إلى أي مدى يصل التصعيد بين أسمرة وأديس أبابا؟

رئيس إريتريا حذّر إثيوبيا من «شنّ حرب جديدة»

الرئيس الإريتري ورئيس الوزراء الإثيوبي خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو (تموز) 2018 (رويترز)
الرئيس الإريتري ورئيس الوزراء الإثيوبي خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو (تموز) 2018 (رويترز)
TT

إلى أي مدى يصل التصعيد بين أسمرة وأديس أبابا؟

الرئيس الإريتري ورئيس الوزراء الإثيوبي خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو (تموز) 2018 (رويترز)
الرئيس الإريتري ورئيس الوزراء الإثيوبي خلال افتتاح السفارة الإريترية في أديس أبابا يوليو (تموز) 2018 (رويترز)

تتزايد نبرة التهديدات بين إريتريا وإثيوبيا في مشهد يعيد إلى الأذهان توترات الماضي، وسط «شبح صراع جديد» يلوح في الأفق، تغذّيه خلافات حدودية ومصالح متشابكة في «إقليم مضطرب».

وحذّر الرئيس الإريتري أسياس أفورقي، إثيوبيا، من «شن حرب جديدة»، في ظل تصاعد التوترات بين البلدين، خاصة بسبب سعي أديس أبابا للوصول إلى مواني بحرية.

وقال أفورقي، في تصريحات للتلفزيون الإريتري، نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»، الأحد، إن اجتياح بلاده «ليس بهذه السهولة»، محذراً رئيس الوزراء الإثيوبي، آبي أحمد، بالقول: «إذا كان (رئيس الوزراء الإثيوبي) يظن أنه يستطيع اجتياح (القوات الإريترية) بهجومٍ بشري، فهو مخطئ»، مضيفاً: «قبل جرّ شعب إثيوبيا إلى حروب غير مرغوب فيها أو استغلاله لأغراض سياسية أخرى، يجب أولاً معالجة مشكلات البلاد الداخلية وحلها».

وكانت العلاقات بين إثيوبيا وإريتريا متوتّرة منذ استقلال الأخيرة عام 1993، وخاض البلدان حرباً دامية بين 1998 و2000، قُتل فيها عشرات الآلاف، وانتهت بتوقيع اتفاق سلام عام 2018.

وشهدت العلاقة بين أديس أبابا وأسمرة توتراً ملحوظاً عقب توقيع إثيوبيا اتفاق بريتوريا للسلام مع الجبهة الشعبية لتحرير تيغراي، من دون مشاورة حلفائها في الحرب التي استمرت لعامين كاملين (2020-2022)، وازدادت حدة التوتر بعد إعلان أديس أبابا رغبتها في امتلاك منفذ على البحر الأحمر، واتهمتها أسمرة بـ«التطلع إلى ميناء عصب الإريتري».

وعدَّ البرلماني الإثيوبي، محمد نور أحمد، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن تصريحات رئيس إريتريا «ليس لها أساس ولا سند ولا دليل جملة وتفصيلاً»، لافتاً إلى أنه يحاول أن يشغل الداخل لديه بهذه «الادعاءات»، وعليه أن يراجع تصريحاته. وشدّد على أن «آبي أحمد يحترم دول الجوار، ويعطي أولوية للتعاون معها، ولم يصرح أنه سيهاجم إريتريا تماماً، أو سيقطع العلاقات معها».

وطيلة الأشهر الماضية، كان التوتر حاضراً بين أسمرة وأديس أبابا، وأفادت وزارة الإعلام الإريترية، في نهاية يونيو (حزيران) الماضي، بأن «إثيوبيا تستخدم أكاذيب لتبرير الصراع وإشعاله»، موضحة أنه «في الأيام القليلة الماضية، كثّف النظام الإثيوبي حملاته الدبلوماسية، بما في ذلك إرسال رسائل إلى الأمين العام للأمم المتحدة وعدد من رؤساء الدول والحكومات لاتهام إريتريا بالتعدي على السيادة الإثيوبية وسلامة أراضيها».

وكان الرئيس الإريتري شنّ أيضاً هجوماً على أديس أبابا، في مايو (أيار) الماضي، متهماً إياها بـ«السعي إلى زعزعة الاستقرار الإقليمي تحت شعارات تتعلق بمنفذ على البحر الأحمر»، تزامناً مع تصريحات لمستشار الأمن القومي لرئيس الوزراء الإثيوبي، قنا يدتا، كرّر فيها «التشديد على ضرورة حصول بلاده على منفذ بحري».

دبابة عسكرية إريترية متضررة بالقرب من بلدة ويكرو (رويترز)

وفي مارس (آذار) الماضي، حذّر نائب حاكم إقليم تيغراي، تسادكان قبرتسائيل، من أن حرباً جديدة بين إثيوبيا وإريتريا قد تكون على الأبواب، مشيراً إلى أن «هناك استعدادات عسكرية متسارعة في المنطقة»، واتهم أسمرة بـ«انتهاج سياسات توسعية وعدوانية».

وفي فبراير (شباط) الماضي، اتهم الرئيس الإثيوبي الأسبق مولاتو تيشومي، إريتريا بـ«العمل على إعادة إشعال الصراع ودعم المتمردين في منطقة شمال إثيوبيا»، ونفت أسمرة عبر وزير الإعلام، يماني غبريمسقل، ذلك، معتبراً أنه «إطلاق إنذار كاذب»، كما استضافت العاصمة الإثيوبية أديس أبابا مؤتمراً لمعارضين للنظام الحاكم في أسمرة، بشكل علني في فبراير الماضي.

وفي سبتمبر (أيلول) 2024، نشرت وكالة الأنباء الإثيوبية تقريراً تحت عنوان «السلوكيات العدائية لإريتريا في القرن الأفريقي»، معتبراً «إريتريا تمثل عامل زعزعة استقرار المنطقة».

وانضمت إريتريا لتحالف مع مصر والصومال، واستضافت قمة ثلاثية في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بين قادة البلدان الثلاثة عقب إعلان أديس أبابا عن رغبتها مطلع 2024 في امتلاك منافذ بحرية سيادية على البحر الأحمر، مع توقيع مذكرة تفاهم مع إقليم «أرض الصومال الانفصالي» التي رفضتها مقديشو.

وأكّد البرلماني الإثيوبي أن بلاده «مشغولة بالتنمية وتقديم الخدمات لشعبها، ولا تنوي دخول حرب ضد إريتريا»، مؤكداً أن «هذا التصعيد من أسمرة يهدد المنطقة؛ لكن لن يجر أديس أبابا؛ إلا إذا تم الاعتداء عليها ولن تسمح بحدوث ذلك». وشدد على حق بلاده في «الوصول للبحر، وأنه لا يمكن منعها من هذا، خاصة وهي تريد تعزيز التعاون وتحقيق التنمية لكل دول الجوار، ولا تريد ذلك بالحرب والقتال، لأنه هذا ليس مطروحاً إطلاقاً من جانب إثيوبيا».


مقالات ذات صلة

إثيوبيا لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية بعد الانتخابات

شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد خلال الإدلاء بصوته في الانتخابات العامة (وكالة الأنباء الإثيوبية)

إثيوبيا لإعادة ترتيب أوراقها الداخلية بعد الانتخابات

تترقب الأوساط السياسية في إثيوبيا إعلان كامل نتائج الانتخابات العامة السابعة التي شهدتها البلاد، وسط خلافات حادة مع معارضين لرئيس الوزراء آبي أحمد.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يستقبل رئيس الكونغو الديمقراطية فيليكس تشيسيكيدي (الرئاسة المصرية)

مصر تدعم وساطة الكونغو الديمقراطية وتراهن على تفاهمات بين دول حوض النيل

تصدر ملف نهر النيل والأوضاع الإنسانية والأمنية في شرق الكونغو الديمقراطية محادثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره الكونغولي فيليكس تشيسيكيدي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي خلال مشاركته في القمة الكورية - الأفريقية مطلع هذا الشهر (الخارجية المصرية)

مصر تتجه لإرجاء القمة الأفريقية في العلمين بسبب «إيبولا»

قال مصدر مصري مسؤول إن هناك اتجاهاً لتأجيل «قمة منتصف العام التنسيقية» للاتحاد الأفريقي التي كانت مقررة نهاية الشهر الجاري بسبب «إيبولا».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا السيسي خلال استقبال مسعد بولس في أبريل الماضي (الرئاسة المصرية)

مياه النيل وتوترات «القرن الأفريقي» تتصدران محادثات مصرية - أميركية

أجرى وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي محادثات مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس تركزت على القضايا والأزمات الإقليمية.

محمد محمود (القاهرة )
أفريقيا متظاهرون يتجمعون بينما يلوّح أحدهم بعلم جنوب أفريقيا خلال مسيرة احتجاجية ضد المهاجرين غير الشرعيين في سبرينغز بإيكورهوليني في جنوب أفريقيا 8 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

احتجاجات في جنوب أفريقيا بعد تعهد الرئيس التصدي لمحرضين ضد الأجانب

تصاعدت الاحتجاجات المناهضة للهجرة غير النظامية في جنوب أفريقيا، وسط تحذيرات رئاسية من العنف ضد الأجانب واستمرار مغادرة مئات المهاجرين البلاد.

«الشرق الأوسط» (جوهانسبرغ)

بنغازي لتجاوز «عقدة» الإرهاب باستضافة مؤتمر برلماني آسيوي - أفريقي

أحد الوفود البرلمانية الأفريقية لدى وصوله إلى بنغازي للمشاركة في المؤتمر البرلماني السبت (الناطق باسم مجلس النواب)
أحد الوفود البرلمانية الأفريقية لدى وصوله إلى بنغازي للمشاركة في المؤتمر البرلماني السبت (الناطق باسم مجلس النواب)
TT

بنغازي لتجاوز «عقدة» الإرهاب باستضافة مؤتمر برلماني آسيوي - أفريقي

أحد الوفود البرلمانية الأفريقية لدى وصوله إلى بنغازي للمشاركة في المؤتمر البرلماني السبت (الناطق باسم مجلس النواب)
أحد الوفود البرلمانية الأفريقية لدى وصوله إلى بنغازي للمشاركة في المؤتمر البرلماني السبت (الناطق باسم مجلس النواب)

تستعد مدينة بنغازي، الواقعة في شرق ليبيا، لاستضافة أعمال مؤتمر يضم وفوداً برلمانية، من عدد من الدول الأفريقية والآسيوية، في خطوة ينظر إليها منظمو المؤتمر بوصفها «فرصة لتعزيز الحضور الإقليمي للمدينة، وإبراز التحولات التي شهدتها بعد سنوات من الصراع والاضطرابات الأمنية».

وقال رئيس ديوان مجلس النواب، عبد الله المصري، السبت، إنَّ اختيار بنغازي لاستضافة المؤتمر الذي سيُعقَد يومي الاثنين والثلاثاء المقبلين يعكس ما تشهده المدينة من «استقرار أمني ونهضة عمرانية»، مؤكداً جاهزيتها لتنظيم فعاليات دولية كبرى.

ويأتي تنظيم المؤتمر بعد نحو 9 سنوات من إعلان القوات التابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، بسط سيطرتها الكاملة على المدينة، في وقت لا يزال فيه المشهد السياسي الليبي منقسماً بين مؤسسات الشرق والغرب.

«وفد نيبال» المشارك في مؤتمر برلماني بمدينة بنغازي (الناطق الرسمي باسم مجلس النواب)

وبالنسبة لسلطات شرق ليبيا، يمثِّل المؤتمر مناسبةً لتأكيد التحسُّن الأمني وفك عقدة الإرهاب، الذي شهدته بنغازي قبل سنوات، وتقديم المدينة بوصفها مركزاً قادراً على استضافة الفعاليات الإقليمية والدولية، بعد أن ارتبط اسمها لسنوات بملفات الحرب ومكافحة الجماعات المتشددة، وتحديداً بعد نحو عقد من المواجهات المسلحة، التي شهدتها المدينة ضد جماعات متشددة، وتنظيم «داعش».

وبدأت بنغازي في استقبال الوفود المشارِكة في المؤتمر، وسط استعدادات مكثفة، شملت تعزيز الإجراءات الأمنية في محيط أماكن انعقاد الجلسات ومقار إقامة الضيوف، وأعمالاً لتجميل بعض الشوارع الرئيسية. ووصلت خلال اليومين الماضيين وفود من مالاوي والمغرب والكاميرون وجنوب السودان والصومال، إضافة إلى ممثلين عن الاتحاد البرلماني الأفريقي، عبر مطار بنينا الدولي، في مؤشر على اتساع المشارَكة في أعمال المؤتمر.

ويُعقد المؤتمر تحت شعار «الرؤية المستقبلية للعلاقات الأفريقية - الآسيوية»، ومن المقرر أن يناقش آليات تطوير التعاون البرلماني، ودور المؤسسات التشريعية في دعم التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار، إلى جانب بحث التحديات المشتركة التي تواجه دول القارتين.

وقال المتحدث باسم مجلس النواب الليبي، عبد الله بليحق، إن المؤتمر سيشهد جلسات حوارية ونقاشات متخصصة، بمشاركة وفود برلمانية من دول القارتين، مشيراً إلى أنَّ الحدث يندرج ضمن جهود تعزيز الحوار والتعاون البرلماني بين آسيا وأفريقيا.

ويتضمَّن جدول الأعمال مقترحات مؤسسية، من بينها ترشيح رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، لرئاسة المجلس البرلماني الآسيوي - الأفريقي، واقتراح اعتماد مدينة بنغازي مقراً دائماً للمجلس.

ويُعقَد الحدث برعاية مجلس النواب الليبي، الذي يتَّخذ من شرق البلاد مقراً له، في ظلِّ غياب مشاركة معلنة من المجلس الرئاسي أو المجلس الأعلى للدولة في غرب البلاد، ما يعكس استمرار حالة الانقسام المؤسسي والسياسي، التي تشهدها ليبيا منذ سنوات.

في المقابل، نفى المجلس البرلماني الآسيوي - الأفريقي، برئاسة محسن المندلاوي، وجود صلة مؤسسية له بالمؤتمر، مؤكداً أنَّ أي تمثيل رسمي للمجلس يجب أن يتم عبر القنوات المعتمدة وتحت إشراف رئاسته. ويعود الخلاف إلى تباين داخل قيادة المجلس بشأن ترتيبات المؤتمر، وآلية الترشيحات الخاصة بمناصبه القيادية.


«فوائد الديون» التحدي الأكبر أمام الحكومة المصرية بـ«العام المالي الجديد»

مخاوف من تأثيرات سلبية على موازنات الخدمات الأساسية بسبب ارتفاع فوائد الديون (الشرق الأوسط)
مخاوف من تأثيرات سلبية على موازنات الخدمات الأساسية بسبب ارتفاع فوائد الديون (الشرق الأوسط)
TT

«فوائد الديون» التحدي الأكبر أمام الحكومة المصرية بـ«العام المالي الجديد»

مخاوف من تأثيرات سلبية على موازنات الخدمات الأساسية بسبب ارتفاع فوائد الديون (الشرق الأوسط)
مخاوف من تأثيرات سلبية على موازنات الخدمات الأساسية بسبب ارتفاع فوائد الديون (الشرق الأوسط)

قبل أيام من اعتماد مجلس النواب المصري (الغرفة الأولى للبرلمان) مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي الجديد، الذي يبدأ في يوليو (تموز) المقبل، تبرز قضية الديون على رأس النقاشات مع استمرارها عند مستويات مرتفعة، في ظل تحذيرات متكررة من الضغط الذي تشكله على مخصصات الخدمات الأساسية، وفي مقدمتها التعليم والصحة.

وبحسب خبراء اقتصاد تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن هناك بوادر تحسن في التعامل مع «ملف الديون» بفعل الإجراءات الحكومية المتبعة أخيراً، التي أسهمت في انتظام الدولة في سداد التزاماتها المالية، ولكن تبقى خدمة الدين من فوائد وأقساط المعضلة الكبرى أمام الحكومة المصرية في العام المالي الجديد.

ومن المقرر أن يناقش البرلمان مشروع الموازنة العامة للدولة للعام المالي 2026 - 2027 تمهيداً لإقراره نهائياً في جلسة الثلاثاء المقبل، والتي سيسبقها أيضاً عقد جلسة، الاثنين، لمناقشة خطة التنمية الاقتصادية والاجتماعية وموازنة الهيئات العامة الاقتصادية، وفق بيان صادر عن مجلس النواب، الجمعة.

وارتفع الدين الخارجي لمصر بنحو 198 مليون دولار خلال الربع الأخير من العام الماضي، ليسجل 163.9 مليار دولار، مقابل 163.7 مليار دولار في الربع الثالث، وهي الأرقام نفسها تقريباً التي استمرت حتى نهاية الربع الأول من العام الحالي، وفق تقديرات «البنك المركزي المصري».

بينما أظهرت بيانات مشروع الموازنة العامة للدولة بمصر ارتفاعاً متوقعاً في حجم الدين الحكومي خلال العام المالي 2026 - 2027، مقارنة بالعام الحالي 2025 - 2026، بنسبة تقترب من 19.4 في المائة، وتشير التوقعات إلى تجاوز حجم الديون 21.9 تريليون جنيه مقابل 18.37 تريليون جنيه في موازنة العام الحالي (الدولار يساوي 52 جنيهاً تقريباً).

عبء على إيرادات الموازنة

وفي رأي الخبير الاقتصادي حمدي الجمل، فإن «هذه الأرقام تمثل عبئاً كبيراً على إيرادات الموازنة العامة للدولة؛ ما يؤثر في اعتمادات الصحة والتعليم، وكذلك حجم الاستثمارات المتاحة للاستثمار».

وأشار لـ«الشرق الأوسط» إلى أنه «في ظل الأوضاع الجيوسياسية التي تشهدها المنطقة، فإن الموازنة العامة المصرية تواجه أعباءً إضافية، منها ارتفاع فاتورة استيراد الوقود وانخفاض إيرادات قناة السويس، وارتفاع سعر الدولار مقابل الجنيه، وتصاعد معدلات التضخم؛ ما سيدفع (البنك المركزي) إلى رفع معدلات الفائدة، وهذا يزيد العبء على الموازنة العامة، على أساس أن الحكومة هي أكبر مدين للبنوك، ومن ثم ترتفع قيمة الفوائد التي تتحملها الحكومة».

محافظ البنك المركزي المصري قدم تطمينات للسيسي حول سداد الالتزامات قصيرة المدى من الديون (الرئاسة المصرية)

أما عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد السياسي والتشريع»، الدكتور أحمد أبو علي، فرأى أن «تقييم أوضاع الدَّيْن لا ينبغي أن يعتمد فقط على الحجم المطلق للمديونية، وإنما على قدرة الاقتصاد على خدمتها وإدارتها وكفاءة توظيفها في دعم النمو الاقتصادي وزيادة الإيرادات الدولارية، وتعزيز القدرات الإنتاجية للدولة».

وقال أبو علي في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إن «الدَّين الخارجي المصري شهد خلال العامين الماضيين تحولات مهمة، حيث تراجع من مستويات تجاوزت 164 مليار دولار في بعض الفترات إلى نحو 155.2 مليار دولار بنهاية الربع الأول من العام المالي الماضي، قبل أن يرتفع مجدداً؛ ما يعكس استمرار احتياجات التمويل الخارجي بالتوازي مع جهود الدولة لإعادة هيكلة آجال الاستحقاق، والاعتماد بصورة أكبر على الديون طويلة الأجل التي تمثل أكثر من 80 في المائة من إجمالي الدَّين الخارجي».

أضاف أبو علي أن «النظرة المهنية إلى ملف الديون يجب أن تركز على مؤشرات الاستدامة المالية وليس على الأرقام المجردة فقط، فهناك دول عديدة تتجاوز مديونياتها الخارجية مئات المليارات من الدولارات، بينما يظل العامل الحاسم هو نسبة الدَّين إلى الناتج المحلي الإجمالي، وهيكل الدَّين، ومواعيد الاستحقاق، وقدرة الاقتصاد على توليد العملات الأجنبية اللازمة للسداد.

38 مليار دولار التزامات هذا العام

وتشير بيانات «البنك الدولي» الصادرة في مايو (أيار) إلى أن الالتزامات الخارجية لمصر تبلغ حتى نهاية العام الحالي نحو 38.65 مليار دولار تتضمن نحو 12.7 مليار دولار ودائع لدى «البنك المركزي» لصالح دول الخليج.

وكان نائب رئيس مجلس الوزراء المصري للشؤون الاقتصادية، حسين عيسى، قد تحدث، الشهر الماضي، عن ملف الديون، ووصف وضع الدَّين العام بأنه «مأساوي»، مؤكداً أن «خدمة الدين تلتهم نحو 60 في المائة من إيرادات الدولة».

وتقدر أعباء خدمة الدين في الموازنة العامة المصرية للعام المالي الحالي 2026 بنحو 5.27 تريليون جنيه، تشمل أقساط الديون وفوائدها.

محافظ البنك المركزي المصري قدم تطمينات للسيسي حول سداد الالتزامات قصيرة المدى من الديون (الرئاسة المصرية)

في ظل هذا الوضع تصبح «معضلة مصر الأساسية في محدودية الموارد، بالتزامن مع مشروعات البنية التحتية التي تلتهم جزءاً كبيراً من الاعتمادات»، بحسب حمدي الجمل، الذي يرى أن «مصر تحاول أن تبحث عن حلول لتخفيض الدَّين العام سنوياً عبر التوجه نحو التقشف الحكومي بتقليل حجم استخدام الوقود والتوسع في مجالات اكتشاف الغاز والبترول، والعمل على زيادة الصادرات إلى 100 مليار دولار ورفع معدلات السياحة الوافدة؛ إذ تخطط مصر للوصول إلى 15 مليون سائح».

ونوه الجمل إلى أن كل هذه الإجراءات يمكن أن تخفض حجم الديون المصرية، خصوصاً أن معظم المشروعات القومية انتهت والباقي على وشك الانتهاء؛ ما يعني تقليل وتيرة معدل الاقتراض الخارجي، وإن كانت أعباء الديون ستبقى مشكلة قائمة لمدة طويلة».

«التحدي الحقيقي لا يتمثل فقط في حجم الدَّين، وإنما في تكلفة خدمته وانعكاساته على الموازنة العامة للدولة، حيث تستحوذ فوائد وأقساط الديون على نسبة كبيرة من الإنفاق العام، وهو ما يفرض ضغوطاً مستمرة على قدرة الحكومة على توجيه موارد أكبر نحو قطاعات التعليم والصحة والحماية الاجتماعية والاستثمار العام»، وفقاً لأحمد أبو علي.

وكان محافظ «البنك المركزي» حسن عبد الله، قد قدم تطمينات رسمية بشأن سداد الالتزامات قصيرة المدى، خلال اجتماعه، الشهر الماضي، مع الرئيس عبد الفتاح السيسي، مشيراً إلى «أن صافي الاحتياطيات الدولية لمصر، التي تبلغ نحو 53 مليار دولار في أبريل (نيسان) الماضي، تعادل نحو 158 في المائة من الديون الخارجية قصيرة الأجل».

ووفقاً للجمل، «يبقى الأهم التوقف عن الاقتراض من صندوق النقد الدولي؛ لأن توصياته حسب معظم الخبراء ومنهم من هم في دولاب العمل الحكومي، لا تدفع إلى تحسن اقتصادي حقيقي، ربما تقود لضبط الأداء المالي، لكن توصياته قاسية جداً لأي اقتصاد ريعي مثل الحالة المصرية».

وختم بأن «قدرة مصر على التعاطي مع التزاماتها الخارجية أصبحت ترتبط بشكل متزايد بقدرتها على تعزيز موارد النقد الأجنبي من مصادر مستدامة، وفي مقدمتها الصادرات الصناعية والزراعية، والسياحة، وتحويلات المصريين العاملين بالخارج، والاستثمار الأجنبي المباشر»، لافتاً إلى أن «المؤشرات الأخيرة أظهرت تحسناً ملحوظاً في تحويلات العاملين بالخارج وإيرادات السياحة، وهو ما يوفر دعماً مهماً للاقتصاد في مواجهة أزمة الديون».


الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)
أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)
TT

الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)
أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)

شهدت الأيام الأولى من حملة انتخابات الثاني من يوليو (تموز) بالجزائر تطورات مفاجئة خلطت أوراق الأحزاب وجعلتها في ورطة؛ فبينما أودع مترشح الحبس الاحتياطي بتهمتي «الاتجار بالمخدرات والمساس بالآداب»، جرى إسقاط قوائم مرشحين بأكملها لعدة أحزاب ومستقلين، بذريعة «الصلة بالمال الفاسد»، رغم تجاوزهم مصفاة الأمن الأولى. ولم تتوقف المفاجآت عند الداخل الجزائري فحسب، بل تحولت منصات الدعاية إلى منبر للهجوم الحاد على رئيس «الفيفا»، جياني إنفانتينو، إثر مطالبته عشية انطلاق المونديال بالإفراج عن الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المسجون بالجزائر في قضايا إرهاب.

* أحزاب في ورطة

في فضيحة من العيار الثقيل تزامنت مع الحراك الانتخابي، اهتزت ولاية عنابة (شرق) على خبر إيداع مرشح عن قائمة «جبهة التحرير الوطني» الحبس الاحتياطي، بتهم ثقيلة تمزج بين «تدنيس الآداب العامة» و«الاتجار بالمخدرات»، رفقة ستة أشخاص آخرين، وفق ما ذكرته مصادر إعلامية بعنابة، اليوم السبت، وذلك في اليوم الرابع من حملة الدعاية.

رئيس حركة البناء الوطني (إعلام حزبي)

وانطلقت خيوط القضية، وفق المصادر نفسها، من مداهمة مفاجئة نفذتها مصالح الشرطة، الأربعاء الماضي، لقاعة الشاي، التي يملكها المرشح نفسه، حيث تم اعتقال مسير المحل والأشخاص الست الآخرين، ومصادرة كمية من المخدرات كانت مخبأة بالمحل.

ولما أحيل الملف على المحكمة المحلية، قرر وكيل الجمهورية تأجيل فصول المحاكمة بآلية «المثول الفوري» إلى الأسبوع المقبل، مع إيداع جميع أطراف الملف السجن بتهمٍ يؤطرها قانون مكافحة المخدرات. كما كشفت التحريات أن المتهم الرئيسي هو نجل برلماني سابق عن الحزب نفسه بولاية سكيكدة المجاورة.

أمين عام جبهة التحرير الوطني (إعلام حزبي)

وضمن تطورات المشهد الانتخابي، نُقل رئيس «حركة البناء الوطني»، عبد القادر بن قرينة، على جناح السرعة إلى المستشفى بالعاصمة، ليلة الجمعة، بعدما شهدت حالته الصحية، الهشة أصلاً، تدهوراً مفاجئاً، وذلك بعد ساعات قليلة من تنشيطه تجمعاً شعبياً في ولاية بومرداس، شرق العاصمة. وحسب طاقم الإعلام التابع للحزب، فقد عاد بن قرينة إلى الحملة صباح السبت، بعد أن تلقى العلاج.

وعرف الحزب نفسه، المؤيد لسياسات الحكومة، إسقاط قائمة مرشحيه بالعاصمة بالكامل، التي تضم 38 مترشحاً، على الرغم من تجاوز مرحلة فرز المرشحين التي دامت عدة أيام قبل انطلاق الحملة، وأفضت إلى إقصاء 3 آلاف مترشح من أصل 10 آلاف، أغلبهم بذريعة «الصلة بالمال الفاسد»، وهي تهمة شملتها المادة 200 من قانون الانتخابات.

أمين عام التجمع الوطني الديمقراطي (إعلام حزبي)

وحسب مصادر حزبية، فقد تم استبعاد مرشحين آخرين في بداية الحملة، ينتمون لـ«جبهة التحرير» و«التجمع الوطني الديمقراطي»، وهو ما وضع الأحزاب المعنية في ورطة كبيرة، بحكم أن آجال استخلاف المترشحين المبعدين انتهت، وعلى أساس هذا الواقع الجديد ستغيب تشكيلات سياسية كبيرة، لأول مرة، عن الانتخابات في ولايات مهمة من حيث عدد المقاعد، التي تعود لها في «المجلس الشعبي الوطني».

إنفانتينو يشعل المهرجانات الدعائية

من ضمن المشاهدات غير المألوفة، تحولت منصات الحملة الانتخابية إلى منبر للهجوم على رئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، جياني إنفانتينو، إثر خوضه في قضية الصحافي الرياضي الفرنسي كريستوف غليز المسجون في الجزائر، بتهمة «الإرهاب»، وجاء ذلك بعد أن دعا إنفانتينو، عشية انطلاق المونديال، السلطات الجزائرية، إلى إطلاق سراحه ليتمكن، حسبه، من تغطية مباريات المونديال.

الرئيس الجزائري مع رئيس فيفا في أبريل الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وعد عبد القادر بن قرينة، رئيس «حركة البناء»، ومنذر بودن، أمين عام «التجمع الديمقراطي»، أمس الجمعة، خلال تجمعين دعائيين، تصريحات إنفانتينو «محاولة للهروب إلى الأمام، والتغطية على الفشل التنظيمي والسياسي للمونديال الحالي».

وواجه بن قرينة، رئيس الفيفا، بالقول إنه «كان الأجدر به الدفاع عن المنتخبات والصحافيين، الذين يعانون من تضييقات التأشيرة الأميركية بدلاً من التدخل في سيادة الجزائر»، في حين لم يتردد بودن في التلميح إلى «تعرض رئيس (الفيفا) للابتزاز من جهات معينة لقول ذلك»، موجهاً له رسالة مباشرة: «اذهب وانشغل بمشاكل المونديال ولا توجه الأنظار بعيداً!».

وهاجم الإعلام الجزائري بشدة رئيس هيئة كرة القدم العالمية. ففي مقال ناري قالت صحيفة «الشروق»: «لم يكن ما فعله جياني إنفانتينو في مكسيكو مجرّد التفاتة إنسانية عابرة. كان عملاً سياسياً محسوباً، تمّ تحت أضواء كأس العالم، عشيّة مباراة الافتتاح. وباسم مؤسسة رياضية يفترض أنها لا تتدخل في شؤون الدول، ولا تمارس الضغط العلني على سلطاتها القضائية والسيادية»، مؤكدة أنه «حين خصّص رئيس الفيفا كرسياً فارغاً للصحافي الفرنسي كريستوف غليز، ودعا علناً إلى منحه عفواً رئاسياً في الجزائر، لم يكن يتكلم كحارس لكرة القدم، بل كفاعل ضغط دولي، اختار أن يستخدم المسرح الكروي العالمي للتأثير في ملف قضائي جزائري، فصلت فيه محكمة ابتدائية، وأكدته محكمة استئناف».

رئيس فيفا مع وزير الرياضة الجزائري (وزارة الرياضة)

وأضاف المقال: «ليست القضية في التعاطف مع شخص، ولا في حق أي منظمة في التعبير عن موقف. القضية هي أن رئيس الفيفا، وهو على رأس مؤسسة يفترض أنها رياضية عالمية، نصب نفسه فوق الحدود، وفوق القضاء وفوق سيادة دولة مستقلة، وقرر أن يحوّل مؤتمراً كروياً إلى منصة ضغط رمزي على الجزائر. لماذا الآن؟ ولماذا من منصة كأس العالم؟ ولحساب أي مناخ سياسي وإعلامي؟ هذه الأسئلة ليست هامشية... إنها قلب الموضوع».