رسائل عن البيئة والأسرة والسكّان الأصليين بمنظور غربي

«أفاتار» طريق الماء

الممثلان كيت وينسليت وكليف كورتيس في «طريق الماء» الجزء الثاني من سلسلة «أفاتار» (أ.ب)
الممثلان كيت وينسليت وكليف كورتيس في «طريق الماء» الجزء الثاني من سلسلة «أفاتار» (أ.ب)
TT

رسائل عن البيئة والأسرة والسكّان الأصليين بمنظور غربي

الممثلان كيت وينسليت وكليف كورتيس في «طريق الماء» الجزء الثاني من سلسلة «أفاتار» (أ.ب)
الممثلان كيت وينسليت وكليف كورتيس في «طريق الماء» الجزء الثاني من سلسلة «أفاتار» (أ.ب)

تمثّل سلسلة أفلام «أفاتار» (Avatar)، التي كان إصدارها الأول في عام 2009، قراءة حديثة لثقافة السكّان الأصليين وعلاقتهم بالأرض وانسجامهم مع الطبيعة، في مقابل ثقافة الغزاة المستعمرين الأقل وعياً بالبيئة. ويدعم إصدارها الثاني، الذي ينتقل من عالم الغابات إلى عالم البحار، مفهوم التضامن بين أفراد المجتمع وأهميته في الحفاظ على الوطن وموارده.
- الذئاب في مواجهة الغُزاة
تدور أحداث أفاتار بعد نحو 200 عام من زمننا الحالي على قمر افتراضي، يُدعى «باندورا»، يُشبه كوكب الأرض ويقع ضمن نظام «ألفا سانتوري» النجمي. وتتوقع السلسلة أن تتلاشى موارد كوكب الأرض نتيجة استنزافها من قِبل البشر، مما يجعلهم يندفعون إلى غزو الكواكب والأقمار البعيدة، مثل «باندورا».
يخوض سكان باندورا (شعب نافي) حرباً ضد الغزاة الأرضيين دفاعاً عن موطنهم وموارده الطبيعية، ولحماية شجرة «إيوا»، التي تُعد بمثابة ذاكرة بيولوجية ضخمة ترتبط بها جميع أشكال الحياة على باندورا، وتحافظ على نظامه البيئي في حالة توازن مثالي.
جايك ساللي، الشخصية المحورية في الفيلم، شاب مصاب بشلل نصفي تسمح له التكنولوجيا المتقدمة بالسكن في جسد واحد من شعب «نافي» تم استنساخه عن بُعد. وكما في حبكة فيلم «رقص مع الذئاب»، يشهد ساللي جشع ووحشية أبناء جلدته من الغزاة، فينضم إلى شعب نافي ويقودهم للدفاع عن أرضهم، ثم يندمج في جسده الجديد، ويكوّن أسرة مع نيتيري أميرة شعب نافي.

الممثل جايك ساللي الذي يلعب دور البطل المنقذ في «طريق الماء» من سلسلة «أفاتار» (أ.ب)

اعتباراً من اللقطة الأولى في الفيلم، يروّج صانعوه لرسالته البيئية المباشرة، التي لم تحُل دون طلب الشركة المنتجة من المخرج جايمس كامرون التخفيف من مشاهد عناق شجرة إيوا. ولدعم رسالة الفيلم على أرض الواقع، قامت الشركة المنتجة لاحقاً بإطلاق مبادرة «الشجرة الوطن»، التي تشمل زراعة مليون شجرة حول العالم بالتعاون مع شبكة «يوم الأرض».
وتنطوي سلسلة «أفاتار» على رسائل أعمق بكثير من مجرد زراعة الأشجار، إذ تتبنى فلسفة الإيكولوجيا العميقة التي ترى أن الجنس البشري هو جزء لا يتجزأ من محيطه، وتجادل في حاجته للسيطرة على الطبيعة. ويقوم المبدأ الأساسي للإيكولوجيا العميقة على الاعتقاد بضرورة احترام البيئة الحيّة كلها، واعتبارها تتمتع بحقوق قانونية في البقاء والازدهار غير قابلة للتصرف، بغضّ النظر عن فوائدها وحاجة البشر لها.
وتتجاوز السلسلة مسألة الوعي بالقضايا البيئية إلى مفهوم «الإيكوتوبيا»، أو الطوباوية البيئية، التي تؤكد على إيجاد طريق جديدة جذرياً للعيش مع العالم الطبيعي، وليس على حسابه. وتجعل الطوباوية البيئية من الطبيعة المحور بدلاً من الإنسان، وتستبدل بمنطق «المزيد» منطق «الكفاية»، وتقترح أن رفاهية الإنسان ليست في التقدم المادي، وإنما في التطوّر الروحي والثقافي والفكري، من خلال التواصل مع الآخرين في المجتمع وعبر العلاقة الحيوية مع الطبيعة.
وتعرض السلسلة كوكب باندورا على أنه بيئة محورية بطبيعتها، لأن شعب نافي لا يعتبر نفسه مركزاً للمعرفة أو القوة، وإنما جزءاً من شبكة الطاقة المتدفقة التي تتساوى فيها جميع الكائنات، بما في ذلك الحيوانات والأشجار. ومن الواضح أنه لا يوجد لدى البشر الغزاة ما يمكنهم تقديمه لشعب نافي، لأنهم يعيشون في انسجام تام مع الطبيعة التي توفّر لهم جميع احتياجاتهم، ولا يعدون الخبرات البشرية ذات قيمة حقيقية بالنسبة لهم، لأن حياتهم تقوم على طقوس وممارسات روحانية تناقض مفاهيم الاستهلاك والتوسع لدى الغزاة.
هذه الفلسفة التي تناولتها سلسلة «أفاتار» تشوبها إشكالية التنميط، كما في مجمل أفلام الغرب الأميركي التي تستدعي تكريس تفوّق الرجل الأبيض. وفيما يكون دور السكان الأصليين (نموذج الهنود الحمر وشعب الماوري في سلسلة أفاتار) سلبياً، أو هامشياً في أفضل الأحوال، نجد البطل المنقذ (جايك ساللي) شخصاً أبيض قادماً من وسط المستعمرين أنفسهم.
ولا يُخفي جايمس كامرون نظرته الاستعلائية في هذا الشأن، إذ يشير إلى أن فيلم «أفاتار» الأول كان مستلهماً من الأحداث التي مرّت بها قبيلة لاكوتا (إحدى قبائل السكّان الأصليين لأميركا المعروفين بهنود السهول) لا سيما حرب «سيوكس» في عام 1877. التي فرضت هيمنة الجيش الأميركي. ويقول كامرون في لقاء مع صحيفة الغارديان: «لا يسعني إلا الاعتقاد أنه في حال امتلك زعماء لاكوتا نافذة زمنية، تُريهم مستقبل أبنائهم الذين ينتحرون حالياً بأعلى المعدلات في البلاد بسبب اليأس وانسداد الأفق، فإنهم كانوا سيقاتلون أكثر بكثير».
حيتان وتماسيح طائرة في طريق الماء
وبعيداً عن حالة الإبهار البصري للجزء الثاني من «أفاتار»، الذي يُعرض في دور السينما حالياً تحت عنوان «طريق الماء»، تقوم حبكة الفيلم الجديد على استدعاء العديد من المشاهد الدرامية التي رسخت في ذاكرة المشاهدين، ابتداءً بهجمات الهنود الحمر على القطارات التي تزخر بها أفلام الغرب الأميركي، مروراً بفتى الأدغال (طرزان) الذي يكبر بين الوحوش ومغامرات القبطان إهاب مع الحوت موبي ديك، وانتهاءً بمأساة غرق السفينة تايتانيك.
ولا يبدو الوقوف على أكتاف الروايات السابقة موفقاً في الجزء الحالي من «أفاتار»، إذ تبدو أفكارها مقحمة على نحو غير منطقي، وإن كان هذا النوع من الأفلام لا يخضع من حيث المبدأ للمحاكمة المنطقية. وفي المقابل، يمثّل التحوّل من الغابات في الجزء الأول إلى البحار في الجزء الثاني، مقاربة متميّزة تسلّط الضوء على عالم نجهل عنه الكثير رغم أنه يشغل 80 في المائة من مساحة كوكب الأرض.
وإلى جانب الحفاظ على الطبيعة وضمان حقوق السكّان الأصليين، يناقش الفيلم الجديد العديد من القضايا الاجتماعية المعاصرة، لعل أبرزها مسألة النزوح والاندماج في المجتمعات الجديدة التي تظهر في التجاء أسرة جايك ساللي إلى قبيلة البحر ميتكايينا المستوحاة من شعب الماوري (السكّان الأصليين لنيوزيلندا). ويواجه أفراد أسرة ساللي رفضاً من المجتمع الجديد الذي نزحوا إليه، ثم يتحوّل هذا الرفض إلى تقبُّل ظاهري، وفي النهاية يقود ساللي (البطل المنقِذ) قبيلة ميتكايينا في التصدي لهجوم الغزاة. وتسيطر الرؤية الغربية النمطية للسكّان الأصليين على الغرائبية في أحدث أفلام جايمس كامرون، بما فيها الضفائر الطويلة والشعر المجدول المتصل بأجسام غريبة، والأجساد التي تحمل وشوماً من نوع «تا موكو»، التي يُعرف بها رجال الماوري. وتمتد هذه الرؤية لتطبع جميع كائنات «أفاتار» بطابعها، فالحيتان مثلاً تحمل وشوم الماوري أيضاً!
وفي وسط العديد من الحبكات الفرعية وأسماء الشخصيات الغريبة وإصدارات باندورا من الحيتان الموشومة والتماسيح الطائرة، حرفياً ومجازياً، تظهر «الأسرة» باعتبارها الأطروحة الأهم للفيلم. ويمكن اعتبار «أفاتار» أحد الأفلام الغربية القليلة التي ترسّخ مفهوم التماسك الأسري، وإن كان الأبناء في الفيلم يمارسون حياتهم اليومية كأنهم جنود في جيش أبيهم. هذه المقاربة، وإن كانت غير خاطئة بالمطلق، تقدّم نظرة سلبية إضافية لما يُفترض بها أن تكون أسرة تمثّل ثقافة السكّان الأصليين.
وفي مقابل الخيال الجامح لسلسلة «أفاتار»، تعرض «ناشيونال جيوغرافيك» حالياً سلسلة وثائقية عن الطبيعة تحت عنوان «خارق وطبيعي» (Super-Natural). وتمثّل هذه السلسلة التلفزيونية مشروعاً كبيراً لجايمس كامرون بصفته منتجاً منفذاً، وهي تتفق مع سلسلة «أفاتار» في إلهام الناس وتشجيعهم على الاهتمام بالطبيعة من جديد.
وحول نقاط الالتقاء بين السلسلتين، يشير كامرون إلى أن أفلام «أفاتار» تصنع عالماً خيالياً تستطيع فيه الحيوانات الرؤية في الأشعة فوق البنفسجية، والطيران حول العالم، والكثير من الأشياء التي لا يمكن تجاهلها. ويضيف: «أما في السلسلة الوثائقية، فالسنجاب مثلاً لا يمكنه الطيران فحسب، بل يستطيع التعرّف على أقرانه في ضوء القمر من خلال الأشعة فوق البنفسجية التي تنعكس عن الأسطح السفلية لأجسامهم. فجأة، نكتشف كم هو مذهل عالمنا، ونتذكر مدى أهمية الطبيعة بالنسبة لنا».
فيلم «أفاتار» الجديد يحقق عوائد قياسية على شباك التذاكر، قد تتجاوز ما حققه الجزء الأول، الذي يُعدّ أكثر الأفلام ريعية في تاريخ السينما. ومن المدهش أن الفيلمين المبهرين يدوران حول الطبيعة وحماية البيئة كمسرح لأحداثهما.
ويثير إصدار الفيلم الجديد مخاوف من عودة ظهور «متلازمة اكتئاب ما بعد أفاتار»، حيث يعاني الناس من مزاج سوداوي ساخط بعد مشاهدة الفيلم، نتيجة التوق إلى عالم باندورا الجميل، الذي يتناقض بشكل صارخ مع الواقع على كوكب الأرض.


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».