فقير: أصعب لحظات حياتي هي اختياري تمثيل فرنسا دون الجزائر

مهاجم بيتيس قال إنه ليس نادماً على فشل صفقة انتقاله إلى ليفربول

فقير قال إن اختياره تمثيل فرنسا على الجزائر من أصعب القرارات في حياته
فقير قال إن اختياره تمثيل فرنسا على الجزائر من أصعب القرارات في حياته
TT

فقير: أصعب لحظات حياتي هي اختياري تمثيل فرنسا دون الجزائر

فقير قال إن اختياره تمثيل فرنسا على الجزائر من أصعب القرارات في حياته
فقير قال إن اختياره تمثيل فرنسا على الجزائر من أصعب القرارات في حياته

من بين جميع لاعبي الدوري الإسباني الممتاز، بل ومن بين جميع اللاعبين في كل الدوريات الـ5 الكبرى بأوروبا، كان النجم الفرنسي نبيل فقير هو الأكثر حصولاً على الأخطاء الموسم الماضي. ومع ذلك، لم يخرج اللاعب ذو الأصول الجزائرية ليشتكي أو يتذمر يوماً ما أو يطالب بالحماية، لكنه على العكس تماماً يظهر مبتسماً طوال الوقت، ويقول: «لم يحدث شيء على الإطلاق».
ويضيف: «في بعض الأحيان يكون من الصعب أن تظل هادئاً، على الرغم من أن ذلك يعد جزءاً من وظيفتك». وما يؤكد أن الأمر ليس سهلاً دائماً هو أن فقير قد حصل على أربع بطاقات حمراء منذ انضمامه إلى ريال بيتيس في عام 2019. وأكد مديره الفني في ريال بيتيس، مانويل بيليغريني، أنه طالبه بأن يمرر الكرة بشكل أسرع «لأنه إذا لم يحدث ذلك، فسيتعرض للضرب في 8 من كل 10 حركات». لكن بيليغريني يقول: «لديه أسلوب معين: إنه يحب اللعب ويستمتع بالاحتفاظ بالكرة». أما بالنسبة للاعب الفرنسي، فيقول: «هذه هي الطريقة التي ألعب بها، فأنا أحب المراوغة، وأحتاج لأن تكون الكرة بين قدمي، لذلك يرتكب كثير من الأخطاء ضدي، وليست لدي مشكلة في ذلك».
وهناك سبب يجعل المدير الفني يمنحه كثيراً من الحرية داخل المستطيل الأخضر، فمنذ انضمامه إلى ريال بيتيس سجل وصنع 50 هدفاً، كما سجل أكثر من عشرة أهداف وصنع أكثر من عشرة أهداف الموسم الماضي، وهو الموسم الذي تفوق عليه فيه ثلاثة لاعبين فقط في أوروبا من حيث عدد «التمريرات التي تسبق صناعة الأهداف». وفي الدوري الإسباني الممتاز، كان إيكر مونياين هو الوحيد الذي تفوق عليه في صناعة فرص التهديف، كما كان روبين غارسيا هو الوحيد الذي تفوق عليه فيما يتعلق بأكبر عدد من التمريرات الصحيحة داخل الجزاء. وفي جميع المسابقات، كان فقير هو أفضل لاعب في أوروبا من حيث عدد المراوغات الصحيحة.

بيليغريني مدرب ريال بيتيس (أ.ف.ب)
لم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قاد فقير نادي ريال بيتيس للحصول على لقب كأس ملك إسبانيا لأول مرة منذ 17 عاماً، وهي رابع بطولة يحصل عليها النادي في تاريخه، كما سجل هدفاً من ركلة ركنية ضد إشبيلية - وكان يقصد ذلك تماماً - لكنه لم يحتسب لأن المباراة لم تستكمل. وقال بيليغريني عن فقير عندما كان الفريق يستعد لخوض هذه المباراة النهائية: «لديه شخصية مميزة. إنه رجل بسيط لا يتصرف على أنه نجم لامع. وأهم ما يميزه هو أنه يلعب كرة القدم بشكل سهل وبسيط. إنه لمن دواعي سروري أن أكون مدرباً له، ولا أفهم لماذا لا يلعب في نادٍ عملاق لأنه يستحق ذلك بالتأكيد».
في الحقيقة، تثير هذه التصريحات سؤالاً واضحاً، وبالتالي تتطلب رداً واضحاً بالقدر نفسه، فهل يخبره بيليغريني بذلك؟ وهل يقول له إنه يجب أن يلعب في برشلونة أو بايرن ميونيخ أو مانشستر سيتي أو في نادٍ آخر؟ يقول المدير الفني التشيلي: «لا، لأنني لا أريده أن يرحل عن ريال بيتيس».
هناك شيء مختلف في شخصية فقير، لكنه يتناسب مع فلسفة نادي ريال بيتيس الذي يلعب دائماً من أجل المتعة، حيث تصبح كرة القدم أكثر إثارة وإمتاعاً عندما تكون بين قدميه، وهذا أمر مؤكد، لكن ماذا عنه، وهل يشعر بالضغوط في بعض الأحيان. يقول فقير: «أنا ألعب دائماً من أجل المتعة. هناك ضغوط بالطبع، ويتوقف الأمر على اللحظات التي تمر، لكن لا يمكنني أن ألعب من دون أن أستمتع باللعب».

                                نبيل خلال مواجهة إلتشي في الجولة الأولى من الدوري الإسباني (إ.ب.أ)
أجريت هذا الحوار مع فقير بينما كان يجلس في شرفة خارج ملعب «سانت جورج بارك»، بينما كان ريال بيتيس يُكمل استعداداته للموسم الجديد في صباح اليوم التالي للفوز على مرسيليا في مباراة ودية. يقول فقير: «انظر، لست بحاجة للعب. بالنسبة لي، أنا أبحث دائماً عن المتعة، وآمل في أن أستمر على هذا النحو دائماً. أنا ألعب الآن كما كنت ألعب وأنا طفل. الشيء الوحيد الذي يتغير هو الخبرات: أبلغ من العمر 29 عاماً، وبالتالي لن ألعب كما كنت ألعب وأنا في التاسعة عشرة من عمري. أصبحت أفكر بشكل أسرع، لكنني لم أتغير من حيث الجوهر».
يلعب اثنان من إخوة فقير كرة القدم على مستوى الهواة، بينما يلعب ياسين، الذي يصغره بأربع سنوات، في فريق الرديف بنادي ريال بيتيس. يقول فقير: «أعتقد أنه جيد جداً في حقيقة الأمر. لا أعرف ما إذا كنت موضوعياً أم لا حيال ذلك، لكنه جيد للغاية. إنه يلعب مثلي، لكن بقدمه اليمنى. كان والدي يعمل في مصنع للمعادن، وكانت أمي تعمل في إحدى دور الحضانة وترعى الأطفال. كانا يعملان بكل قوة من أجل أن ألتحق بالمدرسة، لكن كرة القدم كانت تسيطر على تفكيري تماماً. والحمد لله أنني حققت ما كنت أحلم به».
لكن ما الذي كان سيحدث لو لم يحقق فقير حلمه ويلعب كرة القدم على المستوى الاحترافي؟ يقول النجم الفرنسي: «لا أعرف، فكل ما كنت أفكر به هو أن أكون لاعب كرة قدم. وبعد اعتزالي، فإنني لا أعرف ماذا سأفعل أيضاً. لا أرى نفسي كمدير فني، لكن اللاعبين دائماً ما يقولون ذلك، ثم تجدهم يعملون مديرين فنيين في نهاية المطاف! يعود السبب في ذلك إلى أننا نعشق كرة القدم. لقد قضينا حياتنا بالكامل في كرة القدم، وبالتالي فإننا لا نعرف ما الذي يتعين عليه القيام به بعد الاعتزال. لا أعرف ما إذا كنت سأستمر في اللعب حتى سن الحادية والأربعين، مثل خواكين، لكني أرغب في ذلك، وكل اللاعبين يرغبون في ذلك.
وفي الوقت الحالي، فإنني أستمتع باللعب، لكن يوم الاعتزال سيأتي لا محالة».

                                        نبيل فقير أكد أنه مستمتع باللعب في ناديه الإسباني (حساب نادي ريال بيتيس)
ويضيف: «كنت طفلاً متواضعاً في ليون لا أفكر إلا في قضاء وقت ممتع داخل الملعب مع أصدقائي. كنت أرغب في تحقيق الفوز، لكن دون طرح الأسئلة أو التساؤل عما سيحدث لي. لقد لعبنا في الحي - وأعتقد أن هذا هو السبب في أنني ألعب ما يصفه البعض بكرة الشوارع».
لكن هذه النوعية من اللاعبين كادت تختفي من كرة القدم، أليس كذلك؟ يرد فقير قائلاً: «نعم، يمكن أن يكون الأمر كذلك. عندما تنضم إلى أكاديمية للناشئين، يكون هناك كثير من النظام. لقد لعبت أكثر في فرق محلية حيث يسمح لك المديرون الفنيون بأن تفعل ما تريد، وهذا يمنحك اللعب الحرية، وهو ما كان مهماً جداً بالنسبة لي».
انضم فقير إلى أكاديمية ليون للناشئين وهو في الثانية عشرة من عمره، ويقول عن ذلك: «كان الأمر صعباً جداً في البداية». لكن رحل مرة أخرى بعد عامين، ويقول عن ذلك: «لا أتذكر السبب، فلم يكن هناك سبب محدد. وبعد أربع سنوات اتصلوا بي مرة أخرى. لا أعرف ما الذي تغير، لكن ربما أدركوا أنهم ارتكبوا خطأ عندما تخلوا عن خدماتي. لقد رحلت ولعبت لبعض الفرق المحلية، وكان كل شيء يسير على ما يرام. لم أشعر بالغضب بعد رحيلي، لأنني أحب كرة القدم، وبالتالي كان اهتمامي الأكبر ينصب على ممارسة كرة القدم، سواء في ليون أو في أي فريق آخر. ذهبت إلى نادٍ محلي واستمتعت كثيراً باللعب هناك».
انتهى الأمر بفقير بأن أصبح قائداً لفريق ليون الذي كان يضم كوكبة من النجوم الصاعدة المميزة للغاية - ممفيس ديباي، وصامويل أومتيتي، وأنتوني مارسيال - وتلقى مكالمة هاتفية من مسؤولي المنتخب الفرنسي الأول في نفس فترة التوقف الدولية التي اختير فيها لأول مرة لتمثيل منتخب الجزائر. يقول فقير: «كان ذلك صعباً جداً بالنسبة لي. انتقل والدي إلى فرنسا قبل عام من ولادتي. أمي جزائرية لكنها عاشت هنا لفترة أطول مما عاشتها في الجزائر. وأسافر إلى الجزائر كل عام أو نحو ذلك، وبالتالي فأنا أشعر بأنني فرنسي وجزائري».

نبيل فقير أكد أنه مستمتع باللعب في ناديه الإسباني (حساب نادي ريال بيتيس)
لكن هل هناك من لا يفهم ذلك؟ يرد فقير قائلاً: «نعم، وهذا هو ما عقد الأمور. بعض الناس لا يفهمون أنه يمكن أن تكون لديك جنسية مزدوجة، وأنه يمكنك أن تحب بلدين في وقت واحد، كما تعلم! كان الأمر صعباً جداً بالنسبة لي. كنت صغيراً، وكان كثير من الناس يقولون إنه يتعين علي أن ألعب لمنتخب فرنسا، كما كان الكثيرون يقولون إنه يجب أن ألعب لمنتخب الجزائر، لكنني في النهاية اخترت اللعب لفرنسا، لكن هذه اللحظات كانت صعبة للغاية. هذه هي الحياة، ولست نادماً على أي شيء فعلته».
وكان أول شخص أخبره فقير بقراره النهائي هو والده. يقول عن ذلك: «لم يكن يريد أن ألعب لمنتخب فرنسا. هذا أمر عادي، وأنا أتفهم ذلك تماماً، نظراً لأن عائلته تعيش في الجزائر، وهو شخصياً نشأ هناك، وحياته كلها هناك. لقد شعر بالألم قليلاً عندما اخترت اللعب لمنتخب فرنسا. لكن هذه هي الحياة: هناك قرارات يتعين عليك اتخاذها، وكان هذا هو قراري، وأنا أتحمل المسؤولية». وقد ساعده هذا الاختيار في أن يحصل على لقب كأس العالم مع منتخب فرنسا. يقول فقير مبتسماً: «هذا ليس بالأمر السيئ».

                                                                                  بقميص ليون
ويضيف: «الإيمان مهم جداً بالنسبة لي: كل شيء بيد الله، فلا داعي للقلق. أنا لا أشعر بالقلق حيال أي شيء». لكن ماذا عن فشل انتقاله إلى ليفربول في صيف عام 2018؟ أشار بعض التقارير في ذلك الوقت إلى أن الصفقة قد فشلت بسبب عدم اجتياز اللاعب للفحص الطبي بسبب مشكلة في الركبة، لكن فقير يقول إن هذا ليس صحيحاً، كما يرفض اتهامات وكيل أعمال اللاعبين، جان بيير بيرنيز، بانهيار الصفقة بسبب تدخل عائلته.
يقول فقير: «كانت لدي مشكلة مع وكيل أعمالي، وهذا هو كل شيء بكل بساطة. لم تكن الأمور واضحة بيني وبينه، كما تعلم. لا أريد الخوض في التفاصيل، لكن كانت هناك مشكلة بيني وبين وكيل أعمالي. قال الناس آنذاك إن الصفقة فشلت بسبب إصابتي في الركبة، أو بسبب أشياء أخرى، لكن كان هذا مجرد عذر. أنا أعرف ما حدث حقاً».
ويضيف فقير بابتسامة أخرى: «لم يعد وكيل أعمالي». ويتابع: «أنا أؤمن بالقدر. إذا لم أنتقل إلى ليفربول، فذلك لأن ريال بيتيس كان ينتظرني هنا. إنها مدينة جميلة، بهذه الروح العربية، وهذا نادٍ استثنائي يشع بالحياة. أنا لست نادماً على أي شيء، ولا أفكر في المستقبل كثيراً. أنا أعيش كل يوم كما هو وأحاول الاستمتاع به وباللعب».


مقالات ذات صلة

مبابي يعد باحتفال غير معتاد إذا سجل أمام السنغال

رياضة عالمية كيليان مبابي قائد منتخب فرنسا (أ.ب)

مبابي يعد باحتفال غير معتاد إذا سجل أمام السنغال

كشف كيليان مبابي عن احتفال غير تقليدي قد يظهره خلال مباراة فرنسا والسنغال في افتتاح مشوار المنتخب الفرنسي بكأس العالم.

فاتن أبي فرج (بيروت)
رياضة عالمية ديديه ديشان المدير الفني للمنتخب الفرنسي (أ.ب)

«مونديال 2026»: ديشان ينتقد ازدحام جدول المباريات

انتقد الفرنسي ديديه ديشان، المدير الفني للمنتخب الفرنسي لكرة القدم، تزايد الأعباء الواقعة على لاعبي كرة القدم في أعلى المستويات.

«الشرق الأوسط» (بوسطن )
رياضة عالمية عثمان ديمبيلي مع قائد فرنسا كيليان مبابي (أ.ب)

ديمبيلي: الانتقادات ضد مبابي «تجاوزت الحدود»

دافع عثمان ديمبيلي، مهاجم المنتخب الفرنسي، عن قائد الفريق كيليان مبابي، قائلاً إن الانتقادات الموجهة لمهاجم ريال مدريد أصبحت مُبالغاً فيها.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
رياضة عالمية كيليان مبابي قائد المنتخب الفرنسي (رويترز)

مبابي: الفوز بكأس العالم أهم من لقب الهداف التاريخي

يمكن أن يصبح كيليان مبابي، لاعب المنتخب الفرنسي لكرة القدم، الهداف التاريخي لكأس العالم، لكن النجم الفرنسي أكد أن الفوز بلقب آخر أكثر أهمية.

«الشرق الأوسط» (بوسطن)
رياضة عالمية الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون وزوجته بريجيت ماكرون يتوسطان المنتخب الفرنسي لكرة القدم خلال زيارة لملاعب تدريب المنتخب الوطني في كليرفونتين أون إيفلين جنوب غربي باريس 2 يونيو 2026 (أ.ف.ب)

هل تستفيد شعبية ماكرون من إنجازات منتخب «الديوك» الفرنسي في «كأس العالم»؟

رغم دعم الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون المتواصل لمنتخب بلاده، تشير التجارب إلى أن نجاحات «الديوك» المحتملة لن تنعكس على شعبيته السياسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.