تصعيد إيراني في «هرمز» يختبر تمديد الهدنة

«الحرس الثوري» احتجز سفينتين وهاجم ثالثة... وباكستان تضغط لمنع انهيار الوساطة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
TT

تصعيد إيراني في «هرمز» يختبر تمديد الهدنة

طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)
طائرة أميركية للتزويد بالوقود من طراز «كيه سي - 135» تعيد تموين طائرة دورية بحرية من طراز «بي - 8 بوسيدون» خلال عمليات الحصار على الموانئ الإيرانية (سنتكوم)

أطلقت إيران، الأربعاء، مرحلة جديدة من التصعيد في مضيق هرمز، بعد ساعات من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب تمديد وقف إطلاق النار إلى أجل غير مسمى بانتظار «مقترح موحد» من طهران، في وقت تعثرت فيه محاولات استئناف المحادثات في إسلام آباد.

وبينما واصلت واشنطن الحصار البحري على الموانئ الإيرانية، ردّت طهران عملياً بتشديد قبضتها على الممر البحري الاستراتيجي، فتعرضت 3 سفن لإطلاق نار، واحتُجزت اثنتان منها، في تصعيد وضع الهدنة الممددة أمام اختبار مباشر بين ضغوط البحر وحسابات التفاوض.

وجاء هذا التصعيد بينما بقيت الخطوات التالية للمسار الدبلوماسي غير واضحة؛ فإعلان ترمب تمديد وقف إطلاق النار لم يقترن بتفاهم سياسي معلن مع إيران، كما أن طهران لم تقدم رداً موحداً ونهائياً على التمديد أو على المشاركة في جولة ثانية من المحادثات.

وقال رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف إن «وقف إطلاق النار الكامل لا يكتسب معنى إذا جرى انتهاكه عبر الحصار البحري واحتجاز اقتصاد العالم، وإذا لم تتوقف الحرب التي يشعلها الإسرائيليون في مختلف الجبهات».

وأضاف أن «إعادة فتح مضيق هرمز غير ممكنة في ظل انتهاك صارخ لوقف إطلاق النار»، لافتاً إلى أن «الخصوم لم يحققوا أهدافهم عبر العدوان العسكري، ولن يحققوها عبر سياسة الغطرسة»، وأن «الطريق الوحيد هو القبول بحقوق الشعب الإيراني».

وواصلت باكستان اتصالاتها، وخففت نسبياً إجراءاتها الأمنية في إسلام آباد، في محاولة لمنع انهيار الوساطة وفتح نافذة جديدة للتفاوض قبل عودة التصعيد إلى البر والبحر معاً.

ونقلت «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين مطلعين أن وسطاء، بينهم تركيا وباكستان ومصر، كثّفوا الأربعاء تحركاتهم لإعادة المسار الدبلوماسي إلى سكته، بما في ذلك العمل على ترتيب اجتماع محتمل بين إيران والولايات المتحدة في أقرب وقت، ربما الجمعة، رغم استمرار تحذيرات متبادلة من الجانبين بالاستعداد لاستئناف القتال.

وأضافت الصحيفة أن واشنطن وطهران واصلتا تبادل الرسائل عبر أطراف ثالثة، لكن من دون تحقيق تقدم يذكر حتى الآن، في وقت تتعرض فيه إيران لضغوط من الوسطاء لتقديم ردود أوضح على المقترحات الأخيرة، ومنها تعليق التخصيب لـ10 سنوات، ثم السماح لها بإنتاج كمية محدودة من اليورانيوم منخفض التخصيب لـ10 سنوات إضافية على الأقل. وبحسب المسؤولين أنفسهم، فإن طهران أبلغت الوسطاء أن وفدها لن يغادر إلى أي محادثات قبل رفع الحصار البحري.

تمديد الهدنة

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، مساء الثلاثاء، تمديد وقف إطلاق النار الذي كان من المقرر أن ينتهي خلال ساعات، مبرراً ذلك بما وصفه بانقسام الحكومة الإيرانية «بشكل خطير»، وبطلب من المشير عاصم منير ورئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف.

وقال ترمب إن واشنطن طُلب منها وقف الهجوم على إيران إلى حين تمكن قادتها وممثليها من التوصل إلى «اقتراح موحد».

في الوقت نفسه، أكد أنه أصدر تعليماته إلى الجيش الأميركي بمواصلة الحصار البحري، والبقاء «على أهبة الاستعداد والقدرة» في كل الجوانب الأخرى، مشدداً على أنه سيمدد وقف إطلاق النار إلى أن يتم تقديم المقترح الإيراني وتختتم المناقشات «بطريقة أو بأخرى». وبذلك جمع بين تعليق الهجوم المباشر والإبقاء على أداة الضغط الأساسية، أي حصار الموانئ والتجارة البحرية الإيرانية.

ونقلت صحيفة «وول ستريت جورنال» عن مسؤولين أميركيين أن ترمب سيمنح إيران بضعة أيام لتقديم خطة سلام، في إشارة إلى أن تمديد وقف إطلاق النار الذي أعلنه لن يستمر إلى الأبد. وقال المسؤولون إن ترمب متردد في استئناف الهجمات على إيران، لكنه لا يزال منفتحاً على هذا الخيار، حتى إنه سأل مساعديه عن العمليات المستقبلية خلال اجتماعات الثلاثاء في البيت الأبيض.

وقال ترمب إنه «من الممكن» استئناف المحادثات مع إيران خلال الأيام المقبلة، وذلك في تبادل رسائل نصية أجراه، الأربعاء، مع صحيفة «نيويورك بوست».

وكتب ترمب: «هذا ممكن »، رداً على سؤال لصحافية في الصحيفة عن احتمال عقد محادثات خلال «36 إلى 72 ساعة» المقبلة، أي حتى يوم الجمعة.

وكان موقع «أكسيوس» الأميركي، قد ذكر أن ترمب منح الفصائل المتناحرة داخل إيران مهلة قصيرة، تتراوح بين ثلاثة وخمسة أيام، للتوحد خلف عرض مقابل متماسك، محذراً من أن المهلة «لن تكون مفتوحة». وجاء هذا التأجيل بعد أن اتفق ترمب وفريقه، الثلاثاء، على أن الحكومة الإيرانية تعاني من بعض الخلافات الداخلية حول مسار العمل المستقبلي، وتحتاج إلى مزيد من الوقت للتوصل إلى اقتراح يحظى بتوافق الآراء.

ونقل الموقع عن مسؤولين أميركيين أن مفاوضي ترمب ما زالوا يرون إمكانية للتوصل إلى اتفاق ينهي الحرب ويعالج ما تبقى من البرنامج النووي الإيراني، لكنهم قلقون من غياب جهة داخل طهران تملك صلاحية اتخاذ القرار النهائي.

وشدد ترمب في منشورات متلاحقة على أن الحصار البحري هو ورقته الأساسية. وقال إن إيران لا تريد إغلاق مضيق هرمز بل إبقاءه مفتوحاً لتحقيق عائدات يومية كبيرة، مضيفاً أنها تقول عكس ذلك فقط «لحفظ ماء الوجه». وأشار إلى أن الإيرانيين «ينهارون مالياً»، وأن عناصر الجيش والشرطة يشكون من عدم تلقي رواتبهم، معتبراً أن إبقاء المضيق مفتوحاً تحت الضغط الأميركي هو السبيل الوحيد لانتزاع اتفاق.

وذهب ترمب أبعد من ذلك، قائلاً إن رفع الحصار الآن يعني أنه «لن يكون هناك اتفاق مع إيران أبداً»، إلا إذا جرى «تدمير ما تبقى من بلدهم، بمن في ذلك قادتهم».

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت، الثلاثاء، إن الحصار المستمر على التجارة البحرية الإيرانية يضعف بشكل كبير القوة الاقتصادية لطهران.

وكتب بيسنت على منصة «إكس» أن مرافق التخزين في جزيرة خرج، وهي مركز رئيسي لتجارة النفط، «ستمتلئ وستغلق آبار النفط الإيرانية الهشة». وأضاف: «تقييد التجارة البحرية الإيرانية يستهدف بشكل مباشر مصادر الإيرادات الرئيسية للنظام».

تصعيد في المضيق

لم يمر تمديد الهدنة من دون تطورات ميدانية. فقد تعرضت، الأربعاء، ثلاث سفن في مضيق هرمز لهجمات متلاحقة نسبت وسائل إعلام إيرانية تنفيذها إلى «الحرس الثوري».

وقال مركز عمليات التجارة البحرية البريطاني إن سفينة حاويات تعرضت في الحادث الأول لإطلاق نار من زورق حربي تابع لـ«الحرس»، من دون نداء تحذيري مسبق، ما أدى إلى أضرار جسيمة في جسر القيادة.

ووقع الحادث الأول على بعد نحو 15 ميلاً بحرياً شمال شرقي عمان، ولم ترد أنباء عن إصابات بين أفراد الطاقم. غير أن وكالة «نور نيوز» المنصة الإعلامية لمجلس الأمن القومي، قالت إن السفينة تجاهلت تحذيرات القوات المسلحة الإيرانية، وإن إطلاق النار جاء بعد الامتناع عن الامتثال للأوامر.

وبدورها، زعمت وكالة «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري» أن العملية «تطبيق قانوني» لسيطرة إيران على مضيق هرمز.

قوات أميركية تقوم بدورية في بحر العرب بالقرب من سفينة الشحن «توسكا» التي ترفع العلم الإيراني يوم الاثنين (أ.ف.ب)

وفي الحادث الثاني، أفاد مركز عمليات التجارة البحرية بأن سفينة تعرضت لإطلاق نار على بعد نحو ثمانية أميال بحرية غرب إيران، وتوقفت في المياه بعد الحادث، لكنه أشار إلى عدم تسجيل أضرار أو إصابات.

ولم يحدد المركز الجهة التي أطلقت النار، إلا أن الشبهات اتجهت فوراً إلى إيران، بالنظر إلى تزامن الواقعة مع الهجوم الأول واحتدام التوتر حول المضيق.

أما الحادث الثالث، فنقلت وكالات «نور نيوز» و«فارس» و«مهر» الحكومية أنه استهدف سفينة تدعى «يوفوريا»، وقالت إن السفينة «تقطعت بها السبل» على الساحل الإيراني من دون تقديم تفاصيل إضافية. وفي وقت لاحق، أفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بأن السفينتين «إم إس سي فرانشيسكا» و«إيبامينونداس» أصبحتا في حوزة «الحرس الثوري» ويجري نقلهما إلى إيران.

وقال «الحرس الثوري»، في بيان، إن السفينتين كانتا تعملان من دون ترخيص، وانتهكتا اللوائح مراراً، وتلاعبتا بأنظمة المساعدة الملاحية، وسعتا إلى الخروج سراً من مضيق هرمز، بما يعرض الأمن البحري للخطر.

وجاءت هجمات الأربعاء بعد سلسلة من الحوادث البحرية المتصاعدة خلال الأيام الأخيرة؛ فقد أطلقت الولايات المتحدة النار على سفينة حاويات إيرانية واحتجزتها خلال عطلة نهاية الأسبوع، ثم صعدت، الثلاثاء، إلى متن ناقلة نفط مرتبطة بتجارة النفط الإيرانية في المحيط الهندي.

كما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية أنها ستواصل «جهود الإنفاذ البحري على مستوى العالم» لتعطيل الشبكات غير المشروعة واعتراض السفن التي تقدم دعماً مادياً لإيران.

وعدّت طهران الحصار الأميركي على الموانئ الإيرانية عملاً حربياً. وقالت إن استمرار هذا الحصار يعني أنها لن تفتح المضيق، وإن إغلاقه أو تعطيل المرور فيه سيستمر ما دام الحصار قائماً.

وأظهرت التطورات أن الهدنة، حتى بعد تمديدها، لم توقف الحرب في أعالي البحار. فبينما توقفت إلى حد بعيد الضربات الجوية الأميركية والإسرائيلية داخل إيران، ولم تعد الصواريخ الإيرانية تستهدف إسرائيل والمنطقة على نطاق واسع، بقي المضيق ساحة مفتوحة للضغط المتبادل، وبقيت السفن التجارية تدفع كلفة غياب اتفاق سياسي شامل.

موقف متباينة في طهران

وبدا الموقف الإيراني من تمديد الهدنة متبايناً وموزعاً بين القبول العملي، والإنكار الإعلامي، والشروط الرسمية؛ فقد أفادت تقارير إيرانية بأن طهران وافقت على تمديد الهدنة بعدما قبلت طلباً من ترمب نقل عبر باكستان، فيما أكد المتحدث باسم وزارة الخارجية إسماعيل بقائي، تمديد الهدنة، من دون أن يتحدث عن المشاركة في جولة جديدة من المفاوضات في إسلام آباد.

لكن في وقت لاحق، ذكرت وكالتا «فارس» و«تسنيم» التابعتین لـ«الحرس الثوري»، عن مصادر، أن إيران «لم تعلن حتى الآن موقفاً رسمياً» بشأن تمديد وقف إطلاق النار، مشددة على أن ما نُسب إلى بقائي في بعض المواقع لم يكن دقيقاً، ولهذا جری حذفه لاحقاً.

وأضاف المصدر أن بقائي لم يقل شيئاً بشأن «موافقة إيران الرسمية» على التمديد، وأن طهران تدرس أبعاد ادعاء ترمب حول تمديد الهدنة.

ومع ذلك، أبقت طهران الباب موارباً من حيث المبدأ للعودة إلى المسار الدبلوماسي، لكنها ربطت أي تحرك بشروط لم تعلن طهران أنها باتت متحققة.

وعندما سُئل بقائي، الأربعاء، عن احتمال وتوقيت استئناف المفاوضات مع الولايات المتحدة، قال للصحافيين إن طهران ستتحرك «كلما وصلنا إلى قناعة بأن الأرضية اللازمة والمنطقية مهيأة لاستخدام هذا المسار لتحقيق المصالح الوطنية، وتثبيت إنجازات الشعب الإيراني في إحباط أهداف الأعداء».

وفي السياق نفسه، قال وزير الخارجية عباس عراقجي خلال اتصال هاتفي مع نظيره الإيطالي أنطونيو تاياني إن الوضع الحالي في مضيق هرمز هو «النتيجة المباشرة» لانتهاك الولايات المتحدة القانون الدولي وتصرفاتها الأحادية.

وأضاف أن إيران، بوصفها دولة مشاطئة للمضيق، اتخذت إجراءات وفق القانون الدولي لحماية أمنها القومي في مواجهة التهديدات الأميركية والإسرائيلية، محمّلاً «الدول المعتدية» مسؤولية تداعيات الوضع على الاقتصاد العالمي، حسب ما جاء في بيان للخارجية.

صورة من مقطع فيديو يظهر صاروخاً إيرانياً على منصة إطلاق معروضاً خلال مسيرة مؤيدة للحكومة في مدينة أراك ليلة الثلاثاء (أ.ف.ب)

وانتقد عراقجي صمت الدول الأوروبية إزاء الهجمات التي استهدفت منشآت نووية إيرانية، واعتبره غير مقبول، محذراً من أن المعايير المزدوجة تقوض القانون الدولي ونظام منع الانتشار النووي. وبذلك قدّم وزير الخارجية تفسيراً سياسياً وقانونياً متشدداً للوضع في المضيق، من دون أن يمنح إشارة واضحة إلى قرب استئناف التفاوض.

استعراض القوة

في الليلة السابقة للهجمات، نظم أنصار التيار المتشدد في مدن إيرانية مسيرات عرض فيها «الحرس الثوري» صواريخ ومنصات إطلاق للمرة الأولى منذ بدء وقف إطلاق النار.

واعتبرت هذه العروض عشية ذكرى تأسيس جهاز «الحرس الثوري»، رسالة تحدٍّ للولايات المتحدة وإسرائيل، اللتين كرستا جزءاً كبيراً من حملتهما الجوية لتدمير ترسانة الصواريخ الباليستية الإيرانية.

وعرضت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية صوراً ومقاطع من استعراضات في الأحواز وأراك وبندر عباس وبوشهر وكرمان وتبريز وطهران وقم وزنجان. وشملت الصواريخ المعروضة طرازات «باوه» و«خيبر شكن» و«خرمشهر - 4» و«قدر».

وأظهرت بعض اللقطات منصات إطلاق وسط الأحياء والساحات العامة، في دمج متعمد بين الرسالة العسكرية والحشد الشعبي.

وفي هذا السياق، قال المتحدث باسم وزارة الدفاع الإيرانية رضا طلائي، إن إيران يجب أن تواصل في جميع الساحات، سواء في ميدان القتال أو في الدبلوماسية أو في الشارع، الضغط بقوة لإجبار العدو على «الاستسلام الكامل».

مهلة لترتيب الأوراق الداخلية

في غضون ذلك، نقل موقع «أكسيوس» عن ثلاثة مسؤولين أميركيين أن ترمب يمنح إيران مهلة قصيرة لإنهاء الصراع الداخلي والعودة إلى محادثات السلام، وأن البيت الأبيض خلص إلى أن المشكلة الأساسية ليست فقط مضمون العرض الإيراني، بل غياب مركز قرار واضح داخل طهران.

وقال مسؤول أميركي إن هناك «انقساماً حاداً» بين المفاوضين والعسكريين، وإن أياً من الطرفين لا يستطيع الوصول إلى المرشد مجتبى خامنئي، الذي لا يستجيب.

وبحسب الرواية نفسها، بدأ الأميركيون رصد هذه الانقسامات بعد الجولة الأولى من محادثات إسلام آباد، عندما اتضح أن قائد «الحرس الثوري» أحمد وحيدي ونوابه رفضوا كثيراً مما ناقشه المفاوضون الإيرانيون. وبرز هذا الانقسام علناً، وفق الموقع، عندما أعلن عراقجي إعادة فتح مضيق هرمز، لكن «الحرس الثوري» رفض التنفيذ وبدأ مهاجمته علناً.

وأضاف «أكسيوس» أن الساعات الثماني والأربعين الأخيرة كانت محبطة للبيت الأبيض، وخصوصاً لنائب الرئيس جي دي فانس، الذي كان قد استعد للسفر إلى إسلام آباد لقيادة الجولة الثانية من المحادثات. وبدلاً من ذلك، وجد نفسه ينتظر موافقة قادة «الحرس الثوري» على سفر قاليباف وعراقجي إلى باكستان للقائه.

وقال الموقع إنه بدا، مساء الاثنين، أن إيران منحت الوسطاء الباكستانيين الضوء الأخضر للمحادثات، لكن هذا المؤشر اختفى صباح الثلاثاء، ليحل محله مطلب برفع الحصار البحري الأميركي. وظلت طائرة «إير فورس تو» لساعات على مدرج قاعدة أندروز، قبل أن يتضح أن الرحلة لن تتم، فيما عاد المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى واشنطن بدلاً من التوجه إلى إسلام آباد.

وأفاد الموقع بأن ترمب اجتمع بعد ظهر الثلاثاء مع فريقه للأمن القومي، وكان الخياران المطروحان بين توجيه ضربة واسعة للبنية التحتية للطاقة في إيران أو منح الدبلوماسية مزيداً من الوقت، قبل أن يختار الخيار الثاني.

ونقل عن مصدر قريب من ترمب أن الرئيس «لا يريد استخدام القوة العسكرية مجدداً»، لكنه قد يعيد الخيار العسكري إلى الطاولة إذا فشل الوسطاء الباكستانيون في تأمين مشاركة إيران ضمن المهلة الجديدة.

تجاذبات داخلية

كشفت مواقف المسؤولين الإيرانيين عن تباينات واضحة في مقاربة تمديد الهدنة واستئناف التفاوض؛ ففي بيان أصدره بمناسبة ذكرى تأسيسه، قال «الحرس الثوري» إن وحداته، بما في ذلك ذراعه التعبوية «الباسيج»، جاهزة لتحقيق «إنجازات ومفاجآت تتجاوز حسابات العدو، باستخدام أوراق جديدة في ساحة المعركة».

واعتبر عضو لجنة الأمن القومي في البرلمان، النائب فدا حسين مالكي أن تمديد وقف إطلاق النار يمثل «فخاً» من ترمب لشراء الوقت، بهدف إعادة بناء تحركاته العسكرية في المنطقة وتعزيز الاستطلاع على بعض المناطق الإيرانية. وقال إن أمن مضيق هرمز والتخصيب النووي يشكلان خطين أحمرين ثابتين وغير قابلين للتغيير.

وقال ممثل المرشد الإيراني في «الحرس الثوري»، عبد الله حاجي صادقي، إنه «لا توجد مفاوضات حالياً»، مضيفاً أن إيران لن تدخل في تفاوض إلا عندما يقبل العدو بالشروط الإيرانية.

أما النائب علي خضريان، عضو لجنة الأمن القومي، فاعتبر أن المشاركة في مفاوضات بلا جدول أعمال واضح ليست سوى أداة أميركية لإدارة سوق الطاقة.

وأضاف خضريان أن ترمب طلب في المفاوضات «كل شيء» من طهران، وأن الجمع بين إعلان وقف إطلاق النار واستمرار الحصار البحري يمثل تناقضاً غير مقبول.

وقال إن الساعة الثالثة فجراً كانت، من وجهة نظر إيران، نهاية الهدنة، وإن أي إجراء ضد إيران أو فصائل المقاومة سيواجه برد عسكري. كما شدد على أن أي إجراء ضد السفن الإيرانية بعد ذلك يُعد حرباً وسترد عليه طهران.

وفي المقابل، دعا إحسان صالحي، عضو مجلس الإعلام في حكومة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، إلى عدم ظلم البلاد والقيادة، منتقداً الخطاب الذي يوحي بأن جهات داخل الدولة تعمل خارج الإرادة العامة أو تفرض الهدنة والمفاوضات على القيادة. وقال إن هذا الخطاب يفرغ قلوب الناس من الأمل ويضر بالبلاد.

أما النائب الأول للرئيس عارف، فقال إن فريق التفاوض يدافع بشجاعة وتدبير عن المصالح الوطنية، داعياً كل الأطراف إلى دعمه، ومعتبراً أن الحضور في الشوارع إلى جانب المقاتلين يشكل دعماً قوياً للمفاوضات.

في الأثناء، قال إبراهیم رسولي، المستشار السياسي لرئيس البرلمان، إن الولايات المتحدة أبلغت الإيرانيين بأنها لن تفرض حصاراً بحرياً إذا عادوا إلى المفاوضات، مضيفاً أن طهران لم تقبل بذلك.

رجل يمر على دراجة نارية أمام جدارية مناهضة للولايات المتحدة على أحد المباني في طهران (رويترز)

وأضاف: «قلنا لواشنطن ليس لدينا أسرار، أعلنوا رفع الحصار البحري لننظر في المشاركة في المفاوضات». وتابع: «نحن نرى ثلاثية الشارع، والميدان، والدبلوماسية معاً»، وهذه الثلاثية حاضرة اليوم في جميع قرارات مسؤولي الجمهورية الإسلامية». ونحن نتفاوض لكن لا ننخدع.

وقال: «ليس لدينا أسرار مع الشعب؛ نقول: إن كنت لا تفرض الحصار، فأعلن ذلك رسمياً، ثم سنفكر بشأن المفاوضات».

وفي موقف رسمي، قال بقائي إن الدبلوماسية أداة لتحقيق المصالح الوطنية والأمن القومي، وإن طهران ستلجأ إليها عندما ترى أن الأرضية اللازمة والمنطقية متوافرة.

وقال علاء الدين بروجردي إن ترمب لم يكن أمامه خيار سوى تمديد وقف إطلاق النار، فيما شدد رئيس السلطة القضائية محسني إجئي على أن «العدو ليس في موقع يسمح له بتحديد الوقت لإيران»، داعياً إلى اليقظة الكاملة، ومتوعداً المحتكرين والمغالين في الأسعار.

ومن جهته، قال قاسم روانبخش إن صمود إيران أجبر أميركا على التراجع، وإن واشنطن تحاول الآن بلوغ أهدافها عبر «الحرب الإعلامية».

وعكست الصحف الصادرة في طهران هذا الانقسام في المقاربة، مع ميل واضح إلى ربط الهدنة بملف هرمز والحصار البحري، فقد خصصت «همشهري»، التابعة لبلدية طهران، صفحة كاملة لشرح أسباب امتناع إيران عن المشاركة في المفاوضات مع الولايات المتحدة، وقالت إن هناك ثمانية أسباب رئيسية لذلك.

أما «كيهان»، المقربة من مكتب المرشد، فذهبت أبعد من ذلك؛ إذ دعت في عنوانها الرئيسي إلى إغلاق مضيق باب المندب، واعتبرت أن «الكشف عن مفاجأة باب المندب» مع نهاية المهلة المحددة بأسبوعين من شأنه فتح جبهة جديدة ضد ترمب وحلفائه، بحيث لا يبقى لهم أي موقع آمن في الشرايين الحيوية للمنطقة. وفي مقال منفصل، دعا محمد إيماني إلى رد عسكري على الولايات المتحدة بسبب إجراءاتها ضد السفن الإيرانية قرب مضيق هرمز، مطالباً بتنفيذ «عقاب رادع».

أما «اعتماد»، المؤيدة بشدة لحكومة مسعود بزشكيان، فسلطت الضوء على احتمال استمرار وقف إطلاق النار أو عودة المواجهات العسكرية.

الوساطة الباكستانية

واصلت باكستان، الأربعاء، تركيزها على إبقاء المحادثات قائمة. وقال مسؤولان باكستانيان لوكالة «أسوشييتد برس» إن القيادة السياسية والعسكرية عملت خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية على منع انهيار المحادثات وإقناع الولايات المتحدة بتمديد وقف إطلاق النار. وأضافا أن السلطات ستبقي الترتيبات الأمنية سارية في إسلام آباد في حال وصول الوفدين الأميركي والإيراني.

وقال المسؤولان إن باكستان لا تزال تنتظر رداً من طهران بشأن موعد إرسال وفد للجولة الثانية. وفي إسلام آباد، بقيت الشرطة والقوات في حالة تأهب على طول الطرق الرئيسية، مع الإبقاء على نقاط التفتيش والقيود على الوصول إلى بعض أجزاء المدينة. وقال ضابط الشرطة محمد أسلم إنه لم ترد أي تعليمات بإزالة الحواجز.

تُظهر صورة جوية لإسلام آباد طريقاً يؤدي إلى «المنطقة الحمراء» حيث من المقرر عقد الجولة الثانية من المحادثات الإيرانية - الأميركية الأربعاء (إ.ب.أ)

وفي السياق نفسه، التقى وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار بالمفوضة السامية البريطانية جين ماريوت في إسلام آباد، وبحثا الوضع الإقليمي المتطور.

وقالت الخارجية الباكستانية إن دار شدد على الجهود المستمرة التي تبذلها بلاده لتسهيل الانخراط الدبلوماسي، وأكد أهمية الحوار والدبلوماسية في حل النزاعات سلمياً. كما أعربت ماريوت عن تقديرها للدور التيسيري الذي تضطلع به باكستان في جمع الولايات المتحدة وإيران إلى طاولة المفاوضات.

وقال المحلل المقيم في إسلام آباد سيد محمد علي لوكالة «أسوشييتد برس» إن ترمب يبدو أنه توصل إلى أن حصار الموانئ الإيرانية أكثر فاعلية وأقل كلفة من الاستمرار في استخدام القوة، مضيفاً أن احتمال عقد جولة ثانية من المحادثات لم يتلاش، وأن الحصول على تمديد غير محدد للهدنة يمثل إنجازاً لباكستان.


مقالات ذات صلة

الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

الاقتصاد ساعة فاخرة قديمة تُوضع في فرن لصهرها واستخراج الذهب منها في لندن 10 يونيو 2026 (رويترز)

الطلب على الذهب يدفع بساعات فاخرة إلى الأفران

مع اقتراب أسعار الذهب من المستويات القياسية التي سجلتها في يناير، صهرت بعض هذه الساعات الكلاسيكية، لأن قيمة محتواها من المعدن الأصفر تفوق قيمتها عند إعادة بيعها

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية عراقجي يستلم رسالة نقلها وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران الأحد (الخارجية الإيرانية)

طهران: التفاهم قريب لكن لا توقيع غداً

استبعدت إيران، السبت، توقيع «مذكرة تفاهم إسلام آباد» مع الولايات المتحدة خلال 24 ساعة، في تباين مع إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الاتفاق بات أقرب.

«الشرق الأوسط» (لندن-طهران)
الاقتصاد أشخاص يسيرون بجوار كشك لبيع الكباب والنقانق في أحد شوارع برلين (رويترز)

«المركزي» الألماني يرجح استمرار ارتفاع الأسعار حتى حال انتهاء حرب إيران

قال محافظ البنك المركزي الألماني، يواخيم ناغل، إنه من المرجح أن تظل الأسعار مرتفعة لفترة طويلة، حتى إذا انتهت حرب إيران قريباً.

«الشرق الأوسط» (فرانكفورت)
المشرق العربي أعضاء «سرايا السلام» يهتفون خلال مراسم إيذاناً ببدء اندماجهم بالدولة العراقية في سامراء شمال بغداد يوم 4 يونيو 2026 (أ.ب)

العراق يبحث عن هامش حركة بعد «اتفاق إيران»

قد يفتح التفاهم الذي أعلنت باكستان التوصل إليه بين الولايات المتحدة وإيران نافذة جديدة أمام العراق لإعادة ترتيب أولوياته الداخلية والخارجية.

حمزة مصطفى (بغداد)
الاقتصاد تنتج فنزويلا حالياً نحو 1.2 برميل يومياً مقارنة بنحو 3.5 مليون في سبعينات القرن الماضي (رويترز)

شركات استثمار أميركية تُبدي اهتماماً بقطاع النفط الفنزويلي

تتسابق شركات استثمارية أميركية على قطاع النفط الفنزويلي، بعد إطاحة الرئيس الأميركي ترمب بالزعيم الشيوعي في فنزويلا نيكولاس مادورو في يناير (كانون الثاني).

«الشرق الأوسط» (لندن)

في طريقه للخسارة الانتخابية... ما هي خيارات نتنياهو؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر بالقدس في يناير 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر بالقدس في يناير 2026 (إ.ب.أ)
TT

في طريقه للخسارة الانتخابية... ما هي خيارات نتنياهو؟

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر بالقدس في يناير 2026 (إ.ب.أ)
رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يتحدث خلال مؤتمر بالقدس في يناير 2026 (إ.ب.أ)

يجد رئيس الوزراء الإسرائيلي، بنيامين نتنياهو، نفسه أمام خسارة منتظرة في الانتخابات الإسرائيلية المقبلة، ولا تسعفه استطلاعات الرأي، ولا حتى تلك التي طلبها بنفسه للاطلاع على الأرقام، وهو ما قد يقوده لاتخاذ خطوات أخرى غير مألوفة، من أجل استعادة قوته أو كسب أصوات جديدة في لعبة التحالفات.

وقالت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية، إن الاستطلاع المعمق الذي طلبه نتنياهو قبل الانتخابات كشف عن حقيقة قاتمة، وهي أن الائتلاف الحاكم عالق عند 50- 52 مقعداً، من دون أي مؤشر على تجاوز العقبة التي كانت تعيق تقدمه. ومع عدم استعادة المقاعد المفقودة وجمود الجبهات، أصبح وضع رئيس الوزراء حرجاً.

أحد الاجتماعات في «الكنيست» الإسرائيلي (موقع الكنيست)

وحسب الصحيفة، فإن ما رآه نتنياهو هناك هو ما يراه معظم الإسرائيليين في جميع الاستطلاعات الأخرى، وهو أن وضع نتنياهو الحقيقي الآن حرج، ولكنه مستقر، إلا أن الاستقرار في هذه الحالة ليس ميزة؛ بل هو عيب؛ لأنه إذا استمر فسيخسر.

وكتب بن كسبيت في «معاريف» أنه في الوقت الراهن، لا توجد مؤشرات على إمكانية إحداث أي اختراق، كما أن جمود جميع الجبهات لا يبشر بالخير. وقال: «هذا ليس كل شيء. ففي الوقت الراهن، وبافتراض عدم حدوث معجزات أو عجائب، لا توجد أي بوادر (نصر شامل) في أي من القطاعات. إيران تُطلق علينا صواريخ باليستية مجدداً، و(حزب الله) بعيد كل البعد عن الاستسلام، والجيش الإسرائيلي يخسر مقاتلين أسبوعياً في جنوب لبنان، وفي غزة الوضع كالمعتاد: (حماس) تتعافى، وتزداد قوة، وتعيد بناء نفوذها، وبدلاً من أن تُدفن بلا كرامة، تُدفن تحت جبل هائل من الأموال التي تُغدقها عليها إسرائيل على شكل 800 شاحنة يومياً. النصر الشامل الوحيد الذي حققه نتنياهو هو حقيقة لا تُصدَّق، وهي إجراء الانتخابات في موعدها». وأضاف: «لم يعد لديه كثير من الحيل، وحتى العلاقات مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب تتدهور».

وتساءل بن كسبيت: «ما الذي يمكن لنتنياهو أن يفعله رغم ذلك؟»، وأجاب بأن أمام نتنياهو خيارات لن تنفعه، وكلها ستؤدي إلى انتحاره السياسي.

إسرائيليون يتظاهرون ضد نتنياهو وحكومته في تل أبيب يوم 25 أبريل 2026 (رويترز)

وقال الكاتب والمحلل الإسرائيلي، إن إلغاء الانتخابات التمهيدية (البرايمريز) في الحزب، وتنظيم «قائمة أحلام» خاصة به، كان أحد الخيارات، ولكن هو يعلم أنه إذا أُجريت انتخابات تمهيدية، فستكون «قائمة أحلام مرعبة».

وأضاف: «يمكنه في غمرة يأسه أن يَعِد العرب، في اليوم التالي للانتخابات، بأن إيتمار بن غفير لن يكون وزيراً للأمن القومي، وأن يتوصل معهم إلى اتفاق حول هوية من سيتولى المنصب، بما يشمل الوعود بصرف عشرات المليارات للقضاء على عائلات الجريمة العربية وتطوير الوسط العربي. كل هذا مقابل امتناعهم عن التصويت أثناء أداء حكومة الأقلية التابعة له اليمين الدستورية... نعم، هذا مسموح لنتنياهو. حكومة أقلية، حكومة يكون العرب في داخلها، أو بدعم من العرب من الخارج، سمِّها ما شئت. إذا نشأت الحاجة لذلك».

لكن بن كسبيت يرى أن كل ذلك لن ينفع. وقال: «نتنياهو يقاتل الآن بكل قوته من أجل إجراء الانتخابات في موعدها. لقد ذهب إلى صفقة فاسدة للغاية مع المتدينين المتزمتين (الحريديم)، تكلفنا المليارات وتفكك ما تبقى من قيم الدولة، فقط للحصول على شهر إضافي. وذلك على الرغم من أن الشهر المعني هو شهر أكتوبر (تشرين الأول)، والذي سيكون كله بمثابة ذكرى سنوية ضخمة واحدة لقتلى وضحايا الكارثة الرهيبة التي جلبها نتنياهو. في الأيام العادية، كان نتنياهو مستعداً لتقديم موعد الانتخابات عدة أشهر شريطة ألا تُجرى في أكتوبر... هو يعلم أن انتخابات في أكتوبر بمثابة انتحار، ويدرك تماماً معنى ذلك. ومع ذلك، فهو يسعى نحو أكتوبر بكل قوته (...) وكل هذا يفعله ليحفر لنفسه قبراً انتخابياً في أكتوبر، ويحقق مكسباً لا يتعدى بضعة أسابيع. هذا ليس منطقياً، وهذا ليس نتنياهو المعهود».

كذلك ناقشت القناة «12» الإسرائيلية خيارات نتنياهو. فرأت أن تحالف نتنياهو بدأ في تنظيم صفوفه استعداداً للحملة الانتخابية، ومن بين خياراته، انفصال حزب «أمل جديد» بقيادة وزير الخارجية جدعون ساعر، عن حزب «الليكود».

وقالت القناة إن الخطوة منسقة، وتهدف إلى إحداث انقسام بين الحزبين، ثم إعادة دمجهما لاحقاً في قائمة واحدة.

نتنياهو يلقي كلمة في «الكنيست» (أرشيفية- إ.ب.أ)

وحسب القناة، يهتم نتنياهو بهذه الخطوة لأنه غير قادر على ضم عدد كافٍ من المقاعد إلى القائمة الحالية. وهو غير راضٍ عن القائمة الحالية، ويعتقد أنها تضر بحزب «الليكود». ومن خلال تشكيل قائمة جديدة، سيتمكن من حشد مزيد من المؤيدين له وكسب مقاعد إضافية.

وقالت مراسلة القناة للشؤون السياسية و«الكنيست»، دافنا لئال: «تمنح هذه الخطوة نتنياهو مساحة أكبر للمناورة السياسية قبل الانتخابات. ويُعدُّ الانقسام بين الفصائل جزءاً من جهود رئيس الوزراء لمحاولة استقرار كتلة الائتلاف، وقد يسعى أيضاً، في إطار هذه الخطوة، إلى استقطاب مرشحين من أحزاب أخرى».

وأضافت: «في الوقت نفسه، يعمل نتنياهو على تعزيز العلاقة بين بتسلئيل سموتريتش وعوفر وينتر (عميد الاحتياط الذي يرغب نتنياهو في ضمه لحزب سموترتيش، وتوليته الحزب إذا لزم الأمر لضمان فوز الحزب)، ولكن مصادر سياسية تزعم أن الاتصالات تواجه صعوبات، ويرجع ذلك جزئياً إلى المخاوف من إمكانية استبعاد لاعبين آخرين في الائتلاف من القوائم الانتخابية».

وحسب لئال: «يبدو حالياً أن الأحزاب تتجه نحو الانفصال مقابل تحالف مستقبلي بثمن باهظ. يسعى ساعر إلى تعزيز نفوذه، بينما يطمح نتنياهو إلى تحقيق المرونة التي يعجز عن توفيرها من خلال حزبه. وفي غضون ذلك، تستمر المفاوضات لإعادة تنظيم الكتلة الانتخابية».


مذكرة تفاهم إسلام آباد تنتظر حسم التوقيت

عراقجي يستلم رسالة نقلها وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران الأحد (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يستلم رسالة نقلها وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران الأحد (الخارجية الإيرانية)
TT

مذكرة تفاهم إسلام آباد تنتظر حسم التوقيت

عراقجي يستلم رسالة نقلها وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران الأحد (الخارجية الإيرانية)
عراقجي يستلم رسالة نقلها وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران الأحد (الخارجية الإيرانية)

استبعدت إيران، السبت، توقيع «مذكرة تفاهم إسلام آباد» مع الولايات المتحدة خلال 24 ساعة، في تباين مع إعلان رئيس الوزراء الباكستاني شهباز شريف أن الاتفاق بات أقرب من أي وقت مضى، وأن إنجازه متوقع خلال الساعات المقبلة، تمهيداً لتوقيع إلكتروني ومحادثات فنية لاحقة.

وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي إن «علينا الانتظار لمعرفة الموعد المحدد للتوقيع»، مضيفاً أن التوقيع «لن يكون غداً»، لكنه لم يستبعد حدوثه «في الأيام المقبلة». وأوضح أن التفاهم الجاري متابعته يركز على إنهاء الحرب، وأنه تقرر في هذه المرحلة عدم بحث الملف النووي.

وجاء تصريح بقائي بعد ساعات من إعلان شريف، الذي تتوسط حكومته بين واشنطن وطهران، أن الجانبين «أقرب إلى اتفاق سلام من أي وقت مضى». وكتب رئيس الوزراء الباكستاني على منصة «إكس» أن إتمام الاتفاق متوقع خلال 24 ساعة، وأن باكستان تستعد بعد ذلك لتوقيع إلكتروني فوري، تليه محادثات فنية الأسبوع المقبل.

وشكر شريف الولايات المتحدة وإيران على «التزامهما المستمر خلال المفاوضات»، كما أعرب عن تقديره لدول المنطقة على دعمها، معتبراً أن اتفاق السلام المحتمل يمكن أن يشكل «أساساً متيناً لسلام دائم».

ونشر الرئيس الأميركي دونالد ترمب على منصة «إكس» صورة من منشور رئيس الوزراء الباكستاني، في إشارة إلى تبني واشنطن العلني للتفاؤل الباكستاني بقرب التوصل إلى اتفاق.

وقال بقائي، في مؤتمر صحافي بمحافظة همدان، إن طهران مرت «بمسار استغرق نحو شهرين» منذ إعلان وقف إطلاق النار في 8 أبريل وبداية الوساطة الباكستانية. وأضاف أن القضايا بين إيران والولايات المتحدة «معقدة جداً»، ولذلك يتركز التفاهم الحالي على إنهاء الحرب في جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان.

وشدد المتحدث الإيراني على أن المطروح «ليس اتفاقاً نهائياً» بين إيران والولايات المتحدة، بل تفاهم يحدد الخطوط العامة للقضايا الخلافية، ويؤكد إنهاء الحرب. وأضاف أن الملف النووي سيبحث لاحقاً خلال فترة زمنية مدتها 60 يوماً، من دون الخوض في تفاصيله في هذه المرحلة.

وأشار بقائي إلى أن «الاعتداءات على الملاحة الإيرانية» والملفات المرتبطة بمضيق هرمز من بين القضايا المطروحة في التفاهم الحالي.

ورغم الحديث عن اقتراب الاتفاق، قالت الولايات المتحدة إنها أسقطت، في وقت مبكر السبت، مسيّرات إيرانية كانت تستهدف سفناً تجارية في مضيق هرمز.

وقال وزير الخارجية عباس عراقجي في حديث مطول مع التلفزيون الرسمي، مساء الجمعة، إنه ما لم يتم التوصل إلى اتفاق يشمل جميع القضايا، «لا يمكن الجزم بالتوصل إلى اتفاق مبدئي» مع واشنطن.


ماذا نعرف عن مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية؟

طائرة «إف-16» تابعة للقوات الجوية الأميركية تحلّق فوق الشرق الأوسط في إطار الحفاظ على الوجود العسكري والجاهزية الإقليمية (سنتكوم)
طائرة «إف-16» تابعة للقوات الجوية الأميركية تحلّق فوق الشرق الأوسط في إطار الحفاظ على الوجود العسكري والجاهزية الإقليمية (سنتكوم)
TT

ماذا نعرف عن مذكرة التفاهم الأميركية - الإيرانية؟

طائرة «إف-16» تابعة للقوات الجوية الأميركية تحلّق فوق الشرق الأوسط في إطار الحفاظ على الوجود العسكري والجاهزية الإقليمية (سنتكوم)
طائرة «إف-16» تابعة للقوات الجوية الأميركية تحلّق فوق الشرق الأوسط في إطار الحفاظ على الوجود العسكري والجاهزية الإقليمية (سنتكوم)

أعلنت الولايات المتحدة وإيران أنهما على وشك التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب التي قلبت أوضاع الشرق الأوسط رأساً على عقب لأكثر من ثلاثة أشهر وأثرت سلباً على الاقتصاد العالمي.

وقال وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، الجمعة، إن الاتفاق «لم يكن أقرب من أي وقت مضى»، فيما لمح الرئيس دونالد ترمب إلى أن مراسم التوقيع قد تُجرى في أقرب وقت خلال عطلة نهاية الأسبوع.

ووفق مسؤولين إيرانيين ومسؤول إقليمي مطلع على شروط الاتفاق، فإن طهران وواشنطن توصلتا إلى اتفاق أولي من شأنه إنهاء القتال، وإعادة فتح مضيق هرمز الحيوي، ورفع الحصار البحري الأميركي عن الموانئ الإيرانية.

عراقجي يتسلم رسالة نقلها وزير الداخلية الباكستاني محسن نقوي إلى طهران الأحد الماضي (الخارجية الإيرانية)

وقال المسؤولون إن الاتفاق سيشمل تجديد إيران التزامها بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، على أن يُبحث مصير برنامجها النووي في محادثات لاحقة.

وسيُتوج الاتفاق أسبوعاً من المحادثات الدبلوماسية التي تخلّلتها ضربات جوية. وفي حين تصور إدارة ترمب الاتفاق المقترح على أنه انتصار دبلوماسي كبير، فإنه في جوهره وقف لإطلاق النار لمدة 60 يوماً، يفتح الطريق أمام مفاوضات أخرى أكثر تعقيداً بشأن تخفيف العقوبات وبرنامج إيران النووي، وقد تستغرق أشهراً أو أكثر.

ما الذي يتضمنه الاتفاق؟

قدّم المسؤولان الإيرانيان والمسؤول الإقليمي الخطوط العامة للاتفاق، ولم تؤكد الولايات المتحدة هذه التفاصيل:

  • تفتح إيران مضيق هرمز أمام مرور السفن، وترفع الولايات المتحدة الحصار البحري عن الموانئ الإيرانية في الخليج العربي.
  • تبدأ إيران والولايات المتحدة مفاوضات بشأن البرنامج النووي الإيراني، تستمر 60 يوماً حداً أقصى، وتتوقف الحرب على جميع الجبهات، بما في ذلك لبنان، خلال هذه الفترة.
  • خلال فترة التفاوض، تناقش إيران ودول المنطقة الإدارة المستقبلية للمضيق.
  • قال المسؤولان الإيرانيان إن المرحلة التالية من المحادثات ستشمل بحث رفع العقوبات الأميركية، بما في ذلك العقوبات على مبيعات النفط الإيرانية والمعاملات المصرفية الدولية، مقابل تنازلات بشأن البرنامج النووي الإيراني.

وقال عراقجي، في حديثه إلى التلفزيون الرسمي، الجمعة، إن اتفاق إنهاء الحرب سيكون من جزأين: الأول توقيع مذكرة تفاهم بين طهران وواشنطن، والآخر اتفاق سلام دائم. وأضاف: «أُحيلت المسألة النووية إلى الجولة الثانية والاتفاق النهائي».

وأضاف عراقجي أن مضيق هرمز سيُعاد فتحه ضمن الاتفاق الأولي بين الولايات المتحدة وإيران، لكن هذا الممر الحيوي لن يعود إلى وضعه قبل الحرب. وقال إن جميع السفن التجارية سيُضمن لها المرور الآمن، لكنه أضاف أن طهران ستُبقي سيطرتها على الممر، وزعم أنها ستفرض لاحقاً «رسوم خدمة» على السفن العابرة، وهو ترتيب سبق أن حذرت منه إدارة ترمب.

آخر المعارك

قال الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، هذا الأسبوع، إن وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط «يشبه خفضاً للنيران أكثر منه وقفاً لها».

وشنت الولايات المتحدة موجة جديدة من الضربات الجوية على إيران في وقت مبكر من يوم الخميس بالتوقيت المحلي. وأوضح ترمب ووزير الدفاع بيت هيغسيث أن الضربات الجديدة تهدف إلى الضغط على طهران للموافقة على السلام بشروط مقبولة لترمب.

وقال هيغسيث للصحافيين: «إذا احتجنا إلى التفاوض بالقنابل، فسنتفاوض بالقنابل. ونحن بارعون جداً في ذلك. لا أحد أفضل منا في العالم».

وقال الجيش الأميركي، الثلاثاء، إن طائراته ضربت أهدافاً إيرانية، رداً على إسقاط مروحية أميركية من طراز «أباتشي» قرب مضيق هرمز يوم الاثنين.

وأفاد التلفزيون الرسمي الإيراني بأن الهجمات الأميركية أصابت منشآت مياه الشرب في منطقة بماني التابعة لقضاء سيريك في محافظة هرمزغان الجنوبية، مما أدى إلى قطع المياه عن آلاف الأشخاص. ووفق تحليل أجرته «نيويورك تايمز»، دمرت ضربات مبكرة، الأربعاء، ما يبدو أنها منشأة لمياه الشرب في المنطقة نفسها على الساحل الجنوبي لإيران قرب مضيق هرمز.

كما أعلن الجيش الأميركي مسؤوليته عن ضربة عطّلت ناقلة في خليج عمان يوم الأربعاء، قائلاً إن السفينة انتهكت الحصار الأميركي «بمحاولة نقل النفط من إيران».

صورة ساخرة لتمثال الحرية وعلم الولايات المتحدة عند مدخل السفارة الأميركية السابقة في طهران التي تحولت إلى متحف مناهض للولايات المتحدة (أ.ب)

إطار المحادثات النووية

وفق المسؤولين والدبلوماسيين، هناك أربع نقاط تفاوضية رئيسية بشأن اتفاق نووي بين الولايات المتحدة وإيران:

1. تعليق طويل لتخصيب اليورانيوم:

طالبت الولايات المتحدة منذ أشهر بأن توافق إيران على وقف تخصيب اليورانيوم لمدة لا تقل عن 20 عاماً. ورد الإيرانيون بعرض وقف لمدة 10 سنوات، لكن مسؤولين أميركيين يعتقدون أنهم سيقبلون بـ15 عاماً.

2. تخفيف مخزون إيران الحالي من اليورانيوم المخصب:

ستعمل الولايات المتحدة مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، جهاز التفتيش التابع للأمم المتحدة، على تخفيف مخزون إيران من اليورانيوم المخصب، وفق مسؤولين أميركيين مطلعين على المفاوضات. ويتصور المسؤولون الأميركيون دوراً نشطاً في التعامل مع المادة النووية، في حين يقول المسؤولون الإيرانيون إن الولايات المتحدة لن تكون سوى مراقب.

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو مراراً في الأسابيع الأخيرة إن أي اتفاق يجب أن يشمل كامل المخزون البالغ 11 طناً من اليورانيوم المخصب الموجود في حوزة إيران، وليس فقط نصف الطن القريب من مستوى الاستخدام العسكري.

ولم يتحدث الإيرانيون علناً عما إذا كانوا مستعدين للتخلي عن كامل مخزونهم الحالي. لكن إذا جرى تخفيفه بدلاً من شحنه إلى خارج البلاد، فسيكون بإمكان قادة إيران القول إن الوقود لا يزال في حوزتهم.

3. تفكيك إيران مواقعها النووية:

طالبت الولايات المتحدة بأن تفكك إيران مواقعها النووية الرئيسية الثلاثة في نطنز وفوردو وأصفهان. وكانت الولايات المتحدة قد ضربت المواقع الثلاثة قبل نحو عام، وألحقت بها أضراراً كبيرة. وناقشت إيران تفكيك منشأتين، لكنها تصر على إبقاء منشأة واحدة مفتوحة، جزئياً، لإظهار أنها لم تتخل عما تعدّه «حقاً في التخصيب».

وقد يثير ذلك إشكالات، إذ ركز منتقدو الاتفاق النووي مع إيران في عهد أوباما على فشله في إغلاق «فوردو»، وهو موقع عميق تحت الأرض أعاد الإيرانيون تشغيله لاحقاً لإنتاج وقود قريب من مستوى الاستخدام العسكري.

4. موافقة إيران على عمليات تفتيش مفاجئة:

تريد الولايات المتحدة أن يتمكن المفتشون الدوليون من إجراء عمليات تفتيش مفاجئة، في أي وقت وأي مكان داخل إيران. وليس واضحاً ما إذا كانت الحكومة الإيرانية ستوافق على ذلك. وتقع كثير من المواقع النووية في قواعد عسكرية تابعة لـ«الحرس الثوري»، حيث مُنع المفتشون مراراً عند البوابات.

* خدمة «نيويورك تايمز»