تدابير يتعيّن اتخاذها لوقف انتشار جدري القردة عالمياً

الأطفال من بين الفئات الأكثر عرضة للإصابة بجدري القردة (رويترز)
الأطفال من بين الفئات الأكثر عرضة للإصابة بجدري القردة (رويترز)
TT

تدابير يتعيّن اتخاذها لوقف انتشار جدري القردة عالمياً

الأطفال من بين الفئات الأكثر عرضة للإصابة بجدري القردة (رويترز)
الأطفال من بين الفئات الأكثر عرضة للإصابة بجدري القردة (رويترز)

دقّ ناقوس الخطر عالمياً على وقع انتشار فيروس جدري القردة خارج حدود أفريقيا، والتخوف من انتشاره على نطاق أوسع، مما يشكل تهديداً كبيراً للصحة العامة، أسوة بما حدث خلال جائحة «كورونا»، مما يستدعي تطبيق «تدابير عاجلة» للسيطرة على الفيروس.

وأعلنت السويد، الخميس، تسجيل أول إصابة بسلالة جدري القردة بسلالة «كلاد1» الأكثر فتكاً وانتقالاً عبر الاتصال البشري المباشر، وهو ما يميّزها عن حالات التفشي السابقة التي كانت ترتبط بشكل رئيسي بالانتقال الجنسي.

ورفع المركز الأوروبي للوقاية من الأمراض تقييمه للمخاطر بالنسبة للسلالة إلى معتدل، مشيراً إلى أنه «من المرجح للغاية» ظهور مزيد من الحالات في أوروبا.

وفي باكستان، أكدت وزارة الصحة، الجمعة، تسجيل إصابة مؤكدة بجدري القردة، لكن التحقيقات لا تزال جارية لتحديد سلالة الفيروس. ويعكس هذا الوضع أهمية تعزيز الجهود الدولية لاحتواء ومنع انتشار هذه السلالة الجديدة إلى مناطق أخرى من العالم.

ودفعت موجة الجدري الحالية منظمة الصحة العالمية، قبل أيام، لاعتبارها طارئة دولية، وهو أعلى مستوى تحذير يمكن أن تعلنه، مما يستدعي تفعيل استجابات طارئة في جميع الدول وفقاً لقواعد الصحة الدولية الملزمة.

ممرضة تتحقق من عينات يشتبه في إصابتها بجدري القردة في الكونغو الديمقراطية (رويترز)

من جانبه، قال الدكتور ويليام شافنر، أستاذ الطب الوقائي في جامعة «فاندربيلت» الأميركية، إن إعلان منظمة الصحة العالمية يؤكد التهديد المستمر الذي يشكله فيروس جدري القردة، خصوصاً بعد عودة ظهوره بسلالة جديدة أكثر شدّة في أفريقيا.

وأوضح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أن «وقف انتشار الفيروس يتطلب تعزيز المراقبة عبر أنظمة قوية للكشف المبكر وتتبع تطور المرض، وتحسين البنية التحتية للصحة العامة من خلال الاستثمار في الكوادر الطبية والمختبرات وقنوات الاتصال».

كما شدّد شافنر على «ضرورة توسيع نطاق الوصول إلى اللقاحات، خصوصاً لدى الفئات الأكثر عرضة والمناطق الموبوءة، إلى جانب تعزيز التوعية العامة حول طرق انتقال المرض والوقاية منه، ودعم البحث لتطوير لقاحات وعلاجات جديدة، مع تعزيز التعاون الدّولي لتبادل المعلومات والموارد».

أفريقياً، أفادت وكالة الصحة التابعة للاتحاد الأفريقي، بأن القارة سجلت 18 ألفاً و737 إصابة محتملة أو مؤكدة بجدري القردة منذ بداية عام 2024، منها 1200 حالة في أسبوع واحد. وأُكّدت 3101 حالة، وبلغت الوفيات 541 في 12 دولة.

وسجلت جمهورية الكونغو الديمقراطية، التي تعدّ مركز انتشار الوباء في أفريقيا، 16 ألفا و800 حالة وأكثر من 500 وفاة، فيما شهدت بوروندي 173 حالة. كما اكتُشفت سلالة جديدة من الفيروس تسمى «كلايد آي بي» وهي أكثر فتكاً وانتشاراً.

واكتُشف الفيروس لأول مرة عام 1970 في جمهورية الكونغو، وكان المتحور «كلاد1» يقتصر على غرب أفريقيا ووسطها. وفي عام 2022 انتشر المتحور «كلاد2» عالمياً ليؤثر بشكل رئيسي في الرجال المثليين.

وأعلنت منظمة الصحة العالمية أعلى مستوى من التأهب في يوليو (تموز) 2022، ورفعته في مايو (أيار) 2023 بعد وفاة 140 شخصاً من بين نحو 90 ألف إصابة.

منظمة الصحة العالمية توصي بإتاحة لقاح جدري القردة للأشخاص الأكثر عرضة للخطر (رويترز)

اللقاح... أولوية لأفريقيا

ويُعدّ التلقيح ضد الفيروس أساسياً لمواجهته، خصوصاً بالنسبة للفئات الأكثر عُرضة للخطر وهي الأطفال، وضعيفي المناعة، وكبار السن فوق 65 عاماً، ومن يتناولون أدوية مثبطة للمناعة، بالإضافة للأشخاص المخالطين لمصابين بالمرض.

وثمة لقاحات عدّة فعّالة للغاية ضد جدري القردة، لكنها غير متوافرة في أفريقيا حالياً، رغم إعلان المرض طارئة دولية.

وتوصي منظمة الصحة العالمية بإتاحة اللقاحات للأشخاص الذين كانوا مخالطين لمصاب بجدري القردة، أو الفئات المعرضة لخطر العدوى، وتوفر اللقاحات حماية من العدوى والمرض الشديد.

وقال وزير الصحة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، روجر كامبا إن بلاده تحتاج إلى 3.5 مليون جرعة من لقاحات جدري القردة لوقف تفشي الفيروس، مطالباً المجتمع الدّولي بالتحرك وتوفير المساعدة، وتقديم الموارد للوصول إلى هذه اللقاحات. ومن غير المرجح أن يتوفر اللقاح في الكونغو الديمقراطية والدول المجاورة إلا بعد أشهر.

وشدّدت الدكتورة كاثرين بينيت، رئيسة قسم الأوبئة في جامعة ديكين بأستراليا، على أهمية التطعيم في إدارة المخاطر الصحية على مستوى العالم، خصوصاً في مواجهة انتشار متحورات جديدة من الفيروسات، إذ تعد اللقاحات أداة حيوية في هذه المعركة، ولكن لا يكفي أن تكون متاحة فقط، بل يجب أن تصل إلى المجتمعات الأكثر عرضة للفيروس.

وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «نحن بحاجة إلى إيصال التطعيمات إلى المجتمعات التي ينتشر فيها الفيروس في أفريقيا لدعم التدابير الصحية العامة الأخرى والسيطرة على هذه الفاشيات. وإذا تمكّنا من السيطرة على الانتشار بسرعة، فسوف نقلّل من خطر انتقال الفيروس إلى دول جديدة، كما بدأ يحدث الآن مع تسجيل حالة في السويد».

وتابعت: «من مصلحة جميع الدول المساعدة في احتواء الفاشيات لهذا المتحور الأكثر خطورة أينما حدثت، لأن هذا هو السبيل لحماية دولنا، ولكن لا تزال هناك تحديات في تمويل اللقاح وتوزيعه في الأماكن التي تحتاج إليه، ويجب معالجة ذلك بشكل عاجل».

فحص طفل يعاني من الإصابة بجدري القردة في الكونغو الديمقراطية (رويترز)

هل سيتحول لجائحة عالمية؟

ورغم ظهور حالة إصابة مؤكدة في السويد، وإمكانية انتشار المرض أسوة بما حدث في «كورونا»، قال الدكتور مجدي بدران، عضو «الجمعية المصرية للحساسية والمناعة» وعضو «الجمعية العالمية للحساسية»، إنه «من المستبعد حتى الآن أن يتحوّل جدري القردة إلى وباء مثل (كورونا)، لأسباب عدّة أبرزها أنه لا ينتشر بسهولة مقارنة بـ(كورونا) الذي ينتقل بكفاءة عبر الهواء من شخص إلى آخر، كما أنه يمكن التعرف على المصابين بجدري القردة بسهولة بسبب الأعراض المميزة مثل الطفح الجلدي».

وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أنه «من السهل احتواء تفشي جدري القردة، لأن هناك مناعة مجتمعية موجودة فعلياً ضد الفيروس، وهناك نوعان من اللقاحات الفعالة ضده، على عكس الأيام الأولى لجائحة (كوفيد - 19)».

لكن في الوقت نفسه، أشار إلى أن هناك مخاوف من انتشار جدري القردة بسبب عوامل عدّة، أبرزها التغيرات في الأنماط الحياتية مثل السلوك الجنسي غير التقليدي، مما قد يساعد في ظهور الفيروس في مناطق جديدة وفئات عمرية مختلفة عبر الاتصال الوثيق، بالإضافة إلى غياب التدابير الوقائية مثل النظافة الشخصية، والتباعد الجسدي، مما يزيد من خطر انتشار العدوى بين الأطفال والحوامل.

ولتقليل هذه المخاطر، واحتواء المرض، حثّ بدران على اتخاذ مجموعة من التدابير، أبرزها: «تكاتف الجهود الدّولية لتوفير وتوزيع لقاحات وعلاجات جدري القردة بشكل عادل عالمياً، خصوصاً في المناطق الموبوءة، واتباع ثقافة جنسية تنمّي العلاقات الجنسية العفيفة الآمنة، وزيادة قدرات التشخيص المبكر واكتشاف الحالات، وتتبع انتشار الفيروس، بالإضافة إلى تعزيز البنية التحتية للصحة العامة».


مقالات ذات صلة

اتهام عالمين أميركيين بتهريب فيروس جدري القردة إلى الولايات المتحدة

الولايات المتحدة​ صورة تحت المجهر الإلكتروني قدمها المعهد الوطني للحساسية والأمراض المعدية في عام 2024 لجزيئات فيروس «جدري القردة» باللون البرتقالي الموجودة داخل الخلايا المصابة باللون الأخضر (أ.ب)

اتهام عالمين أميركيين بتهريب فيروس جدري القردة إلى الولايات المتحدة

الفحوصات كشفت لاحقا أن مونستر وكوي كانا يحملان قوارير تحتوي على فيروس جدري القردة المعطل، بحسب مكتب التحقيقات الاتحادي.

«الشرق الأوسط» (ديترويت)
صحتك ممرض يأخذ عيّنة من طفل مشتبه في إصابته بمرض جدري القردة بجمهورية الكونغو الديمقراطية 19 يوليو 2024 (رويترز)

تقرير: زيادة «حادة» في الإصابات بسلالة متحورة من جدري القردة في أوروبا

حذر خبراء من ارتفاع حاد في إصابات سلالة متحورة من جدري القردة عبر أوروبا، حيث ينتشر الفيروس الآن بين أشخاص ليس لديهم تاريخ سفر معروف أو اتصالات مع حالات مصابة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك ممرض يأخذ عيّنة من طفل مشتبه في إصابته بمرض جدري القردة بجمهورية الكونغو الديمقراطية في 19 يوليو 2024 (رويترز)

«الصحة العالمية»: جدري القردة لا يزال يمثّل حالة طوارئ عامة

قالت منظمة الصحة العالمية، اليوم (الاثنين)، إن تفشي جدري القردة لا يزال يمثّل حالة طوارئ صحية عامة، وأصدر المدير العام للمنظمة مجموعة معدلة من التوصيات المؤقتة.

«الشرق الأوسط» (جنيف)
أوروبا صورة مجهرية مكبّرة لفيروس «إمبوكس» (رويترز)

السلطات الصحية البريطانية تحقق في إصابة بفيروس «إمبوكس»

أعلنت السلطات الصحية البريطانية، الاثنين، اكتشاف إصابة بفيروس «إمبوكس» من سلالة «كلايد 1 بي» لم يبلغ فيها المريض عن أي سفر أو اتصال بأشخاص مصابين آخرين. 

«الشرق الأوسط» (لندن)
آسيا ينتشر جدري القردة عن طريق الاتصال الوثيق ويسبب أعراضاً تشبه تلك الناجمة عن الإنفلونزا (أرشيفية - رويترز)

الصين ترصد سلالة فرعية متحورة جديدة من جدري القردة

قالت السلطات الصحية في الصين، اليوم (الخميس)، إنها رصدت سلالة فرعية متحورة جديدة من جدري القردة.

«الشرق الأوسط» (بكين)

بدء تنفيذ مبادرة ساعات العمل المرنة في الرياض

تشمل مبادرة ساعات العمل المرنة أكثر من 50 جهة في 6 مواقع عمل بمدينة الرياض (واس)
تشمل مبادرة ساعات العمل المرنة أكثر من 50 جهة في 6 مواقع عمل بمدينة الرياض (واس)
TT

بدء تنفيذ مبادرة ساعات العمل المرنة في الرياض

تشمل مبادرة ساعات العمل المرنة أكثر من 50 جهة في 6 مواقع عمل بمدينة الرياض (واس)
تشمل مبادرة ساعات العمل المرنة أكثر من 50 جهة في 6 مواقع عمل بمدينة الرياض (واس)

بدأ، الثلاثاء، تنفيذ مبادرة ساعات العمل المرنة في ست مناطق عمل بمدينة الرياض، وذلك ضمن الجهود الرامية إلى تعزيز كفاءة التنقل في العاصمة السعودية، ودعم انسيابية الحركة المرورية، وتحسين جودة الحياة.

جاءت هذه المبادرة التي تنفذها الهيئة الملكية لمدينة الرياض، بالشراكة مع وزارة الموارد البشرية والتنمية الاجتماعية، وتشمل المبادرة أكثر من 50 جهة حكومية في 6 مواقع عمل «المركز المالي (كافد)، المدينة الرقمية، حي السفارات، ليسن فالي، غرناطة بزنس، وواجهة روشن».

وتتضمن المبادرة زيادة نافذة الساعات المرنة إلى أربع ساعات في مواقع العمل الست، بما يتيح توزيع أوقات الحضور والانصراف على فترات زمنية متعددة، ويحد من تركز الحركة خلال ساعات الذروة.

وتُمكِّن المبادرة من توزيع أوقات حضور الموظفين لتصبح بالنسبة للجهات الخاضعة لنظام الخدمة المدنية من 5:30 حتى 9:30 صباحاً، أما الخاضعة لنظام العمل من 7:00 حتى 11:00 صباحاً.

ويتوقع أن تسهم المبادرة في توفير مرونة أكبر للموظفين في اختيار أوقات الحضور، بما ينعكس إيجاباً على تجربة العمل، ويرفع من كفاءة التنقل، ويدعم الجهود المستمرة لتطوير بيئة حضرية أكثر كفاءة واستدامة.

وتأتي هذه المبادرة ضمن منظومة متكاملة من الحلول والمشاريع التي تنفذها الهيئة لتطوير التنقل في العاصمة، إلى جانب مشاريع الطرق، والنقل العام، وإدارة الحركة المرورية، والحلول التنظيمية الحديثة، بما يواكب النمو المتسارع الذي تشهده المدينة.

وتُطبق المبادرة على الوظائف الإدارية ذات الجداول الثابتة، فيما تُستثنى منها القطاعات التي تتطلب طبيعة أعمالها استمرارية التشغيل وتقديم الخدمات، كالصحة والتعليم العام والوظائف الميدانية والتشغيلية.


مصر لتحويل «قلب القاهرة» إلى مزار مفتوح لجذب السائحين

القاهرة الإسلامية مسجلة ضمن التراث العالمي باليونيسكو (وزارة السياحة والآثار)
القاهرة الإسلامية مسجلة ضمن التراث العالمي باليونيسكو (وزارة السياحة والآثار)
TT

مصر لتحويل «قلب القاهرة» إلى مزار مفتوح لجذب السائحين

القاهرة الإسلامية مسجلة ضمن التراث العالمي باليونيسكو (وزارة السياحة والآثار)
القاهرة الإسلامية مسجلة ضمن التراث العالمي باليونيسكو (وزارة السياحة والآثار)

تسعى مصر لتطوير وترميم المعالم الأثرية في القاهرة الإسلامية والتاريخية، لتحويلها إلى «مزار مفتوح» يجذب إليها المزيد من السائحين، وتستمر جهود جهات الدولة المعنية بإعادة إحياء مختلف المعالم التاريخية والتراثية بالقاهرة وتطوير المناطق المحيطة بها.

وأشار رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، إلى استمرار الجهود لإعادة إحياء مختلف المعالم التاريخية والتراثية بالقاهرة، وتطوير المناطق المحيطة بها، تنفيذاً لتوجيهات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في هذا الشأن، وسعياً للحفاظ على ما تتمتع به تلك المعالم من طابع معماري وتاريخي وثقافي فريد، فضلاً عن دورها في اجتذاب المزيد من السائحين للتعرف على ما تذخر به القاهرة من مواقع وأماكن تاريخية عبر العصور المتعاقبة.

ولفت رئيس الوزراء، وفق بيان الثلاثاء، إلى أنه بالانتهاء من مختلف ما يتم تنفيذه من أعمال تتعلق بإعادة إحياء المعالم التاريخية، وكذا ما يتعلق بتطوير ورفع كفاءة المناطق المحيطة بالمعالم التاريخية، سيصبح «قلب القاهرة» مزاراً مفتوحاً يستقطب المزيد من الحركة السياحية من جميع أنحاء العالم، للاستمتاع بما يضمه من العديد من المواقع التاريخية والتراثية، هذا فضلاً عما تتم إقامته من أنشطة وفعاليات ثقافية وفنية متنوعة، ومن ذلك ما يقام بـ«شارع الفن» بمنطقة وسط البلد أخيراً.

وكان رئيس الوزراء قد شهد قبل أيام تدشين مبادرة «شارع الفن» في شارع الشريفين ومنطقة البورصة وسط القاهرة، وتضمنت عروضاً فنية كلاسيكية وتراثية وشعبية، بالإضافة إلى ورش فنية ومعارض للفنون التشكيلية وفقرات متنوعة للموسيقى والرقص والغناء.

جانب من فعاليات «شارع الفن» في القاهرة الخديوية (رئاسة مجلس الوزراء)

واستعرض وزير الأوقاف المصري، أسامة الأزهري، خلال اجتماع مع رئيس مجلس الوزراء بحضور محافظ القاهرة ومسؤولين آخرين، موقف إعادة إحياء وترميم العديد من المساجد والأضرحة التاريخية، وأكد على استمرار الجهود المبذولة في هذا الصدد، بما يضمن صون التراث الإسلامي، والحفاظ على الهوية الحضارية المصرية.

ولفت إلى أن ما يتم تنفيذه من جهود لا تتعلق بأعمال الترميم وإعادة الإحياء فقط لمختلف المعالم التاريخية والتراثية، بل تمتد لتشهد فتح المزيد من المسارات السياحية المتكاملة للربط بين العديد من المواقع والمعالم التاريخية والتراثية التي تحكي تاريخ مصر العريق عبر الأزمنة والحقب التاريخية، بما يسهم في إتاحة تجربة مميزة ومتكاملة للسائحين والمترددين على تلك المعالم التاريخية.

فيما استعرض محافظ القاهرة، إبراهيم صابر، جهود إعادة إحياء العديد من معالم القاهرة الخديوية والتاريخية والإسلامية، وما يتم في هذا الإطار من أعمال تتعلق بإعادة المظهر الحضاري والتاريخي لتلك المعالم، مع الاهتمام بإعادة تأهيل وتطوير البنية التحتية الموجودة بالمناطق التاريخية والمناطق المحيطة بها.

ويرى الخبير الآثاري المصري، الدكتور عبد الرحيم ريحان، رئيس حملة الدفاع عن الحضارة المصرية أن «القاهرة تمتلك مقومات تاريخية وحديثة ممثلة في القاهرة التاريخية المسجلة قيمة عالمية استثنائية في (اليونيسكو) منذ عام 1979 علاوة على القاهرة الخديوية التي أطلق عليها (باريس الشرق)»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «وزارة السياحة والآثار أعلنت من قبل عن مشروع (القاهرة الكبرى الثقافي) لجعل العاصمة مزاراً جاذباً للسياح وزيادة مدة التجربة السياحية بالقاهرة إلى 12 يوماً، من خلال توفير تجارب متنوعة للسياح عبر زيارة المواقع الأثرية والسياحية ومعالم القاهرة الحديثة».

وأوضح ريحان أن القاهرة التاريخية تشمل الآثار الإسلامية والقبطية في ثلاثة نطاقات وهي منطقة القلعة وابن طولون، والجمالية، والمنطقة من باب الفتوح إلى جامع الحسين، ومنطقة الفسطاط، والمقابر، والمنطقة القبطية، والمعبد اليهودي.

ولفت إلى أن تطوير القاهرة الخديوية يشمل تأهيل المباني التراثية والإضاءة وتنسيق الموقع العام لمناطق ميدان طلعت حرب وميدان مصطفى كامل وشارع قصر النيل، ويهدف المشروع إلى رفع كفاءة المباني التراثية للحفاظ على ثروتها من المباني المميزة، خاصة بعد انتقال المصالح الحكومية إلى العاصمة الإدارية الجديدة ورفع الكفاءة الوظيفية للفراغات (ميادين وشوارع) عبر استخدام عناصر مميزة لتأثيث الموقع، بحيث تراعي الطابع المعماري والسياق التاريخي للقاهرة التاريخية.


متحف باريسي يحوِّل عملية ترميم لوحة شهيرة إلى عرض ممتع للزوار

نجح متحف أورسيه في تبسيط ترميم الأعمال الفنية من خلال تحويل العملية الدقيقة التي استغرقت عاماً كاملاً للوحة غوستاف كوربيه التي يبلغ طولها 22 قدماً إلى حدث عام (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)
نجح متحف أورسيه في تبسيط ترميم الأعمال الفنية من خلال تحويل العملية الدقيقة التي استغرقت عاماً كاملاً للوحة غوستاف كوربيه التي يبلغ طولها 22 قدماً إلى حدث عام (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)
TT

متحف باريسي يحوِّل عملية ترميم لوحة شهيرة إلى عرض ممتع للزوار

نجح متحف أورسيه في تبسيط ترميم الأعمال الفنية من خلال تحويل العملية الدقيقة التي استغرقت عاماً كاملاً للوحة غوستاف كوربيه التي يبلغ طولها 22 قدماً إلى حدث عام (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)
نجح متحف أورسيه في تبسيط ترميم الأعمال الفنية من خلال تحويل العملية الدقيقة التي استغرقت عاماً كاملاً للوحة غوستاف كوربيه التي يبلغ طولها 22 قدماً إلى حدث عام (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

عادةً ما تتم عمليات ترميم الأعمال الفنية العظيمة بهدوء خلف الأبواب المغلقة، لكن هذه المرة، سمح متحف «أورسيه» في باريس للزوار بالاطلاع من كثب على عملية الترميم. على مدار العام الماضي، رحّب المتحف بالزوار للتفاعل مع فريق من المرممين في أثناء قيامهم بتحويل إحدى كبرى وأهم لوحاته: «دفن في أورنان» لغوستاف كوربيه. أنشأ المتحف ورشة عمل مؤقتة خلف حاجز زجاجي ضخم في الطابق الأرضي ليتمكن الزوار من الدخول ومشاهدة عملية الترميم الدقيقة. شرح المرممون كيف قاموا بتحديد مستطيلات صغيرة لاختبارها على اللوحة التي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وكيف نظفوا الأوساخ والغبار عن سطحها، وأزالوا طبقات الورنيش الأصفر السميكة الموجودة تحتها، وملأوا الشقوق، ورمّموا الفراغات بلمسات من الطلاء. كما أوضحوا كيف قاموا بتقوية القماش المتموج ذي النسيج غير المحكم، والذي فككه كوربيه ونقله وأعاد تأطيره مرات عديدة. قاموا بخياطة وإصلاح الثقوب والتمزقات، وتسوية حواف اللوحة. ثم قاموا بفرد القماش المقوَّى وشدّوه بإحكام باستخدام أربطة مطاطية داخل إطار مؤقت جديد.

مرمم يعمل على لوحة «دفن في أورنان» لغوستاف كوربيه في متحف «أورسيه» بباريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

سبق لمتحف «أورسيه» أن جعل المرممين بمنزلة مؤدين: فقد عملوا خلف الزجاج أمام جمهور عندما جرى ترميم لوحة كوربيه «مرسم الرسام» قبل أكثر من عقد من الزمان. هذه المرة، رتب المرممون صفوفاً من الكراسي القابلة للطي وقدموا محاضرات مجانية كل خميس مصحوبة بعروض شرائح وفيديوهات بتقنية التصوير الزمني، تلتها جولات تعريفية عن قربٍ حول اللوحة نفسها. وفي كل يوم اثنين، عندما يكون المتحف مغلقاً، استقبلوا مجموعات طلابية من جميع أنحاء فرنسا للمشاهدة.

أطلق سيلفان أميك، مدير المتحف الذي وافته المنية فجأة العام الماضي، مبادرةً لإشراك الزوار مباشرةً في عملية ترميم هذه اللوحة. وقالت آنيك ليموين، المديرة الحالية: «كان يريد أن يجعل الزوار مشاركين فاعلين في عملنا، وأن يزيل الغموض عن المتحف. أن نكون مع المرممين في أثناء عملهم، وأن نشاركهم فرحتهم وشغفهم واكتشافاتهم، لهو أمرٌ ساحر».

متمرد واقعي

يأتي عديد من زوار متحف «أورسيه» لمشاهدة مجموعته الضخمة من لوحات الانطباعيين مثل مونيه ورينوار وديغا، وليس بالضرورة لوحات كوربيه، رائد الواقعية في الرسم الفرنسي الذي سبقهم. ربما يُعرف كوربيه اليوم بلوحته الشهيرة «أصل العالم». لكن لوحاته ذات الأحجام الكبيرة التي تُصوّر الحياة اليومية بكل تفاصيلها هي التي أوصلته إلى الشهرة، وأثارت غضب نقاد الفن في عصره. انهالت عليه سيول من الإهانات في صالون باريس عامي 1850-1851 عندما عرض لأول مرة لوحته «جنازة في أورنان»، التي تدور أحداثها في القرية التي وُلد فيها شرق فرنسا. تُصوّر اللوحة أكثر من أربعين قروياً مجتمعين لدفن شخصية مجهولة الهوية. يُلقي كاهن، محاطاً بفتيان المذبح وحراس القبر، البركة. في المقدمة، يظهر كلب وحفار قبور ورجلان مسنان يرتديان سراويل قصيرة. على اليسار، يحمل حاملو النعش التابوت. يتركز محور اللوحة على قبر مفتوح في أسفل منتصفها. رسم كوربيه شخصياته بالحجم الطبيعي، وهو امتياز كان حكراً سابقاً على الشخصيات التوراتية أو الأسطورية. لم يُجمّلها. هاجمه النقاد لجرأته على الاحتفاء بواقع الحياة اليومية على نطاق واسع، وهو أمر كان مقتصراً سابقاً على لوحات الأحداث التاريخية المهمة. سخروا من «القبح المبتذل» لشخصياته و«تمجيد التفاهات البغيضة».

زوار يشاهدون عملية ترميم لوحة «دفن في أورنان» للفنان غوستاف كوربيه من خلال لوحة تشرح المشروع في متحف «أورسيه» بباريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

وُلد كوربيه في عائلة ثرية من ملاك الأراضي في أورنان، ونشأ في رغد العيش، متغطرساً، ومحبطاً من بيروقراطية الفن. لم يكترث للإهانات. بصفته رائداً في بناء العلامات التجارية في عصره، تفاخر بأنه «أكثر الرجال فخراً وغروراً في فرنسا». رجل أعمال طموح، انطلق بلوحته «جنازة في أورنان» في جولة فنية بعد صالون باريس، عارضاً إياها -وفرض رسوم دخول- في أنحاء فرنسا. عندما رفضها المعرض العالمي عام 1855، بنى وموّل جناحاً منفرداً لعرضها مع أعمال أخرى، وروّج للمعرض بملصقات في أنحاء باريس. ومرة ​​أخرى، فرض رسوم دخول. كتب ذات مرة: «إذا كنت أصنع الفن، فهدفي الأول هو كسب عيشي منه».

الإيطالية ذات الأصابع الذهبية

بدأ مشروع ترميم لوحة «دفن في أورنان» عام 2018 عندما قدم خبراء من هيئة ترميم الأعمال الفنية الفرنسية، ومقرها متحف اللوفر، إلى متحف «أورسيه» لإجراء تحليلات بالأشعة تحت الحمراء والفلورية فوق البنفسجية، كشفت عن عناصر في اللوحة لم تكن مرئية بالعين المجردة. وبعد عامين، أُجريت دراسة إشعاعية شاملة. أطلق المتحف حملة لجمع التبرعات، وموّل «بنك أوف أميركا» عملية الترميم بمبلغ لم يُفصح عنه.

سينزيا باسكوالي التي قادت مشروع ترميم لوحة «دفن في أورنان» لغوستاف كوربيه إلى جانب اللوحة في متحف «أورسيه» بباريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

قادت العمل سينزيا باسكوالي، المولودة في إيطاليا، والتي تدير شركتها الخاصة لترميم الأعمال الفنية في حي مونمارتر بباريس، وتُلقب أحياناً بـ«الإيطالية ذات الأصابع الذهبية». تلقّت باسكوالي، التي تجاوزت الستين من عمرها، تدريبها في روما في أقدم معهد ترميم في أوروبا، وترتدي ملابس سوداء، وحذاءً ذا نعل مطاطي سميك، ومئزراً طويلاً. زينتها الوحيدة هي أقراطها الذهبية المميزة المصنوعة في إيطاليا، والمزينة بتماثيل ملائكة منحوتة ولآلئ متدلية. لا تستطيع باسكوالي تخمين عدد اللوحات والجداريات والمنحوتات التي قامت بترميمها خلال أكثر من أربعين عاماً في هذا المجال. تقول: «لا مجال للإبداع في مهنة الترميم. فالضوء مُسلط على الرسام، وعلى الرسام وحده. إذا طُلب مني القيام بشيء أصيل، فلا أعرف كيف». تشتهر باسكوالي بترميمها المذهل الذي أنجزته بمفردها للوحة «العذراء والطفل مع القديسة حنة» لليوناردو دافنشي، المعروضة في متحف اللوفر. أثار ذلك المشروع جدلاً بين مؤرخي الفن ولجنة الترميم الاستشارية التابعة لمتحف اللوفر حول مدى شمولية عملية التنظيف. وقالت باسكوالي حينها: «في النهاية، وكما يحدث دائماً، توصلنا إلى حل وسط».

«ميل فوي» من الأسرار

اتسم نهجها في رسم لوحة «دفن في أورنان» بالثقة والهدوء، وهو ما شكّل تحدياتٍ مختلفة. عثرت والدة كوربيه على قطع قماش طويلة في أورنان، وقام أفراد العائلة بخياطتها معاً في أربعة شرائط أفقية، ليتمكن كوربيه من البدء في العمل على لوحة تجاوز عرضها 22 قدماً وارتفاعها 10 أقدام. حدد تصميمه على تحقيق «تأثير واقعي» لأسلوبه الفني. استخدم الفرشاة والجانب المسطح من السكين لطلاء القماش بطبقات متفاوتة السماكة لإضفاء حيوية على ألوان البشرة والمواد، لكن هذه التقنية تسببت في تشقق الطلاء وانفصاله. عانت اللوحة لاحقاً من طبقات متراكمة من الورنيش الأصفر، الطبيعي والاصطناعي، بعضه وُضع بشكل رديء في تعديلات سابقة. يقول روبرت ميرلو، منسق الخدمات اللوجستية للمشروع: «كانت هناك طبقات متراكمة من الورنيش، أشبه بحلوى الميل فوي».

صورة تفصيلية للوحة «دفن في أورنان» للفنان غوستاف كوربيه خلال ترميمها في متحف «أورسيه» بباريس (إليوت فيردييه - نيويورك تايمز)

إدخال النور

كشفت عملية الترميم أيضاً عن أن اللوحة، على عكس ما يُشاع عنها من كآبة وحزن، كانت زاخرة بالألوان والنور. استناداً إلى التصوير العلمي، عرف الفريق تقريباً كمية الورنيش التي تجب إزالتها. وبدأوا باختبارات لمعرفة ما يمكن إذابته بسهولة باستخدام قطرات صغيرة من مخاليط مذيبات مختلفة. كانت طبقات الطلاء الأصفر الداكن سميكة جداً لدرجة أن جوارب الحداد المسن، الذي يرتدي زي الثورة الفرنسية، تحولت تدريجياً من اللون الأخضر الباهت إلى الأزرق الفيروزي. وفي تحولات أخرى، أصبح إناء الماء المقدس البني الباهت، ذهبياً لامعاً. وتحول الكلب المصفر إلى اللون الأبيض؛ وأصبحت السماء أكثر إشراقاً. وأصبح الحجاب أكثر شفافية؛ والقبعات والأردية أكثر حُمرة، والوجوه أكثر وردية. قال ميرلو: «كانت اللوحة دائماً قاتمة جداً، وكئيبة جداً -كنت تشعر حقاً كأنك في جنازة. ولكن بعد ذلك، تدفق النور الساطع».

بينما كان يتحدث، كان اثنان من المرممين، على سقالة عالية، يملآن الثقوب بطلاء راتنجي قابل للذوبان. تسببت بقايا الرصاص والملح من أصباغ كوربيه في ظهور نتوءات صغيرة على اللوحة. جلست باسكوالي على كرسي بلاستيكي أبيض، وربطت نظارة مكبرة زرقاء حول رأسها، وسلَّطت ضوءاً فلورياً محمولاً بالقرب من اللوحة. قالت: «هناك كثير منها في كل مكان، أترى؟ مثل البثور أو الإكزيما». عندما يعرض متحف «أورسيه» العمل المرمم للجمهور في أواخر الصيف أو أوائل الخريف، يأمل أن يبدو كما كان عليه عندما عرضه كوربيه لأول مرة. لكن ليس بالضرورة إلى الأبد. قالت باسكوالي: «في كل مرة نقوم فيها بالترميم، نسعى جاهدين لجعله مستقراً قدر الإمكان، ولكنه قابل للعكس دائماً. نستخدم ألواناً يمكن إزالتها بسهولة. يجب استبدالها كل 50 إلى 100 عام. العمل الفني يعيش بعدنا».

* خدمة «نيويورك تايمز»

Your Premium trial has ended