90 كفافيس... شاعر الفضاء الشرقي من الحضارة اليونانية

90 عاماً على رحيل صاحب «في انتظار البرابرة»

كفافيس
كفافيس
TT

90 كفافيس... شاعر الفضاء الشرقي من الحضارة اليونانية

كفافيس
كفافيس

عن قسطنطين كفافيس (1863 - 1933)، كتبت مارغريت يورسنار تقول: «كفافيس هو الشاعر الأكثر شهرة في اليونان المعاصرة، وهو أيضاً الأكبر والأمهر على أية حال، وربما الأكثر ابتكاراً وحداثة. مع ذلك هو أكثر من تغذّى من زبدة الماضي التي لا تنضب أبداً». ويشاركها الرأي نفسه الفرنسي الآخر جورج كاتوي الذي كتب يقول: «التاريخ بالنسبة لكفافيس هو ذلك التفاعل بين الماضي والحاضر، والذي هو نفسه يعمل من أجل المستقبل (...) وهو يعيش التاريخ كما لو أنه امتداده الشخصي ضمن زمن أكثر اتساعاً. وهذا الماضي (الحي) هو أيضاً مُؤسس على دوام به يمكن أن يتواصل بطريقة قابلة للانعكاس مع الماضي والمستقبل». هاتان الفقرتان البليغتان تعكسان عالم كفافيس الذي اختار في فترة شبابه السفر إلى القسطنطينية، وإلى الكثير من المدن الشرقية والمتوسطية قبل أن يستقر في الإسكندرية التي فيها ولد، وسوف تكون هذه المدن حاضرة بقوة في مجمل أشعاره.

لم يهتم كفافيس كثيراً بأثينا قلب الحضارة اليونانية، ولا بفلاسفتها ولا بشعرائها بمن في ذلك هوميروس، بل اهتم بالفضاء الشرقي لتلك الحضارة والذي يمتدّ إلى البحر الأسود، وإلى آسيا الصغرى، وإلى الضفاف الجنوبية الشرقية للبحر الأبيض المتوسط.

في هذا الفضاء الشرقي، وتحديداً في الإسكندرية وأنطاكية نشأت حضارة أخرى خارج أسوار أثينا خلال القرون الثلاثة التي أعقبت موت الإسكندر المقدوني. ولم تكن تلك الحضارة ناتجة عن غزوات وعن حروب، بل عن اختلاط الثقافات والأجناس ليكون أولئك البعيدون يونانيين أيضاً. وهذا ما يؤكده رجل السياسة الأثيني إيسوكراتوس الذي قال: «اليونانيون بالنسبة لنا ليسوا فقط أولئك الذين من جنسنا بالسلالة، بل أيضاً أولئك الذين يتوافقون مع أعرافنا ومع عاداتنا». لهذا السبب كان كفافيس يرفض النظر إلى بيزنطة من زاوية واحدة، زاوية انهيار الإمبراطورية الرومانية الشرقية، ممجداً الدور الحضاري للقسطنطينية، ومستحضراً من لمعوا في تاريخها سواء كانوا من النخبة العالمة والمثقفة، أم من الشخصيات السياسية. وفي قصيدة له، يفتخر أهالي الإسكندرية وأنطاكية ومصر وسوريا بانتسابهم للفضاء الهيلليني الذي اتسع شرقاً ليصل إلى بلاد فارس.

وخلال مسيرته الشعرية، لم يهتمّ كفافيس بالأحداث العالمية الكبيرة. ونحن لا نجد في أشعاره أية إشارة إلى حروب البلقان التي اندلعت سنة 1912، ولا الحرب الكونية الأولى، ولا إلى الفواجع التي عرفتها آسيا الصغرى والتي دفعت أعداداً كبيرة من اليونانيين إلى مغادرة تركيا بعد انهيار الإمبراطورية العثمانية، وقيام الجمهورية التركية. لكأنه عاش كل تلك الأحداث وهو خارج الفضاء والزمن معاً؛ إذ إن ما كان يشغله حقاً هو العالم الهيلليني، والبيزنطي القديم. أما الحاضر فلا ينظر إليه إلاّ من خلال أحاسيسه ورغباته وأحلامه ومشاغله اليومية، أو من خلال ما يلتقطه من تلك المشاهد الصغيرة التي لا يعبأ الناس بها. وهذا ما تعكسه قصيدته «رجل عجوز» التي فيها يقول: «رجل عجوز يجلس في القاعة الخلفية للمقهى الصاخب مُنْحنياً على الطاولة وأمامه جريدة، رفيقته الوحيدة/ من أعماق شيخوخته الحزينة، والمنفّرة يفكر أنه تمتع قليلاً بالسنوات التي كان فيها شاباً قويّاً/ وكان جميلاً وبليغاً في الكلام/ وهو يعلمُ أنه شاخ كثيراً/ وهو يُحسّ بذلك ويراه، إلاّ أنه يتوهم أنه لا يزال مثلما كان بالأمس شاباً قوياً/ لكم هو قصير ذلك الفاصل الزمني/ وهو يقول إنه كان ساذجاً للغاية (يا له من جنون)/ وهو استمع أكثر مما ينبغي إلى الحكمة الكاذبة التي كانت تهمس له (غداً سيكون عندك ما يكفي من الوقت)/ وهو يتذكر اندفاعات مكبوحة ومباهج كثيرة ضحّى بها/ والآن كل فرصة ضائعة تزدري بحذره الأحمق/ غير أن أفكاراً وذكريات كثيرة تُدوّخُ الرجل العجوز/ عندئذ ينام مُسْنداً رأسه إلى طاولة المقهى».

ويحضر الفضاء الشرقي للحضارة اليونانية في الكثير من القصائد. وقصيدة «ملوك إسكندرانيون» واحدة من هذه القصائد: «تجمّع أهالي الإسكندرية لكي يشهدوا أبناء كليوباترا/ سيسيريون وأخويه الصغيرين ألكسندر وبطليموس الذين أوتي بهم للمرة الأولى إلى المعهد الرياضي لتتويجهم ملوكاً بحضور صفّ رائع من الجنود/ تُوّجَ ألكسندر ملكاً على أرمينيا، وعلى ميديا وبارثيا/ وبطليموس ملكاً على كيليكيا، وعلى سوريا وفينيقيا/ سيسيريون يقف مُتقدماً قليلاً إلى الأمام، مُرتدياً حريراً وردياً/ على صدره باقة من أزهار الياقوتية/ حزامه صفّ مُزدوج من الياقوت والجمشت/ حذاؤه مُزيّن بشرائط بيضاء مُطرزة باللآلئ الوردية/ وكان لباسه أكثر أبّهة وشرفاً من لباس أخويه الصغيرين لأنه تُوّج ملك الملوك/ ومن المؤكد أن أهالي الإسكندرية كانوا يشعرون بأن كلّ هذا ليس سوى كلمات، وأشياء صالحة لديكور مسرحي/ إلاّ أن اليوم كان حارّاً وجميلاً. والسماء بزرقة صافية/ والمعهد الرياضي بالإسكندرية يجسّدُ انتصاراً هائلاً للفن/ ومُبالغاً فيه كان بَذخ المُجاملين والمُداهنين، وسيسيريون كلّه أناقة وجمال. (ابن كليوباترا، من سُلالة الفراعنة)/ وإذن كان أهالي الإسكندرية يهرعون إلى الحفل مُتحمّسين/ مُطلقين هتافات باليونانية، وباللغة المصرية، وأحياناً بالعبرية/ مُبتهجين بهذا المشهد البديع رغم أنهم يعلمون جيداً قيمته الحقيقية/ ويعلمون أيضاً الألقاب الجوفاء لتلك الملكيّات».

ويأخذنا كفافيس إلى قبر النحوي الشهير ليسياس في بيروت، ويكتب: «قريباً من هنا، على يمين المدخل، في مكتبة بيروت، دفنّا العالم النحوي ليسياس. المكان مُختار جيّداً: وضعناه بالقرب من حواشيه وتعليقاته ونصوصه ودفاتره المليئة بالتفاسير وبالأشكال اللغوية العامية التي قد لا يزال يتذكرها حيث هو. وهكذا سَيُنظر إلى قبره ويُكرّمُ عند المرور إلى رفوف الكتب».

وكانت والدة قسطنطين كفافيس من أصول بيزنطية. وبما أن والده توفي وهو صغير، فإن حضور هذه الأم الأرملة سيكون طاغياً؛ فهي تيثيس التي ترى ابنها أخيل يذبح وهو في زهرة الشباب، وهي ألكسندرا الملتاعة والمفجوعة بعد أن قتل ابنها أريستوبولوس غدراً. وهي تلك الأم الحزينة التي فقدت ابنها البحار في عاصفة هوجاء: «الأمواجُ أغرقت بحّاراً في الأعماق، والأم التي تحلمُ بذلك تُشعلُ شمعة أمام صورة مريم العذراء، مُبْتَهلة لله أن يعود ابنها سالماً، وأن يكون الطقس جميلاً. مُتَوَجّسَة تمدّ سمعها للريح، إلاّ أن الأيقونة الحزينة الوقورة تنصتُ إلى صلاتها عالمة أن الابنَ الذي تنتظره لن يعود». وقد تكون الأم أيضاً حاضرة في تلك القصيدة التي يتحدث فيها كفافيس عن كراتيسيليا والدة كليمونيس ملك سبارتا التي قبلت تسليم نفسها بوصفها رهينة إلى بطليموس قائلة لابنها وهي تشهق بدموعها: «اذهبْ يا ملك لاسيديمونيا ... حين تخرج من هنا لن يرانا أحد نبكي، ولا أن تسلك سلوكاً لا يُشرف سبارتا»...

ويتجلى حضور بيزنطة في قصيدة «إيثاكا»: «تمنّ أن تكون الطريق طويلة/ وأن تكون الصباحات الصيفية كثيرة (كم سيكون مُبهجاً ذلك)/ ستدخل موانئ لم تكن قد رأيتها من قبل/ توقفْ عند مراكز التجارة الفينيقية، واقتن سلعة جيدة، أصدافاً ومَرْجاناً وعنبراً وأبنوساً وعطوراً شذيّة شتّى قدْرَ ما تستطيع/ زُرِ العديد من المدن المصرية، وتعلّم بشغف من حكمائها». وقد يكون البرابرة في قصيدة «في انتظار البرابرة» هم أولئك الأقوام الهمجيين الذين كانوا يغزون القسطنطينية بين وقت وآخر، أو أي مدينة متحضرة أخرى، لكي يعيثوا فيها قتلاً وتخريباً؛ لذا كان الجميع يخشونهم بمن في ذلك الإمبراطور وحاشيته ووزراؤه وأعضاء مجلس الشيوخ. وغالباً ما يكون قدوم أولئك البرابرة مفاجئاً وغير متوقّع. وفي ذلك اليوم الرهيب، خيّم على المدينة الخوف والوحشة، وأضحت وجوه الناس حزينة، وبسرعة أقفرت الشوارع والساحات، وعجّل الناس بالعودة إلى منازلهم؛ لأن الأخبار أكدت لهم أن البرابرة قادمون... ثم يهبط الليل لكن البرابرة لا يأتون...

توفر العودة إلى التاريخ بالنسبة لكفافيس متعة فضح أكاذيب التاريخ، ورسم صورة دقيقة ومُكثفة لانهيار الإمبراطوريات، وتسرّب العفن والفساد والشيخوخة إلى الشعوب والمجتمعات في مرحلة ما

وتوفر العودة إلى التاريخ بالنسبة لكفافيس متعة فضح أكاذيب التاريخ، ورسم صورة دقيقة ومُكثفة لانهيار الإمبراطوريات، وتسرّب العفن والفساد والشيخوخة إلى الشعوب والمجتمعات في مرحلة ما من تاريخها، خصوصاً حين تقترب من الذوبان والفناء فاقدة تحضّرها وترفها وأخلاقها الرفيعة لتغرق في الهمجية والفوضى. ومن كل هذا ابتكر كفافيس أساليب جمالية فريدة من نوعها، حيث لا نكاد نعثر على ما يمكن أن يُماثلها لدى شعراء عصره. وكان الفن بالنسبة له «نظاماً ثقافياً وأخلاقياً، وسعياً لا ينقطع بهدف النفاذ إلى خفايا الذاكرة الفردية والجماعية سواء عبر المشاعر والأحاسيس، أو عبر الأخلاق، أو عبر الدين، أو عبر الفلسفة». وفي النهاية، يصبح كفافيس «الساحر الذي يستعيد من الموتى أفعالهم وتضحياتهم ليمنحهم مكاناً في الذاكرة الكونية للتاريخ». وربما يكون قد عبّر عن ذلك في قصيدة «أصوات» التي فيها يقول: «أصوات خيالية/ أصوات حبيبة لأولئك الذين رحلوا عن الدنيا /أو لأولئك الذين ضاعوا فأضحوا كالأموات بالنسبة لي/ أحياناً تتحدث إلينا تلك الأصوات في أحلامنا/ أحياناً أخرى تفعل ذلك من أعماق قلوبنا، فيسمعها فكرنا/ وفي لحظة ما تأتي إلينا بصدى الشعر وتتلاشى مثل موسيقى بعيدة».

* كاتب تونسي


مقالات ذات صلة

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

كتب دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

دور نشر فرنسية تفتح أبوابها للكتّاب العرب

اتّسعت خريطة دور النشر الفرنسية المهتمة بالأدب العربي اتّساعاً ملحوظاً في السنوات الأخيرة، حتى باتت تضمّ، إلى جانب الدور التاريخية الكبرى، مبادراتٍ تحريريةً ...

أنيسة مخالدي (باريس)
كتب ثورة مبكرة في صناعة النشر

ثورة مبكرة في صناعة النشر

في القرن التاسع عشر، تدفقت صوب مصر موجات من الهجرة السورية ضمت رواداً أوائل في مجالات المسرح والفنون والطباعة والنشر

رشا أحمد (القاهرة)
كتب تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

تحديات الأدب الصيني المترجَم للعربية

يستعرض كتاب «الأدب الصيني بالعربية - الترجمة والتلقي والانتشار» للشاعر والكاتب علي عطا، الصادر عن دار «بيت الحكمة» بالقاهرة، أبرز خصائص الأدب الصيني الحديث

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
ثقافة وفنون روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

روايات عن الكائنات الفضائية لكن الحقيقة موجودة

الخيال العلمي، من بين أمور أخرى، هو أدب الحديث عن أمور لا أحد يتحدث عنها صراحةً.

جيمس إس إيه كوري
ثقافة وفنون بهجة الحظ على الطريقة الصينية

بهجة الحظ على الطريقة الصينية

تحمس النقاد لرواية «نادي بهجة الحظ»، الصادرة عن «دار الكرمة» بالقاهرة، للكاتبة الأميركية من أصل صيني إمي تان بشكل لافت حتى أنهم وصفوها بـ«القوية كالأسطورة»

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم


روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».