مؤتمر التنوُّع البيولوجي «كوب 15»

اتفاق تاريخي أم «احتيال وانقلاب»؟

جانب من جلسات مؤتمر «كوب 15» في مونتريال الشهر الماضي (أ.ف.ب)
جانب من جلسات مؤتمر «كوب 15» في مونتريال الشهر الماضي (أ.ف.ب)
TT

مؤتمر التنوُّع البيولوجي «كوب 15»

جانب من جلسات مؤتمر «كوب 15» في مونتريال الشهر الماضي (أ.ف.ب)
جانب من جلسات مؤتمر «كوب 15» في مونتريال الشهر الماضي (أ.ف.ب)

بعد نقاشات ساخنة في جلسة ختامية امتدت لأكثر من سبع ساعات متواصلة، أهوى وزير البيئة الصيني هوانغ رون تشيو بمطرقته معلناً التوصل إلى اتفاق أممي جديد للحفاظ على التنوُّع البيولوجي العالمي. الإعلان الحاسم من رئيس مؤتمر «كوب 15» قوبل بالتصفيق الحارّ من ممثلي البلدان المشاركة، بعد أن كان التوتر مهيمناً إثر وصف وفد الكاميرون التسويات التي جرت بالاحتيال، فيما اعتبرها وفد أوغندا انقلاباً. وفي حين تختبئ الصين وراء مطالب الدول النامية لتحقيق مصالحها الخاصة في مؤتمرات المناخ، تجاهلت المطالب المشروعة لهذه الدول في قضايا التنوُّع البيولوجي، لأنها لا تتناسب مع طموحاتها الجديدة.
من وجهة نظر المنظِّمين، كان الاتفاق، الذي حمل عنوان «إطار كونمينغ - مونتريال العالمي للتنوُّع البيولوجي»، نسبة إلى المدينة الصينية التي كان من المقرر أن تستضيفه قبل قيود «كورونا» والمدينة الكندية حيث عُقد، تاريخياً، بعد مفاوضات متعثّرة امتدت لأربع سنوات. ولكن العديد من وفود البلدان النامية، خاصة بلدان أفريقيا، عبّرت عن استيائها من تجاهل مخاوفها حول توفير التمويل الكافي وتعريف المناطق المحمية وعدالة توزيع حقوق الاستثمار. فيما أشار علماء إلى أن الأهداف التي تبنّاها المجتمعون في مونتريال الكندية كانت دون الطموح، حيث اهتمت بمساحات المناطق المحمية من دون إعطاء اهتمام كافٍ بقيمتها الأحيائية.
- تهميش المناطق الأكثر أهمية
يطال التهديد بالانقراض في المتوسط نحو 25 في المائة من أنواع المجموعات الحيوانية والنباتية، مما يشير إلى أن نحو مليون نوع يواجه خطر الانقراض ما لم تُتخذ إجراءات للتخفيف من حدّة العوامل التي تؤدي إلى فقدان التنوُّع البيولوجي، بما فيها سوء استثمار الأراضي والبحار، والاستغلال المفرط للكائنات، وتغيُّر المناخ، والتلوُّث، والأنواع الغريبة الغازية.
وينطوي «إطار كونمينغ - مونتريال العالمي للتنوُّع البيولوجي» على أربع غايات طويلة الأجل لسنة 2050 تشمل الحفاظ على سلامة وترابط جميع النظم الإيكولوجية مع وقف الانقراض الذي يتسبب به الإنسان للأنواع المعروفة المهددة وصون التنوُّع الجيني، والاستخدام والإدارة المستدامين للتنوُّع البيولوجي وتقييم مساهمات الطبيعة، وتقاسم المنافع النقدية وغير النقدية الناشئة عن استخدام الموارد الجينية، وضمان وسائل التنفيذ الملائمة بما فيها الموارد المالية وبناء القدرات والحصول على التكنولوجيا.
ويشتمل الإطار على 23 هدفاً عالمياً موجهاً نحو الإجراءات للعمل العاجل حتى 2030 من أجل بلوغ الغايات المحددة لسنة 2050. وأبرز هذه الأهداف ضمان وتمكين وحفظ وإدارة ما لا يقل عن 30 في المائة من المناطق البرية ومناطق المياه الداخلية والمناطق الساحلية والبحرية، لا سيما المناطق ذات الأهمية الخاصة للتنوُّع البيولوجي بشكل فعّال بحلول 2030. وهذا الهدف كان موضع اهتمام كبير خلال فترة المفاوضات الطويلة، ويُعرف بالهدف 30×30.

طيور فلامنغو مهاجرة من أوروبا بعد وصولها إلى محمية طبيعية قرب بور سعيد في مصر (رويترز)

ورغم أن أكثر من 100 دولة كانت وافقت بالفعل على هدف 30×30 قبل القدوم إلى مونتريال، فإنه كان نقطة خلاف في «كوب 15». وفي المبدأ، لم يكن من الواضح ما الذي يمكن اعتباره منطقة «محمية». كما أعربت بعض مجموعات السكان الأصليين عن خشيتها من توسيع رقعة المناطق المحمية على حساب حقوقها في الأرض.
ولكن في شكلها النهائي، تشير الاتفاقية إلى أن حفنة من أنواع مختلفة من الأراضي يمكن أن تُحسب ضمن هدف 30×30، بما في ذلك المناطق المحمية الرسمية (مثل المتنزهات الوطنية)، وفي بعض الحالات أراضي السكّان الأصليين. لكن الاتفاقية أشارت إلى وجوب احترام حقوق مجموعات السكّان الأصليين أثناء سعيهم للحفاظ على المزيد من الأراضي.
ويحذّر بعض علماء البيئة من أن التركيز على زيادة حجم المناطق المحمية إلى الحدّ الأقصى لتحقيق هدف 30×30 هو نهج خاطئ. فقد يتسبب هذا السعي بعواقب ضارة، بما في ذلك إهدار الأموال، وفقدان أكثر ما يحتاج إلى حماية، والتسبب في صراعات عكسية مع المجتمعات الأصلية والمحلية.
وعلى سبيل المثال، قامت أستراليا قبل 3 سنوات بتعيين مساحات واسعة من أراضيها الداخلية القاحلة النائية ضمن المناطق المحمية، بحيث أصبحت تمثل 50 في المائة من مساحة الأراضي الأسترالية. وفي حين أن هذا الإجراء يضع البلاد في مرتبة متقدمة جداً على الهدف الدولي 30×30. فإنه لا يزال يترك أكبر كنز للتنوُّع البيولوجي في أستراليا، وهو الحاجز المرجاني العظيم، في خطر شديد نتيجة التلوُّث والنقل البحري والتهديدات الأخرى.
ويؤكد العلماء على ضرورة اختيار المناطق المحمية الجديدة ليس لحجمها، وإنما لقيمتها البيئية. وقد تُستمد هذه القيمة من عدد الأنواع التي تحتويها المنطقة المحمية أو لتفرُّد مجموعات الأنواع الموجودة فيها. وقد تأتي قيمة المنطقة من دورها في الحفاظ على الروابط بين النقاط الساخنة للتنوُّع البيولوجي وتعزيزها حتى تتمكن الحيوانات من القيام بهجراتها الموسمية. وغالباً ما تكون لممرات الحياة البرية والمائية أهمية لا تتناسب مع حجمها، مما يعني أنه قد يتم تهميشها من قِبل الحكومات التي تضغط من أجل تحقيق النسبة المئوية لهدف الحماية.
ومن اللافت أن العديد من البلدان، بما فيها الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، تتسابق لإعلان مساحات شاسعة من المحيطات النائية والأراضي البِكر مناطقَ محمية. ويبدو أن حكومات هذه البلدان تبادر لحماية المناطق التي لا يستخدمها أحد، مثل ألاسكا وخندق ماريانا في عمق المحيط الهادي، لأغراض سياسية، فيما تستبعد المناطق القابلة للاستفادة حقاً من الحماية المكانية، مثل تلك القريبة من الشاطئ.
وفيما ينظر أغلب مسؤولي المناطق المحمية إلى السكّان المحليين باعتبارهم تهديداً للنظام البيئي والتنوُّع البيولوجي، تُشير التجارب في أكثر من مكان إلى أن الحماية الفعّالة على الأرض يوفّرها أولاً السكّان المحليون أنفسهم. ولذلك ليس من المستغرب أن تحتوي أراضي السكّان الأصليين على نسبة مذهلة تبلغ 80 في المائة من التنوُّع البيولوجي في العالم.
- الفتات لردم فجوة التمويل
يدعو هدف رئيسي آخر في «إطار كونمينغ - مونتريال» البلدان إلى مطالبة الشركات الكبيرة بالكشف عن آثارها البيئية ومدى اعتماد أرباحها على النظم البيئية. فعلى سبيل المثال، قد يتعيّن على شركة كبيرة تبيع زيت النخيل الكشف عن كيفية تأثير مزارعها على الغابات المطيرة والأنواع الحية التي تعيش فيها. ويفترض هذا الهدف أن منح المستثمرين والمستهلكين مزيداً من الوضوح في بصمة الشركات وممارساتها البيئية سيجعل الأموال تبتعد عن الشركات الأكثر ضرراً مما يساعد في حماية النظم البيئية.
وتوجد مجموعة من الأهداف الأخرى في الصفقة الجديدة جديرة بالملاحظة أيضاً، مثل الهدف الثاني الذي يطالب البلدان باستعادة ما لا يقل عن 30 في المائة من الأراضي والمياه المتدهورة، بما فيها البراري التي تحوّلت إلى أراضٍ زراعية. في حين يدعو الهدف العاشر إلى التأكد من إدارة الأراضي الزراعية ومصايد الأسماك والمناطق الإنتاجية الأخرى بشكل مستدام.
ويدعم اثنان من الأهداف الحلول القائمة على الطبيعة، وهو تعبير فضفاض يشمل الإجراءات التي تساعد في استعادة أو حماية النظم البيئية مع إفادة البشر أيضاً. ومن هذه الحلول إعادة نمو الشعاب المرجانية للمساعدة في السيطرة على الفيضانات الساحلية أثناء الأعاصير. أما الجزء الأهم في «إطار كونمينغ - مونتريال»، وهو الأكثر إثارة للجدل، فيتعلق بالمال. الرقم الذي كان مثار التداول في قاعات اجتماع «كوب 15» هو 700 مليار دولار سنوياً، وهو تقدير تقريبي للفجوة المالية التي يجب ردمها من أجل حماية التنوُّع البيولوجي في جميع أنحاء العالم وفقاً لتقرير صدر عام 2020. ويخلص التقرير إلى أن الحفاظ على الطبيعة على نحو جيد سيكلّف في المتوسط نحو 844 مليار دولار سنوياً بحلول 2030. ولا ينفق العالم حالياً سوء جزء بسيط من هذا المبلغ على إنشاء وإدارة المناطق المحمية وجعل الزراعة أكثر استدامة. ولم يخلُ الوصول إلى حل للمسألة المالية في مونتريال من تسويات قاسية، وصفها الوفد الكاميروني بالاحتيال.
طيلة المفاوضات، كانت البلدان النامية، بما فيها البرازيل والهند وإندونيسيا والكونغو الديمقراطية، التي تعادل لِغِناها بالتنوُّع البيولوجي أهمية الصين أو الهند في مسألة تغيُّر المناخ، تطالب بالمزيد من المساعدات المالية وتسهيل الوصول إليها. وفي النهاية جرى تمرير الصفقة مع الالتزام بإنفاق 200 مليار دولار سنوياً على حفظ التنوُّع البيولوجي بنهاية العقد.
إطار العمل، غير المُلزِم من الناحية القانونية، نصّ على زيادة مجموع الموارد المالية الدولية المتعلقة بالتنوُّع البيولوجي بحيث تصل إلى 20 مليار دولار بحلول 2025، وإلى ما لا يقل عن 30 مليار دولار بحلول 2030. واعتبر أن المساعدات الإنمائية التي تقدمها البلدان المتقدمة هي جزء من هذا التمويل. أما باقي مبلغ المائتي مليار دولار فيأتي من خلال «تحقيق زيادة كبيرة في حشد الموارد المحلية»، و«زيادة التمويل الخاص»، و«تحفيز المخططات المبتكرة»، ووسائل أخرى.
ولردم فجوة التمويل، طلب إطار العمل إعادة توجيه الأموال الحكومية بعيداً عن الأنشطة التي تضر بالطبيعة، إذ ينفق العالم حالياً ما يصل إلى 1.8 تريليون دولار على الإعانات التي تُلحق ضرراً بالنظم البيئية، كما في حالة دعم الزراعة على الأراضي البِكر في العديد من الدول. ويفترض إطار العمل أن البلدان ستحدِّد الإعانات الضارة بحلول 2025، وستقوم بتقليصها بما لا يقل عن 500 مليار دولار سنوياً بحلول 2030.
لا تختلف مقررات «كوب 15» عن نتائج اجتماع أممي مشابه جرى عام 2010، عندما تعهدت الدول بتحقيق 20 هدفاً، عُرفت باسم «أهداف أيشي»، نسبة للمقاطعة اليابانية التي جرى فيها الاجتماع، من أجل الحفاظ على التنوُّع البيولوجي خلال عقد من الزمان. ويبدو أن بعض هذه الأهداف تُماثل ما هو موجود في الإطار الجديد، كإلغاء الإعانات الضارة وخفض فقدان الموائل الطبيعة إلى النصف وغيرها.
بحلول 2020 لم ينجح العالم في تحقيق أي من «أهداف أيشي»، فما الذي سيكون مختلفاً هذه المرّة؟ يقول الخبراء إن البلدان فشلت في تحقيق أهداف الحفاظ على التنوُّع البيولوجي لسببين رئيسيين، هما ندرة التمويل المتاح وغياب نظام واضح للرصد والإبلاغ من أجل محاسبة البلدان. وفيما يفترض «إطار كونمينغ - مونتريال» أن نجاحه يتطلب «المسؤولية والشفافية»، اللتين ستدعمهما آليات فعالة للتخطيط والرصد والإبلاغ، فإن مؤشر التقدم يبقى الكم لا النوع، وهو أمر يمكن التحايل عليه.
فعلياً، لا يوجد ما يضمن فعالية الاتفاق الجديد، وفي الوقت ذاته قد يشجّع الاندفاع لتحقيق هدف جعل 30 في المائة من الأرض والبحر مناطق محمية الاستيلاء على الأراضي التي تديرها وتحافظ عليها بنجاح مجتمعات السكّان المحلية والهامشية. وفي غياب التمويل الكافي والمؤثر، لن تكون هذه المجتمعات وحدها الخاسرة، بل ستكون الطبيعة الخاسر الأول.
- بالاشتراك مع فريق الأبحاث في المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد)


مقالات ذات صلة

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

يوميات الشرق تسجيل ولادة أول مُهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام (واس)

السعودية تسجل ولادة أحد أندر الحيوانات في العالم

نجحت جهود الحماية الفطرية في تسجيل ولادة أول مهر للحمار البري الآسيوي على أرض المملكة منذ أكثر من 100 عام، في مؤشر لعودة كائن غاب عن صحاري الجزيرة العربية.

«الشرق الأوسط» (تبوك)
بيئة الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا من تحرك احتجاجي في العاصمة التونسية قبل أيام (رويترز)

تونس: مسيرة على الأقدام ضد التلوث البيئي

خرج محتجون من منطقة «الرويسات» بولاية القيروان الاثنين، في مسيرة على الأقدام نحو «قصر قرطاج» الرئاسي بالعاصمة، احتجاجاً على التلوث البيئي الصادر عن مصنع للأسمنت

«الشرق الأوسط» (تونس)
الخليج يجسد إعادة تأهيل أول مليون هكتار من أراضي الغطاء النباتي التزام السعودية بالاستدامة البيئية (واس)

يوم «السعودية الخضراء» يُجسِّد التحول نحو التنمية المستدامة

يُجسِّد «يوم مبادرة السعودية الخضراء» توجُّه البلاد نحو ترسيخ ثقافة الاستدامة، وتعزيز تكامل الجهود الوطنية في العمل البيئي، وتحفيز مختلف القطاعات للإسهام فيها.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
المشرق العربي فيضانات نهر الخابور في الجزيرة السورية شمال شرقي سوريا (الدافع المدني السوري)

«الألغام ومخلفات الحرب»... تحدٍّ جديد خلال التصدي للفيضانات في سوريا

فيما تواصل فرق الدفاع المدني السوري الاستجابة للتأثيرات الواسعة للمنخفضات الجوية المتتابعة، التي تشهدها المحافظات السورية تظهر للفرق مخاطر لم تكن في الحسبان.

«الشرق الأوسط» (لندن)

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تحذّر من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية

الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)
الشمس تشرق بجوار «برج إيفل» في باريس حيث تعدّ المدينة في حالة تأهب قصوى لارتفاع درجات الحرارة (أ.ف.ب)

حذّرت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية السبت من عواصف قوية قد تنهي موجة الحر القياسية التي تسببت في عدد من الوفيات في أنحاء غرب أوروبا.

وسجلت فرنسا وبريطانيا والبرتغال أعلى درجات حرارة لها على الإطلاق خلال شهر مايو (أيار) في موجة الحر.

وظلت الحرارة أعلى من 33 درجة في باريس وضواحيها السبت، وتجاوزت في عدة مناطق أخرى من فرنسا 30 درجة.

وقالت هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية إن «وصول كتلة هوائية أبرد قليلاً» سيؤدي إلى انخفاض درجات الحرارة ليل السبت.

لكنها حذّرت من عواصف في أنحاء شمال فرنسا ستكون «محلية، ولكنها قوية في بعض الأحيان مع تساقط البرد وهبات رياح» تزيد سرعتها على 80 كيلومتراً في الساعة.

ودعت إلى الحذر مع تجمع حشود ضخمة في شوارع باريس لمشاهدة مباراة نهائي دوري أبطال أوروبا لكرة القدم بين فريقَي آرسنال وباريس سان جيرمان، بالإضافة إلى بطولة فرنسا المفتوحة لكرة المضرب، وحفلات موسيقية كبرى.

وسجلت فرنسا أعلى حرارة بلغت 37.8 درجة في مقاطعة شارنت. وأدى ارتفاع الحرارة إلى إلغاء رحلات قطارات، وانقطاع الكهرباء في بعض المدن. ونُسبت بعض الوفيات في فرنسا وبريطانيا إلى موجة الحر.

وقال ماتيو سوريل، الخبير في هيئة الأرصاد الجوية الفرنسية، إنه «من المرجح جداً» أن تشهد البلاد موجات حر شديدة أخرى هذا الصيف.


الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي
TT

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

الذكاء الاصطناعي... دور حاسم في الاقتصاد البيئي

تُذكرني طفرة الذكاء الاصطناعي الحالية بعصر «نشوء» شركات الإنترنت، الذي تابعتُ تطوره من خلال رأس المال الاستثماري في أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة... ضجة إعلامية كبيرة... استثمارات ضخمة... إمكانات لتحولات حقيقية، كما كتب: بول رايلي، مؤسس والرئيس التنفيذي لشركة سامسارا إيكو البيئية(*).

إمكانات الذكاء الاصطناعي

تُركز معظم النقاشات حول الذكاء الاصطناعي اليوم على المكاسب الواضحة في القيمة والإنتاجية والكفاءة. هذا صحيح، ولكنه ليس سوى جزء بسيط من الصورة. أما الإمكانات الأعمق فهي شيء آخر تماماً: إنهاء اقتصاد الاستهلاك الخطي القائم على الاستخراج والإنتاج والتخلص من الوقود الأحفوري، وبالتالي، إنهاء اعتمادنا عليه.

دورة استهلاكية مدمرة

على مدى نصف قرن، عمل الاقتصاد العالمي وفق نموذج بسيط ومدمر: استخراج موارد محدودة من الأرض، وتصنيع منتجات تُستخدم لمرة واحدة في الغالب... ثم التخلص منها. وأخيراً تكرار العملية.

وهكذا تم توظيف البترول في التغليف والملابس، وفي السيارات. كما وُظِّفت المعادن الأساسية في صميم كل تقنية حديثة تقريباً. وهذه القائمة طويلة، لكن النمط واحد، إذ إننا نتعامل مع الموارد المحدودة وكأنها لا تنضب، مع أننا نعلم جميعاً أنها ليست كذلك.

وقد أظهرت جائحة «كوفيد - 19» والنزاع الأخير حول مضيق هرمز مدى هشاشة سلاسل التوريد هذه، ولماذا لم يعد اعتمادنا على موارد محدودة مُركّزة في مناطق جغرافية محدودة استراتيجيةً، مُبرّرة.

البديل: الاقتصاد الدائري

إن «الاقتصاد الدائري» ليس مفهوماً جديداً. إنه نموذج اقتصادي يُعاد فيه تدوير المواد الموجودة بالفعل بشكل لا نهائي، ما يُقلل الحاجة إلى الاستخراج ويُوظّف ما هو موجود فوق سطح الأرض، والذي يُرمى معظمه حالياً في مكبات النفايات.

يُحقق الاقتصاد الدائري كفاءة في استخدام الموارد، ويُعزز سلاسل التوريد، ويفتح آفاقاً جديدة لمصادر المواد. فبدلاً من الاعتماد على عدد قليل من مراكز الاستخراج، تتنوع الاحتياطيات بشكل كبير. وتكتسب الدول والصناعات سيطرة حقيقية على المواد التي تحتاجها. كما أن جدوى إعادة استخدام ما هو موجود بالفعل، بدلاً من إرساله إلى مكبات النفايات، باتت أكثر وضوحاً.

تكلفة عالية للهدر

وحسب تقرير جديد صادر عن «سيركل إيكونومي وديلويت»، يُكلّف غياب مفهوم الاقتصاد الدائري العالم 25.4 تريليون يورو سنوياً، أي ما يعادل نحو 31 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي.

إنَّ الاقتصاد الدائري ليس مجرد إجراء للاستدامة، بل هو ضرورة اقتصادية، وتكلفة تجاهله اليوم تتجلَّى في عدم كفاءة استخدام الموارد، والتخلُّص المبكر من المنتجات، وعدم استغلال الأصول بالشكل الأمثل، وتزايد المخاطر السيادية ومخاطر سلاسل التوريد.

دور الذكاء الاصطناعي

يُقرّبنا الذكاء الاصطناعي من جعل الاقتصاد الدائري النموذج الاقتصادي الافتراضي للمستقبل، لا الاستثناء.

لطالما استُخدمت التقنية الحيوية، وهي ممارسة هندسة الأحياء لتصميم عمليات صناعية جديدة، لحلّ التحديات العالمية، مثل تطوير الإنسولين واللقاحات والوقود الحيوي والمواد الحيوية. غير أن إمكاناتها في مجال الاقتصاد الدائري كانت محدودة بسبب التعقيد الهائل للأنظمة البيولوجية والوقت اللازم لاكتشاف حلول جديدة والتحقق من صحتها.

تقليل وقت الاكتشافات العلمية

تكمن قوة الذكاء الاصطناعي في إيجاد أنماط في مجموعات البيانات البيولوجية الضخمة والمعقدة التي تتجاوز القدرة الإدراكية البشرية. فهو يُضيّق نطاق البحث بشكل كبير ويُقلّل وقت الاكتشاف والتحقق.

تصميم بروتينات وإنزيمات لتدوير المواد

بالنسبة لمفهوم الاقتصاد الدائري، يفتح ذلك الباب أمام مجالات سريعة التطور مثل تصميم البروتينات واكتشاف إنزيمات جديدة قادرة على إعادة تدوير المواد المستهلكة (مثل عبوات البلاستيك والملابس والمعادن الأساسية في النفايات الإلكترونية) وتحويلها إلى مواد خام مطابقة لها.

يُعدّ الذكاء الاصطناعي المُطبّق على التكنولوجيا الحيوية الآلية التي تجعل الاقتصاد الدائري قابلاً للتطبيق على نطاق عالمي، وبالتالي إنهاء اعتماد المجتمع الحديث على الوقود الأحفوري والاقتصاد الخطي.

مرحلة الخمسين عاماً القادمة

لن ينطبق النظام العالمي السائد في الخمسين عاماً الماضية على الخمسين عاماً القادمة، إذ ستزداد قيمة المواد الخام التي تُشغّل حياتنا اليومية، لا العكس. وستمتلك الاقتصادات التي تُسيطر عليها قوة استراتيجية هائلة.

ويُنهي الاقتصاد الدائري هذا الاعتماد. والذكاء الاصطناعي، وهو نفس التقنية التي يُروّج لها اليوم لزيادة الإنتاجية، هو ما يُتيح ذلك بالسرعة والنطاق اللذين يحتاجهما العالم فعلاً.

تصميم النظم الذكية بمسؤولية

لا يخلو الذكاء الاصطناعي من المخاطر، إذ يجب تصميمه بمسؤولية، وبناؤه وفقاً للمعايير الأخلاقية، وتشغيله بالطاقة النظيفة. وإلا، فإنه ببساطة يُفاقم المشكلة التي يُمكنه حلّها. لكن إذا نجحنا في ذلك، فسيبدو عصر شركات الإنترنت متواضعاً بالمقارنة. هذه هي التقنية التي قد تُنهي أخيراً دورة الاستهلاك، وبالتالي تُنهي اعتمادنا على الوقود الأحفوري.

* مجلة «فاست كومباني».


نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
TT

نباتات مهددة بالانقراض بسبب تغيُّر المناخ

غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)
غابة محترقة جرّاء ارتفاع درجات الحرارة في مدينة قادس الإسبانية (أ.ف.ب)

يرى خبراء أن بعض النباتات التي تضفي طابعاً مميزاً على المناظر الطبيعية المألوفة قد تختفي بحلول نهاية هذا القرن، مع تزايد تأثيرات تغير المناخ في اندثار أنواع نباتية متعددة، من خلال إعادة تشكيل الموائل الملائمة لبقائها، بل تقليصها في كثير من الأحيان.

ووضع الباحثون نماذج لمناطق انتشار عدد من أنواع النباتات الوعائية في المستقبل، وهي فئة تُمثل تقريباً جميع نباتات العالم، وهي تلك التي تحتوي على أنسجة تنقل الماء والمغذيات. ودرسوا أكثر من 67 ألف نوع، أي نحو 18 في المائة من النباتات الوعائية المعروفة في العالم.

ووجد الباحثون أن ما بين 7 و16 في المائة من هذه النباتات قد تفقد أكثر من 90 في المائة من نطاق انتشارها، ما يضعها أمام خطر مرتفع للغاية للانقراض. ومن بين الأمثلة على ذلك شجرة كاتالينا الحديدية، المعروفة أيضاً بشجرة الجزيرة الحديدية، وهي من الأشجار النادرة التي تنحصر موائلها في ولاية كاليفورنيا الأميركية، وطحلب السنبلة المزرق المنتمي إلى سلالة نباتية يعود تاريخها إلى أكثر من 400 مليون سنة، إضافة إلى نحو ثلث أنواع الأوكالبتوس، إحدى أشهر المجموعات النباتية في أستراليا.

أشعة الشمس تظهر وسط أشجار في غابة بسويسرا (رويترز)

وتوصل الباحثون إلى هذه التقديرات بعد فحص ملايين السجلات المتعلقة بمواقع النباتات، بالإضافة إلى سيناريوهات انبعاثات غازات الاحتباس الحراري للفترة من عام 2081 إلى 2100.

وموطن النبات ليس مجرد مكان على الخريطة، بل مجموعة كاملة من الظروف التي يحتاج إليها، من درجة الحرارة والأمطار والتربة واستخدام الأراضي وخصائص المناظر الطبيعية مثل الظل.

وقالت جونا وانغ، التي تجري أبحاث ما بعد الدكتوراه بجامعة ييل وشياولي دونغ أستاذة العلوم والسياسات البيئية بجامعة كاليفورنيا في ديفيس، في تعليقات مشتركة لـ«رويترز»: «إحدى الطرق لتصور ذلك تخيل النباتات وهي تحاول اتباع (غلاف مناخي) متحرك. مع ارتفاع درجات الحرارة، يمكن لكثير من الأنواع أن تنتقل شمالاً أو صعوداً لتبقى في مكان بارد بما يكفي. لكن درجة الحرارة ليست سوى جزء من القصة».

وساعدت جونا وانغ وشياولي دونغ في قيادة الدراسة التي نشرت في مجلة «ساينس».

وأشارت الدراسة إلى أن تغيُّر المناخ يقلص في كثير من المناطق هذه المجموعة من الظروف، ليترك عدداً أقل من المناطق التي لا تزال تتوفر فيها جميع الظروف التي تحتاج إليها الأنواع معاً.

وبالنسبة للنباتات، عادة ما يحدث الانتقال أو الانتشار عبر الأجيال، عن طريق البذور التي تحملها الرياح أو المياه أو الحيوانات أو الجاذبية. ومع ذلك، عندما قارن الباحثون الانتقال الواقعي بسيناريو يمكن فيه للنباتات الوصول إلى أي موطن جديد مناسب كانت معدلات الانقراض متشابهة جداً.

وتُشكل النباتات أساس معظم النظم البيئية على الأرض، فهي تخزن الكربون، وتعمل على توازن التربة وتدعم الحياة البرية وتوفر الغذاء والخشب والأدوية والمواد الأخرى. لذا، يمكن أن يكون للتغيرات في تنوع النباتات آثار متتالية على الطبيعة والبشر.

وقالت جونا وانغ وشياولي دونغ: «إذا أدّى تغير المناخ إلى تقليل الغطاء النباتي فقد تمتص النظم البيئية كمية أقل من ثاني أكسيد الكربون من الغلاف الجوي، ما قد يؤدي إلى زيادة حدة الاحتباس الحراري. وهذا يخلق حلقة مفرغة يؤدي فيها تغير المناخ إلى الإضرار بالنباتات، ويؤدي انخفاض الغطاء النباتي أو الإنتاجية بدوره إلى تفاقم تغير المناخ».

وأضافتا: «في نهاية المطاف، لا تقتصر حماية التنوع النباتي على الحفاظ على الطبيعة لذاتها فحسب، بل تتعلق أيضاً بالحفاظ على النظم البيئية التي تدعم المجتمعات البشرية».