إيلزه كرينتز وهاينريش هاينه: منحته الحدب والحب فمنحها السبيل إلى الخلود

المرأة اللغز التي تفتحت كزهرة أخيرة في خريف الشاعر العاطفي

هاينه
هاينه
TT

إيلزه كرينتز وهاينريش هاينه: منحته الحدب والحب فمنحها السبيل إلى الخلود

هاينه
هاينه

لم يكن الشاعر الألماني هاينريش هاينه تفصيلاً عابراً على خريطة الشعر في بلاده التي كانت قبل قرنين من الزمن، تغلي على صفيح ساخن من الزلازل السياسية والاجتماعية والفكرية. وإذا كان هذا الغليان بالذات هو الذي سمح للعبقرية الألمانية بالوصول إلى ذروة تجلياتها الفلسفية والإبداعية، على مفترقي القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فسمح بظهور قامات فريدة من طراز بيتهوفن وكانط وغوته وشيلر وكيركغارد وشوبنهاور وكارل ماركس، فإن هاينه من جهته كان جزءاً لا يتجزأ من تلك العبقرية، وهو الذي شكّل جسر العبور الأهم من الزمنين الكلاسيكي والرومانسي، باتجاه الأزمنة الحديثة التي قادها كل من إدغار ألان بو وبودلير ولوتريامون وغيرهم نحو مناطق وكشوف غير مسبوقة.

ومع أن معظم الشعراء والمبدعين لا ينالون ما يستحقونه في أثناء حياتهم من تقدير، فإن هاينه استطاع أن يلفت إليه الكثير من نقاد عصره ومفكريه، وفي طليعة هؤلاء كارل ماركس الذي ربطته به صداقة وطيدة وعده «أعظم الشعراء الألمان بعد غوته». لا بل إن إعجاب ماركس بكتاب هاينه «الأغاني» دفعه إلى أن ينسج على منواله في ديوانه «كتاب الحب»، قبل أن ينصرف عن الشعر بشكل نهائي. وفيما رأى فريدريك هيبل أن هاينه «استطاع أن يحوّل أكثر النبرات يأساً إلى همسات موسيقية مؤثرة»، لم ينظر غوته إليه بعين التبجيل، واصفاً إياه بالزقاقي وابن الشوارع، رغم أن هاينريش رأى صاحب «فاوست» بوصفه «الشخصية المطابقة لفكرة العبقرية».

على أن هاينه لا يَدين بما حققه من مكانة عالية لموهبته وحدها، بل لمكابداته الشخصية المؤلمة، كما لإصغائه العميق إلى روح عصره وأسئلته الشائكة، وانحيازه إلى قوى التغيير، رغم ما رتّبته عليه مواقفه الصلبة من أعباء وتبعات. ففي المستوى الأول كابد هاينه، المولود باسم هاري عام 1797 لأسرة يهودية متوسطة الحال، الكثير من عَنَت أعمامه وأقربائه الذين استغلوا ضعف أبيه وإصابته بالصرع للاستيلاء على حصته من ثروة العائلة، فيما لم يكن اعتناقه البروتستانتية وتعميد نفسه باسم كريستيان، ليحل مشكلته مع محيطه الاجتماعي. ذلك أن مواقفه المتسمة بالسخرية اللاذعة من المؤسسة الدينية المتزمتة، كما من الإمبراطورية البروسية المسرفة في رجعيتها واستبدادها، قد حدت بالأولى إلى منع كتبه ومصادرتها، فيما دفعت الثانية إلى تضييق الخناق عليه، ففر إلى فرنسا متخذاً من باريس مقر إقامة له، وهو الذي شكلت الثورة الفرنسية مصدراً لإعجابه وإلهامه.

أما على المستوى العاطفي فيشير معظم المصادر التي أرّخت لحياته، وبينها كتاب ماجد الخطيب «هاينريش هاينه... روح الشعر الألماني». إلى أن هاينه دفع غالياً ثمن خياراته النسائية السيئة وغير الموفقة. ففي الخامسة عشرة من عمره شُغف الفتى المراهق بجوزيفا ذات الشعر الأحمر، وابنة جلاد دوسلدورف الرهيب، وسليلة عائلة عريقة من الجلادين. ومع أن عالم الأشباح والدم والسحر الأسود، قد رفد مخيلته الشعرية بالكثير من المفردات والصور غير المألوفة، فإنه أسهم بالمقابل في تسميم روحه وجعله فريسة سائغة لمختلف أنواع الوساوس والكوابيس. ولعل الحادثة الأكثر غرابة التي وقعت له مع جوزيفا هي التي تمثلت في دعوتها له إلى تقبيل نصل سيف صقيل كانت تُشهره في وجهه، فيما استغل من جهته انشغالها بحمل السيف ليخطف قبلته الأولى من شفتيها الكرزيتين، بما يذكّرنا إلى حد بعيد بالمشهد المؤثر الذي عكسه بيت عنترة العبسي، المنشطر نصفياً بين لمعان السيوف ولمعان الشفاه، أو بين السطوتين المتداخلتين للحب والموت.

ولم تكن خيبة هاينه من حبه الثاني لأماليا، ابنة عمّه الثري التي التقاها عام 1816، لتقلّ إيلاماً عن خيبته الأولى، بعد أن انتقل إلى هامبورغ بطلب من عمه سولومون، ليتعلم مهنة التجارة في هامبورغ. إلا أن غرام هاينريش بالفتاة كان من طرف واحد، إذ لم يكد يكتب لصديقه كريستيان زيته: «افرح يا قلبي واخفقْ بقوة، فسأشاهد آلهتي التي لم أرها منذ سنتين»، حتى عاد بعدها بقليل ليعترف للصديق إياه: «إنها لا تحبني»، وليكتب في مذكراته: «ما أفظع مرض حب النساء الذي لا ينفع معه النأي ولا التلقيح». ولأن الإبداع يربح حيث تخسر الحياة، فقد استطاعت الفتاة الصَّدُود أن تُلهم الشاعر كتابَي «الأغاني» و«المنصور» اللذين وضعاه على طريق الشهرة والمجد.

أما خيبة هاينه الثالثة فقد تمثلت في زواجه المتسرع من أوغستينه كريسنس ميرات، الفلاحة الفظة التي التقاها في باريس وأطلق عليها اسم ماتيلدا الذي عُرفت به. وعبثاً حاول هاينه ترويض المرأة التي تنتمي -وفق الفرنسيين- إلى فئة الغريسيت، أو أنصاف العاهرات المتحدرات من طبقة البؤساء وحثالة المهمشين. وقد أجمع معاصرو الشاعر، الذي انضم في باريس إلى الصالونات الأدبية النسائية والتقى جورج صاند وكارول جوبير، على أن زوجته ماتيلدا كانت «ذات عواطف جياشة ووجه وحشيّ جميل ومكورات جسدية تدير رؤوس الرجال»، فيما نفر فاغنر ولاسال من سلوكها الأرعن، واتهمها ماركس بالتسبب بشقاء صديقه الأثير، وصولاً «إلى تعذيبه حتى الموت». أما هاينه نفسه فقد وصفها بالمرأة العصبية والشرهة التي «تحب الموتى والتماثيل»، كما سمّاها طائر الشؤم و«فيزوف البيت»، نسبةً إلى البركان الإيطالي الشهير. ورغم أن ماتيلدا لم تتورع عن القيام بضرب زوجها غير مرة، فإن زواجها من الشاعر استمر لسنوات طويلة من النكد والخيانة والمساكنة البائسة، دون أن يجرؤ بأي حال على الانفصال عنها.

وسط هذه الخيبات العاطفية المتلاحقة، تسللت إيلزه كرينتز بشكل مفاجئ إلى حياة هاينه الذي كان يعيش حالة عراك قاسية مع مرض الزهري الذي أودى بحياته في نهاية الأمر. ومع أن الشابة الحسناء ابنة الثلاثين عاماً لم تقتحم بشكل مباشر حياة الكاتب المحتضر إلا قبل أسبوعين من رحيله، مقدمةً نفسها له باسم مرغريتا، فإنها كانت قد بدأت بمراسلته قبل ذلك بثمانية عشر شهراً، حين أبدت استعدادها للعمل مع الشاعر، الذي نشر في الصحف إعلاناً يُعرب فيه عن حاجته إلى سكرتيرة ذات خبرة تساعده في تدوين وتنسيق مذكراته وقصائده ومقالاته.

لم يكن غريباً بالطبع أن يقع هاينه في غرام المرأة المثقفة التي عاملته بحنان بالغ ورقة غير مسبوقة، وهو الذي لقي من زوجته ونساء حياته المختلفات، كل أشكال القهر والعنت والصدود. ورغم الرسائل العاطفية الكثيرة التي تَبادلها العاشقان الافتراضيان طيلة عام ونصف، فقد آثرت إيلزه، التي سماها الشاعر «موش» أو الذبابة لأن توقيعها على رسائلها كان يأخذ ذلك الشكل، أن تتوارى خلف غلالة من الغموض، مقدمةً نفسها له بوصفها ناشرة وكاتبة ألمانية، مشيرةً إلى أنها كانت متزوجة من ثري فرنسي فقد عقله بالتدريج وتم إيداعه إحدى المصحات.

وإذ يشير جميع الدارسين إلى أن شخصية إيلزه ظلت مبهمة ومحفوفة بالألغاز حتى عام 1999، نجح الباحث الألماني مينزو فولكرت في إماطة اللثام عن الهوية الحقيقية للمرأة التي رافقت هاينه في أيام محنته القاسية، مشيراً إلى أن اسمها الأصلي كان يوهانا كريستينا مولر، حتى إذا توفي والداها في وقت مبكر تبناها زوجان ميسوران وأطلقا عليها اسم إيلزه، ثم اصطحباها إلى باريس للسكن حيث خاضت تجربة زواج فاشلة، قبل أن تشرع في كتابة القصص والمقالات وتتعرف إلى هاينه. وقد ذهب بعض الدارسين إلى أن «موش» التي طرقت باب الشاعر بعد طول تردد، كانت تعلم تمام العلم أنه يعيش أيامه الأخيرة، وأن لا سبيل لإنقاذ اسمها الزائل من النسيان، سوى أن تعقد مع هاينه الصفقة التالية: سأمنحك الحب مقابل الحصول على الخلود.

وأياً يكن شأن تلك العلاقة الأفلاطونية التي لم يكن التواصل الجسدي طرفاً فيها، فقد حوّلت إيلزه الأيام القليلة التي قضتها إلى جانب هاينه المحتضر، إلى فرصة ثمينة لاستنطاقه ومحاورته والوقوف على مكنونات نفسه، حتى إذا فارق الشاعر الحياة عام 1856 بدأت تحقق شهرة واسعة وتحظى بتقدير الكثيرين، بوصفها المرأة الوحيدة التي قدّرت الرجل حق قدره وشاركته آلامه وعذاباته. وإذا كانت زوجته ماتيلدا قد هرعت بعد وفاته إلى أحضان رجل آخر، مطالبةً بنصيبها من الميراث، فقد عوَّلت إيلزه من جهتها على ميراث هاينه الأثمن، فجمعت حواراتها معه وانطباعاتها عنه في كتاب قيّم أصدرته عام 1884 تحت عنوان «أيام هاينه الأخيرة».

كما أصدرت بعده كتاباً آخر سمّته «مذكرات الذبابة»، وخصصته للحديث عن الشاعر الذي وصفها في إحدى قصائده بـ«زهرة الآلام الصفراء التي كانت تسهر على قبره متخذة صورة امرأة»، ليضيف قائلاً:

كنتِ أنت الزهرة يا صغيرتي

وعرفتك من قُبلاتك

إذ لا زهرة أخرى لها مثل هذه الشفاه الناعمة

وبمثل هذه الحرارة لا تحترق أي زهرة بالدموع


مقالات ذات صلة

يوميات الشرق حكاية إنسانية تعود بعد قرن (شاترستوك)

إهداء من فيرجينيا وولف لطبّاختها يظهر في مزاد

من المقرَّر عرض نسخة موقَّعة ومكتوب عليها إهداء من الطبعة الأولى لرواية «أورلاندو» لفيرجينيا وولف، التي أهدتها إلى طبّاختها ومديرة منزلها نيلي بوكسال، للبيع.

«الشرق الأوسط» (لندن)
ثقافة وفنون المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

المقدسي وليد الخالدي «حافظ الذاكرة الفلسطينية» يسلم الروح في كامبريدج

لوليد الخالدي صوت مسموع في الأكاديمية الأميركية لأنه كتب بالإنجليزية بالبلاغة والسلاسة نفسها التي كتب بها بالعربية.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق الكاتبة والباحثة سلمى مرشاق سليم (وسائل التواصل)

سلمى مرشاق رحلت بعد 5 سنوات من نكبة عمرها

في جوهر عملها، كانت الكاتبة والباحثة سلمى مرشاق سليم تسعى أيضاً إلى اكتشاف ذاتها وجذورها العائلية.

سوسن الأبطح (بيروت)
يوميات الشرق الناقد والأديب السعودي سعيد السريحي (قناة الشرق)

رحيل سعيد السريحي بعد رحلة لقلم أثرى الحركة الأدبية والثقافية

رحل الأديب والناقد السعودي الدكتور سعيد السريحي عن عمر ناهز 73 عاماً، تاركاً خلفه إرثاً فكرياً ونقدياً أسهم من خلاله في إثراء ملامح المشهد الثقافي العربي.

عمر البدوي (الرياض)

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم


روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».