ما حدث مع غلين كامارا يُظهر أن العنصريين يمكنهم الإفلات من العقوبة

يتعين على الضحايا أن يواجهوا مساراً صعباً من الشك وسوء النية كي يؤكدوا أنهم تعرضوا لإساءات عنصرية

غلين كامارا (يسار) يتشاجر مع أوندريج كوديلا بعد توجيه الأخير إساءات عنصرية إليه (إ.ب.أ)
غلين كامارا (يسار) يتشاجر مع أوندريج كوديلا بعد توجيه الأخير إساءات عنصرية إليه (إ.ب.أ)
TT

ما حدث مع غلين كامارا يُظهر أن العنصريين يمكنهم الإفلات من العقوبة

غلين كامارا (يسار) يتشاجر مع أوندريج كوديلا بعد توجيه الأخير إساءات عنصرية إليه (إ.ب.أ)
غلين كامارا (يسار) يتشاجر مع أوندريج كوديلا بعد توجيه الأخير إساءات عنصرية إليه (إ.ب.أ)

إذا كنت لاعباً لكرة القدم وتعرضت لإساءة عنصرية من منافسك أثناء قيامك بعملك، فماذا ستفعل؟ أعلم أنه يتعين عليك التفكير في الخطط الفنية والتكتيكية للمباراة وفي السيناريوهات المختلفة والخطوات التالية التي يتعين عليك اتخاذها. وأعلم أيضاً أنك قد تعرضت لهذه الإساءة العنصرية قبل ثوانٍ قليلة فقط وأنك غاضب ومستاء ومرتبك، لكن ما زالت هناك مباراة يتعين عليك التركيز فيها من أجل تحقيق الفوز.
من الواضح أنك سترغب في تقديم شكوى رسمية في أسرع وقت ممكن. لكن بالطبع لم يسمع الحكم أي شيء، والخصم يتظاهر بأنه «ملاك» ويتساءل بكل براءة: «مَن... أنا؟». لكن مهمتك الأولى تتمثل في أن تتذكر بالضبط الكلمات التي استخدمها المنافس في الإساءة إليك. فهل قال «قرد سخيف» أم «قرد أسود» أم «قرد» فقط؟ أعلم أن هذا أمر مروع، لكن من المهم للغاية أن تتذكر ما حدث بالضبط. وإذا فهمت الأمر بشكل خاطئ واعترفت بوجود أدنى قدر من الشك أو غيّرت روايتك ذرة واحدة، فلن يكون الأمر في صالحك على الإطلاق. وفي غضون بضعة أشهر، سوف يوجهك محامٍ يتكلم بسلاسة إلى لجنة تأديبية تابعة للاتحاد الإنجليزي لكرة القدم لكي تقول ما حدث مرة أخرى بالتفصيل.
وبعد ذلك، يتعين عليك التأكد من الإبلاغ عن الحادث في ذلك الوقت وأن تجمع الشهود، وإلا فسيتم اتهامك باختلاق هذه القصة وبأن الأمر لا أساس له من الصحة. وتذكر أنه يتعين عليك أن تظهر أكبر قدر ممكن من الغضب، وإلا سيفترض الناس أنك لست غاضباً بما يكفي وأنك مخطئ ومثير للمشاكل وكاذب.
وبمجرد الإعلان عن هذا الأمر على الملأ، سيتعين عليك أن تتحلى برباطة الجأش، لأنك ستضطر إلى حكاية ما حدث خلال تلك الثواني المؤلمة مراراً وتكراراً، وسيتم وضع روايتك قيد التمحيص والمراجعة لمعرفة ما إذا كان هناك أي تعارض في روايتك مع الروايات السابقة. وسيتم جر سمعتك ودوافعك إلى الوحل، وستتعرض للإساءة مرة أخرى، وهذه المرة من أشخاص مجهولين (على وسائل التواصل الاجتماعي). ورغم كل الدعم والتشجيع الذي ستتلقاه أيضاً، فإن القضية برمتها ستترك مذاقاً مراً في حلقك، وبالتالي ستكون لديك رغبة في أن تختفي هذه المشكلة برمتها حتى تعود إلى تركيزك الأساسي وهو لعب كرة القدم.
وبحلول موعد جلسة الاستماع، سيبدأ آخرون في التشكيك في روايتك، رغم أنهم لم يكونوا موجودين في المشهد من الأساس. أما اللاعب الذي أساء إليك فسيستعين بعدد من الشهود للدفاع عن شرفه وسمعته. وسيؤكد أفراد لجنة الاستماع أنه لو قال هذا اللاعب هذه العبارات بالفعل فإنه سيكون عنصرياً! لكنه ليس عنصرياً، وبالتالي لا يمكنه قول ذلك! وفي نهاية المطاف، سيقال لك إنه لا يمكنك إثبات أن هذا اللاعب قد قال هذه الكلمات بالفعل، وبالتالي لا يمكن فعل أي شيء آخر.
إن السبب في سرد هذه العملية بهذه الطريقة وبهذه التفاصيل القاسية هو أنه لا تزال هناك مجموعة كبيرة من الآراء التي تقنع الناس بوضع أنفسهم في هذا الموقف المثير للضحك والسخرية. وقد حدث ذلك مرة أخرى في الآونة الأخيرة، بعد أن اتهم لاعب خط وسط رينجرز الاسكتلندي، غلين كامارا، لاعب سلافيا براغ التشيكي، أوندريج كوديلا، بتوجيه عبارات عنصرية إليه خلال المباراة التي جمعت الفريقين في إطار منافسات الدوري الأوروبي مؤخراً.
ونفى كوديلا الاتهام، بينما سينظر الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (ويفا) في الأمر في الوقت المناسب! ومع ذلك، فإن ما حدث مع كامارا بالفعل هو تذكير لنا جميعاً بالعقبات التي يعاني منها جميع ضحايا الانتهاكات العنصرية: التعتيم وسرد روايات تناقض الرواية التي يقولها الضحية، وهو نظام يبدو أنه تم تزويره بالكامل ضد الضحية لصالح المتهم.
لقد اكتشفت هذا على نطاق أصغر بكثير منذ بضع سنوات فقط، عندما وجّه صحافي إنجليزي عبارات عنصرية لي في المنطقة المخصصة للصحافيين في ملعب سيدني للكريكيت. أو، بشكل أكثر تحديداً، في ممر بالقرب من المنطقة المخصصة للصحافيين، وأدركت الآن أن هذه التفاصيل لم تكن مصادفة. لقد نفى هذا الصحافي الكبير في السن بشكل قاطع أنه قد تفوه بأي كلمة من الكلمات التي قالها قبل ثماني ثوانٍ تقريباً، بينما كانت عيناه تلمعان مثل الشيطان، بينما كنت أدرك أنا أنه لا يمكنني إثبات أنه قد وجّه لي عبارات عنصرية.
وفي النهاية، أفلت هذا الصحافي من العقاب. لقد تقدمت بعدد من الشكاوى، وعُقدت لجان وقمم لدراسة تلك القضية الخطيرة، وتم فحص روايتي للأحداث بتركيز شديد. وجرى طرح عدد من الأسئلة من قبيل: هل أحمل ضغينة ضده؟ وهل استفزته حتى يقول ذلك؟ وهل كان بإمكاني سماع شيء آخر؟ أما الجاني فلم يكن عليه القيام بأي شيء سوى إنكار ما نُسب إليه! وبالتالي، انتهت القضية تماماً من الناحية القانونية!
وعندما ستنظر إلى ذلك، ستدرك على الفور الأسباب التي تجعل العديد من أعمال الانتهاكات الشخصية - العنصرية والتحرش والاعتداء الجنسي - تمر بلا عقاب. لقد تلقى كامارا الكثير من الدعم، لكنه واجه أيضاً قدراً كبيراً من الشك والعداء الصريح من مشجعي الفريق المنافس. وكما كان الحال مع الكثيرين من قبله، تم اتهامه باختلاق القضية بأكملها. ويتعين علينا أن نتذكر أن هذا كان حادثاً ميدانياً تم تصويره على الهواء مباشرة على شاشات التلفزيون، وبالتالي هل نتخيل صعوبة إثبات اتهام مماثل في مباراة لكرة القدم في دوريات الهواة، أو في غرفة خلع الملابس، أو في غرفة اجتماعات؟
إننا نعلم جميعاً أن الإساءة العنصرية مشكلة شائعة وواسعة الانتشار. وعلى العكس من ذلك، لا توجد أدلة كثيرة على وجود اتهامات كاذبة أو خبيثة بشأن التعرض للعنصرية على النطاق نفسه. ومع ذلك، يُطلب منا مراراً وتكراراً وبلا أي معنى أو منطق أن نعطي هذين السيناريوهين نفس الأهمية: غالباً تحت غطاء عبارات حسنة النية مثل «الإجراءات القانونية الواجبة» و«المتهم بريء حتى تثبت إدانته». ومع ذلك، فإن افتراض البراءة ليس موقفاً محايداً في مثل هذه الحالات. بل يتعين علينا أن نفترض، بالتبعية، أن المتهم يجب أن يكون كاذباً أو مخطئاً ما لم يثبت خلاف ذلك! وبذلك، فإننا نوفر غطاءً كبيراً لأي شخص مسيء يتمتع بالذكاء الكافي لتغطية آثار ما قام به.
هذا هو المسار الذي يجب على جميع ضحايا العنصرية تقريباً التنقل فيه: الشك، وسوء النية، والعداء المؤسسي. وفي غضون ذلك، تتساءل الجهات المعنية بإدارة كرة القدم عن أسباب تفاقم الكراهية والعنصرية في اللعبة، وما الذي يمكن فعله حيال ذلك! يمكن لهذه الجهات أن تبدأ بافتراض أن أولئك الذين يشكون من تعرضهم للعنصرية يقولون الحقيقة. ليس هذا فحسب، لكن من خلال تصديقهم أيضاً - ليس بشكل أعمى – ولكن بشكل غريزي ومنطقي.


مقالات ذات صلة

بيلينغهام: منتخب إنجلترا افتقد الترابط في «يورو 2024»

رياضة عالمية جود بيلينغهام لاعب المنتخب الإنجليزي (أ.ف.ب)

بيلينغهام: منتخب إنجلترا افتقد الترابط في «يورو 2024»

كشف جود بيلينغهام، لاعب المنتخب الإنجليزي لكرة القدم، إن الأمور لم تكن على ما يرام في معسكر الفريق ببطولة أمم أوروبا «يورو 2024».

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي (الولايات المتحدة))
رياضة عالمية الألماني يورغن كلوب مدرب ليفربول السابق (د.ب.أ)

يورغن كلوب يحصل على وسام فخري من المملكة المتحدة

سيحصل الألماني يورغن كلوب، مدرب ليفربول السابق، على وسام الإمبراطورية البريطانية برتبة قائد فخري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية إطلاق نار قرب مقر منتخب إنجلترا (أ.ف.ب)

إطلاق نار قرب مقر إقامة منتخب إنجلترا يثير القلق قبل انطلاق المونديال

شهدت المنطقة المحيطة بمقر إقامة وتدريبات «الأسود الثلاثة» حادث إطلاق نار جماعي أثار حالة من القلق والترقب بين الجماهير ووسائل الإعلام.

مهند علي (الرياض)
رياضة عالمية المخضرم هاري كين يسعى لقيادة إنجلترا للقب المونديال (رويترز)

تألق كين يعزز أحلامه بالتتويج بكأس العالم مع إنجلترا

يشعر النجم المخضرم هاري كين بأنه في أفضل حالاته، حيث يعدّ قائد منتخب إنجلترا، صاحب الأهداف الغزيرة، الأيام المتبقية حتى انطلاق بطولة كأس العالم 2026 لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (تامبا)
رياضة عالمية توماس توخيل مدرب منتخب إنجلترا (د.ب.أ)

توخيل: الظروف الصعبة ليست «عذراً»

قال المدرب توماس توخيل إنَّ منتخب إنجلترا، لن يتَّخذ من الحرارة الشديدة والمسافات الطويلة بين المدن المستضيفة ذريعةً، في سعيه إلى خوض «بطولة طويلة».

«الشرق الأوسط» (ويست بالم بيتش (الولايات المتحدة))

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.