مصر في 2023... ضغوط اقتصادية تراوح مكانها على وقع «زلازل» إقليمية

حراك سياسي داخلي و«تصفير» مشكلات مقابل «انفجار» أخرى

السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)
TT

مصر في 2023... ضغوط اقتصادية تراوح مكانها على وقع «زلازل» إقليمية

السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال لقاء منافسيه في انتخابات الرئاسة المصرية (الرئاسة المصرية)

حراك سياسي داخلي، وتقاربات إقليمية لافتة، وأزمة اقتصادية ضاغطة، و«زلازل» إقليمية تحاصر أركان الخريطة المصرية... هكذا عايش المصريون مجريات عام 2023 الذي ربما حمل في بداياته أملاً في التعافي من تداعيات الحرب الروسية - الأوكرانية، وقبلها تأثيرات جائحة «كورونا»، لكن تفجر الأزمات ظل «عرضاً مستمراً» ليلقي بمزيد من التبعات والأعباء على مصر والمصريين.

حملت الأشهر الأولى من 2023 أملاً في عام أكثر هدوءاً، مع إعلان الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي في فبراير (شباط) الماضي، بدء الدولة مرحلة جديدة بعد نجاحها في القضاء على الإرهاب، وهو ما عاد السيسي لتأكيده في أبريل (نيسان) الماضي بوضوح أكبر، عندما قال إن «الإرهاب انتهى» في مصر، مشدداً على أنه «لن نسمح برفع سلاح إلا سلاح الدولة».

شرطي وناخبون خارج مركز للتصويت في الانتخابات الرئاسية بمصر (رويترز)

هذا التطور ارتبط بحالة من الحراك السياسي الداخلي، الذي اقترن بانطلاق «الحوار الوطني» المصري في مايو (أيار) الماضي، وشهد تفاعلاً ونقاشات لم تخلُ من تباينات جوهرية بين القوى الحزبية المشاركة.

مشهد الحراك الداخلي امتد إلى الربع الأخير من العام، بعد الإعلان عن تنظيم الانتخابات الرئاسية 2024، قبل نهاية العام، وتنافس فيها أربعة مرشحين في مقدمتهم الرئيس السيسي، وبدت النتيجة، حسب كثير من المراقبين، «محسومة»، لكنَّ الرهان لم يكن على شخصية الفائز في السباق الرئاسي، بقدر ما كان الترقب منصبّاً على نسبة المشاركة في الاقتراع، التي «تجاوزت التوقعات»، وفق ما أعلنته الهيئة الوطنية للانتخابات.

تقاربات وأزمات إقليمية

الحراك السياسي الداخلي، تزامن كذلك مع موجة من التقاربات الإقليمية المصرية لـ«تصفير» المشكلات مع دول شهدت العلاقات معها موجات من التوتر، في مقدمتها تركيا، التي كان استئناف وترفيع العلاقات الدبلوماسية معها عنواناً بارزاً لتطورات ملف العلاقات الإقليمية للقاهرة بعد عقد كامل من الجفاء لم يخلُ من توتر.

جاء التقارب بين القاهرة وأنقرة عقب انفراجة مفاجئة في نهاية 2022، عندما التقى الرئيس المصري نظيره التركي رجب طيب أردوغان، على هامش حضورهما افتتاح كأس العالم لكرة القدم في قطر، ومن بعدها تسارعت وتيرة التقارب حتى وصلت إلى مرحلة ترفيع مستوى التمثيل الدبلوماسي إلى درجة السفير، فضلاً عن لقاءات متكررة بين رئيسي البلدين على هامش قمم إقليمية ودولية، دون أن تصل بعد إلى مرحلة تبادل «الزيارات الرسمية».

العلاقات المصرية - الإيرانية شهدت كذلك مؤشرات على «انفراجةٍ» ما تُنهي عقوداً من «الجمود»، وتكررت لقاءات وزيارات لوفود رسمية، والتقى الرئيسان المصري والإيراني على هامش القمة العربية - الإسلامية الطارئة في الرياض في 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، لكنّ العلاقات لم تصعد –رسمياً- درجة أكبر من «اللقاءات».

لكن بموازاة تلك «التقاربات» كانت أزمات إقليمية أخرى على موعد مع «الانفجار»، ما فاقم الضغوط على مصر، ففي أبريل من هذا العام اندلع على نحو مفاجئ اقتتال سوداني داخلي بين القوات المسلحة بقيادة الفريق أول عبد الفتاح البرهان، وقوات «الدعم السريع» بقيادة محمد حمدان دقلو «حميدتي»، الأمر الذي تسبب في ضغوط أمنية واقتصادية وإنسانية على مصر، التي وجدت نفسها في مواجهة حرب طاحنة، على جبهتها الجنوبية.

وإلى جانب المشكلات الاقتصادية التي تعانيها، واجهت القاهرة خسارة شريك استراتيجي واقتصادي مهم تصل نسبة التبادل التجاري بينهما إلى 18.2 في المائة وفقاً للجهاز المركزي للتعبئة والإحصاء المصري، فضلاً عن تدفق ما يقارب نصف المليون نازح سوداني باتجاه الحدود المصرية، أُضيفوا إلى نحو 4 ملايين سوداني يقيمون منذ سنوات على الأراضي المصرية.

كما فرضت الأزمة تبعات أمنية على القاهرة التي فتحت جسراً عاجلاً برياً وبحرياً وجوياً لإجلاء رعاياها من الداخل السوداني، وأن تسهم كذلك في إجلاء آلاف من الرعايا الأجانب عبر أراضيها، وأن تستضيف في يوليو (تموز) الماضي قمة إقليمية ضمّت قادة دول جوار السودان، بحثاً عن حلول لأزمة متشابكة الأبعاد والتداعيات بالنسبة إلى مصر. وليس بعيداً عن السودان، ظلت أزمة «سد النهضة» الإثيوبي تراوح مكانها في 2023، رغم ما طرأ من اتفاق بين القاهرة وأديس أبابا في يوليو الماضي، على استئناف جولات التفاوض للتوصل إلى اتفاق في غضون 4 أشهر.

تحديات الدور المصري

وقبل أن ينتهي العام، وبينما كانت مصر تعيش حالة احتفالية واكبت الذكرى الـ50 لانتصارات حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، تفجرت أزمة أخرى على الجبهة الشرقية للبلاد، بعد عملية «طوفان الأقصى» التي نفّذتها حركة «حماس» في 7 أكتوبر 2023 ضد أهداف إسرائيلية، في أكبر عملية تنفّذها فصائل المقاومة الفلسطينية في تاريخها، لتجد مصر نفسها «في قلب العاصفة، وفي مواجهة تداعيات مباشرة على أمنها القومي»، كما يرى أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة، العميد السابق لمعهد البحوث العربية، الدكتور أحمد يوسف أحمد، الذي يشير إلى أن ضغوط الأزمات الإقليمية سواء في الجنوب (السودان) أو في الشرق (غزة)، كانت «كبيرة وثقيلة» على مصر.

وأضاف يوسف لـ«الشرق الأوسط»، أن تداعيات الأزمة في غزة لم تقتصر على ارتباط الوضع بجذور تاريخية بين مصر والقطاع، لكنّها مثّلت ثقلاً إضافياً بإطلاقها مخاوف من مشروع تهجير الفلسطينيين إلى أراضي سيناء، ما يمثل «خطراً مباشراً على الأمن القومي المصري، فضلاً عن تعريض البلاد لضغوط إنسانية عنيفة» عبر دفع قوات الاحتلال لنحو مليوني فلسطيني إلى التكدس في جنوب غزة بمحاذاة الحدود المصرية.

ويعتقد يوسف أن خطورة الأزمة الراهنة في غزة «تكمن في أنها تفرض تحديات على الدور المصري إقليمياً»، سواء بالمسؤولية التاريخية تجاه القضية الفلسطينية أو عبر أدوار الوساطة، إضافةً إلى تداعيات اتساع نطاق التوتر الإقليمي وامتدادها لجنوب البحر الأحمر عبر ما تقوم به جماعة الحوثي من استهداف للسفن بالمنطقة، الأمر الذي قد يؤدي للتأثير في قناة السويس.

ضغوط اقتصادية

تلك الأزمات الإقليمية تضاعفت وطأتها لتزامنها مع «ضغوط» متراكمة يعانيها الاقتصاد المصري قبل 2023 وتواصلت بوتيرة أكبر خلال العام، بعدما وافق صندوق النقد الدولي على منح مصر قرضاً بقيمة 3 مليارات دولار في ديسمبر (كانون الأول) 2022، ومنذ ذلك الحين يشهد سعر الصرف الرسمي للجنيه المصري ثباتاً في حدود 30.9 جنيه مقابل الدولار، في حين يتسع الفارق بين السعر الرسمي وسعر الصرف في «السوق السوداء» لأكثر من 50 في المائة تقريباً.

كما واجه الاقتصاد المصري خفضاً متكرراً للتصنيف الائتماني من جانب وكالات تصنيف دولية، مثل «موديز» و«ستاندرد آند بورز»، التي خفضت في الربع الأخير من العام، التصنيف السيادي طويل الأجل لمصر إلى «- B» من «B»، مشيرةً إلى ازدياد ضغوط التمويل على البلاد.

وواكب ذلك تراجع تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال العام المالي 2022 - 2023 بنسبة 30.8 في المائة على أساس سنوي، وأظهرت بيانات البنك المركزي المصري بشأن معاملات الاقتصاد مع العالم الخارجي خلال العام المالي 2022 - 2023 «تراجع تحويلات المصريين العاملين في الخارج خلال العام المالي الماضي، إلى 22.1 مليار دولار، مقابل 31.9 مليار دولار في العام المالي السابق».

عملات مصرية من فئات مختلفة أمام عملات دولية (أ.ف.ب)

وتعطلت كذلك صفقات بيع بعض الأصول الحكومية والمملوكة لجهات عامة، في ظل صعوبات تتعلق بتقييم الأصول، وهو ما أدى إلى قيام صندوق النقد الدولي بتعليق مراجعته الأولى للبرنامج، التي كان من المقرر إجراؤها في مارس (آذار) الماضي.

ومثّل التضخم واحداً من الضغوط اللافتة التي صبغت شهور عام 2023 وستظل عالقة في أذهان المصريين، كما أظهرت بيانات للبنك المركزي المصري في أكتوبر الماضي، أن «التضخم الأساسي تباطأ إلى 38.1 في المائة نزولاً من 39.7 في المائة في سبتمبر (أيلول) الماضي». واضطر «المركزي» الذي شهد تغييراً لرئيسه في أغسطس (آب) من هذا العام، إلى مراجعة وتغيير أسعار الفائدة أكثر من مرة خلال العام لاحتواء تلك الضغوط التضخمية، كما لجأت الحكومة المصرية خلال العام مرتين إلى زيادة أسعار المحروقات، كان آخرها في نوفمبر الماضي لزيادة أسعار البنزين بنسبة بلغت 14.3 في المائة، وسط ارتفاع الأسعار العالمية للوقود، وضعف سعر الصرف.

«عام صعب»

ويذهب الخبير الاقتصادي المصري، الدكتور رشاد عبده، إلى وصف عام 2023 بأنه كان من «أصعب الأعوام بالنسبة للاقتصاد المصري»، مبرراً تقييمه هذا باستمرار تراكم الأزمات والمشكلات الاقتصادية، وزيادة أعباء الدين العام، إضافةً إلى ارتفاع معدلات التضخم.

ويرى عبده في تصريحاته لـ«الشرق الأوسط» أن الظروف الإقليمية والدولية، تزيد من حدة الضغوط الاقتصادية على مصر، فما شهده السودان من اقتتال داخلي، وكذلك تداعيات الحرب على غزة، وقبلهما استمرار تأثيرات الحرب الروسية – الأوكرانية، تلقي بأعباء ثقيلة على مختلف مؤشرات الاقتصاد المصري، وربما تضطر الحكومة إلى اتخاذ قرارات اقتصادية يصفها بـ«القاسية» في ظل استمرار الفجوة الدولارية واستيراد مصر لمعظم احتياجاتها، وبخاصة من الغذاء.

وربما جاءت دعوة تجمع دول «بريكس» لمصر في أغسطس الماضي للانضمام إلى التجمع بدايةً من عام 2024، نبأ سارّاً، وسط ضغوط اقتصادية متراكمة، خصوصاً أن التجمع يضم قوى اقتصادية صاعدة مثل الصين والهند والبرازيل، لكنّ عبده يرى أن تحقيق مكاسب اقتصادية من هذا الانضمام كان يتطلب إجراءات واستعدادات «لم تتوفر بعد»، وفق رأيه.


مقالات ذات صلة

«النيابة المصرية» تسند لصبري نخنوخ تهم «حيازة أسلحة والخطف»

شمال افريقيا مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)

«النيابة المصرية» تسند لصبري نخنوخ تهم «حيازة أسلحة والخطف»

أعلنت النيابة المصرية، السبت، تفاصيل قضية توقيف رجل الأعمال المثير للجدل صبري نخنوخ، على خلفية اتهامات تتعلق بـ«اقتحام أحد معارض السيارات».

علاء حموده (القاهرة )
العالم العربي وفد سوري ترأسه وزير الخارجية أسعد الشيباني زار القاهرة الشهر الماضي لبحث العلاقات الثنائية (الخارجية المصرية)

القاهرة في طريقها لاعتماد يحيى دياب سفيراً لسوريا

كشف مصدر مسؤول في وزارة الخارجية السورية لـ«الشرق الأوسط» اسم السفير الجديد الذي رشحته بلاده لتمثيلها بمصر بدلاً من محمد طه الأحمد الذي تحفظت القاهرة على ترشيحه

هشام المياني (القاهرة)
العالم العربي لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)

«الشرق الأوسط» تكشف اسم المرشح الجديد سفيراً لسوريا في مصر

كشف مصدر مسؤول بوزارة الخارجية السورية لـ«الشرق الأوسط» اسم السفير الجديد الذي رشحته بلاده لتمثيلها بمصر بدلاً من محمد طه الأحمد الذي تحفظت القاهرة على ترشيحه.

هشام المياني (القاهرة)
شمال افريقيا مصر تعزز شراكتها مع الاتحاد الأوروبي (أرشيفية - الرئاسة المصرية)

مصر تجدد طلبها باستكمال تنفيذ حزمة الدعم الأوروبي

جددت مصر تأكيدها على أهمية الإسراع في استكمال تنفيذ حزمة الدعم المالي والاقتصادي الأوروبية المخصصة لها، بما يسهم في تعزيز قدرة اقتصادها على مواجهة التحديات.

أحمد عدلي (القاهرة )
شمال افريقيا وزير الزراعة المصري أكد عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين القاهرة والرياض (مجلس الوزراء المصري)

السعودية ومصر لتعزيز الأمن الغذائي في ظل اضطرابات سلاسل الإمداد

تحدث وزير الزراعة المصري عن «عمق العلاقات التاريخية والأخوية التي تربط بين مصر والسعودية».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

تأكيد أميركي بانضمام مصر لـ«قوات غزة»... وترقب لنشرها بالقطاع

عسكري مصري يصافح أحد أفراد القوات الأميركية (الخارجية الأميركية)
عسكري مصري يصافح أحد أفراد القوات الأميركية (الخارجية الأميركية)
TT

تأكيد أميركي بانضمام مصر لـ«قوات غزة»... وترقب لنشرها بالقطاع

عسكري مصري يصافح أحد أفراد القوات الأميركية (الخارجية الأميركية)
عسكري مصري يصافح أحد أفراد القوات الأميركية (الخارجية الأميركية)

جاء الإعلان الأميركي عن مشاركة مصر في «قوة الاستقرار الدولية» بقطاع غزة، ليطرح تساؤلات حول مدى مساهمة قوات مصرية في حلِّ أزمة تأخر نشر «القوة الدولية» بالقطاع حتى الآن، وإلى أي مدى سيتم تجاوز تحديات إعلان تشكيلها لمراقبة تنفيذ «اتفاق وقف إطلاق النار» بالقطاع.

وأعلنت وزارة الخارجية الأميركية، مشاركة مصرية في «قوة الاستقرار الدولية» بغزة، ونشرت عبر حسابها الرسمي، صوراً لعسكريين مصريين لدى انضمامهم. وأكدت أن «المساهمة المصرية بالغة الأهمية من دولة جارة للقطاع».

ووفق عسكريين ودبلوماسيين مصريين، تحدَّثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإنَّ «المساهمة المصرية في هذه القوات تُعدُّ خطوةً مهمةً، بالنظر إلى دور القوة الدولية في الإشراف على حركة المعابر ودخول المساعدات الإغاثية، والإشراف على الانسحاب الإسرائيلي من قطاع غزة، وعملية إعادة الإعمار والتعافي المبكر بالقطاع».

وتُعدُّ «قوات استقرار غزة»، أحد أبرز بنود المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع، الذي جرى التوقيع عليه في «قمة السلام» بشرم الشيخ المصرية، في شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، غير أنَّها لم ترَ النور، رغم تشكيل أجهزة تنفيذية كثيرة مثل «مجلس السلام العالمي»، الذي يشرف على القطاع، برئاسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، و«لجنة إدارة قطاع غزة» الفلسطينية.

«الخارجية الأميركية» تؤكد انضمام مصر إلى «قوة الاستقرار الدولية بغزة» (الخارجية الأميركية)

وخلال الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام العالمي» في واشنطن، في شهر فبراير (شباط) الماضي، قال قائد قوة الأمن الدولية في قطاع غزة جاسبر جيفرز: «إن 5 دول تعهَّدت بإرسال قوات للمشارَكة في قوة أمنية دولية لقطاع غزة». وأشار إلى أنَّ تلك الدول هي: إندونيسيا، والمغرب، وكازاخستان، وكوسوفو، وألبانيا، بينما تعهَّد الأردن ومصر بتدريب عناصر الشرطة الفلسطينية.

وأرفقت وزارة الخارجية الأميركية، صوراً لعسكريين مصريين، لدى انضمامهم لـ«قوة الاستقرار الدولية» بغزة.

وقالت: «بصفتها دولة مجاورة للقطاع، فإنَّ مشاركة مصر وقيادتها في هذا الجهد المشترك، تُعدُّ بالغة الأهمية لنجاح المهمة»، في حين لم تعلن القاهرة من جانبها، رسمياً مشاركة قوات في «قوة الاستقرار الدولية».

وفي أكثر من مناسبة، شدَّد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، على أهمية «سرعة تشكيل ونشر قوة الاستقرار الدولية لمراقبة وقف إطلاق النار، وضمان تدفق المساعدات الإنسانية»، إلى جانب «دعم نشر عناصر الشرطة الفلسطينية للاضطلاع بدورها في حفظ الأمن، واستكمال تنفيذ استحقاقات المرحلة الثانية من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بشأن قطاع غزة».

آثار قصف إسرائيلي لخان يونس صباح السبت (أ.ف.ب)

و«تعدُّ مصر شريكاً أساسياً في اتفاق وقف إطلاق النار بقطاع غزة»، وفق عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية، والمستشار بـ«الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية»، اللواء عادل العمدة، الذي يضيف قائلاً: «أي مشاركة مصرية في دعم الأمن والاستقرار بغزة، تأتي من منطلق ارتباط ما يحدث في القطاع بأمن مصر القومي المباشر».

ويشير العمدة، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنَّ «تنسيق الجهود بين القوات المشاركة في قوة الاستقرار الدولية، يتم وفق الأطر المحددة لها من جهة تشكيلها، وهي مجلس السلام العالمي». وقال: «إن جزءاً من تحديات عمل تلك القوة، يتمثل في مسألة نزع سلاح حركة حماس، التي من الصعب أن تتخلى عنه إلا بتوافر ضمانات كثيرة من الجانب الإسرائيلي، أهمها عدم العدوان على الفلسطينيين المدنيين».

ولتجاوز تحديات عمل القوة الدولية، يعتقد الخبير العسكري المصري، اللواء سمير فرج، أن «من المهم تحديد طبيعة مهمة قوت الاستقرار الدولية، ما إذا كانت لحفظ السلام والاستقرار، أو لفرض السلام»، مشيراً إلى أن «هذه خطوة ضرورية لأنه إذا كانت المهمة فرض السلام، فإنَّ ذلك يعني اللجوء لتدخل عسكري في مواجهة عناصر المقاومة الفلسطينية، وهو ما لا تريده القاهرة».

وتستهدف القاهرة دفع جهود استكمال استحقاق المرحلة الثانية من اتفاق وقف إطلاق النار في القطاع، وفق فرج الذي يوضِّح في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة أشرفت مع الأردن على تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية تمهيداً لنشرها داخل القطاع»، إلى جانب «استضافة اجتماعات الفصائل الفلسطينية؛ بهدف تهيئة المناخ الفلسطيني لاستكمال خطة السلام وإعادة الإعمار في القطاع».

العنف اليومي يهز قطاع غزة (أ.ف.ب)

وأعلنت حركة «حماس»، الجمعة، وصول وفد من قيادة الحركة برئاسة خليل الحية، إلى القاهرة؛ استعداداً لبدء جولة جديدة من المفاوضات. وقالت: «إن وفد الحركة سيعقد لقاءات مع المسؤولين المصريين والوسطاء؛ بهدف استكمال تطبيق اتفاق وقف إطلاق النار».

ويرى عضو المجلس المصري للشؤون الخارجية السفير رخا أحمد، أنه «لا يوجد تقاطع بين دور مصر في تدريب عناصر الشرطة الفلسطينية، ومشاركتها في قوة الاستقرار الدولية». وأضاف: «هذه القوة سيكون دورها مُكمِّلاً لدور قوات الشرطة الفلسطينية في دعم الاستقرار بقطاع غزة»، عادّاً أن «المساهمة المصرية ستساعد على طمأنة الفلسطينيين داخل القطاع».

ويوضِّح أحمد، في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تعويل مصري على دور القوة الدولية لاستكمال استحقاقات المرحلة الثانية من خطة وقف إطلاق النار، كما أنه سيكون من بين أدوارها، الإشراف على حركة المعابر الخاصة بالقطاع، وضمان وصول المساعدات الإغاثية للفلسطينيين، إلى جانب مراقبة انسحاب الجانب الإسرائيلي من المناطق التي يسيطر عليها، وضمان إجراءات عملية التعافي المبكر، وإعادة الإعمار داخل القطاع».

وباعتقاد السفير رخا أحمد، أن «التحدي الرئيسي الذي يواجه قوة الاستقرار الدولية، يتمثل في ممارسات الجانب الإسرائيلي داخل القطاع، ومدى قبول تل أبيب بقيام هذه القوات بدورها».


«النيابة المصرية» تسند لصبري نخنوخ تهم «حيازة أسلحة والخطف»

مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
TT

«النيابة المصرية» تسند لصبري نخنوخ تهم «حيازة أسلحة والخطف»

مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)
مقر مكتب النائب العام المصري في العاصمة الإدارية الجديدة (صفحة النيابة على فيسبوك)

أعلنت النيابة المصرية، السبت، تفاصيل قضية توقيف رجل الأعمال المثير للجدل صبري نخنوخ، على خلفية اتهامات تتعلق بـ«اقتحام أحد معارض السيارات في منطقة التجمع الخامس شرق القاهرة».

ومنذ منتصف الأسبوع الماضي، لا تزال قضية توقيف نخنوخ، الذي أُلقي القبض عليه، الثلاثاء الماضي، تحظى باهتمام واسع في مصر.

وسلطت النيابة الضوء على تفاصيل الواقعة التي بدأت «ببلاغات مقدمة من مالك معرض سيارات أفادت بقيام المتهم وآخرين باقتحام المعرض على خلفية خلافات مالية، والتعدي على أحد العاملين وإحداث إصابات به، فضلاً عن الاستيلاء على وحدة تسجيل كاميرات المراقبة الخاصة بالموقع، وهو ما أكدته تحريات الأجهزة الأمنية»، بحسب بيان قضائي، السبت.

وأورد البيان سرداً لتفاصيل ما جرى العثور عليه خلال تفتيش مسكن المتهم والمقار التابعة له، ومنها «كميات من الأسلحة النارية شملت بنادق آلية ورشاشاً وطبنجة، إلى جانب كميات كبيرة من الذخيرة الحية قُدرت بنحو 1000 طلقة، إضافة إلى أجهزة اتصال غير مرخصة، وقطع يُشتبه في كونها أثرية، فضلاً عن وحدة تسجيل كاميرات المراقبة المبلَّغ بسرقتها».

وأشارت إلى أن التحقيقات الأولية خلصت إلى وجود مؤشرات على تشكيل يُشتبه في كونه عصابياً، يمارس أعمال «فرض السيطرة والبلطجة» باستخدام القوة والتهديد، متخذاً من أنشطة تجارية واجهة لتحركاته، في حين جرى حبس المتهمين احتياطياً على ذمة القضية، وتجديد حبسهم لاحقاً لمدة 15 يوماً.

وكشف فحص الهواتف المحمولة الخاصة بالمتهمين وتفريغ محتواها، بحسب النيابة العامة، عن تسجيلات ومحادثات تتضمن وقائع أخرى قيد التحقيق، من بينها اتهامات «تتعلق بالخطف والاحتجاز القسري والتعذيب والإكراه على توقيع مستندات، إضافة إلى حيازة أسلحة وأدوات تعذيب»، مشيرة إلى أن هذه الوقائع تخضع لفحص موسع إلى جانب تحقيقات مالية موازية لتتبع مصادر الأموال.

رجل الأعمال المصري المثير للجدل صبري نخنوخ (صفحته على فيسبوك)

الخبير القانوني، علاء عابد، يرى أن الجرائم حسب ما أوردها بيان النيابة «تقع تحت طائلة مواد قانون العقوبات، ويعاقب عليها بالسجن المشدد والمؤبد». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «النيابة العامة ووزارة الداخلية ستتخذان الإجراءات القانونية الكفيلة لإعادة حقوق المجني عليهم بمختلف القضايا المنظورة».

وتعيد هذه القضية إلى الواجهة ملف صبري نخنوخ القضائي السابق؛ إذ سبق أن أُدين عام 2012 في قضايا تتعلق بـ«البلطجة وحيازة أسلحة وتعاطي مواد مخدرة»، وصدر بحقه حكم بالسجن قبل أن يشمله عفو رئاسي عام 2018 لأسباب صحية؛ ما جعل اسمه حاضراً بقوة في النقاش العام، وتزايد مع ارتباط اسمه بإدارة شركة «فالكون» للأمن والحراسة، التي تُعد من أبرز شركات الأمن الخاص في مصر.

ولا يزال التباين سيد الموقف في ردود الفعل داخل الشارع المصري، ومواقع التواصل الاجتماعي، بين من اعتبر توقيفه «تأكيداً لهيبة القانون وتطبيقه على الجميع دون استثناء»، ومن يرى أن «القضية تعيد طرح تساؤلات أوسع حول الأنشطة غير القانونية».

أستاذ علم الاجتماع السياسي، سعيد صادق قال لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاهتمام الشعبي الواسع بالقضية يعكس شعوراً مزدوجاً بين الارتياح لملاحقة شخصية مثيرة للجدل تتمتع بنفوذ واسع، والدهشة من استمرار حضورها في المشهد العام رغم سجلها القضائي السابق».

واعتبر أن القضية تثير تساؤلات حول ما وصفه بـ«المنطقة الرمادية» بين النفوذ السياسي والأنشطة الإجرامية، مشيراً إلى أن «الرأي العام يترقب ما إذا كانت التحقيقات والإجراءات الجارية ستقتصر على هذه القضية أم ستطول شخصيات أخرى».

واختتمت النيابة العامة بيانها، السبت، بالتأكيد على أن «دولة القانون ماضية في طريقها بكل حزم»، وأن التحقيقات مستمرة لكشف ملابسات الواقعة كاملة، واتخاذ ما يلزم من إجراءات قانونية حيال جميع المتورطين.


سلام السودان... وعقدة ما بعد الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
TT

سلام السودان... وعقدة ما بعد الحرب

صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب
صورة متداولة للقوى السياسية والمدنية التي شاركت في اجتماع أديس أبابا واتفقت على مسار جديد لوقف الحرب

كشفت الاجتماعات التشاورية التي عقدتها الآلية الخماسية الدولية، بشأن السودان في العاصمة الإثيوبية، أديس أبابا، خلال الفترة بين 3 و5 يونيو (حزيران) 2026 عن أنَّ الطريق إلى إنهاء الحرب المستمرة في السودان، منذ أكثر من 3 أعوام، لا يمر فقط عبر وقف إطلاق النار بين الجيش و«قوات الدعم السريع»، بل عبر مواجهة أسئلة سياسية، أكثر تعقيداً تتعلق بشكل الدولة المقبلة، والقوى التي يحقُّ لها المشاركة في بنائها.

ورأى عدد من المراقبين أنَّ هذه الاجتماعات تمثل أول محاولة جادة منذ اندلاع الحرب في 15 أبريل (نيسان) 2023 لبناء توافق سياسي ومدني واسع ضد استمرار القتال. إلا أن المشاورات شهدت خلافاً حاداً بين المشاركين حول مشاركة «الحركة الإسلامية» وحزب «المؤتمر الوطني»، الذي حكم السودان خلال عهد الرئيس السابق عمر البشير، في أي عملية سياسية مستقبلية، ليصبح هذا الملف الأكثر إثارة للجدل خلال الاجتماعات.

ونظمت الآلية الخماسية التي تضم الاتحاد الأفريقي، ومنظمة إيغاد، وجامعة الدول العربية، والاتحاد الأوروبي، والأمم المتحدة، هذه الاجتماعات؛ بهدف استكشاف السبل الكفيلة بإطلاق عملية سياسية سودانية شاملة، وتشكيل لجنة تحضيرية تمهِّد لحوار وطني يقود إلى السلام والاستقرار.

أعضاء الآلية الخماسية الدولية الذين شاركوا في مؤتمر برلين وحالياً في لقاءات أديس أبابا (إكس)

ووفقاً للوثائق التي نوقشت خلال الاجتماعات، اتفقت القوى المشارِكة على ضرورة التعامل مع الأزمة السودانية عبر 3 مسارات متوازية تشمل: معالجة الكارثة الإنسانية، والتوصُّل إلى وقف لإطلاق النار، وإطلاق عملية سياسية تعالج جذور الأزمة وتؤسِّس لسلام مستدام. كما تَوافَقَ المشاركون على اتخاذ إجراءات لبناء الثقة، وتهيئة المناخ السياسي، وضمان مشاركة أوسع للقوى المدنية والمجتمعية.

الخلاف حول الإسلاميين

غير أنَّ هذا التوافق تعثر عند نقطة جوهرية تتعلق بمستقبل الإسلاميين وحزب «المؤتمر الوطني». فقد تضمَّنت إحدى مسودات الوثيقة الختامية نصاً يؤكد أنَّ العملية السياسية يجب أن تكون شاملة، باستثناء «المؤتمر الوطني» و«الحركة الإسلامية» والواجهات التابعة لهما. إلا أنَّ هذه الصياغة أثارت اعتراض بعض المشاركين؛ ما أدى إلى حذفها من النسخة التي وقَّعها تحالف «الكتلة الديمقراطية»، المؤيد للجيش السوداني.

في المقابل، تمسَّك تحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، المقرب من «قوات الدعم السريع»، بموقفه الداعي إلى استبعاد «الحركة الإسلامية» و«المؤتمر الوطني» من أي عملية سياسية مقبلة، عادّاً أنَّ تحقيق السلام الحقيقي يتطلب معالجة الأسباب التي قادت إلى الحرب، ومحمِّلاً الإسلاميين جانباً من المسؤولية عن الأزمة الراهنة.

واتخذت «حركة تحرير السودان»، بقيادة عبد الواحد محمد نور موقفاً أكثر تشدداً، إذ رفضت التوقيع على الوثيقة المشتركة مع «الكتلة الديمقراطية»؛ بسبب اعتراض الأخيرة على النصِّ الخاص باستبعاد الإسلاميين. وعدّت الحركة أن السماح للإسلاميين بالمشاركة السياسية يمثِّل مكافأةً لهم على الحرب، وطالبت بحرمانهم من أي دور سياسي مستقبلي، ووصفتهم بأنهم «جماعة إرهابية».

حمدوك وعبد الواحد محمد نور خلال لقاء سابق في باريس (الشرق الأوسط)

واستند هذا الموقف أيضاً إلى قرار وزارة الخارجية الأميركية الصادر في مارس (آذار) 2026، والذي صنَّف ما وصفتها بـ«الحركة الإسلامية السودانية» أو «الإخوان المسلمين السودانيين» تنظيماً إرهابياً، وهو القرار الذي استندت إليه بعض القوى السودانية في مطالبتها بإبعاد الإسلاميين عن أي ترتيبات تخصُّ مستقبل البلاد.

من جانبه، أبدى «التيار الثوري الديمقراطي»، بقيادة ياسر عرمان، وهو أحد مكونات تحالف «صمود»، اعتراضه على حذف النص المتعلق باستبعاد «المؤتمر الوطني»، عادّاً أنَّ ذلك يثير تساؤلات حول الوجهة النهائية للعملية السياسية. كما جدَّد «حزب الأمة»، بقيادة مبارك الفاضل رفضه عودة «المؤتمر الوطني» و«الحركة الإسلامية» إلى قيادة المشهد السياسي.

تباينات «الكتلة الديمقراطية»

أما الكتلة الديمقراطية، فقد تبنَّت موقفاً مختلفاً، إذ أعلنت موافقتها شفهياً، على استبعاد حزب «المؤتمر الوطني» من العملية السياسية، لكنها اعترضت على تضمين نص صريح يستبعد «الحركة الإسلامية»، كما رفضت الجلوس مع تحالف «تأسيس» الذي تعدّه مظلةً سياسيةً لـ«قوات الدعم السريع».

وأظهر هذا التباين أن الخلاف لم يعد مقتصراً على الموقف من الحرب أو أطرافها العسكرية، بل امتد إلى سؤال أكثر حساسية يتعلق بمَن يملك حقَّ المشاركة في صياغة مستقبل السودان بعد توقف القتال.

ولم تقتصر الخلافات على العلاقة بين «الكتلة الديمقراطية» وبقية القوى المشاركة، بل امتدت إلى داخل الكتلة نفسها. فقد رفض تيار يضم قوى مقربة من وزير المالية ورئيس حركة «العدل والمساواة»، جبريل إبراهيم، وحلفائه وعلى رأسهم ناظر عموم قبائل الهدندوة محمد الأمين ترك، المشارَكة في اجتماعات أديس أبابا من الأساس، عادّاً أنَّ الوفد الذي شارك لا يمثل «الكتلة الديمقراطية» بكل مكوناتها.

وزير المالية السوداني جبريل إبراهيم زعيم حركة «العدل والمساواة» الحليفة للجيش رفض المشاركة في الاجتماعات (رويترز)

وتبادل طرفا الخلاف بيانات متعارضة بشأن شرعية التمثيل داخل الكتلة، في وقت عكست فيه هذه الأزمة صراعاً أوسع حول مَن يملك حقَّ التحدُّث باسم المعسكر السياسي المؤيِّد للجيش ضمن العملية السياسية المرتقبة.

كما زادت حدة الجدل بعد استقالة القيادية في «الكتلة الديمقراطية» ومساعدة رئيس مجلس السيادة سالي زكي، وإعلانها اعتزال العمل السياسي عقب مشاركتها في الاجتماعات. وأشارت في بيان نشرته عبر صفحتها على موقع «فيسبوك» إلى وجود تكتلات داخل التحالف، مؤكدة في الوقت نفسه دعمها القوات المسلحة.

ويشير هذا الانقسام إلى أنَّ أزمة أديس أبابا لم تكن مرتبطةً فقط بمستقبل الإسلاميين أو بمشاركة تحالف «تأسيس»، بل شملت أيضاً التنافس على تمثيل القوى المتحالفة مع الجيش، وحدود التفويض الذي تمتلكه الأطراف المشاركة باسمها.

وخلال المشاورات برز أيضاً دور «تنسيقية القوى الوطنية»، بقيادة محمد سيد أحمد المعروف بـ«الجكومي»، التي سعت إلى تثبيت حضورها داخل العملية السياسية بوصفها ممثلةً لشريحة من القوى المؤيدة للجيش.

ودعت التنسيقية إلى عملية سياسية لا تقوم على الإقصاء، مع رفضها مشاركة تحالفَي «صمود» و«تأسيس»، ورفض أي دور سياسي لـ«قوات الدعم السريع» أو مساواتها بالقوات المسلحة.

مؤشرات إيجابية... وتحديات مستقبلية

ورغم هذه التباينات، يرى مراقبون أنَّ اجتماعات أديس أبابا شكَّلت تطوراً مهماً في مسار البحث عن حل سياسي للحرب، إذ نجحت للمرة الأولى منذ اندلاع النزاع في جمع قوى سياسية ومدنية متعارضة حول طاولة واحدة لمناقشة مستقبل البلاد. كما أظهرت الوثائق المتداولة وجود أرضية مشتركة واسعة بشأن وقف الحرب، وإيصال المساعدات الإنسانية، وتهيئة الظروف اللازمة لإطلاق حوار سياسي شامل.

حمدوك مع قيادات القوى السياسية السودانية خلال اجتماعات سابقة في نيروبي (تحالف صمود)

لكن الاجتماعات كشفت في الوقت نفسه عن أنَّ التحدي الأكبر قد لا يتمثل فقط في إنهاء الحرب، وإنما في إدارة الخلافات السياسية التي ستبرز فور توقفها. فبينما ترى قوى كثيرة أن إبعاد الإسلاميين شرط أساسي لمنع إعادة إنتاج الأزمة التي قادت إلى الحرب، تعتقد أطراف أخرى أنَّ فرض هذا الشرط مسبقاً قد يقوِّض فرص التوافق الوطني، ويؤدي إلى انقسامات جديدة.

وبذلك تبدو مشاورات أديس أبابا أقرب إلى نواة أولية لأوسع توافق سوداني ضد استمرار الحرب منذ اندلاعها، لكنها كشفت أيضاً عن أنَّ معركة السلام قد تكون أقل تعقيداً من معركة تحديد الأطراف التي ستجلس إلى طاولة السياسة للمشارَكة في رسم مستقبل السودان بعد انتهاء الحرب.

وشارك في المشاورات ممثلون لـ«تحالف قوى الثورة المدنية (صمود)»، بقيادة عبد الله حمدوك، وتحالف السودان التأسيسي «تأسيس»، و«الكتلة الديمقراطية»، وحزب «الأمة» بقيادة مبارك الفاضل، وحزب «البعث العربي الاشتراكي»، و«حركة تحرير السودان» بقيادة عبد الواحد محمد نور، إضافة إلى شخصيات مستقلة ومنظمات مجتمع مدني ومجموعات نسوية وشبابية. كما أجرى «الحزب الشيوعي السوداني» مشاورات منفصلة مع الآلية الخماسية بشأن تصميم العملية السياسية ومستقبل المرحلة الانتقالية في السودان.