مايكل أونيل... مدرب انتشل منتخب آيرلندا الشمالية من القاع إلى القمة

يستحق الإشادة بعدما حققت بلاده أفضل نتائجها الكروية في عهده منذ ثمانينات القرن الماضي

أونيل بعد فوز آيرلندا الشمالية على أوكرانيا وتصدرها مجموعتها في تصفيات الأمم الأوروبية 2016  -  أونيل تولى تدريب ستوك في 2019 إلى جانب تدريب آيرلندا الشمالية (الغارديان)
أونيل بعد فوز آيرلندا الشمالية على أوكرانيا وتصدرها مجموعتها في تصفيات الأمم الأوروبية 2016 - أونيل تولى تدريب ستوك في 2019 إلى جانب تدريب آيرلندا الشمالية (الغارديان)
TT

مايكل أونيل... مدرب انتشل منتخب آيرلندا الشمالية من القاع إلى القمة

أونيل بعد فوز آيرلندا الشمالية على أوكرانيا وتصدرها مجموعتها في تصفيات الأمم الأوروبية 2016  -  أونيل تولى تدريب ستوك في 2019 إلى جانب تدريب آيرلندا الشمالية (الغارديان)
أونيل بعد فوز آيرلندا الشمالية على أوكرانيا وتصدرها مجموعتها في تصفيات الأمم الأوروبية 2016 - أونيل تولى تدريب ستوك في 2019 إلى جانب تدريب آيرلندا الشمالية (الغارديان)

كان رحيل مايكل أونيل عن القيادة الفنية لمنتخب آيرلندا الشمالية أمراً حتمياً، كأحد تداعيات الأزمة التي أصابت كرة القدم بسبب تفشي فيروس «كورونا»؛ لكن هذا لا يقلل على الإطلاق من أهمية الإعلان عن هذا الرحيل. وكان من المقرر أن يقود أونيل، البالغ من العمر 50 عاماً، منتخب بلاده في ملحق التصفيات المؤهلة إلى كأس الأمم الأوروبية؛ لكن الملحق والبطولة نفسها تم تأجيلهما بسبب وباء «كورونا».
وكان أونيل قد عُين في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي مديراً فنياً لستوك سيتي، واستمر في منصبه مع منتخب آيرلندا الشمالية لحين الانتهاء من التصفيات. وبعد استقالته من تدريب منتخب آيرلندا الشمالية، أكد أونيل الذي يركز الآن على تدريب نادي ستوك سيتي الإنجليزي، أنه ليس من نوعية الأشخاص الذين يحبون التنقل كثيراً. وفي الحقيقة، تجب الإشادة بما حققه أونيل مع منتخب بلاده، وبالقرار الذي اتخذه من أجل التركيز مع ناديه.
وما زلت أتذكر صورة أونيل وهو يقفز في الهواء فرحاً على ملعب «بارك أولمبيك ليون» بفرنسا، بعد تسجيل اللاعب نيال ماكجين الهدف الثاني لمنتخب آيرلندا الشمالية في مرمى أوكرانيا قبل أربع سنوات تقريباً، وهو الهدف الذي ضمن الفوز لآيرلندا الشمالية، ومنحها مقعداً في الأدوار الإقصائية لكأس الأمم الأوروبية 2016 بفرنسا.
وكان تأهل آيرلندا الشمالية لكأس الأمم الأوروبية هو أول ظهور لها في أي بطولة كبرى منذ 30 عاماً، وبالتحديد منذ الفوز الذي حققته، بقيادة بيلي بينغهام، على إسبانيا في عقر دارها في كأس العالم عام 1982. وفي ذلك الوقت، كان بإمكان بينغهام استدعاء عدد من اللاعبين المميزين الذين يلعبون في أقوى الأندية العالمية، مثل مانشستر يونايتد وآرسنال. أما أونيل فكانت العناصر والخيارات التي لديه محدودة للغاية، وبالتالي فإنه يستحق الإشادة بعدما جعل منتخب آيرلندا الشمالية يحقق أفضل نتائجه، ويعيش أفضل أيامه منذ ثمانينات القرن الماضي.
وخلال فترة الاستعداد لكأس الأمم الأوروبية 2016، شعر كثير من الآيرلنديين بالإهانة عندما تجاهل صحافي بولندي حقيقة أن منتخب آيرلندا الشمالية قد تأهل للبطولة كمتصدر لمجموعته في التصفيات، مشككاً في قدرة هذا المنتخب على منافسة المنتخبات الكبرى وهو «يضم لاعبين من نادي فليتوود المغمور». ربما يكون هذا الاستهزاء قد أثار غضب أونيل؛ لكنه ساعد في توحيد صفوف اللاعبين، وتقديمهم لأفضل أداء ممكن داخل الملعب.
وبموجب تعليمات من أونيل، قام الاتحاد الآيرلندي لكرة القدم بتحسين الاستعدادات للمباريات الدولية، وأقام معسكرات تدريب في مانشستر سيتي وآرسنال، وعزز الطواقم الطبية والرياضية. ومع ذلك، لم يكن هناك علاج لمشكلة نقص المواهب التي يمكن لأونيل الاعتماد عليها في مثل هذه البطولات الكبرى.
وفي آخر مباراة لأونيل على رأس القيادة الفنية لآيرلندا الشمالية، وهي المباراة التي مني فيها بهزيمة قاسية أمام ألمانيا بستة أهداف مقابل هدف وحيد في نوفمبر، ضمت التشكيلة الأساسية لآيرلندا الشمالية ستة لاعبين يلعبون في دوري الدرجة الأولى بإنجلترا، ولاعباً في دوري الدرجة الثانية، واثنين من الدوري الاسكوتلندي الممتاز، واثنين من أندية الدوري الإنجليزي الممتاز، منهما حارس المرمى الاحتياطي لنادي بيرنلي، بايلي بيكوك فاريل، الذي لم يشارك بعد في أي مباراة بالدوري الإنجليزي الممتاز.
وكان نقص المواهب واللاعبين الجيدين مشكلة واحدة من المشكلات التي كانت تواجه أونيل الذي كان يقضي – قبل توليه قيادة ستوك سيتي في نوفمبر - عطلات نهاية الأسبوع وعديداً من أمسيات أيام الأسبوع في السفر من منزله في إدنبره لمشاهدة مباريات الدوريات الأدنى، من أجل رؤية أكبر عدد ممكن من اللاعبين الذين يمكن ضمهم لصفوف منتخب بلاده. وكان يواجه عقبات أخرى، من بينها تغيير العقلية الكروية في بلاده.
وكان أونيل يأتي في المرتبة الرابعة في قائمة أكثر المديرين الفنيين استمراراً في تولي القيادة الفنية للمنتخبات في أوروبا حتى الأسبوع الماضي؛ حيث استمر في منصبه ثماني سنوات ونصف سنة، وهو ما يعد بمثابة شهادة على ثقة الاتحاد الآيرلندي لكرة القدم في قدراته، وشهادة على جودته وولائه لمنتخب بلاده، في ظل العروض التي كانت تنهال عليه من الأندية. كما حاول منتخب اسكوتلندا الذي شعر بحرج شديد بسبب النتائج الرائعة التي يحققها منتخب آيرلندا الشمالية، التعاقد معه.
وعندما تولى أونيل القيادة الفنية لمنتخب بلاده، خلفاً لنايغل ورثينغتون، في ديسمبر (كانون الأول) عام 2011. لم يكن منتخب آيرلندا الشمالية قد حقق الفوز سوى مرتين فقط في آخر 24 مباراة، على مدار عامين وثمانية أشهر. واستمر هذا الانهيار في البداية؛ حيث شهدت أول مشاركة في التصفيات تحت قيادة أونيل – وهي تصفيات كأس العالم 2014 – حصول منتخب آيرلندا الشمالية على سبع نقاط فقط من عشر مباريات، وهي المسيرة التي شهدت أيضاً الهزيمة أمام منتخبات متواضعة مثل لكسمبورغ وأذربيجان. وكان اللاعبون يفكرون في اعتزال اللعب الدولي، أو يذهبون إلى معسكرات المنتخب وكأنها رحلة ترفيهية. وقال أونيل عند تسلمه جائزة أفضل مدرب في بلفاست من هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) لعام 2015: «كان من الأسهل بالنسبة لي أن أرحل، وأن يتعاقد الاتحاد الآيرلندي لكرة القدم مع شخص آخر».
ولم تكن الثقة بالنفس والعمل الجماعي القوي والمجهود الكبير، هي العوامل الوحيدة التي أدت إلى تطور مستوى منتخب آيرلندا الشمالية بهذا الشكل الملحوظ، ولكن كانت هناك عوامل أخرى، مثل الذكاء الخططي والتكتيكي من جانب أونيل، واهتمامه بأدق التفاصيل في عمله. فبعد الهزيمة أمام بولندا في المباراة الافتتاحية لكأس الأمم الأوروبية 2016، على سبيل المثال، أعاد أونيل مشاهدة المباراة باستخدام زوايا تصوير مختلفة حصل عليها من الاتحاد الأوروبي لكرة القدم، وخلص إلى أن لاعبي فريقه بحاجة إلى مزيد من الجري في منطقة خط الوسط وعلى الأطراف. ونتيجة لذلك، أجرى أونيل خمسة تغييرات على تشكيلة آيرلندا الشمالية أمام أوكرانيا، بما في ذلك استبعاد مهاجم سندرلاند كايل لافرتي. وقد ساعدته هذه الجرأة في تحقيق فوز لا ينسى على المنتخب الأوكراني.
وكان من الممكن أن يقود أونيل منتخب آيرلندا الشمالية في بطولات كبرى أخرى؛ حيث كان بإمكانه التأهل لنهائيات كأس العالم 2018، لولا الخسارة بركلة جزاء مثيرة للسخرية أمام سويسرا، عندما اصطدمت كرة اللاعب السويسري شيردان شاكيري بظهر المدافع كوري إيفانز ليحتسب حكم اللقاء ركلة جزاء.
وكان أونيل في حاجة لقيادة منتخب آيرلندا الشمالية لتحقيق فوزين في التصفيات، من أجل التأهل لكأس الأمم الأوروبية للمرة الثانية على التوالي، لولا توقف النشاط الرياضي بسبب تفشي فيروس «كورونا». وكان تأجيل التصفيات حتى أكتوبر (تشرين الأول) يعني أنه سيكون من الصعب على أونيل أن يجمع بين العمل على رأس القيادة الفنية لمنتخب بلاده ولنادي ستوك سيتي في الوقت نفسه، وبالتالي قرر أونيل الاستقالة من تدريب آيرلندا الشمالية في هدوء، من خلال نشر بيان على الموقع الرسمي للاتحاد الآيرلندي لكرة القدم.
وفي الوقت الحالي، يبحث الاتحاد الآيرلندي لكرة القدم عن بديل لأونيل، وتشير التقارير إلى أن المدير الفني لمنتخب آيرلندا الشمالية تحت 21 عاماً، إيان باراكلو، هو المرشح الأبرز لهذا المنصب؛ لكن البناء على إرث أونيل سيكون بمثابة مهمة لا يحسد عليها بكل تأكيد.
وعلَّق أونيل على رحيله قائلاً: «كنت أتطلع إلى فرصة قيادة آيرلندا الشمالية في ملحق كأس أوروبا 2020 ضد منتخب البوسنة والهرسك، وفرصة المنافسة على التأهل لبطولة كبيرة أخرى؛ لكن الوضع الحالي يعني أن ذلك لم يعد ممكناً». وتابع: «كان من المهم أن أترك الاتحاد والمنتخب في أقوى وضع ممكن، ليس فقط من أجل توفير أفضل فرصة للتأهل إلى كأس أوروبا 2021؛ لكن أيضاً لإتاحة الوقت للمدرب الجديد للبناء على النجاح الذي تحقق خلال ولايتي التي امتدت ثماني سنوات».


مقالات ذات صلة

​في تيخوانا... جالية إيرانية صغيرة تفرقها السياسة وتوحدها كرة القدم ​

رياضة عالمية صادق جالافي وعائلته (رويترز)

​في تيخوانا... جالية إيرانية صغيرة تفرقها السياسة وتوحدها كرة القدم ​

على بُعد حوالي 40 كيلومتراً جنوب الحدود الأميركية المكسيكية بين مطاعم التاكو في ضواحي تيخوانا يرفرف علم يحمل ألوان العلم المكسيكي الأخضر والأبيض والأحمر.

«الشرق الأوسط» (تيخوانا)
رياضة عالمية كيليان مبابي (أ.ف.ب)

الانتقادات تلاحق مبابي قبل أولى مباريات فرنسا في المونديال

يستعد كيليان مبابي لخوض أولى مباريات فرنسا في كأس العالم لكرة القدم أمام السنغال يوم الثلاثاء في ظل تساؤلات تحوم حوله بعد موسم وضع أهم نجم في اللعبة بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
رياضة عالمية نيستوري إيرانكوندا (رويترز)

إيرانكوندا من مخيم للاجئين إلى التألق في كأس العالم مع أستراليا

ولد نيستوري إيرانكوندا في مخيم للاجئين بتنزانيا لكنه بعد 20 عاماً أصبح يسجل بكأس العالم لصالح منتخب أستراليا لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عالمية جانب من تحضيرات كوراساو (أ.ف.ب)

حكاية مونديالية خيالية بين كوراساو وألمانيا... وإيران تحط في «طهرانجليس»

يصح أن يطلق على مباراة كوراساو وألمانيا، بطلة العالم أربع مرات، حكاية خيالية حين تلتقيان الأحد، في مستهل مشوارهما بالمجموعة الخامسة لمونديال 2026.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس)
رياضة عالمية عمر أرتان (إ.ب.أ)

«فيفا» يتكفل بمستحقات الحكم الصومالي أرتان رغم استبعاده من كأس العالم

قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) دفع كامل مستحقات الحكم الصومالي عمر أرتان، رغم حرمانه من دخول الولايات المتحدة وعدم مشاركته في إدارة مباريات كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.