يسبب أضراراً جسيمة للمفاصل والأعضاء) لدى 12.5 في المائة من السكان، رغم أنها غير موجودة تقريباً في قواعد البيانات العالمية المستخدمة حالياً.

ويحذّر الباحثون من أن الفحوص الجينية التقليدية قد تفشل في اكتشاف مثل هذه الطفرات؛ لأنها ببساطة لم تكن معروفة من قبل.

اختلافات جينية في الاستجابة للأدوية

ولم تتوقف الدراسة عند الأمراض الوراثية فقط، بل كشفت أيضاً عن اختلافات جينية تؤثر على استجابة الجسم للأدوية. فعلى سبيل المثال، اكتشف الباحثون انتشار طفرة مرتبطة بمضاعفات التخدير لدى 29 مجموعة سكانية هندية؛ وهو ما قد يدفع الأطباء مستقبلاً إلى تعديل جرعات التخدير وفق الخلفية الجينية للمريض.

كما رصدت الدراسة متغيرات تؤثر على طريقة استقلاب بعض الأدوية النفسية ومسكنات الألم وأدوية السرطان؛ ما يعزز التوجه نحو «الطب الدقيق»، حيث تُصمم العلاجات حسب التركيبة الجينية لكل فرد.

لكن الخبراء يدعون إلى الحذر؛ إذ تؤكد ميرا بوروشوتام، الباحثة في المعهد الوطني للصحة العقلية وعلوم الأعصاب في الهند والتي لم تشارك في الدراسة، أن هذه النتائج واعدة، لكنها لا تزال في حاجة إلى المزيد من الدراسات السريرية قبل اعتمادها بشكل واسع في الممارسة الطبية اليومية.

ما لا نعرفه بعد

ورغم ضخامة المشروع، يشير بعض العلماء إلى أن ما تم تحليله لا يمثل سوى جزء صغير من الصورة الكاملة. فمعظم الأبحاث الحالية تركز على الجينات المسؤولة عن إنتاج البروتينات والتي تشكل نحو 2 في المائة فقط من الجينوم البشري.

أما الـ98 في المائة المتبقية التي كانت تُعدّ سابقاً «حمضاً نووياً غير مهم»، فتضم مناطق تنظيمية معقدة قد تكون مسؤولة عن جزء كبير من الأمراض البشرية.

ويقول الباحثون إن المستقبل الحقيقي لعلم الجينات لن يقتصر على قراءة الجينات نفسها، بل على فهم الطريقة التي تتفاعل بها مع البيئة والغذاء ونمط الحياة وحتى الضغوط النفسية.

ما الذي يعنيه هذا للعالم؟

لا تقتصر أهمية هذه الدراسة على الهند وحدها. فهي تمثل رسالة واضحة إلى المجتمع العلمي العالمي بأن الاعتماد على نموذج جيني أوروبي لفهم صحة البشر لم يعد كافياً. فكل مجتمع يحمل تاريخه الوراثي الخاص ومعه مخاطر صحية واستجابات دوائية مختلفة. ومن دون تمثيل أوسع للشعوب في قواعد البيانات الجينية قد يبقى ملايين الأشخاص خارج دائرة الطب الدقيق الحديث.

ومع استمرار التقدم في تقنيات تحليل الجينوم يبدو أن العالم يتجه نحو عصر تصبح فيه الخريطة الوراثية جزءاً أساسياً من الرعاية الصحية لا لتشخيص الأمراض فقط، بل للتنبؤ بها ومنعها قبل ظهورها.