ماكينزي يكشف جوانب مثيرة في علاقة «أميركا القوية» بالشرق الأوسط

«نقطة الانصهار» يروي بالتفصيل قرار قتل سليماني ويُحذر من تراجع القدرات الأميركية

القائد السابق للقيادة الوسطى لدى القوات الأميركية الجنرال كينيث فرنك ماكينزي خلال مؤتمر صحافي في مارس 2020 (البنتاغون - أرشيفية)
القائد السابق للقيادة الوسطى لدى القوات الأميركية الجنرال كينيث فرنك ماكينزي خلال مؤتمر صحافي في مارس 2020 (البنتاغون - أرشيفية)
TT

ماكينزي يكشف جوانب مثيرة في علاقة «أميركا القوية» بالشرق الأوسط

القائد السابق للقيادة الوسطى لدى القوات الأميركية الجنرال كينيث فرنك ماكينزي خلال مؤتمر صحافي في مارس 2020 (البنتاغون - أرشيفية)
القائد السابق للقيادة الوسطى لدى القوات الأميركية الجنرال كينيث فرنك ماكينزي خلال مؤتمر صحافي في مارس 2020 (البنتاغون - أرشيفية)

يكشف القائد السابق للقيادة الوسطى لدى القوات الأميركية الجنرال كينيث فرنك ماكينزي، في كتابه الصادر حديثاً «نقطة الانصهار... القيادة العليا والحرب في القرن الحادي والعشرين»، عن معلومات لم تُعرف من قبل عن بعض أهم العمليات العسكرية التي أشرف عليها حين كان القائد الـ14 للقيادة الوسطى، بما في ذلك مسؤوليته العملياتية المباشرة عن الضربة التي قُتل فيها قائد «فيلق القدس» لدى «الحرس الثوري» الإيراني الجنرال قاسم سليماني، بالإضافة إلى عمليات الردع التي استمرت لأشهر ضد إيران ووكلائها والانسحاب المنهجي في العراق، فضلاً عن إدارة عملية انسحاب القوات الأميركية من أفغانستان، وعمليات أخرى أدت إلى تصفية اثنين من قادة «داعش».

غير أن «نقطة الانصهار» يذهب إلى ما هو أبعد من مجرد العمليات العسكرية الاستثنائية التي أشرف عليها ماكينزي خلال مرحلة حرجة في الشرق الأوسط، ليركز على الدور الريادي الذي تضطلع به الولايات المتحدة في المنطقة استناداً إلى قوتها العسكرية الاستثنائية، التي أدت المحافظة على قوة الردع في مواجهة زعزعة أكان من إيران مباشرةً، أو عبر وكلائها في بلدان عربية مختلفة، ومنها الحوثيون في اليمن و«حزب الله» في لبنان و«كتائب حزب الله» وغيرها من الميليشيات في كل من العراق وسوريا.

ويحتوي كتاب الجنرال ماكينزي، الذي شغل سابقاً أيضاً منصب مدير هيئة الأركان المشتركة، ويعمل حالياً مديراً تنفيذياً لمعهد الأمن العالمي والقومي ومركز فلوريدا للأمن السيبراني بجامعة جنوب فلوريدا، على ثلاثة مواضيع رئيسية مرتبطة بشخصية القائد العسكري.

ويركز في الأول على أهمية أولوية السيطرة المدنية على الجيش، مشيراً إلى أنه لا يوافق على «الحقائق المتعارف عليها على نطاق واسع» في شأن أن «هذه السيطرة تآكلت خلال السنوات القليلة الماضية». وإذ يتحدث عن العلاقة المدنية - العسكرية، يوضح أنها «أكثر ديمومة مما يعتقده الكثيرون، وتدعمها وتحتضنها المؤسسة العسكرية إلى درجة لا يختار بعض النقاد الاعتراف بها».

ويلفت إلى «الفرادة» في أن يكون الشخص «قائداً مقاتلاً» يشارك في «تطوير السياسة»، وهو «المسؤول عن تنفيذ السياسة بمجرد قيام القادة المدنيين بصياغة قرارهم». ويناقش ثالثاً أن «القادة مهمون، وأن القرارات التي يتخذونها لها تأثير عميق على ما يحدث في ساحة المعركة»، مقدماً «صورة حية» للقيادة في العمل في واحدة من أكثر مناطق العالم اضطراباً: الشرق الأوسط.

غلاف كتاب «نقطة الانصهار... القيادة العليا والحرب في القرن الحادي والعشرين» الصادر حديثاً

حقيقة غير سارة

وكتب ماكينزي أن «أي تقييم لمستقبل الشرق الأوسط يجب أن يتعامل مع حقيقة غير سارة» مفادها أن «إيران لا تزال ملتزمة أهدافاً تهدد مصالح المنطقة والولايات المتحدة على حد سواء»، مشيراً إلى «هذه الأهداف صارت في متناول اليد مع نمو ترسانة الصواريخ الباليستية وأنظمة الدفاع الجوي، وتحسن تكنولوجيا الطائرات المُسيّرة». وأعطى مثلاً بإطلاق إيران قبل أسابيع «وابلاً من الصواريخ والطائرات المُسيّرة على إسرائيل»، مؤكداً أن الهجمات فشلت «ليس نتيجة دفاعات إسرائيل القادرة فحسب، بل أيضاً نتيجة مساهمات القوات الأميركية والقوات المتحالفة معها».

ويخلص إلى أن «الوجود الأميركي المستمر في المنطقة أمر بالغ الأهمية لردع مزيد من العدوان»، مستدركاً بأن «سياستنا الحالية لا تستجيب لهذا الواقع». ويعترف بأن «القدرات العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط تراجعت بشكل مطرد، مما شجع إيران، التي تعزز نفوذها مع تراجع الدعم الدولي لإسرائيل»، محذراً من أن «رغبة أميركا الواضحة في الانسحاب من المنطقة أدت إلى تقويض علاقاتنا مع حلفائنا».

السيارة التي كان يستقلها سليماني مشتعلة بعد استهدافها بصواريخ أميركية في 3 يناير 2020 (أرشيفية - أ.ف.ب)

إيران تستجيب للردع

وفي واحد من أحد الفصول الأكثر إثارة في الكتاب، يكتب ماكينزي أن «التاريخ الحديث يُظهر أن الموقف الأميركي القوي في الشرق الأوسط يردع إيران»، مضيفاً أن كقائد للقيادة الوسطى، كان يتحمل «المسؤولية العملياتية المباشرة» عن الضربة التي قتلت سليماني، بوصفه «الجنرال القاسي المسؤول عن مقتل المئات من أفراد الخدمة الأميركيين... بدأت إيران تشك في إرادة أميركا، وهو ما أثبتته الضربة التي استهدفت سليماني» لأن الهجوم الذي وقع في أوائل عام 2020 «أجبر قادة إيران على إعادة حساب تصعيدهم المستمر منذ أشهر ضد القوات الأميركية. وفي نهاية المطاف، أعتقد أنها (أي عملية قتل سليماني) أنقذت عديداً من الأرواح». ويرى أن «ضربة سليماني تقدم درساً لم يجرِ الالتفات إليه» ومفاده أن إيران «تحترم القوة الأميركية وتستجيب للردع». ويحذر: «عندما ننسحب، تتقدم إيران. وعندما نثبت أنفسنا، بعد أن وزنَّا المخاطر واستعددنا لكل الاحتمالات، تتراجع إيران. إن حياة سليماني وموته هي شهادة على هذه القاعدة، التي ينبغي أن توجه سياستنا المستقبلية في الشرق الأوسط».

وبعدما عرض بإسهاب وتفصيل لقرار قتل سليماني وإشرافه على العملية الخاصة بتنفيذ القرار الذي اتخذه الرئيس السابق دونالد ترمب، ووزير الدفاع آنذاك مارك أسبر، ورئيس هيئة الأركان المشتركة الجنرال مارك ميلي، أشار إلى ضربات أميركية ضد «كتائب حزب الله» في أنحاء مختلفة من سوريا والعراق.

أكثر من مذكرات

وحظي كتاب ماكينزي فور نشره بإشادات من عسكريين وباحثين كبار في الولايات المتحدة، وبينهم نائب وزير الخارجية السابق ريتشارد أرميتاج، الذي لاحظ أن الجنرال ماكينزي «يكشف عن كل شيء في ملاحظاته، حتى عندما تؤثر عليه سلباً»، موضحاً أن ماكينزي بيّن كيف أنه «رغم التحسينات في الاستخبارات والاتصالات، يحتاج القائد اليوم إلى ما اعتمد عليه القادة العسكريون دائماً -الخبرة، والثقة في مرؤوسيهم، والحدس. الحمد لله أن الجنرال ماكينزي كان هناك من أجلنا في أكثر الأوقات خطورة بالنسبة لهذه الأمة».

ورأى وكيل وزارة الدفاع السابق للسياسة ميشال فلورنوي، أن «نقطة الانصهار ليست المذكرات الأولى ولا الأخيرة عن حروب الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان، ولكنها واحدة من أكثر الروايات صراحةً وبصيرةً من قائد عسكري أميركي متمرس».

وكتب الرئيس السابق لهيئة الأركان المشتركة جوزيف دانفورد، أن «الجنرال فرنك ماكينزي هو واحد من أكثر القادة تفكيراً وكفاءة وخبرة في جيله. في نقطة الانصهار، يشارك دروساً ثاقبة لا تقدر بثمن حول منطقة القيادة المركزية والقيادة على المستوى الاستراتيجي».

وقال الرئيس والمدير التنفيذي لمعهد الشرق الأوسط في واشنطن، الدكتور بول سالم، إن «نقطة الانصهار (...) وصف مثير للاهتمام وواضح للتدخل العسكري الأميركي في الشرق الأوسط وأفغانستان بين عامي 2019 و2022»، مضيفاً أنه «كتاب يجب قراءته لأي شخص مهتم بفهم ديناميكيات الشرق الأوسط، والتنافس بين والولايات المتحدة وإيران، وداعش، والقاعدة، وطالبان، والحسابات العامة لقوة الولايات المتحدة».


مقالات ذات صلة

الشكوك تحيط بمحادثات باكستان قبل انتهاء الهدنة

شؤون إقليمية مروحيتان أميركيتان خلال عملية إنزال جنود على الناقلة «إم-تي تيفاني» قرب سريلانكا في المحيط الهندي صباح الثلاثاء (البنتاغون)

الشكوك تحيط بمحادثات باكستان قبل انتهاء الهدنة

طغى عدم اليقين على آفاق استئناف المحادثات بين واشنطن وطهران، مع اقتراب انتهاء وقف إطلاق النار، بالتوازي مع تصعيد بحري جديد تمثل في وقف ناقلة نفط ثانية.

«الشرق الأوسط» (لندن- طهران )
شؤون إقليمية لقطة من فيديو لجندي أميركي على متن مروحية وهو يوجه تحذيراً إلى سفينة إيرانية قرب مضيق هرمز أمس (سنتكوم)

حصار «هرمز» خطوة بخطوة: ماذا نعرف حتى الآن؟

لم تعبر مضيق هرمز، يوم الاثنين، سوى ثلاث سفن فقط؛ إذ تباطأت حركة الملاحة إلى حد شبه التوقف، في أعقاب هجمات استهدفت سفناً تجارية من قبل الولايات المتحدة وإيران.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية طائرة استطلاع تستعد للإقلاع من حاملة الطائرات «يو إس إس جيرالد آر. فورد» في البحر الأحمر (سنتكوم)

الجيش الأميركي يعيد 27 سفينة إيرانية منذ بدء حصار «هرمز»

أعلنت القيادة المركزية الأميركية «سنتكوم»، الاثنين، أن البحرية أعادت 27 سفينة حاولت دخول الموانئ الإيرانية أو مغادرتها منذ بدء الحصار الأميركي خارج مضيق هرمز.

إريك شميت (واشنطن)
شؤون إقليمية مروحية أميركية تهبط على متن سفينة الشحن الإيرانية «توسكا» في بحر العرب (سنتكوم)

ترجيح وجود معدات لاستخدام مزدوج على سفينة إيرانية احتجزتها أميركا

رجّحت مصادر في قطاع الأمن البحري أن سفينة الحاويات «توسكا» التي ترفع العلم الإيراني، والتي اعتلتها القوات الأميركية واحتجزتها تحمل مواد للاستخدام المشترك.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية طائرة من طراز «بوينغ سي-17 إيه غلوبماستر» تابعة لسلاح الجو الأميركي تستعد للهبوط في قاعدة «نور خان» العسكرية الباكستانية في روالبندي الاثنين (أ.ف.ب)

ترمب يدفع بـ«اتفاق أقوى»... ومسار باكستان على المحك

خيّم الغموض، الاثنين، على إمكان عقد جولة ثانية من المفاوضات في إسلام آباد مع تصاعد التوتر بعد إطلاق القوات الأميركية النار على سفينة شحن إيرانية والسيطرة عليها.

«الشرق الأوسط» (لندن_واشنطن_طهران_إسلام آباد)

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة متعلقة بإيران

وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
TT

وزارة الخزانة الأميركية تفرض عقوبات جديدة متعلقة بإيران

وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)
وزير الخزانة ‌الأميركية سكوت بيسنت (رويترز)

​قالت وزارة الخزانة ‌الأميركية التي يتولى حقيبتها سكوت بيسنت عبر موقعها ​الإلكتروني، الثلاثاء، ‌إن ⁠الولايات ​المتحدة فرضت ⁠عقوبات ⁠جديدة متعلقة ‌بإيران ‌شملت ‌أفراداً ‌وشركات ‌على صلة بالتجارة ⁠والسفر الجوي.

وجاء في بيان أصدرته الوزارة أن هذه الجهات «متورطة في شراء أو نقل الأسلحة أو مكونات الأسلحة نيابة عن النظام الإيراني».

وقال بيسنت، وفق «رويترز»: «تجب محاسبة النظام الإيراني على ابتزازه لأسواق الطاقة العالمية واستهدافه العشوائي للمدنيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة (...). ستواصل وزارة الخزانة تتبع الأموال، واستهداف تهوّر النظام الإيراني ومن يدعمونه».


إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
TT

إسرائيل تتهم «حزب الله» بإطلاق صواريخ باتجاه جيشها في جنوب لبنان

جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)
جنود إسرائيليون يقفون فوق دبابة في شمال إسرائيل بالقرب من الحدود مع لبنان 15 أبريل 2026 (رويترز)

قال الجيش الإسرائيلي، الثلاثاء، إن جماعة «حزب الله» اللبنانية المدعومة من إيران أطلقت عدة صواريخ باتجاه قواته التي تعمل في جنوب لبنان، فيما وصفه بأنه «انتهاك صارخ» لاتفاق وقف إطلاق النار، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضاف أن صفارات الإنذار التي دَوّت في بلدات بشمال إسرائيل يُرجح أنها انطلقت بسبب اعتراض طائرة مسيّرة أُطلقت من لبنان قبل أن تعبر إلى داخل إسرائيل، وذلك تصحيحاً لتقرير سابق أشار إلى احتمال حدوث خطأ في التقدير.

وأعلن الجيش الإسرائيلي في المقابل أنه قصف موقعاً تابعاً لـ«حزب الله» في جنوب لبنان، رداً على إطلاق الصواريخ ضد جنوده المنتشرين في المنطقة.

وذكر الجيش في بيان: «قبل قليل، أطلق تنظيم (حزب الله) الإرهابي، عدة صواريخ باتجاه جنود الجيش الإسرائيلي المتمركزين جنوب خط الدفاع الأمامي في منطقة رب ثلاثين»، وهي بلدة تقع في جنوب لبنان على بعد أقل من 3 كيلومترات من الحدود الإسرائيلية. وأضاف البيان: «رداً على ذلك، قصف الجيش الإسرائيلي موقع الإطلاق الذي انطلقت منه الصواريخ».

وسيطرت إسرائيل على عدة مناطق في جنوب لبنان، معقل «حزب الله»، منذ اندلاع الحرب بينهما في الثاني من مارس (آذار) إثر إطلاق «حزب الله» صواريخ من جنوب لبنان على إسرائيل، ردّاً على مقتل المرشد الإيراني علي خامنئي في بداية الهجوم الأميركي الإسرائيلي على إيران.

وبينما شاب وقف إطلاق النار العديد من الحوادث، ستُعقد جولة جديدة من المحادثات «المباشرة» بين لبنان وإسرائيل الخميس في واشنطن، بعد نحو عشرة أيام من الجولة الأولى، بحسب ما قال مسؤول في وزارة الخارجية الأميركية لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» الاثنين.


التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
TT

التفاوض يختبر توازنات طهران... ومجلس الأمن القومي في الواجهة

قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)
قاليباف يشارك في اجتماع مجلس «تشخيص مصلحة النظام» ويبدو أمين مجلس الأمن القومي الجنرال محمد باقر ذو القدر (موقع قاليباف)

بعدما أطاح القصف الأميركي - الإسرائيلي بالمرشد الإيراني علي خامنئي ومعظم قادة الصف الأول، لم تنهَر قيادة الجمهورية الإسلامية، لكن المفاوضات المطروحة لإنهاء الحرب تفتح اختباراً جديداً أمام تماسكها وقدرتها على إدارة المرحلة التالية.

على مدى عقود، نجح المرشد في إدارة عدة فصائل قوية، حيث أخضع من تحدوا سلطته، بينما استمع في الوقت نفسه إلى آراء متنافسة. ولم يعد واضحاً الآن من يمارس هذا النوع من السلطة على مجموعة من الشخصيات المدنية والجنرالات البارزين في «الحرس الثوري» الذين يبدو أنهم يديرون المشهد.

وقد توصلت هذه الأطراف إلى قدر من التماسك، في الوقت الراهن، عبر تبنّي موقف متشدد وفقاً لتحليل نشرته وكالة «أسوشييتد برس»، لكن الخلافات بشأن حجم التنازلات الممكنة في المفاوضات مع الولايات المتحدة قد تكشف عن خطوط تصدع، في وقت يكافح الوسطاء الباكستانيون لاستضافة جولة جديدة من المحادثات.

من يدير المشهد؟

كان المرشد علي خامنئي قادراً على فرض إرادته على مراكز القوة المتباينة داخل الجمهورية الإسلامية. وبعد مقتله في الضربات الإسرائيلية في اليوم الأول من الحرب، خلفه نجله مجتبى خامنئي.

لكن الشكوك لا تزال تحيط بدور خامنئي الابن بعد تقارير عن إصابته في الغارات. ولا يزال متوارياً عن الأنظار، ولم يظهر علناً منذ توليه المنصب، كما أن طريقة إصداره التعليمات إلى كبار القادة لا تزال غير واضحة.

ويقع مركز السلطة الآن في يد هيئة شبيهة بالمكتب السياسي تُعرف باسم «المجلس الأعلى للأمن القومي»، وتضم كبار المسؤولين المدنيين والعسكريين. وقد برز محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، باعتباره واجهة لهذا المجلس وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة.

إيرانيون يتابعون عبر شاشة تلفاز جانباً من المناظرة بين الرئيس مسعود بزشكيان والمتشدد سعيد جليلي يوليو 2024 (أرشيفية - د.ب.أ)

وكان المرشد السابق قد بدأ بمنح المجلس صلاحيات أوسع قبل وفاته، لكن الحرب عززت نفوذ المجلس بشكل أكبر.

ويضم المجلس طيفاً من التوجهات السياسية، وغالباً ما يشهد منافسات حادة. ويمثل سعيد جليلي، المنافس السياسي لقاليباف والمعارض المتشدد للولايات المتحدة، المرشد داخل المجلس، فيما يتولى الرئيس الإصلاحي مسعود بزشكيان رئاسته الاسمية.

ومن بين الأعضاء المتشددين القائد الجديد لـ«الحرس الثوري» أحمد وحيدي، والأمين العام الجديد للمجلس محمد باقر ذو القدر، وهو أيضاً من قادة «الحرس».

لكن استراتيجية إسرائيل القائمة على تصفية القيادات العليا تشير إلى سوء تقدير لطبيعة عمل النظام الإيراني، بحسب تقديرات خبراء.

ومنذ اندلاع الحرب، أدى النفوذ المتزايد لـ«الحرس الثوري» داخل المجلس إلى تغذية تكهنات بشأن احتمال حدوث تحول جوهري في بنية السلطة.

اختبار تفاوضي حاسم

تواجه القيادة الآن اختباراً صعباً في المفاوضات مع الولايات المتحدة، مع بروز أسئلة قد تكون مثيرة للانقسام حول مدى الاستعداد لتقديم تنازلات. وتطالب واشنطن إيران بتقديم تنازلات كبيرة لضمان عدم قدرتها على تطوير سلاح نووي، فيما تؤكد طهران أن برنامجها سلمي وتصر على حقها في تخصيب اليورانيوم.

وفي مقابلة مع التلفزيون الرسمي الإيراني، الأحد، قال قاليباف إن إيران تسعى إلى اتفاق شامل يحقق «سلاماً دائماً» يمنع تكرار الهجمات الأميركية.

وأضاف: «يجب قطع هذه الحلقة الخطيرة»؛ في إشارة إلى الضربات الأميركية التي استهدفت إيران خلال فترات التفاوض، مرة خلال حرب الأيام الـ12 في يونيو (حزيران)، ومرة أخرى خلال النزاع الحالي.

وأعرب أعضاء المجلس عن ثقتهم بأن إيران تمسك بزمام المبادرة حالياً، خصوصاً في ظل سيطرتها على مضيق هرمز، ما يمنحها القدرة على التأثير في أسعار الطاقة وفرض ضغوط سياسية.

وأكد مسؤولون أنهم قادرون على الصمود للحصول على ضمانات بعدم التعرض لهجمات جديدة، حتى مع خطر استئناف الحرب، معتبرين أن إيران قادرة على تحمّل الضغوط لفترة أطول من الولايات المتحدة وحلفائها.

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

لكن في نهاية المطاف، تبقى أولوية القيادة هي البقاء. فالحرب والحصار الأميركي، الذي يهدد تجارة النفط الإيرانية، يضغطان على اقتصاد البلاد المتدهور.

وقد أسهمت الأوضاع الاقتصادية الصعبة في اندلاع موجات من الاحتجاجات خلال العقدين الماضيين، بما في ذلك احتجاجات دعت إلى إسقاط النظام. وقد يساعد التوصل إلى اتفاق مع الغرب ورفع العقوبات في الحفاظ على الاستقرار الداخلي.

مؤشرات على الخلاف

وأشارت تطورات عطلة نهاية الأسبوع في مضيق هرمز إلى وجود خلافات بشأن حجم التنازلات في المفاوضات. فقد ظل الانخراط مع واشنطن محل انقسام داخل النخبة الإيرانية، رغم انعدام الثقة العميق تجاه الولايات المتحدة.

وفي يوم الجمعة، أعلن وزير الخارجية عباس عراقجي أن إيران ستفتح المضيق أمام الملاحة التجارية في إطار وقف إطلاق النار. وبعد ساعات، أكد ترمب أن الولايات المتحدة ستواصل الحصار للضغط على طهران.

وفي صباح السبت، أعلن الجيش الإيراني إعادة إغلاق المضيق رداً على الحصار.

وانتقدت بعض وسائل الإعلام الإيرانية تصريحات عراقجي، معتبرة أنها أعطت انطباعاً بالضعف، وكشفت عن تباين المواقف داخل النظام. وذكر تقرير لوكالة «تسنيم» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن الموقف بشأن المضيق كان ينبغي أن يصدر عن المجلس الأعلى للأمن القومي.

ورد مكتب عراقجي بأن وزارة الخارجية «لا تتخذ أي إجراء دون التنسيق مع الجهات العليا». في مقابلة لاحقة، شدد قاليباف على أن جميع مكونات القيادة متفقة على استراتيجية التفاوض مع الولايات المتحدة.

وسيط محتمل

ويُنظر إلى قاليباف على أنه يمتلك موقعاً يسمح له بجسر الفجوات بين الأجنحة المختلفة داخل النظام. فهو جنرال سابق في «الحرس الثوري» وقائد سابق للشرطة، وحافظ على علاقات وثيقة مع المؤسسة العسكرية طوال مسيرته السياسية.

وخلال توليه رئاسة بلدية طهران بين 2005 و2017، اكتسب سمعة كونه مسؤولاً عملياً قادراً على تنفيذ المشاريع، رغم اتهامات بالفساد وانتهاكات حقوقية.

وكتب علي ربيعي، وهو إصلاحي بارز ومساعد للرئيس، في مقال صحافي أن قاليباف يمثل «الدولة والنظام».

وفي الوقت نفسه، يتمتع قاليباف بعلاقات وثيقة مع عائلة خامنئي، إذ يتحدر الطرفان من مدينة مشهد. وقال محسن سازغارا، أحد مؤسسي «الحرس الثوري» سابقاً والمعارض الحالي، إن مجتبى خامنئي دعم محاولات قاليباف المتكررة غير الناجحة للوصول إلى الرئاسة خلال فترة حكم والده.

كما يحتفظ قاليباف بعلاقات قوية مع القيادات الجديدة في «الحرس الثوري» التي خلفت القادة الذين قُتلوا، والتي يُنظر إليها على أنها تمسك بمفاتيح أي اتفاق مستقبلي مع الولايات المتحدة. وقد يتيح له هذا الدعم العابر للتيارات ضمان تأييد داخلي لأي اتفاق، في مواجهة معارضة محتملة من المتشددين الرافضين لتقديم تنازلات.