بريوستر «الحائر»... ضحية صلاح وفيرمينو وماني أم ضحية كلوب؟

مدرب ليفربول لا يعطي «المهاجم الواعد» فرصة المشاركة... ويرفض الاستغناء عنه

بريوستر لعب دوراً بارزاً في فوز المنتخب الإنجليزي بكأس العالم تحت 17 عاماً (رويترز)
بريوستر لعب دوراً بارزاً في فوز المنتخب الإنجليزي بكأس العالم تحت 17 عاماً (رويترز)
TT

بريوستر «الحائر»... ضحية صلاح وفيرمينو وماني أم ضحية كلوب؟

بريوستر لعب دوراً بارزاً في فوز المنتخب الإنجليزي بكأس العالم تحت 17 عاماً (رويترز)
بريوستر لعب دوراً بارزاً في فوز المنتخب الإنجليزي بكأس العالم تحت 17 عاماً (رويترز)

بحلول الشهر القادم تكون قد مرت ثلاث سنوات ونصف السنة منذ أن عاونت الأهداف الثمانية لريان بريوستر في فوز إنجلترا ببطولة كأس العالم لأقل عن 17 عاماً، الأمر الذي أدى لفوزه بجائزة «الحذاء الذهبي» وانهال سيل من الإشادات على المهاجم باعتباره يمثل مستقبل ليفربول. وقد أثارت فكرة أنه ربما لا يشكل جزءاً من حاضر الفريق رفضاً يمكن تفهم دوافعه من جانب جماهير النادي التي يساورها القلق بالفعل إزاء غياب الوجوه الجديدة هذا الصيف. ومع هذا، فإن خطورة هذا الغضب تتضاءل لدى مقارنتها بالمعضلة الصعبة التي يواجهها بريوستر. هل يتعين عليه القتال أم الهروب؟
في الواقع، بريوستر ليس أول موهبة شابة تقف بحيرة في مواجهة هذا التساؤل داخل أحد أندية الصفوة. ومع هذا، فإن هذه المعضلة داخل ليفربول عام 2020 تبدو عصيبة على نحو خاص. جدير بالذكر في هذا الصدد أن النادي المتوج بطلاً لبطولة الدوري الممتاز لا يسعى بجد لبيع اللاعب الموهوب البالغ 20 من العمر عاماً، لكن إصرار النادي على التمسك باللاعب قد ينهار أمام عرض مغرٍ أو طلب اللاعب السماح له بالرحيل. وقد تقدمت أندية أستون فيلا ونيوكاسل يونايتد وكريستال بالاس باستفسارات بخصوص مدى إمكانية ضم اللاعب لصفوفها، قبل تحولها بأنظارها صوب خيارات أخرى بديلة. وقد أدى ذلك إلى تقليص عدد الخيارات المتاحة أمام بريوستر، لكن يبقى هناك اهتمام عام من جانب أندية الدوري الممتاز به. من بين الأندية المهتمة باللاعب، على سبيل المثال، برايتون.
علاوة على ذلك، تظل هناك إمكانية قائمة أن يعود بريوستر إلى صفوف سوانزي سيتي على سبيل الإعارة، حيث سجل المهاجم 11 هدفاً خلال 22 مباراة الموسم الماضي تحت قيادة ستيف كوبر، الذي سبق له تدريبه في منتخب إنجلترا عام 2017، وذلك قبل حلول الموعد النهائي لصفقات الانتقال من الدوري الممتاز إلى الدوريات الأدنى في 16 أكتوبر (تشرين الأول). ومن شأن إبرام صفقة إعارة أن يعفي ذلك ليفربول من اتهامات استغلال واحد من ألمع المواهب الواعدة التي تخرجت في أكاديمية النادي مقابل الحصول على أموال في وقت يشدد المدرب يورغين كلوب على أن إعطاء المواهب الشابة الفرصة أصبح أكثر أهمية عن أي وقت مضى.
ومع ذلك، فإنه حتى هذه الخطوة، في مثل هذا الوقت على وجه الخصوص، ستصاحبها مشاعر ندم وأسف في نفوس أولئك الذين يأملون في مشاهدة بريوستر يحقق أول ظهور له في الدوري الممتاز بينما يرتدي قميص ليفربول. هذا الموسم، وفي ظل المطالب المكثفة على عاتق الأندية الكبرى وتفاقم مخاطر تعرض اللاعبين لإصابات، يبدو أن القرار الصحيح هو ببساطة الوقوف ساكناً والانتظار؛ ذلك بافتراض أن جميع الأطراف تتحلى بالصبر.
وحال عدم وقوع إصابات في وقت متأخر داخل ملعب التدريب أو مرض مفاجئ، فإننا جميعاً نعلم تشكيل خط الهجوم في ليفربول كما حدث في أول مباراة له في مسيرته للدفاع عن اللقب أمام ليدز، وفي الجولة الثانية أمام تشيلسي. ويعلم ذلك أيضاً بريوستر الذي من المؤكد لم يشعر بتشجيع يذكر من برنامج الاستعداد قبل انطلاق الموسم عندما شارك محمد صلاح وروبرتو فيرمينو وساديو ماني في التشكيل الأساسي لجميع المباريات الودية الأربعة التي خاضها ليفربول.
حتى بلاكبول المشارك في دوري الدرجة الأولى وقف في مواجهة الثلاثي الهجومي المذهل على أرض استاد أنفيلد، السبت الماضي، في وقت كان بريوستر يشارك في مهمة في صفوف المنتخب الإنجليزي لأقل عن 21 عاماً. وعليه، وفر ديفوك أوريغي الغطاء الهجومي الوحيد خلال المباراة التي انتهت بفوز ليفربول بنتيجة 7 - 2. ويعد هذا في حد ذاته سبباً إضافياً أمام ليفربول كي يرفض طلبات انتقال بريوستر لأندية أخرى، رغم أن كلوب لم يكشف حتى الآن عن رأيه فيما يعتبره أفضل خطوة تالية في مسيرة اللاعب الناشئ.
ومثلما يتجلى في مسيرتي أوريغي وشيردان شاكيري، فإن الوضع معقد للغاية أمام أي لاعب دولي ينتقل من الهامش إلى صدارة الخطط الهجومية للمدرب داخل أنفيلد. كما يواجه المدافعون خارج إطار اللاعبين الأربعة الذين يشكلون خط الدفاع، اختباراً ذهنياً مماثلاً. ودائماً ما يكون من الجيد للروح المعنوية سهولة توقع التشكيل الأساسي للفريق، بخلاف عملية التدوير المستمرة في خط الوسط. وعادة ما تكون المشاركة في التشكيل الأساسي من نصيب ماني وصلاح وفيرمينو، وهذا أمر تستلزمه مسألة الفوز ببطولة الدوري الممتاز، بالنظر إلى هامش الخطأ المسموح به شديد الضآلة الذي خلقته المنافسة الشرسة بين ليفربول ومانشستر سيتي.
من جهته، شارك ليفربول في 114 مباراة في الدوري الممتاز منذ الاستقرار على ثلاثي خط الهجوم سالف الذكر الذي ساهم في دفع النادي للمشاركة في مباراتي نهائي ببطولة دوري أبطال أوروبا، والاستحواذ على لقب بطولة الدوري الممتاز وكأس بطولة العالم للأندية، ونجاح هذا الثلاثي في تحقيق توازن مثالي منذ موسم 2017 - 2018. خلال تلك الفترة، لم يشارك فيرمينو في خمس مباريات بالدوري وشارك في التشكيل الأساسي في 97 أخرى. أما صلاح فلم يشارك في ست مباريات وشارك في التشكيل الأساسي في 104. وفيما يخص ماني، فلم يشارك في 14 مباراة وشارك بالتشكيل الأساسي في 94. وجاءت الغالبية العظمى من المباريات التي لم يشارك بها جراء تغيبه بسبب الإصابة في أوتار الركبة وتعرضه للإيقاف.
ويعتبر توفر هؤلاء اللاعبين عنصراً مهماً في نجاح ليفربول بالنظر إلى مهاراتهم رفيعة الطراز وأخلاقيات العمل الرائعة التي يتمسكون بها. أما مسألة إلى أي مدى بمقدورهم تحمل هذا العبء، فإنها ربما تكون العامل المحدد في نجاح ليفربول في الدفاع عن اللقب. إلا أن رغبة كلوب في ضم تيمو فيرنر تشير إلى أنه يعتقد أن خط الهجوم الثلاثي لديه بحاجة للراحة وتجديد نشاطه بعد خوضه ثلاثة مواسم حامية الوطيس؛ الأمر الذي قد يدفع بريوستر للشعور باليأس.
من ناحية أخرى، فإن التداعيات المالية نتيجة تفشي وباء فيروس «كورونا» كانت السبب وراء إحباط مساعي ليفربول نهاية الأمر للاستحواذ على فيرنر وتحويل اللاعب الدولي الألماني مساره باتجاه تشيلسي، أحد الأندية «المملوكة لدول، ومملوكة لكبار رجال الأعمال» حسب وصف كلوب هذا الأسبوع، وبالتالي لا تساورها مخاوف تذكر من تلك التي يواجهها عالم كرة القدم في خضم الوباء الحالي. إلا أن هذه المخاوف تحديداً هي التي تمنح لبريوستر الأمل.
جدير بالذكر أن الإصابة الخطيرة في الركبة التي تعرض لها اللاعب على امتداد ثلاثة شهور بعد حمله كأس بطولة العالم مع المنتخب الإنجليزي في الهند، حرمته من زخم بالغ الأهمية في لحظة محورية. على الصعيد الدولي، نجح إيدي نكيتياه في التقدم نحو منتخب أقل عن 21 عاماً. جدير بالذكر أن بريوستر حل بديلاً لمهاجم آرسنال في مباراتي كوسوفا والنمسا بعدما سجل نكيتياه أربعة أهداف. وعلى صعيد الدوري الممتاز، ربما تطلع بريوستر بمشاعر حسد إزاء ميسون غيرنوود، الذي يصغره بعامين، الأسبوع الماضي.
حسناً، ربما لم يكن غيرنوود جديراً بأن يحسده الآخرون على كل جوانب مشاركته للمرة الأولى في صفوف المنتخب الإنجليزي الأول. وكما يقولون، فإن مصائب قوم عند قوم فوائد. وربما تحمل فترة الاستعداد لبطولة «يورو 2020» فرص أمام بريوستر إذا ما قرر مدرب المنتخب الإنجليزي غاريث ساوثغيت معاقبة مهاجم مانشستر يونايتد بطرده من المنتخب وكذلك فيل فودين. وسيتعين على بريوستر من جانبه العمل جاهداً للاستفادة من واحدة من هذه الفرص، في الوقت الذي يعكف على التفكير في خطوته التالية المحورية خلال الأسابيع الأخيرة من موسم الانتقالات. يذكر أن كلوب قال في أعقاب فوز ليفربول الموسم الماضي ببطولة الدوري الممتاز إن الفريق يمكنه تحسين أدائه هذا الموسم من خلال تنمية مهارات من داخل الفريق مثل هارفي إليون وكيرتيس جونز. ورغم جسامة المصاعب القائمة أمامه، فإن بريوستر يملك القدرة على أن يكون جزءا من هذه المجموعة الرائعة.


مقالات ذات صلة

محمد صلاح أمام الفرصة الأخيرة... هل يكسر منتخب مصر عقدة كأس العالم؟

رياضة عربية الآمال كبيرة على محمد صلاح في كأس العالم (الاتحاد المصري)

محمد صلاح أمام الفرصة الأخيرة... هل يكسر منتخب مصر عقدة كأس العالم؟

في مدينة سبوكان الهادئة بولاية واشنطن الأميركية، بعيداً عن صخب المدن الكبرى وأضواء كأس العالم، يستعد المنتخب المصري لخوض تحدٍّ ربما يكون الأهم بمسيرته الحديثة.

The Athletic (سبوكان (واشنطن))
رياضة عالمية الدولي البلجيكي السابق ديفوك أوريغي (رويترز)

البلجيكي ديفوك أوريغي يعتزل عن 31 عاماً

قرر الدولي البلجيكي السابق ديفوك أوريغي الذي تألق بألوان ليفربول الإنجليزي، وضع حد لمسيرته في ملاعب كرة القدم عن 31 عاماً.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
رياضة عالمية الألماني يورغن كلوب مدرب ليفربول السابق (د.ب.أ)

يورغن كلوب يحصل على وسام فخري من المملكة المتحدة

سيحصل الألماني يورغن كلوب، مدرب ليفربول السابق، على وسام الإمبراطورية البريطانية برتبة قائد فخري.

«الشرق الأوسط» (لندن)
رياضة عالمية مدافع ليفربول السابق الفرنسي إبراهيما كوناتيه وقّع عقداً مع ريال مدريد (رويترز)

الفرنسي إبراهيما كوناتيه يوقّع مع ريال مدريد حتى 2030

وقّع مدافع ليفربول الإنجليزي السابق الفرنسي إبراهيما كوناتيه عقداً مع ريال مدريد الإسباني حتى 2030.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية أندي روبرتسون ودع ليفربول وانضم إلى توتنهام (أ.ف.ب)

توتنهام يضم روبرتسون في صفقة انتقال مجانية

أعلن نادي توتنهام هوتسبير المنافس في الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم الجمعة عن التعاقد مع الظهير أندي روبرتسون.

«الشرق الأوسط» (لندن)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.