ترمب يضع تعديل الاتفاق النووي الإيراني على رأس أولوياته

منشأة «أراك» لإنتاج المياه الثقيلة في جنوب غربي طهران (نيويورك تايمز)
منشأة «أراك» لإنتاج المياه الثقيلة في جنوب غربي طهران (نيويورك تايمز)
TT

ترمب يضع تعديل الاتفاق النووي الإيراني على رأس أولوياته

منشأة «أراك» لإنتاج المياه الثقيلة في جنوب غربي طهران (نيويورك تايمز)
منشأة «أراك» لإنتاج المياه الثقيلة في جنوب غربي طهران (نيويورك تايمز)

مع بدء مناقشة الكونغرس الأميركي طرق ووسائل «تحسين» الاتفاق النووي الإيراني المثير للجدل، الأمر الوحيد المؤكد هو أن الاتفاق الذي توصل إليه الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما منذ نحو عامين لم يحقق أيّاً من أهدافه المزعومة. بالنسبة إلى مجموعة الدول «خمسة زائد واحد» التي تفاوضت مع إيران، كان «للاتفاق» غير الملزم ثلاثة أهداف رئيسية؛ كان الأول، كما عبر عنه أوباما، هو «قطع الطريق على إيران لتصنيع سلاح نووي».
ولدى إيران طريقان مفتوحان في هذا الاتجاه، وهما تخصيب اليورانيوم وإنتاج البلوتونيوم، طبقاً «للاتفاق» يمكن لإيران مواصلة تخصيب اليورانيوم لكن عند مستوى منخفض لمدة عشر سنوات. كذلك يجب عليها خفض عدد أجهزة الطرد المركزي، التي يتم استخدامها في تخصيب اليورانيوم، وقد خفضت إيران بالفعل عددها، لكنها ركبت أجهزة طرد مركزي جديدة ذات قدرة إنتاجية أكبر من الأخرى. بعبارة أخرى، لقد خفضت عدد الأجهزة، لكن مع زيادة القدرة الإنتاجية.
وتم إغلاق مفاعل إنتاج البلوتونيوم في مدينة أراك، لكن لم يتم تفكيكه. وكما يقول علي أكبر صالحي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، يمكن إعادة تشغيل المفاعل بـ«تحريك صنبور».
كان الهدف الثالث هو وضع المواقع المشتبه بها في إيران تحت السيطرة الدائمة للوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهذا أيضاً لم يحدث، حيث سمحت إيران بتفتيش 22 من إجمالي 32 موقعاً فقط، وحتى ذلك التفتيش تم في إطار قيود صارمة.
على الجانب الآخر، لإيران أهدافها الخاصة التي تسعى لتحقيقها من الاتفاق غير الملزم. الأول هو رفع كل العقوبات التي تم فرضها بسبب انتهاكها لمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية. ولم يحدث هذا حيث تصور «الاتفاق» تعليق العقوبات فقط لا إلغاءها. وحتى في تلك الحالة لم يثمر تعليق بعض العقوبات النتائج المرجوة بسبب تردد الشركات الدولية، القلقة من البند الذي يتيح إعادة فرض أي عقوبات فوراً، في العمل مع إيران.
وبحسب إسحاق جهانغيري، المساعد الأول للرئيس الإيراني حسن روحاني، فقد تفاوضت إيران على عقود تقدر قيمتها بـ11.6 مليار دولار مع عشرات الشركات الأجنبية منذ تدشين «الاتفاق»، لكن لم يتم تنقيذ سوى أقل من 10 في المائة من تلك العقود.
الهدف الثاني لإيران هو استعادة أصولها المجمدة حول العالم. لدى إيران بفضل صادراتها من النفط عائدات متدفقة باستمرار في أكثر من 50 دولة حول العالم، لكنها لا تستطيع استغلال تلك العائدات بالطريقة التي تريدها بسبب العقوبات نظراً للتحفظ عليها في المصارف الأجنبية.
وحاول الرئيس أوباما مساعدة طهران من خلال ترتيب يقضي بفكّ تجميد 700 مليون دولار شهرياً. كذلك قام بضخّ نحو 1.7 مليار دولار إلى طهران كمساعدة طارئة، لكن لا تمثل تلك المبالغ سوى جزء صغير مما تحتاج إليه إيران لإدارة شؤونها وتصدير ثورتها.
تطلب كثير من الدول من إيران استخدام تلك الأصول المجمدة في شراء سلع وخدمات منها، ويعني هذا أن جزءاً كبيراً من الاقتصاد الإيراني مرتبط بهذا النظام الذي يشبه نظام المقايضة القديم. على سبيل المثال تدين الهند لإيران بنحو 18 مليار دولار، لكن لا تستطيع إيران الحصول على المبلغ نقداً بسبب العقوبات، لذا تطلب الهند من إيران شراء سلع هندية قد لا ترغب فيها إيران، وبالمثل لدى الصين أصول إيرانية مجمَّدَة تقدر قيمتها بنحو 20 مليار دولار.
واستفادت الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي من هذا الوضع، حيث ارتفعت صادرات بريطانيا إلى إيران بنحو 200 في المائة، وهو ارتفاع مذهل وكفيل بإقناع تيريزا ماي، رئيسة وزراء بريطانيا، بتعيين نورمان لامونت، وزير المالية السابق «المبعوث التجاري الخاص» إلى طهران.
كذلك ازدادت صادرات ألمانيا، الشريك التجاري الأكبر لإيران، إليها بنسبة 50 في المائة، في حين ارتفعت صادرات فرنسا إلى إيران بنسبة 150 في المائة. على الجانب الآخر، ارتفعت صادرات إيطاليا إلى إيران بنسبة 60 في المائة، في حين ارتفعت صادرات هولندا إليها بنسبة 110 في المائة.
ويقول سعيد جليلي، الذي كان كبير المفاوضين النوويين الإيرانيين قبل إقالة روحاني له من منصبه: «تعد إيران بوجه عام هي الطرف الخاسر في هذا الاتفاق». ربما يكون الشعور بالمرارة الشخصية هو الدافع وراء تحليل جليلي، لكن قد تشير مطالبته بالنظر في نصوص «الاتفاق» في الجامعات الإيرانية، إن لم يكن في البرلمان الإيراني نفسه، إلى قلق وخوف حقيقي.
وأثارت خطوة ترمب الكبرى الأخيرة بشأن «الاتفاق الإيراني» النقاش مرة أخرى بشأن مدى حكمة وفعالية طريقة أوباما في تفادي معالجة القضايا الشائكة الصعبة. لم «ينسحب» ترمب من الاتفاق، لأن الترتيب غير الملزم لا يتضمن آلية للقيام بذلك، لكن المثير للاهتمام هو أن المرشد الأعلى علي خامنئي أيضاً لم «ينسحب» من الاتفاق، فقد قال بطريقة لطيفة على نحو غير متوقع إنه ما دام أن الآخرين لم يدينوا الاتفاق، فسوف يظل ملتزماً به. من الواضح أنه يعتقد أن ما يتيحه هذا «الاتفاق» من تخفيف للضغط على نظامه أفضل من لا شيء. هل يعني هذا أن دعوة ترمب «لتحسين» الاتفاق قد تكون قابلة للتحقيق؟
من الواضح أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يعتقد ذلك؛ فهناك زيارة مرتقبة لجان إيف لو دريان، وزير خارجيته، إلى طهران من أجل استشفاف الموقف، فإذا وجد أن طهران عازمة على النظر في أمر الـ«تحسين»، يمكن أن يتبعه ماكرون في أول زيارة رسمية لدولة كبرى عضو في الاتحاد الأوروبي إلى إيران.
كيف يمكن القيام بمثل هذا التحسين؟
يقول رامين بيجدلي، باحث إيراني إن «الأمر الأول الضروري هو إرساء أساس قانوني للاتفاق. أفضل طريقة للقيام بذلك هو أن يكون في إطار مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة». الجدير بالذكر أن نزاع إيران كان بالأساس مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وبالتبعية مع الأمم المتحدة، لا مع مجموعة الدول «خمسة زائد واحد» التي تفتقر إلى الشرعية. يمكن لمجلس الأمن تمرير قرار بتفويض مجموعة دول «خمسة زائد واحد» بالتفاوض على اتفاق مع إيران، في إطار معايير القرارات السبع التي اتخذها مجلس الأمن في هذا الشأن.
سيكون من الضروري أن يمنع النص «المحسّن» الجديد إيران بالفعل من تصنيع سلاح نووي إذا كان هذا ما تتعهد إيران به حقاً. المؤكد أن إيران بمقدورها دائماً الانسحاب من معاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، وتصنيع قنبلة نووية كما يحلو لها، كما فعلت كوريا الشمالية، لكن ما لا تستطيع إيران فعله هو ممارسة «التقية» الدبلوماسية، أي أن تظل ملتزمة بمعاهدة عدم انتشار الأسلحة النووية، ومواصلة تصنيع القنبلة النووية في الوقت ذاته.
على مدى العقدين الماضيين، تخلت كثير من الدول طواعية عن تصنيع سلاح نووي، وأنهت برامجها النووية، ومن بين تلك الدول الأرجنتين، وجنوب أفريقيا، وأوكرانيا، وبيلاروسيا (روسيا البيضاء)، وكازاخستان. ولم تواجه تلك الدول أي مشكلات لأنها لم تحاول الخداع مثل إيران وكوريا الشمالية. في المقابل، تم رفع العقوبات التي تم فرضها على تلك الدول دون أي اشتراطات أو محاذير، أو بنود تتيح إعادة فرضها مرة أخرى.
يقول داريوس بادي الذي يؤلف كتاباً عن هذا الموضوع إنه «يمكن حل مشكلة إيران إذا توقف قادة طهران عن الاعتقاد أنهم يستطيعون انتقاء ما يريدونه من بين مواد القانون الدولي لأنهم عرق مميز. تحاول إيران في الوقت الحالي خداع مجموعة الدول (خمسة زائد واحد)، وفي المقابل تخدعها المجموعة».
من شأن التوصل إلى ترتيب شفاف تبديد الشكوك التي أثارها ترامب. لماذا تخصب إيران اليورانيوم إذا لم يكن هناك استخدام واضح له؟ يوجد لدى إيران محطة توليد كهرباء نووية شيدتها روسيا من المفترض أن توفر وقود اليورانيوم اللازم لبقائها حتى انتهاء عمرها الافتراضي البالغ 38 عاماً. لماذا تحتاج إيران إلى مفاعل لإنتاج البلوتونيوم حين لا يكون لديها خطة لإنشاء محطة توليد كهرباء تعمل بالماء الثقيل؟
ربما تنفق إيران تلك المبالغ الهائلة من المال على إنتاج اليورانيوم والبلوتونيوم الذي لا تحتاج إليه من قبيل اللهو، أو تحقيق التقدم العلمي، أو المكانة المرموقة، لكن قد يكون السبب وراء ذلك هو تصنيع سلاح نووي يوماً ما. لا يمكن لهذا الخوف أن يتبدد بسهولة. ما سبب تصنيع إيران لصواريخ طويلة ومتوسطة المدى، والعمل على تصنيع صواريخ باليستية عابرة للقارات ذات رؤوس حربية وسعة حمولة منخفضة نسبياً؟ من غير المنطقي إطلاق صاروخ من على بعد 2000 كلم أو يزيد فقط من أجل حمل كمية صغيرة من مادة «تي إن تي» المتفجرة.
ربما تصنع إيران تلك الصواريخ من قبيل اللهو أيضاً، أو لتحقيق تقدم تكنولوجي، أو من أجل «استعراض القوة»، لكن لا يمكن بسهولة تبديد الخوف من أن يكون هدف مشروع الصواريخ هو استخدام رؤوس نووية أو كيميائية. من المؤكد أن لإيران مخاوفها هي الأخرى، حيث يضع اتفاق أوباما جزءاً كبيراً من اقتصادها بشكل غير مباشر تحت إشراف وتوجيه مجموعة الدول «خمسة زائد واحد». ويعد إجبار إيران على إنفاق أموالها بتصريح وإذن من مجموعة صغيرة من الدول الكبرى الأجنبية إهانة كبيرة لها. كذلك يضع اتفاق أوباما السيف على رقبة إيران، حيث يتيح إعادة فرض العقوبات التي تم تعليقها في أي وقت. وتعد إيران واحدة من بين بضع دول محظور عليها دخول أسواق رأس المال العالمية بسبب نزاعها النووي مع الأمم المتحدة، وهو أمر لا يمكن لاتفاق أوباما معالجته.
من شأن «التحسينات» المقترحة من جانب ترمب أن تتيح معالجة تلك المخاوف الإيرانية أيضاً بطريقة نزيهة وصريحة وشفافة، بدلاً من طريقة الهروب التي اتبعها أوباما. كان من المفاجئ بالنسبة لكثير من المحللين ما لاقته خطوة ترمب من ترحيب حذر في دوائر الأعمال والدوائر الأكاديمية في إيران التي تريد تطبيعاً حقيقياً مع العالم الخارجي لا مصالحة وهمية أصبح «اتفاق» أوباما غير الملزم رمزاً لها.



تصعيد إيراني في «هرمز» يختبر تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي-135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي-8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي-135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي-8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
TT

تصعيد إيراني في «هرمز» يختبر تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي-135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي-8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي-135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي-8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)

أطلقت إيران، الأربعاء، مرحلة جديدة من التصعيد في مضيق هرمز، بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى بانتظار «مقترح موحد» من طهران، في وقت تعثرت فيه محاولات استئناف المحادثات في إسلام آباد.

وبينما واصلت واشنطن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، ردت طهران عملياً بتشديد قبضتها على الممر البحري الاستراتيجي، فتعرضت ثلاث سفن لإطلاق نار، واحتجزت اثنتان منها، في تصعيد وضع الهدنة الممددة أمام اختبار مباشر بين ضغوط البحر وحسابات التفاوض.

وجاء هذا التصعيد بينما بقيت الخطوات التالية للمسار الدبلوماسي غير واضحة. فإعلان ترمب تمديد وقف إطلاق النار لم يقترن بتفاهم سياسي معلن مع إيران، كما أن طهران لم تقدم رداً موحداً ونهائياً على التمديد أو على المشاركة في جولة ثانية من المحادثات.

لكن، باكستان تواصل اتصالاتها، وخففت نسبياً إجراءاتها الأمنية في إسلام آباد، في محاولة لمنع انهيار الوساطة وفتح نافذة جديدة للتفاوض قبل عودة التصعيد إلى البر والبحر معاً.

تمديد الهدنة

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار الذي كان من المقرر أن ينتهي خلال ساعات، مبرراً ذلك بما وصفه بانقسام الحكومة الإيرانية «بشكل خطير»، وبطلب من المشير عاصم منير ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.

وقال ترمب إن واشنطن طلب منها وقف الهجوم على إيران إلى حين تمكن قادتها وممثليها من التوصل إلى «اقتراح موحد».

في الوقت نفسه، أكد أنه أصدر تعليماته إلى الجيش الأميركي بمواصلة الحصار البحري والبقاء «على أهبة الاستعداد والقدرة» في كل الجوانب الأخرى، مشدداً على أنه سيمدد وقف إطلاق النار إلى أن يتم تقديم المقترح الإيراني وتختتم المناقشات «بطريقة أو بأخرى». وبذلك جمع بين تعليق الهجوم المباشر والإبقاء على أداة الضغط الأساسية، أي حصار الموانئ والتجارة البحرية الإيرانية

ونقلت «رويترز» عن مصدر مطلع الأربعاء إن ترمب لم يحدد موعداً لتمديد وقف إطلاق النار مع إيران. وأفاد موقع «أكسيوس» الأميركي، أن ترمب منح الفصائل المتناحرة داخل إيران مهلة قصيرة، تتراوح بين ثلاثة وخمسة أيام، للتوحد خلف عرض مقابل متماسك، محذراً من أن المهلة «لن تكون مفتوحة».

ونقل الموقع عن مسؤولين أميركيين أن مفاوضي ترمب ما زالوا يرون إمكانية للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويعالج ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني، لكنهم قلقون من غياب جهة داخل طهران تملك صلاحية اتخاذ القرار النهائي.

وقال ترمب أنه «من الممكن» استئناف المحادثات مع إيران خلال الأيام المقبلة، وذلك في تبادل رسائل نصية أجراه، الأربعاء، مع صحيفة «نيويورك بوست».

وكتب ترمب: «هذا ممكن »، رداً على سؤال لصحافية في الصحيفة عن احتمال عقد محادثات خلال «36 إلى 72 ساعة» المقبلة، أي حتى يوم الجمعة.

وشدد ترمب في منشورات متلاحقة على أن الحصار البحري هو ورقته الأساسية. وقال إن إيران لا تريد إغلاق مضيق هرمز بل إبقاءه مفتوحاً لتحقيق عائدات يومية كبيرة، مضيفاً أنها تقول عكس ذلك فقط «لحفظ ماء الوجه». وأشار إلىإن الإيرانيين «ينهارون مالياً»، وإن الجيش والشرطة يشتكون من عدم تلقي رواتبهم، معتبراً أن إبقاء المضيق مفتوحاً تحت الضغط الأميركي هو السبيل الوحيد لانتزاع اتفاق.

وذهب ترمب أبعد من ذلك، قائلاً إن رفع الحصار الآن يعني أنه «لن يكون هناك اتفاق مع إيران أبداً»، إلا إذا جرى «تدمير ما تبقى من بلدهم، بما في ذلك قادتهم».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، إن الحصار المستمر على التجارة البحرية الإيرانية يضعف بشكل كبير القوة الاقتصادية لطهران.

وكتب بيسنت على منصة «إكس» أن مرافق التخزين في جزيرة خرج، وهي مركز رئيسي لتجارة النفط، «ستمتلئ وستغلق آبار النفط الإيرانية الهشة». وأضاف: «تقييد التجارة البحرية الإيرانية يستهدف بشكل مباشر مصادر الإيرادات الرئيسية للنظام».

تصعيد في المضيق

لم يمر تمديد الهدنة من دون تطورات ميدانية. فقد تعرضت، الأربعاء، ثلاث سفن في مضيق هرمز لهجمات متلاحقة نسبت وسائل إعلام إيرانية تنفيذها إلى «الحرس الثوري».

وقال مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني إن سفينة حاويات تعرضت في الحادث الأول لإطلاق نار من زورق حربي تابع للحرس، من دون نداء تحذيري مسبق، ما أدى إلى أضرار جسيمة في جسر القيادة.

وقع الحادث الأول على بعد نحو 15 ميلاً بحرياً شمال شرقي عمان، ولم ترد أنباء عن إصابات بين أفراد الطاقم. غير أن وكالة «نور نيوز» المنصة الإعلامية لمجلس الأمن القومي، قالت إن السفينة تجاهلت تحذيرات القوات المسلحة الإيرانية، وإن إطلاق النار جاء بعد الامتناع عن الامتثال للأوامر.

وبدورها زعمت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» بأن العملية بأنها «تطبيق قانوني» لسيطرة إيران على مضيق هرمز.

قوات أميركية تقوم بدورية في بحر العرب بالقرب من سفينة الشحن "توسكا" التي ترفع العلم الإيراني، الأثنين(أ.ف.ب)

وفي الحادث الثاني، أفاد مركز عمليات التجارة البحرية بأن سفينة تعرضت لإطلاق نار على بعد نحو ثمانية أميال بحرية غرب إيران، وتوقفت في المياه بعد الحادث، لكنه أشار إلى عدم تسجيل أضرار أو إصابات.

ولم يحدد المركز الجهة التي أطلقت النار، إلا أن الشبهات اتجهت فوراً إلى إيران، بالنظر إلى تزامن الواقعة مع الهجوم الأول واحتدام التوتر حول المضيق.

أما الحادث الثالث، فنقلت وكالات «نور نيوز» و«فارس» و«مهر» الحكومية أنه استهدف سفينة تدعى «يوفوريا»، وقالت إن السفينة «تقطعت بها السبل» على الساحل الإيراني من دون تقديم تفاصيل إضافية. وفي وقت لاحق، أفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بأن السفينتين «إم إس سي فرانشيسكا» و«إيبامينونداس» أصبحتا في حوزة «الحرس الثوري» ويجري نقلهما إلى إيران.

وقال «الحرس الثوري» في بيان إن السفينتين كانتا تعملان من دون ترخيص، وانتهكتا اللوائح مراراً، وتلاعبتا بأنظمة المساعدة الملاحية، وسعتا إلى الخروج سراً من مضيق هرمز، بما يعرض الأمن البحري للخطر.

جاءت هجمات الأربعاء بعد سلسلة من الحوادث البحرية المتصاعدة خلال الأيام الأخيرة. فقد أطلقت الولايات المتحدة النار على سفينة حاويات إيرانية واحتجزتها خلال عطلة نهاية الأسبوع، ثم صعدت، الثلاثاء، إلى متن ناقلة نفط مرتبطة بتجارة النفط الإيرانية في المحيط الهندي.

كما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية أنها ستواصل «جهود الإنفاذ البحري على مستوى العالم» لتعطيل الشبكات غير المشروعة واعتراض السفن التي تقدم دعماً مادياً لإيران.

وعدّت طهران الحصار الأميركي على المؤانئ الإيرانية عملاً حربياً. وقالت إن استمرار هذا الحصار يعني أنها لن تفتح المضيق، وإن إغلاقه أو تعطيل المرور فيه سيستمر ما دام الحصار قائماً..

وأظهرت التطورات أن الهدنة، حتى بعد تمديدها، لم توقف الحرب في أعالي البحار. فبينما توقفت إلى حد بعيد الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية داخل إيران، ولم تعد الصواريخ الإيرانية تستهدف إسرائيل والمنطقة على نطاق واسع، بقي المضيق ساحة مفتوحة للضغط المتبادل، وبقيت السفن التجارية تدفع كلفة غياب اتفاق سياسي شامل.

موقف متباينة في طهران

بدا الموقف الإيراني من تمديد الهدنة متبايناً وموزعاً بين القبول العملي، والإنكار الإعلامي، والشروط الرسمية. فقد أفادت تقارير إيرانية بأن طهران وافقت على تمديد الهدنة بعدما قبلت طلباً من ترمب نقل عبر باكستان، فيما أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، ، تمديد الهدنة، من دون أن يتحدث عن المشاركة في جولة جديدة من المفاوضات في إسلام آباد.

لكن في وقت لاحق، ذكرت وكالتا «فارس» و«تسنيم» التابعتین لـ«الحرس الثوري» عن مصادر أن إيران «لم تعلن حتى الآن موقفاً رسمياً» بشأن تمديد وقف إطلاق النار، مشددة على أن ما نُسب إلى بقائي في بعض المواقع لم يكن دقيقاً، ولهذا جری حذفه لاحقاً.

وأضاف المصدر أن بقائي لم يقل شيئاً بشأن «موافقة إيران الرسمية» على التمديد، وأن طهران تدرس أبعاد ادعاء ترمب حول تمديد الهدنة.

ومع ذلك أبقت طهران الباب موارباً من حيث المبدأ للعودة إلى المسار الدبلوماسي، لكنها ربطت أي تحرك بشروط لم تعلن طهران أنها باتت متحققة.

وعندما سُئل بقائي، الأربعاء، عن احتمال وتوقيت استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، قال للصحافيين إن طهران ستتحرك «كلما وصلنا إلى قناعة بأن الأرضية اللازمة والمنطقية مهيأة لاستخدام هذا المسار لتحقيق المصالح الوطنية وتثبيت إنجازات الشعب الإيراني في إحباط أهداف الأعداء».

وفي السياق نفسه، قال وزير الخارجية عباس عراقجي خلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني إن الوضع الحالي في مضيق هرمز هو «النتيجة المباشرة» لانتهاك الولايات المتحدة القانون الدولي وتصرفاتها الأحادية.

وأضاف أن إيران، بوصفها دولة مشاطئة للمضيق، اتخذت إجراءات وفق القانون الدولي لحماية أمنها القومي في مواجهة التهديدات الأميركية والإسرائيلية، محمّلاً «الدول المعتدية» مسؤولية تداعيات الوضع على الاقتصاد العالمي، حسب ما جاء في بيان للخارجية.

صورة من مقطع فيديو يظهر صاروخاً إيرانياً على منصة إطلاق معروضاً خلال مسيرة مؤيدة للحكومة في مدينة أراك ليلة الثلاثاء(أ.ف.ب)

وانتقد عراقجي صمت الدول الأوروبية إزاء الهجمات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، واعتبره غير مقبول، محذراً من أن المعايير المزدوجة تقوض القانون الدولي ونظام منع الانتشار النووي. وبذلك قدّم وزير الخارجية تفسيراً سياسياً وقانونياً متشدداً للوضع في المضيق، من دون أن يمنح إشارة واضحة إلى قرب استئناف التفاوض.

استعراض القوة

في الليلة السابقة للهجمات، نظم أنصار التيار المتشدد في مدن إيرانية مسيرات عرض فيها «الحرس الثوري» صواريخ ومنصات إطلاق للمرة الأولى منذ بدء وقف إطلاق النار.

واعتبرت هذه العروض عشية ذكرى تأسيس جهاز«الحرس الثوري»، رسالة تحدٍ للولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين كرستا جزءاً كبيراً من حملتهما الجوية لتدمير ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية.

وعرضت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية صوراً ومقاطع من استعراضات في الأحواز وأراك وبندر عباس وبوشهر وكرمان وتبريز وطهران وقم وزنجان. وشملت الصواريخ المعروضة طرازات «باوه» و«خيبر شكن» و«خرمشهر-4» و«قدر».

وأظهرت بعض اللقطات منصات إطلاق وسط الأحياء والساحات العامة، في دمج متعمد بين الرسالة العسكرية والحشد الشعبي.

وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية رضا طلائي، إن إيران يجب أن تواصل في جميع الساحات، سواء في ميدان القتال أو في الدبلوماسية أو في الشارع، الضغط بقوة لإجبار العدو على «الاستسلام الكامل»..

مهلة لترتيب الأوراق الداخلي

في غضون ذلك، نقل موقع «أكسيوس» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن ترمب يمنح إيران مهلة قصيرة لإنهاء الصراع الداخلي والعودة إلى محادثات السلام، وأن البيت الأبيض خلص إلى أن المشكلة الأساسية ليست فقط مضمون العرض الإيراني، بل غياب مركز قرار واضح داخل طهران.

وقال مسؤول أميركي إن هناك «انقساماً حاداً» بين المفاوضين والعسكريين، وإن أياً من الطرفين لا يستطيع الوصول إلى المرشد مجتبى خامنئي، الذي لا يستجيب.

وبحسب الرواية نفسها، بدأ الأميركيون رصد هذه الانقسامات بعد الجولة الأولى من محادثات إسلام آباد، عندما اتضح أن قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي ونوابه رفضوا كثيراً مما ناقشه المفاوضون الإيرانيون. وبرز هذا الانقسام علناً، وفق الموقع، عندما أعلن عراقجي إعادة فتح مضيق هرمز، لكن «الحرس الثوري» رفض التنفيذ وبدأ مهاجمته علناً.

وأضاف «أكسيوس» أن الساعات الثماني والأربعين الأخيرة كانت محبطة للبيت الأبيض، وخصوصاً لنائب الرئيس جاي دي فانس، الذي كان قد استعد للسفر إلى إسلام آباد لقيادة الجولة الثانية من المحادثات. وبدلاً من ذلك، وجد نفسه ينتظر موافقة قادة «الحرس الثوري» على سفر قاليباف وعراقجي إلى باكستان للقاءه.

وقال الموقع إنه بدا مساء الاثنين أن إيران منحت الوسطاء الباكستانيين الضوء الأخضر للمحادثات، لكن هذا المؤشر اختفى صباح الثلاثاء، ليحل محله مطلب برفع الحصار البحري الأميركي. وظلت طائرة «إير فورس تو» لساعات على مدرج قاعدة أندروز، قبل أن يتضح أن الرحلة لن تتم، فيما عاد المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى واشنطن بدلاً من التوجه إلى إسلام آباد.

وأفاد الموقع بأن ترمب اجتمع بعد ظهر الثلاثاء مع فريقه للأمن القومي، وكان الخياران المطروحان بين توجيه ضربة واسعة للبنية التحتية للطاقة في إيران أو منح الدبلوماسية مزيداً من الوقت، قبل أن يختار الخيار الثاني.

ونقل عن مصدر قريب من ترمب أن الرئيس «لا يريد استخدام القوة العسكرية مجدداً»، لكنه قد يعيد الخيار العسكري إلى الطاولة إذا فشل الوسطاء الباكستانيون في تأمين مشاركة إيران ضمن المهلة الجديدة.

تجاذبات داخلية

كشفت مواقف المسؤولين الإيرانيين عن تباينات واضحة في مقاربة تمديد الهدنة واستئناف التفاوض. ففي بيان أصدره بمناسبة ذكرى تأسيسه، قال «الحرس الثوري» إن وحداته بما في ذلك ذراعه التعبوية «الباسيج» جاهزة لتحقيق «إنجازات ومفاجآت تتجاوز حسابات العدو، باستخدام أوراق جديدة في ساحة المعركة».

واعتبر عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، النائب فدا حسين مالكي أن تمديد وقف إطلاق النار يمثل «فخاً» من ترمب لشراء الوقت، بهدف إعادة بناء تحركاته العسكرية في المنطقة وتعزيز الاستطلاع على بعض المناطق الإيرانية. وقال إن أمن مضيق هرمز والتخصيب النووي يشكلان خطين أحمرين ثابتين وغير قابلين للتغيير.

وقال ممثل المرشد الإيراني في «الحرس الثوري» عبد الله حاجي صادقي إنه «لا توجد مفاوضات حالياً»، مضيفاً أن إيران لن تدخل في تفاوض إلا عندما يقبل العدو بالشروط الإيرانية.

أما النائب علي خضريان، عضو لجنة الأمن القومي، فاعتبر أن المشاركة في مفاوضات بلا جدول أعمال واضح ليست سوى أداة أميركية لإدارة سوق الطاقة.

وأضاف خضريان أن ترمب طلب في المفاوضات «كل شيء» من طهران، وأن الجمع بين إعلان وقف إطلاق النار واستمرار الحصار البحري يمثل تناقضاً غير مقبول.

وقال إن الساعة الثالثة فجراً كانت، من وجهة نظر إيران، نهاية الهدنة، وإن أي إجراء ضد إيران أو فصائل المقاومة سيواجه برد عسكري. كما شدد على أن أي إجراء ضد السفن الإيرانية بعد ذلك يُعد حرباً وسترد عليه طهران.

وفي المقابل، دعا إحسان صالحي، عضو مجلس الإعلام في حكومة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، إلى عدم ظلم البلاد والقيادة، منتقداً الخطاب الذي يوحي بأن جهات داخل الدولة تعمل خارج الإرادة العامة أو تفرض الهدنة والمفاوضات على القيادة. وقال إن هذا الخطاب يفرغ قلوب الناس من الأمل ويضر بالبلاد.

أما النائب الأول للرئيس عارف، فقال إن فريق التفاوض يدافع بشجاعة وتدبير عن المصالح الوطنية، داعياً كل الأطراف إلى دعمه، ومعتبراً أن الحضور في الشوارع إلى جانب المقاتلين يشكل دعماً قوياً للمفاوضات.

في الأثناء، قال ابراهیم رسولي، المستشار السياسي لرئيس البرلمان أن الولايات المتحدة أبلغت الإيرانيين بأنها لن تفرض حصاراً بحرياً إذا عادوا إلى المفاوضات، مضيفاً أن طهران لم تقبل بذلك.

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)

وأضاف: «قلنا لواشنطن ليس لدينا أسرار، أعلنوا رفع الحصار البحري لننظر في المشاركة في المفاوضات». وتابع «نحن نرى ثلاثية الشارع، الميدان والدبلوماسية معاً"، وهذه الثلاثية حاضرة اليوم في جميع قرارات مسؤولي الجمهورية الإسلامية». وتنحن نتفاوض لكن لا ننخدع.

وقال : "ليس لدينا أسرار مع الشعب؛ نقول: إن كنت لا تفرض الحصار، فأعلن ذلك رسميًا، ثم سنفكر بشأن المفاوضات.

وفي موقف رسمي، قال بقائي إن الدبلوماسية أداة لتحقيق المصالح الوطنية والأمن القومي، وإن طهران ستلجأ إليها عندما ترى أن الأرضية اللازمة والمنطقية متوافرة.

وقال علاء الدين بروجردي إن ترمب لم يكن أمامه خيار سوى تمديد وقف إطلاق النار، فيما شدد رئيس السلطة القضائية محسني إجئي على أن «العدو ليس في موقع يسمح له بتحديد الوقت لإيران»، داعياً إلى اليقظة الكاملة ومتوعداً المحتكرين والمغالين في الأسعار.

ومن جهته، قال قاسم روانبخش إن صمود إيران أجبر أميركا على التراجع، وإن واشنطن تحاول الآن بلوغ أهدافها عبر «الحرب الإعلامية».

وعكست الصحف الصادرة في طهران هذا الانقسام في المقاربة، مع ميل واضح إلى ربط الهدنة بملف هرمز والحصار البحري. فقد خصصت «همشهري» التابعة لبلديلة طهران صفحة كاملة لشرح أسباب امتناع إيران عن المشاركة في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وقالت إن هناك ثمانية أسباب رئيسية لذلك.

أما «كيهان» المقربة من مكتب المرشد فذهبت أبعد، إذ دعت في عنوانها الرئيسي إلى إغلاق مضيق باب المندب، واعتبرت أن «الكشف عن مفاجأة باب المندب» مع نهاية المهلة المحددة بأسبوعين من شأنه فتح جبهة جديدة ضد ترمب وحلفائه، بحيث لا يبقى لهم أي موقع آمن في الشرايين الحيوية للمنطقة. وفي مقال منفصل، دعا محمد إيماني إلى رد عسكري على الولايات المتحدة بسبب إجراءاتها ضد السفن الإيرانية قرب مضيق هرمز، مطالباً بتنفيذ «عقاب رادع».

أما «اعتماد»، المؤيدة بشدة للرئيس مسعود بزشكيان حكومة مسعود بزشكيان، فسلطت الضوء على احتمال استمرار وقف إطلاق النار أو عودة المواجهات العسكرية.

الوساطة الباكستانية

واصلت باكستان، الأربعاء، تركيزها على إبقاء المحادثات قائمة. وقال مسؤولان باكستانيان لوكالة «أسوشييتد برس» إن القيادة السياسية والعسكرية عملت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية على منع انهيار المحادثات وإقناع الولايات المتحدة بتمديد وقف إطلاق النار. وأضافا أن السلطات ستبقي الترتيبات الأمنية سارية في إسلام آباد في حال وصول الوفدين الأميركي والإيراني.

وقال المسؤولان إن باكستان لا تزال تنتظر رداً من طهران بشأن موعد إرسال وفد للجولة الثانية. وفي إسلام آباد، بقيت الشرطة والقوات في حالة تأهب على طول الطرق الرئيسية، مع الإبقاء على نقاط التفتيش والقيود على الوصول إلى بعض أجزاء المدينة. وقال ضابط الشرطة محمد أسلم إنه لم ترد أي تعليمات بإزالة الحواجز.

تُظهر صورة جوية لإسلام أباد طريقاً يؤدي إلى «المنطقة الحمراء»، حيث من المقرر لعقد الجولة الثانية من محادثات الإيرانية_الأميركية الأربعاء(إ.ب.أ)

وفي السياق نفسه، التقى وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار بالمفوضة السامية البريطانية جين ماريوت في إسلام آباد، وبحثا الوضع الإقليمي المتطور. وقالت الخارجية الباكستانية إن دار شدد على الجهود المستمرة التي تبذلها بلاده لتسهيل الانخراط الدبلوماسي، وأكد أهمية الحوار والدبلوماسية في حل النزاعات سلمياً. كما أعربت ماريوت عن تقديرها للدور التيسيري الذي تضطلع به باكستان في جمع الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات.

وقال المحلل المقيم في إسلام آباد سيد محمد علي لوكالة أسوشيتد برس إن ترمب يبدو أنه توصل إلى أن حصار الموانئ الإيرانية أكثر فعالية وأقل كلفة من الاستمرار في استخدام القوة، مضيفاً أن احتمال عقد جولة ثانية من المحادثات لم يتلاش، وأن الحصول على تمديد غير محدد للهدنة يمثل إنجازاً لباكستان.


«المركزي» التركي يثبت الفائدة عند 37 % مدفوعاً بتقلبات أسعار الطاقة

البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
TT

«المركزي» التركي يثبت الفائدة عند 37 % مدفوعاً بتقلبات أسعار الطاقة

البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)
البنك المركزي التركي (الموقع الرسمي)

قرر البنك المركزي التركي تثبيت سعر الفائدة على إعادة الشراء لمدة أسبوع (الريبو) المعتمد معياراً أساسياً لأسعار الفائدة عند 37 في المائة، مدفوعاً بتقلبات أسعار الطاقة المرتبطة بالتوتر الناجم عن حرب إيران، وبما يتماشى مع التوقعات.

وأبقت لجنة السياسة النقدية للبنك، في اجتماعها الأربعاء، على سعر الفائدة على الإقراض لليلة واحدة عند 40 في المائة، وسعر الفائدة على الاقتراض لليلة واحدة عند 35.5 في المائة، دون تغيير.

ولفت البنك، في بيان عقب الاجتماع، إلى مستويات مرتفعة وتقلبات كبيرة في أسعار الطاقة نتيجة حالة عدم اليقين الناجمة عن التطورات الجيوسياسية في المنطقة.

التطورات الجيوسياسية والتضخم

وأضاف: «جرى رصد آثار هذه التطورات وأسعار الطاقة المحلية على توقعات التضخم عن كثب من خلال قناة التكلفة والنشاط الاقتصادي، وسيتم تشديد السياسة النقدية حال حدوث تدهور كبير ومستمر في توقعات التضخم».

رغم تراجع التضخم تواصل الأسعار ارتفاعها في الأسواق التركية (إ.ب.أ)

وذكر البيان أن التضخم الأساسي سجل تراجعاً في مارس (آذار) الماضي، وتراجع التضخم السنوي إلى 30.87 في المائة، وأن المؤشرات الرائدة تشير إلى ارتفاع طفيف في التضخم الأساسي في أبريل (نيسان) الحالي.

وتابع البنك المركزي التركي، في بيانه، أنه بينما تشير المؤشرات إلى تباطؤ في النشاط الاقتصادي، فإن الآثار الثانوية المحتملة للتطورات الأخيرة على توقعات التضخم ستكون مهمة.

وأكد البيان أن لجنة السياسات النقدية ستحدد الخطوات التي يتعين اتخاذها فيما يتعلق بسعر الفائدة من خلال نهج حذر، وبطريقة تعمل على الحد من الاتجاه الأساسي للتضخم وتوفير الظروف النقدية والمالية التي من شأنها أن تهبط بالتضخم إلى الهدف المنشود على المدى المتوسط، وهو 5 في المائة، مع الأخذ في الاعتبار التأثيرات المتأخرة لتشديد السياسة النقدية.

وشدد على أنه سيتم استخدام جميع أدوات السياسة النقدية بشكل حاسم، وسوف تتخذ اللجنة قراراتها ضمن إطار متوقع ومستند إلى البيانات وشفاف، وسيتم تشديد السياسة حال حدوث انهيار مفاجئ لتوقعات التضخم.

انتقادات للفريق الاقتصادي

وعقد اجتماع لجنة السياسة النقدية للبنك المركزي وسط انتقادات حادة لأداء وزير الخزانة والمالية، محمد شيمشيك، ورئيس البنك المركزي، فاتح كاراهان، من جانب وسائل إعلام قريبة من الحكومة.

وزير الخزانة والمالية التركي محمد شيمشيك (أ.ب)

ووجهت صحيفة «يني شفق»، وهي واحدة من أقرب الصحف إلى الحكومة، انتقادات شديدة للإدارة الاقتصادية، عبر تقرير تصدّر صفحتها الأولى، الاثنين الماضي، بعنوان: «انهيار البرنامج الاقتصادي لمحمد شيمشيك».

وقبل ساعات من اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي، الأربعاء، خرجت الصحيفة بعنوان رئيسي يقول: «أسعار الفائدة في انتظار قرار كاراهان التعسفي».

وقالت الصحيفة إن كاراهان، الذي رفع أسعار الفائدة بمقدار 5 في المائة قبل الانتخابات المحلية في 31 مارس (آذار) 2024 في اجتماعات مغلقة، على الرغم من غياب توقعات السوق، يتردد في خفض الأسعار، ويزيد من حالة عدم اليقين.

رئيس البنك المركزي التركي فاتح كاراهان (إعلام تركي)

وأضافت: «يُثار تساؤل حول طبيعة القرار الذي سيعلنه كاراهان اليوم. فالبنك المركزي، الذي يتخذ عند رفع أسعار الفائدة قرارات تتراوح بين 500 و700 نقطة أساس، يعزز حالة عدم اليقين حين يكتفي بتخفيضات لا تتجاوز 100 نقطة أساس. وبعد أن أنهى عام 2025 بتخفيضات رمزية في أسعار الفائدة، استهل عام 2026 بنبرة متشائمة، ما يزيد من تعقيد المشهد أمام قطاع الأعمال الذي يكافح لاستشراف المستقبل».

وتابعت الصحيفة انتقاداتها قائلة إنه «بسبب موقف كاراهان (المتحفظ للغاية)، الذي لاقى انتقادات من قطاع الأعمال، يواجه قطاع الصناعة صعوبة في استمرار الإنتاج، في حين يفقد المصدرون قدرتهم التنافسية أمام منافسيهم».

رحيل نائب رئيس المركزي

وشهد البنك المركزي، عشية اجتماع الأربعاء، تغييراً مهماً في إدارته قبل يوم واحد من اتخاذ قرار حاسم بشأن سعر الفائدة؛ إذ انتهت ولاية الدكتور عثمان جودت أكتشاي، الذي عُيّن نائباً لرئيس البنك في 28 يوليو (تموز) 2023، قبل عامين من موعد انتهائها، لبلوغه السن القانونية (65 عاماً).

وفي هدوء، جرى يوم الثلاثاء حذف اسم أكتشاي من قائمتي لجنة الإدارة ولجنة السياسة النقدية على الموقع الإلكتروني الرسمي للبنك المركزي، من دون أي إعلان رسمي، كما حذفت سيرته الذاتية من الموقع.

ولم تُنشر أي رسالة وداع له على موقع البنك المركزي. وكان أكتشاي قد عُيّن عقب الانتخابات البرلمانية والرئاسية في عام 2023 ضمن إدارة رئيسة البنك السابقة، حفيظة غاية أركان، بموجب مرسوم رئاسي وقّعه الرئيس رجب طيب إردوغان.

نائب رئيس البنك المركزي التركي السابق عثمان جودت أكتشاي (إعلام تركي)

وتصدّر أكتشاي، مؤخراً، عناوين الأخبار، بسبب حديثه في إحدى الفعاليات في إسطنبول؛ حيث قال إن التضخم كان عند نحو 48 في المائة وقت توليه منصبه، وانخفض الآن إلى 31 في المائة، مؤكداً أن هذا الانخفاض لا ينبغي تقييمه بمعزل عن غيره.

وأضاف: «لو لم تُتخذ هذه الخطوات، لكان التضخم قد ارتفع إلى ما بين 150 و200 في المائة».

وقلل أكتشاي من تأثير فترات الانتخابات على أسعار الفائدة، قائلاً: «لا تشغلني فترات الانتخابات إطلاقاً؛ فإذا توسعت السياسة المالية، فسأشدد السياسة النقدية أكثر». ولفت إلى ضرورة التنسيق مع وزارة الخزانة والمالية.

وساهم أكتشاي، وهو أستاذ اقتصاد عمل في جامعتي بوغازإيتشي وكوتش، وكان من ضمن مخططي السياسة في بنك «يابي كريدي»، في إعادة صياغة السياسة النقدية لخفض التضخم وإنعاش اهتمام المستثمرين.

وعدّ الخبير الاقتصادي التركي، أوغور غورسيس، أن أكتشاي كان بإمكانه الاستمرار في منصبه، في ظل غياب نص واضح ينظم مدة ولاية رئيس البنك المركزي ونوابه حالياً.

وأوضح أن القانون كان ينص سابقاً على ولاية مدتها 5 سنوات، قبل أن يُلغى هذا النص بمرسوم رئاسي «غير قانوني»، ثم قضت المحكمة الدستورية بإبطاله، ما أبقى فراغاً تشريعياً قائماً. وبناءً على ذلك، كان من الممكن تطبيق النص الأصلي للقانون، بما يتيح له الاستمرار في منصبه لعامين إضافيين.


الحرب قد تدفع الإيرانيين في تركيا للعودة إلى بلادهم

إيراني يتحدث إلى أحد الزبائن داخل محل صرافة يملكه في إسطنبول (أ.ب)
إيراني يتحدث إلى أحد الزبائن داخل محل صرافة يملكه في إسطنبول (أ.ب)
TT

الحرب قد تدفع الإيرانيين في تركيا للعودة إلى بلادهم

إيراني يتحدث إلى أحد الزبائن داخل محل صرافة يملكه في إسطنبول (أ.ب)
إيراني يتحدث إلى أحد الزبائن داخل محل صرافة يملكه في إسطنبول (أ.ب)

تقضي الإيرانية سادري حق شناس أيامها في بيع المعجنات في متجر بإسطنبول، لكن تفكيرها منصب على ابنتها في طهران.

اضطرت الأسرة إلى إرسالها إلى إيران بعد أن واجهوا صعوبات في تجديد تأشيرتها، رغم المخاوف من أن الهدنة الهشة قد تنهار قريباً.

لسنوات، سمحت تصاريح الإقامة قصيرة الأجل لعشرات الآلاف من الإيرانيين بالسعي وراء الفرص الاقتصادية، والتمتع باستقرار نسبي في تركيا المجاورة. لكن الوضع غير مستقر، وقد زادت الحرب من خطورة الموقف.

قالت حق شناس وهي ترفع يديها من خلف طاولة متجر المعجنات: «أقسم بأنني أبكي كل يوم. لا توجد حياة في بلدي، ولا توجد حياة هنا، فماذا أفعل؟».

سادري حق شناس امرأة إيرانية تبلغ من العمر 47 عاماً تعمل في متجر لبيع المعجنات في إسطنبول (أ.ب)

العودة إلى إيران

بحسب تقرير لوكالة «أسوشييتد برس»، فإن حق شناس انتقلت وزوجها إلى تركيا قبل 5 سنوات مع ابنتيهما اللتين كانتا مراهقتين آنذاك، ويعيشون بتأشيرات سياحية قابلة للتجديد كل ستة أشهر إلى سنتين.

لم يتمكنوا من تحمل تكاليف محامٍ هذا العام، لأن زوجها عاطل عن العمل بسبب مشكلات صحية. ونتيجة لذلك فاتهم الموعد النهائي لتقديم طلب للحصول على تأشيرة جديدة لابنتهما آصال البالغة من العمر 20 عاماً، والتي لا تزال في سنتها الأخيرة في المدرسة الثانوية.

تم احتجاز آصال في نقطة تفتيش في وقت سابق من هذا الشهر، وأمضت ليلة في مركز للهجرة. وجدت والدتها صديقاً ليأخذها إلى طهران بدلاً من مواجهة إجراءات الترحيل التي قد تعقد قدرتها على العودة إلى تركيا. وتأمل أن تتمكن من العودة بتأشيرة طالب.

لم تتمكن حق شناس من التحدث إلى ابنتها منذ مغادرتها بسبب انقطاع الإنترنت الذي استمر لشهور في إيران.

ويتمتع العديد من الإيرانيين بوضع مؤقت ولم تشهد تركيا تدفقاً للاجئين، حيث سعى معظم الإيرانيين إلى الأمان داخل بلدهم. وكان العديد ممن عبروا الحدود البرية في طريقهم إلى بلدان أخرى يحملون جنسيتها، أو إقامة فيها.

ووفقاً للمعهد التركي للإحصاء، كان يعيش ما يقرب من 100 ألف إيراني في تركيا عام 2025. ووفقاً لوكالة الأمم المتحدة للاجئين، دخل نحو 89 ألفاً إلى تركيا منذ بدء الحرب، بينما غادر نحو 72 ألفاً.

استخدم بعض الإيرانيين الإقامات قصيرة الأجل من دون تأشيرة لانتظار انتهاء الحرب، لكن الخيارات محدودة بالنسبة لأولئك الذين يرغبون في البقاء لفترة أطول.

رجل أمام متجر بقالة إيراني في إسطنبول (أ.ب)

الحماية الدولية

قال سيدات ألبيرق، من مركز حقوق اللاجئين والمهاجرين التابع لنقابة المحامين في إسطنبول، إن الحصول على وضع الحماية الدولية قد يكون صعباً، وإن النظام يشجع الإيرانيين على التقدم بطلبات للحصول على تصاريح قصيرة الأجل بدلاً من ذلك. وقال: «هناك أشخاص يعيشون على هذه التصاريح منذ أكثر من 10 سنوات».

إذا استمرت الحرب، فقد يضطر المزيد منهم إلى العودة، فمثلاً جاء نادر رحيم إلى تركيا من أجل تعليم أطفاله قبل 11 عاماً. والآن، قد تجبره الحرب على العودة إلى وطنه.

ونظراً لصعوبة الحصول على تصريح لبدء عمل تجاري، أو العمل بشكل قانوني في تركيا، كان يعيش على أرباح متجره لبيع الدراجات النارية في إيران. لكن لم تكن هناك أي مبيعات منذ بدء الحرب، كما أن العقوبات الدولية وانقطاع الإنترنت يجعلان تحويل الأموال أمراً بالغ الصعوبة.

ولا تملك عائلته سوى ما يكفي من المال للبقاء في تركيا لبضعة أشهر أخرى. نشأ أطفاله في تركيا، ولا يقرأون الفارسية، ولا يتحدثونها بطلاقة. وهو قلق بشأن كيفية تكيفهم مع الحياة في إيران، لكنه قال: «إذا استمرت الحرب، فلن يكون لدينا خيار سوى العودة».

في غضون ذلك، يقضي معظم أيامه في تصفح هاتفه، في انتظار أخبار من والديه في طهران، أو مناقشة الحرب مع أصدقائه الإيرانيين أثناء تدخين الشيشة.

إيرانيان يجلسان في أحد مقاهي مدينة إسطنبول التركية (أ.ب)

«حياة سيئة»

جاءت امرأة إيرانية تبلغ من العمر 42 عاماً إلى تركيا قبل ثمانية أشهر، على أمل كسب المال لإعالة أسرتها. سجلت هي وابنتها كطالبتين جامعيتين للحصول على تأشيرات دراسة. تحضر الدروس في الصباح للحفاظ على وضعها القانوني قبل أن تندفع إلى وظائف الخدمة، وتعمل أحياناً حتى الساعة 3 صباحاً.

وقالت إنهما تتشاركان غرفة مع ست سيدات أخريات في منزل للنساء، متحدثةً بشرط عدم الكشف عن هويتها خوفاً على سلامتها في حال عودتها إلى إيران.

لا ترى هذه السيدة مستقبلاً في إيران، بينما في تركيا، تكاد لا تكفيها الموارد، وتستطيع فقط إرسال مبالغ صغيرة من المال إلى والديها.

ومن ملجأ مؤقت إلى آخر سافرت مهندسة معمارية مستقلة تبلغ من العمر 33 عاماً من طهران إلى تركيا خلال حملة القمع العنيفة التي شنتها إيران على الاحتجاجات الجماهيرية في يناير (كانون الثاني). كانت تخطط للعودة بعد أن تهدأ الأوضاع، لكن الولايات المتحدة وإسرائيل دخلتا في حرب مع إيران في نهاية فبراير (شباط).

قالت: «بدأت أعتقد أن الوضع سيئ للغاية، أسوأ مما توقعت»، متحدثةً بشرط عدم الكشف عن هويتها خوفاً من الاضطهاد إذا عادت إلى إيران.

لم تتمكن من العمل مع عملائها المعتادين في إيران بسبب انقطاع الإنترنت. ومع اقتراب انتهاء فترة الإقامة من دون تأشيرة والتي تبلغ 90 يوماً، لا تستطيع تحمل تكاليف التقدم بطلب لإقامة أطول في تركيا.

بدلاً من ذلك، قررت الذهاب إلى ماليزيا، حيث ستحصل على سكن مجاني مقابل بناء ملاجئ خلال شهر من الإقامة من دون تأشيرة. وليس لديها أي خطة لما سيحدث بعد ذلك.