ألميرون: هدفي الأول مع نيوكاسل أزال عني الكثير من الضغوط

صانع اللعب الباراغواياني يروي كيف تغلب على ضعف جسده بالمهارة وطموحه في الدوري الإنجليزي

ألميرون يتلقى التهاني من مدربه ستيف بروس (رويترز)
ألميرون يتلقى التهاني من مدربه ستيف بروس (رويترز)
TT

ألميرون: هدفي الأول مع نيوكاسل أزال عني الكثير من الضغوط

ألميرون يتلقى التهاني من مدربه ستيف بروس (رويترز)
ألميرون يتلقى التهاني من مدربه ستيف بروس (رويترز)

ترتكز حياة صانع الألعاب الباراغواياني ميغيل ألميرون على شيئين رئيسيين: كرة القدم والإيمان، ويتجلى هذا الإيمان في حقيقة أن ذراعه اليمنى مكتوب عليها كلمات باللغة الإسبانية تقول: «الطريق والحق والحياة»، أما الذراع اليسرى فتحمل صورة لكرة القدم محاطة بكلمات باللغة الإسبانية معناها «توقيت الله مثالي».
ويؤمن ألميرون بهذه الكلمات تماما ويرى أن التوقيت الذي يختاره الله لكل شيء يكون هو التوقيت المثالي، وأن هذا الأمر ينطبق على ما حدث معه عندما كان صغيرا في السن وقيل له إنه ضعيف للغاية ولا يمكنه لعب كرة القدم على المستوى الاحترافي، كما ينطبق في الآونة الأخيرة أيضا على رحلته مع نيوكاسل يونايتد، الذي انضم إليه مقابل 21 مليون جنيه إسترليني وظل يلعب لفترة طويلة دون أن يحرز أي هدف.
يقول لاعب الباراغواي البالغ من العمر 25 عاما أثناء هذا الحوار الذي أجري معه - في ظل وجود مترجم - في ملعب التدريب بنادي نيوكاسل يونايتد: «أنا مؤمن بالله بالتأكيد».
وسجل ألميرون الكثير من الأهداف مع ناديه السابق، أتلانتا يونايتد الأميركي، ومع منتخب بلاده، لكنه عجز عن تسجيل أي هدف مع نادي نيوكاسل يونايتد لفترة طويلة، وهو ما يعد أمرا مثيرا للإحباط لأي لاعب بالتأكيد.
لكن من الظلم النظر إلى الأمر من هذه الزاوية الضيقة ومن حيث عدم تسجيل الأهداف فقط. فقبل وصول ألميرون في فترة الانتقالات الشتوية الماضية، كان نادي نيوكاسل يونايتد، بقيادة الإسباني رافائيل بينيتيز، مرشحا للهبوط من الدوري الإنجليزي الممتاز، لكن قدومه مكّن بينيتيز من تغيير طريقة اللعب إلى 3 - 4 - 3 التي ساعدته على تحقيق الفوز في أكثر من مباراة.
وبمجرد مشاركة ألميرون إلى جانب أيوزي بيريز وسالومون روندون، تغير شكل الفريق تماما بفضل السرعة الهائلة لألميرون وقدرته على المراوغة وتحركاته المذهلة في كثير من الأحيان ومجهوده الوفير داخل المستطيل الأخضر. وفي نهاية المطاف، ساعد ألميرون نادي نيوكاسل يونايتد على الابتعاد عن منطقة الهبوط واحتلال مركز جيد في منتصف جدول ترتيب الدوري الإنجليزي الممتاز.
ولو كان المدير الفني السابق لنيوكاسل يونايتد، رافائيل بينيتيز، يثق تماما في قدرات ألميرون ولا يشعر بأي انزعاج بسبب إهدار اللاعب للكثير من الفرص السهلة داخل منطقة الجزاء، فإن نفس الأمر ينطبق على المدير الفني الحالي للفريق ستيف بروس، الذي يثق كثيرا في قدرات وإمكانيات اللاعب صاحب القدم اليسرى الرائعة ولا يزال يعتمد عليه في مركز صانع الألعاب.
وبعد رحيل كل من روندون وبيريز، وانخفاض مستوى المهاجم البرازيلي جويلينتون الذي ضمه النادي مقابل 40 مليون جنيه إسترليني، وإصابة الجناح الخطير ألان سان ماكسيمين، أصبحت هناك مسؤولية أكبر على كاهل ألميرون لقيادة الفريق، ويثق بروس تماما في قدرة اللاعب الباراغواياني على قيادة نيوكاسل في هذه المرحلة الصعبة.
يقول بروس: «ميغيل لاعب رائع للغاية بكل تأكيد. وعلى مدار 20 عاماً من العمل في مجال التدريب، لم أر أي لاعب يغطي كل هذه المساحات داخل الملعب ويلعب بكل هذه القوة مثله. إنه لاعب متعدد المواهب، وبمجرد أن يسجل هدفاً واحداً، فسيسجل الكثير من الأهداف بعد ذلك».
وحصل ألميرون على إشادة الكثيرين، من بينهم جامع الكرات من خلف المرمى، لوكاس روتشفورد، البالغ من العمر عشر سنوات، والذي واسى ألميرون بعد إضاعته لفرصة سهلة أمام وولفرهامبتون واندررز، وأشار له بإصبع الإبهام كدليل لتشجيعه له على مجهوده. وطالب ألميرون النادي بأن يتواصل مع هذا الطفل ويدعوه لقضاء يوم مع الفريق في ملعب التدريب.
وقال ألميرون، قبل أن يتمكن بالفعل من إحراز أول هدف له مع نيوكاسل يونايتد في المباراة التي فاز فيها الفريق على كريستال بالاس 1 - صفر الأسبوع الماضي: «دائما ما يكون إحراز الأهداف لحظة جميلة وخاصة. كنت مشتاقا لإحراز أول هدف لي مع الفريق، ولا أستطيع الانتظار لتلك اللحظة. لكن الشيء الأكثر أهمية هو أنني أساعد الفريق على خلق الفرص، وأصبحت النتائج جيدة بشكل عام، فنحن نحتل المركز الحادي عشر في جدول الترتيب في الوقت الحالي، وهو ما يعني أننا نسير على الطريق الصحيح، وهناك تعاون كبير بين جميع لاعبي الفريق من أجل تحقيق نتائج جيدة».
ويضيف «هذا يعني أنني لست قلقاً للغاية، ولا ألوم نفسي كثيرا بسبب عدم تسجيلي للأهداف. أنا أشعر براحة كبيرة في هذا النادي وفي هذه المدينة بشكل عام، وأعلم أنه إذا واصلت اللعب بكل هدوء وأريحية فإن الأهداف سوف تأتي في نهاية المطاف. لكنني أعتقد أنني سأكون سعيدا للغاية عندما سأسجل أول هدف لي مع الفريق».
ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي طالب فيها ألميرون الجميع بالصبر، فعندما كان تلميذاً في أسونسيون كان يستيقظ يوميا في الساعة الخامسة صباحا من أجل قطع رحلة طويلة لمدة ثلاث ساعات عبر عاصمة الباراغواي للتدريب على كرة القدم قبل بداية اليوم الدراسي.
وعلى الرغم من أن ألميرون كان يمتلك مهارة فائقة وذكاء كرويا حادا، فإنه كان ضعيف البنية الجسدية ونحيفا للغاية عندما كان في الخامسة عشرة من عمره، وهو الأمر الذي دعا النادي الذي كان يلعب له آنذاك، سيرو بورتينو، للإعلان عن أنه لن ينجح أبدا في لعب كرة القدم على المستوى الاحترافي.
وفي ظل حصول والدته ووالده على أجور منخفضة نتيجة عملهما لساعات طويلة كعاملة في سوبر ماركت وحارس أمن، وفي ظل إقامة العائلة في منزل متواضع للغاية، شعر ألميرون بأنه بات يتعين عليه المساهمة في نفقات الأسرة.
وكان ألميرون على وشك التوقف عن ممارسة كرة القدم وقبول وظيفة جمع العربات في أحد المتاجر، لكنّ والديه رفضا السماح له بالتوقف عن العمل على تحقيق حلمه. يقول ألميرون: «لقد شعرت بالإحباط والغضب. لم أكن أفكر في الأمور بشكل صحيح، لكن بعد ذلك جلست وأجريت محادثة مع أمي وأبي، وأخبرتهما بأنني أحب كرة القدم كثيراً وما زلت أعتقد بأنني قادر على مواصلة اللعب وأن تكون هذه هي المهنة التي أحصل من خلالها على لقمة العيش؛ ومن حسن حظي أنهما قدما لي كل الدعم اللازم في هذا الأمر».
وقدم له نادي سيرو بورتينو فرصة أخيرة، من خلال الدفع به في صفوف الفريق الأول. وبعد ذلك، انتقل ألميرون إلى نادي لانوس الأرجنتيني وقدم معه مستويات رائعة جذبت إليه أنظار بينيتيز خلال وجود الأخير في نادي أتلانتا الإيطالي، قبل أن يصبح أغلى لاعب في تاريخ نيوكاسل يونايتد منذ مايكل أوين.
يقول ألميرون، الذي اشترى لوالديه منزلا واسعا: «لا توجد اختلافات كبيرة بين رفائيل بينيتيز وستيف بروس، رغم أن كلا منهما يتعامل مع المباريات بطرق مختلفة ونظريات مختلفة. قد يبدو بينيتيز أكثر هدوءا قليلا وشعورا بالراحة، لكن ستيف رائع في الحديث معك وجها لوجه. لكن رسالتهما الأساسية واحدة، فكلاهما يريد من اللاعبين أن يبذلوا قصارى جهدهم وأن يلعبوا بأريحية ويستمتعوا بما يقدمونه داخل الملعب. إذا لم تلعب بأريحية فإنك لن تلعب بشكل جيد أبدا».
ويقول ألميرون عن برودة الطقس في إنجلترا: «إنني أحب البرد كثيرا، ولا أشعر بالقلق عند سقوط الثلوج». وبينما تقوم زوجته، أليكسيا، وهي مدربة سابقة للزومبا، بإعداد جولة إرشادية في المنطقة لضيوفها، يقول ألميرون: «إنها تحب السفر ومشاهدة المعالم السياحية، فهي سائحة حقيقية، وقد ذهبنا سويا إلى الكثير من الأماكن». ويقضي ألميرون الكثير من وقته في دروس تعلم اللغة الإنجليزية التي بدأها في الولايات المتحدة.
ويقول: «إنني أبذل قصارى جهدي في هذا الأمر، وأستطيع أن أفهم الكثير باللغة الإنجليزية الآن. أعلم أن التحدث باللغة الإنجليزية سوف يفيدني بشكل كبير، لكن من الصعب أن تكون لديك الثقة في بدء محادثة بلغة جديدة».


مقالات ذات صلة

تحذير بوجود إعصار يُجبر لاعبي إنجلترا على الاحتماء داخل المباني

رياضة عالمية تقارير إعلامية بريطانية أفادت بأنه تم توجيه اللاعبين للبقاء داخل المباني (أ.ب)

تحذير بوجود إعصار يُجبر لاعبي إنجلترا على الاحتماء داخل المباني

دوت صفارات الإنذار في مدينة كانساس سيتي التي يقيم بها المنتخب الإنجليزي المشارك في كأس العالم لكرة القدم للتحذير من وقوع إعصار.

«الشرق الأوسط» (كانساس سيتي)
رياضة عالمية صادق جالافي وعائلته (رويترز)

​في تيخوانا... جالية إيرانية صغيرة تفرقها السياسة وتوحدها كرة القدم ​

على بُعد حوالي 40 كيلومتراً جنوب الحدود الأميركية المكسيكية بين مطاعم التاكو في ضواحي تيخوانا يرفرف علم يحمل ألوان العلم المكسيكي الأخضر والأبيض والأحمر.

«الشرق الأوسط» (تيخوانا)
رياضة عالمية كيليان مبابي (أ.ف.ب)

الانتقادات تلاحق مبابي قبل أولى مباريات فرنسا في المونديال

يستعد كيليان مبابي لخوض أولى مباريات فرنسا في كأس العالم لكرة القدم أمام السنغال يوم الثلاثاء في ظل تساؤلات تحوم حوله بعد موسم وضع أهم نجم في اللعبة بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
رياضة عالمية نيستوري إيرانكوندا (رويترز)

إيرانكوندا من مخيم للاجئين إلى التألق في كأس العالم مع أستراليا

ولد نيستوري إيرانكوندا في مخيم للاجئين بتنزانيا لكنه بعد 20 عاماً أصبح يسجل بكأس العالم لصالح منتخب أستراليا لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عالمية جانب من تحضيرات كوراساو (أ.ف.ب)

حكاية مونديالية خيالية بين كوراساو وألمانيا... وإيران تحط في «طهرانجليس»

يصح أن يطلق على مباراة كوراساو وألمانيا، بطلة العالم أربع مرات، حكاية خيالية حين تلتقيان الأحد، في مستهل مشوارهما بالمجموعة الخامسة لمونديال 2026.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.