«آخر المدن»... الواقعية الوحشية

زهير الجزائري ينحاز أكثر للروائي عن التسجيلي في روايته الجديدة

«آخر المدن»... الواقعية الوحشية
TT

«آخر المدن»... الواقعية الوحشية

«آخر المدن»... الواقعية الوحشية

تضعنا رواية «آخر المدن» للكاتب زهير الجزائري، الصادرة عن دار سطور للنشر والتوزيع/ بغداد 2023، أمام ثنائية المفارقة بين السرد والوثيقة، فبقدر ما تستدعي لعبة السرد التخيل والإثارة والرغبة بتقويض التاريخ، فإن الوثيقة تعمد إلى مجاورة الواقع وصيانته، وربما استحضار التاريخ نفسه بوصفه مجموعة أحداث وحكايات وصراعات.

لم يشأ الروائي وضع الوثيقة أمام «المتخيل السردي»، بل جعل هذا المتخيّلَ مجسَّه السردي للحفر في المخفيّ من الوثيقة، وهو ما جعل حبكة الرواية تنمو في إطارٍ «سائلٍ» يتسع للتشابك بين ما هو سردي، وما هو وثائقي، فتمارس عناصر السرد خرقها للثابت، والوجود، ولاصطناع رواة خارقين، متمردين، مفتونين بتحويل الشهادة/ التدوين إلى رؤيا، وهو الضد مما حفظته الوثيقة في «لا وعيها» حول حادثة «بشتشان» الدموية، بوصفها مرجعية وثائقية وإطارية للرواية، إذ تحولت إلى «تاريخ» فاصل بين زمنين، استدعت لها كثيراً من أولئك الرواة، الذين عاشوا أزمتها ودمويتها، فحمّلوها إسقاطاتهم النفسية والأيديولوجية. والرواية في هذا السياق لا تعدو أن تكون تمثيلاً لما يرويه عنها أولئك الرواة، الذين تمرّدوا على أصل الحادثة، فحوّلوا الوثيقة إلى «ظل» سحري للذوات المأزومة، مثلما حوّلوا الأمكنة القاسية والمُوحشة إلى دوستوبيات طاردة ومُعادية، عاشوا معها سيرة هروبهم من ذاكرة الحادثة، وكأنهم كانوا يهربون من أوهامهم، إذ بَدَت فكرة الهروب نظيرة للبحث عن فكرة الخلاص، ونفياً لفكرة الموت، ومواجهة مفارقة مع الذات المهزومة والآخر / السلطوي، والآخر / الدوغمائي / الأيديولوجي.

ثنائية السرد والوثيقة تحولت إلى لعبة استقطاب أرادها الروائي أن تكون مجالاً بؤرياً لوضع الفاعل السردي في سياق ضدي لكتابة شهادته الضدية، عبر تتبع رحلة «الأنصار» في الجبال المُوحشة، وتدوين انكساراتهم وخيباتهم، حيث استثارة المسكوت عنه في هذه الرحلة الغرائبية، وفي تحويل هذا الصراع من طابعه السياسي / الأيديولوجي إلى صراع نفسي، عاشت استلابه شخصيات كانت تثق بالحلم الأيديولوجي اليوتوبيي، لكنها اصطدمت بالواقع المتوحش، فتكشف لنا عبر لعبة السرد وجوداً «دوستوبياً» تتمثله فكرة «موت المكان»، بصفتها تورية لموت البطل الأيديولوجي، وموت الحلم الثوري.

العنوان وعتبة الخرق

العنوان الدال على النهاية / آخر المدن، يوحي بنهاية ذلك الحلم، ونهاية السيرة / الرحلة في «المكان الدوستوبي». وعبارة «آخر» هي خرق سيميائي للمكان اليوتوبي، حيث يصنع السرد عبر واقعيته المتوحشة أمكنة سردية طارئة وطاردة، لا حدود لها، ولا أفق لها سوى ما يصلح لتمثيل تلك الواقعية، ولطبائع الشخصيات المستلَبة فيها، ولتحميل «الوثيقة» بعداً إيحائياً يتعالق مع ما تعرّضت له «حركة الأنصار» من خيانة، ومن أخطاء ومن استلابات، جعلتها تعيش مراثي المكان الدوستوبي، بغرائبيته، وبانتهاكاته، وبغرائبية شخصياته التي تحولت وتشوهت، فبدا وجودها في «الجحيم الثلجي»، وكأنه نظير للوجود النفسي القهري لجحيم الذات، في هزيمتها وانكسارها، وفي سيرتها الفارقة.

دأب الجزائري في أغلب كتاباته على ممارسة هوايته «التسجيلية» مع الأمكنة، عبر عين «كاميرا السرد»، و«لغة الريبورتاج»، فاصطنع عبرها مدوَّنات ووثائق زاوجت بين الواقعية التسجيلية وسردية الصحافة، لكنه في رواية «آخر الأمكنة» بدا أكثر انحيازاً إلى الروائي، حيث تحولت الوثيقة / الحدث إلى مُحفز للسرد، ولكشف ما عاشته شخصيات الرواية في رحلتها الدامية، على مستوى فنطازية مواجهتها للطبيعة القاسية، أو على مستوى وقوفها أمام محنة المجهول والعدو والرهاب الأيديولوجي، فكانت الرواية مأخوذة بتوصيف مُركّب وغرائبي زاوَج فيه الروائي بين رعب المكان الجحيمي، وأرخنة التحولات / الهروبات النفسية والصراعات التي عاشتها شخصياتها في جبال كوردستان الثلجية بعد حادثة «بشتشان» التي مثّلت انكساراً حقيقياً في تاريخ الحركة، وفي تحويل المكان اليوتوبي / الثوري إلى مكان دوستوبي مسكون بجحيم الهروب والمطاردة والعزل والإحباط. وبقدر ما كشفته سيميائية السرد من خرق في المكان «الثوري» من دلالات فاجعة، فإنها انفتحت على خروقات أخرى، مسّت «الذات الأنصارية» في أسئلتها الوجودية، وفي غربتها داخل المكان الغرائبي، وصولاً إلى ما أفضت إليه من تداعيات - أيديولوجية وسياسية ونفسية - أسهمت في صناعة الخرق الأكبر؛ وهو المنفى، الذي عُدّ خياراً للخلاص، مثلما عدّه البعض هزيمة وجودية للحركة ولحُلمها الثوري، وذهاباً إلى «اللامكان»، وربما كان هروباً من سرديات الذات القلِقة إلى الآخر، حيث لم يعد هذا الآخر «جحيماً»، كما قال سارتر، بل إن الجحيم ظلّ عالقاً بالذات، ومسكوناً بقلقها الوجودي، وهوسها بالبحث عن المكان التعويضي / الإشباعي الذي يتضادُّ مع قسوة التاريخ / الوثيقة.

«أمكنة زهير الجزائري يغلفها الضباب»، هذا التوصيف للكاتب علاء المفرجي تعبير عن هوس الجزائري بالأمكنة، إذ هي جزء من لعبته في أسفاره الصحافية، لكنه في رواية «آخر المدن» جعل تلك الأمكنة خارج لعبته الصحافية، وداخل تخيلات الرهان السردي، ليدوّن من خلالها محنة واغتراب الإنسان، الغاطس في «جحيم الثلج»، فيكشف عن ملامحه الشاحبة والمُعذَّبة، وعن موته العلنيّ وجودياً وأيديولوجياً، مثلما يكشف عن ملامح الطبيعة الناتئة، غير المُؤَنْسنة، والتي فقدت أثرها لولا ما أطلقه عليها «الشاعر...» الذي التقطته فرق الحركة، فهو جندي هارب من أهوال المعارك العبثية الأخرى، ومن «خنادق مُهدّمة»، ومن ذاكرة محشوّة صور جثث في «سورة الماء وأخرى معلَّقة على الأشجار أو نائمة في حقول الخشخاش»، «فأسبغ بحضوره البوهيمي نوعاً من الشغف الشعري، عبر هلاوسه، وأحلامه، وعبر ما اصطنعته مخيلته التائهة من توصيفات ظلّت عالقة بذاكرة الأمكنة مثل «فم الذئب» و«جبل العاشق»

الزمن بوصفه مجالاً سيميائياً

قد يكون الزمن «التاريخي» أكثر تعلّقاً بحمولات ما تُدوّنه الوثائق عن الحروب والأحداث الكبرى، وعن سيرة الإنسان الذي يكتب عن أسفاره ورحلاته، لكن حضور «الزمن النفسي» في الرواية جعلها أكثر إثارة؛ ليس لأنه يلعب على فكرة تقويض «الزمن التاريخي» أو سرديته؛ بل لأنه استغرق في الكشف عن رهاب الصراعات التي عاشتها شخصيات الرواية في دواخلها، وفي المكان الدوستوبي، وعلى نحو جعل صاحب كتاب «ضباب الأمكنة» مشغولاً بإيهامات رصد تلك التحوّلات النفسية الصاخبة لشخصياته، عبر مراقبة انفعالاتها وتمرداتها، فجعل الزمن النفسي أكثر تمثيلاً للكشف عن تلك التحولات، وعن رصد تشوهات علاقتها بالمكان، وبما أعطى لـ«المكان الثلجي» من بُعد سيميائي للعذاب الإنساني، حيث استعارة ميثولوجيا العذاب في «الجحيم الدانتوي» بوصفه معادلاً نفسياً لمحنة شخصياته وهي تعيش «الاغتراب» القاسي بمفهوميه الفلسفي والتطهيري، فلا تملك سوى التمرد، والرحيل الفاجع إلى «آخر المدن» بوصفه اعترافاً وتطهيراً وخلاصاً.

تجاوزُ الروائي الجزائري وثائقية الزمن الكورنولوجي الخارجي وضَعَنا أمام زمن داخلي يتحطم فيه النموذج النمطي، فجعل زمن الهزيمة / الحادثة هو زمن اللاوعي الذي تتسرب من خلاله إيحاءات ما يخصّ مصائر شخصياته وتحولاتها، فاصطنع لها مقاربات سردية يتمثل فيها النفسي بوصفه تعبيراً عن القلق والخوف والعجز، مثلما يتبدى فيها الاغتراب بوصفه طرداً من «الحلم» وكشفاً فاجعاً عن الهزيمة الذاتوية، إذ تشظّى وجودها بين رعب الأمكنة القاتلة التي لجأت إليها تلك الشخصيات، وبين رعب الانكسارات النفسية الفاجعة التي أخذت تتضخم، بهلاوسها وكوابيسها وهاجسها، المأخوذة بمطاردة البرد والسلطة ورقابة «البختيار».

الشخصيات والتمثل البوليفونيقد يبدو الروائي العليم حاضراً وفاعلاً في الرواية من خلال ضمير المتكلم الجمعي «نحن»، لكنّ مفارقة هذه الوظيفة - أحياناً - تُعطي بعض الشخصيات الأخرى حضوراً تؤدي من خلاله وظائف تمثيل خطابها الوجودي في سياق الأحداث، بوصفها ناقلة لها، أو للتعبير عبر «ضمير الغائب هو» عن المخفي، وهذا ما أسهم في تعزيز مستويات البناء السردي في الرواية، على حساب التدوين الوثائقي، فجعل لعبة السرد مربوطة بشبكة علائق ذات طاقة تمثيلية، تدخل فيها اللعبة البوليفونية بوصفها واسطة تجمع بين فواعل وبين سردية «السيرذاتي»، وتدوينها للشهادة / الوثيقة، وهو ما ألقى ظلاله على اشتراطات لعبة السرد، فجعل فضاء الحكي مرهوناً بتخليق سرديّ تُمارس فيه عين الكاميرا وظيفة راصدة، مثلما جعل عين السارد تمارس وظيفة الاستغراق في اليومي والتفصيلي، فجعل شخصياتٍ مثل هشام، جوتيار، رؤوف، سمية، د. عشتار، د. مالك، رائد الخائن، الشاعر، بهاء الأيديولوجي، هشام المسؤول العسكري، البختيار، وغيرهم، عناصر أو وحدات رمزية في السياق الروائي، تمنح الرواية تكاملاً يقوم على ثنائية أرخنة الحدث في بشتشان، وأثر المضمر في تقويض الحلم، وبين فاعلية السرد وما تنطوي عليه من آليات تستجيب لضرورات واستراتيجيات بناء الرواية، على مستوى تغذية خطوط السرد بالحركة، أو على مستوى تقديم شخصيات تتبادل وظائفها بقسوة، فتعيش صراعاتها وتقاطعاتها، دون وجود مركزية لوظيفة «البطل»، إذ تبدو البطولة الغامضة قرينة ببطولة «الإنسان» الذي يُقتل، أو الذي يعيش محنة المكان والهزيمة والإحباط، وهذا ما جعل الشخصية الروائية أكثر تمثيلاً لسيكولوجيا الرعب في «المكان الثلجي» بوصفه معادلاً لسيكولوجيا الرعب الذي يعيشه الإنسان في مواجهة العدو، ومواجهة الدوغما الأيديولوجية، حيث «تسقط المدن الفاضلة» (ص 217)، وحيث «يبدو التاريخ أمامنا مثل كيان يتحلل، حتى يوشك على فناء حقيقي» (ص 16).

الهروب ونبوءة البختيار

«سيموت هؤلاء قبل نهاية الرحلة» (ص 7)، هذا الاستهلال هو ما أخبر به البختيار «القادة الشيوخ»، وكأنه يرسم تلك الرحلة بأفقها، عبر المعرفة بالطبيعة المتوحشة، وربما عبر حدسه لمحنة الإنسان الذي سيواجه أخطارها، إذ تتحول الطبيعة إلى عدو آخر يمارس سطوته في استثارة أعداء «داخليين» يتوزّعون بين الخيانة والخذلان واليأس والعجز والخوف، فضلاً عن العدو الخارجي الذي يفرض سيطرته على الجغرافيا.

ما بين لعبة الأعداء المتعددة تأخذ لعبة السرد تواليات جعلها الروائي تنمو في إيقاع بطيء، وكأنه إيقاع الإنسان في محنته، وفي غربته عن المكان والحب والجسد، وهذا ما أسبغ على لغة الرواية واقعية قاسية، جعلتها بلا حميمية، وغير مُؤَنسنة، حيث تعيش الشخصيات رهابها وقلقها، وحيث يصطخب وجودها بأصوات تكشف عن أزمتها الداخلية، لكن دون تحديد هوية لسانية لها، فالأمكنة «كردية»، وأغلب الأنصار من المهاجرين إليها، فلم نجد لهذه المفارقة اللسانية أثراً واضحاً في الرواية.

الشخصيات التي رحلت من «حافة الأرض الحرام» بَدَت وكأنها تستسلم إلى قدَرٍ لها، يستبق مع نبوءة «البختيار»، حيث تتحول تلك الرحلة إلى ما يشبه «السيرة الهلالية» في المخيال الشعبي، بحثاً عن وجود ما، عن مدنٍ تمنحهم إحساساً بالخلاص من عقدة «البشتشان»، لكن هذه الرحلة تحولت إلى مسار للرعب، وإلى ما يشبه «الوثيقة السردية» التي تسنفر قوة التخيّل، كاشفة عن دوستوبيا المكان، وعن أزمات الشخصيات، وعما تعرضت له من فقد، ومن جروح «نرجسية» و«أيديولوجية» جعلتها تنزع إلى التمرد، «لقد امتلكوا حق التصرف كاملاً حين اختاروا الذهاب بدونه» (ص 217)، حيث تركوا قائدهم الأيديولوجي وهم مسكونون بهوس البحث عن آخر المدن.


مقالات ذات صلة

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

ثقافة وفنون موظفان من دار مزادات «سوذبيز» يتعاملان مع لوحة «فيتوي، إيفيه دو ماتان» للرسام الانطباعي الفرنسي كلود مونيه في دار مزادات «سوذبيز» في باريس - 9 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

بيع لوحة للفنان الفرنسي مونيه مقابل 10.2 مليون يورو

بيعت لوحة مناظر طبيعية للفنان الفرنسي كلود مونيه، أعيد اكتشافها في الآونة الأخيرة، مقابل 10.2 مليون يورو (12 مليون دولار) في مزاد بفرنسا.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
يوميات الشرق استعرضت «منصة الإلهام» تجارب ملهمة للمنظمات غير الربحية (وزارة الثقافة السعودية)

مبادرة سعودية لدعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية

أعلنت وزارة الثقافة السعودية عن مبادرة دعم المجتمعات المحلية في ترميم البلدات التراثية؛ لتعزيز مساهمة المجتمع في الحفاظ على أصوله التراثية ذات القيمة وتأهيلها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
يوميات الشرق الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان لدى لقائه الدكتور فضلي زون في جاكرتا الاثنين (وزارة الثقافة السعودية)

السعودية وإندونيسيا لرفع مستوى التعاون الثقافي

أعرب الأمير بدر بن عبد الله بن فرحان، وزير الثقافة السعودي، عن اعتزازه بالروابط المتينة التي تجمع بلاده وإندونيسيا، والتعاون القائم بينهما في المجالات الثقافية.

«الشرق الأوسط» (جاكرتا)
ثقافة وفنون جانب من معرض «الملكة إليزابيث الثانية: حياتها من خلال الأناقة»... في معرض الملك بقصر باكنغهام لندن 9 أبريل 2026 (رويترز)

بالصور: بريطانيا تحتفي بالملكة إليزابيث الثانية أيقونةً للموضة بمعرض ضخم في الذكرى المئوية لميلادها

تحتفي بريطانيا بمرور مائة عام على ميلاد الملكة إليزابيث الثانية عبر معرض ضخم في قصر باكنغهام يبرز دور أزيائها أداةً دبلوماسيةً ورمزاً لأناقتها وتأثيرها الثقافي.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق تذوّق استثنائي يثير أسئلة حول الترف وحدوده (شاترستوك)

بيضة الفصح بـ1300 إسترليني... سعر صادم وانتقادات واسعة

تتبَّع رجل بيضة عيد فصح وسعرها 1300 جنيه إسترليني تُباع في متجر حلويات في غرب لندن، لكن بعد سماع مدى الدقّة التي أُعدّت بها، سلّط الناس الضوء على عيب كبير فيها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم


روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».