قوانين الحماية الفكرية... لماذا لا تطبق تماماً في البلدان العربية؟

منظمات وهيئات كثيرة تأسست منذ بداية القرن العشرين

قوانين الحماية الفكرية... لماذا لا تطبق تماماً في البلدان العربية؟
TT

قوانين الحماية الفكرية... لماذا لا تطبق تماماً في البلدان العربية؟

قوانين الحماية الفكرية... لماذا لا تطبق تماماً في البلدان العربية؟

يواجه المؤلفون والكتاب في الوقت الحاضر خطر سرقة مصنفاتهم ومؤلفاتهم، وأحياناً تعريضها للتشويه. وخلال معارض الكتب الأخيرة التي نظمت في القاهرة وبغداد والشارقة، اشتكى كثير من المؤلفين العرب من استفحال هذه الظاهرة المقلقة، وطالبوا بوضع حلول لها من خلال تطبيق ضوابط تشريعات حقوق الملكية الفكرية التي وقعت عليها معظم الدول العربية.
وقد تأسست كثير من المنظمات والهيئات للدفاع عن حقوق المؤلفين ومصنفاتهم الفكرية، ربما في مقدمتها منظمة «الويبو» أو «المنظمة الدولية لحماية الملكية الفكرية» التي تتخذ من جنيف مقراً لها. ومع أن الأهداف الأساسية لمثل هذه المنظمات تتركز أساساً على حماية العلامات التجارية وبراءات الاختراع، فإن جوانب مهمة كانت تعنى بوضع الضوابط والتشريعات الخاصة بحماية حقوق المؤلفين ومصنفاتهم الفكرية. كما بادرت كثير من الدول العربية إلى الانضمام إلى منظمة «الويبو» العالمية هذه، وتأسيس منظمات وطنية خاصة لحماية حقوق المؤلف، منها مصر والعراق وسوريا ولبنان والسعودية والجزائر والمغرب والإمارات والسودان وغيرها.
ويبدو أن للبنان خلفيات تاريخية بالنسبة لحماية الحرية الفكرية، إذ تشير ديباجة القانون اللبناني المرقم 12 جمادي الأولى عام 1358 هجرية (1910) الذي أمنَّ للمؤلفين حق الحماية الفكرية على منتجاتهم الفكرية، إلى أنه أنشئ في عهد الانتداب الفرنسي مكتب خاص للحماية الفكرية بتاريخ 19 يوليو (تموز) 1923، ثم صدر قرار بالخصوص يحمل رقم (2385) بتاريخ 17 يناير (كانون الثاني) 1924، حيث ارتبط منذ ذلك التاريخ بميثاق «برن» المعقود في 9 سبتمبر (أيلول) 1886. كما سعى لبنان إلى الانضمام إلى عدد من الاتفاقيات الدولية حول حماية الملكية الفكرية الخاص بمنظمة التجارة العالمي، فضلاً عن المنظمة العالمية للملكية الفكرية (ويبو). أما قانون حماية الملكية الأدبية، فقد صدر بقانون تحت رقم (75) في أبريل (نيسان) 1999.
وفي سوريا، صدر قانون حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة عام 2014. وحدد هذا القانون ارتباط تطبيق القانون بوزارة الثقافة، وتحديداً من قبل مديرية حماية حقوق المؤلف والحقوق المجاورة. وجاء في تعريف المصنف أنه «الوعاء المعرفي الذي يحمل إنتاجاً أدبياً أو فنياً أو علمياً مبتكراً، مهما كان نوعه أو أهميته أو طريقة التعبير أو العرض فيه».
وفي مصر، صدر قانون حقوق الملكية الفكرية المرقم (82) لسنة 2002، حيث أشارت الديباجة إلى أن القانون قد حل محل عدد من التشريعات السابقة، منها قوانين تتعلق بالعلامات التجارية، والقانون رقم (354) لسنة 1954. وقد حدد القانون حقوق المؤلف والحقوق المجاورة التي تنطبق على المصنف المبتكر، أدبي أو فني أو عملي، أياً كان نوعه أو طريقة التعبير عنه. كما تضمن القانون تفاصيل دقيقة حول حقوق المؤلف وورثته، فضلاً عن تحديد مفهوم الحقوق المجاورة.
وصدر في الجزائر تشريع خاص بحماية الملكية في حقل حماية البرمجيات في عام 2011 تحت رقم (26)، وقد خصص هذا التشريع أبواباً لحماية الملكية الفكرية، وأشار إلى أن الاحتلال الفرنسي للمدة من 1830 حتى 1962 كان يطبق القوانين الفرنسية على حقوق الملكية الفكرية. أما في المرحلة الثانية التي أعقبت الاحتلال، فقد أصدرت الدولة مجموعة من القوانين، منها القانون رقم (154-62) المؤرخ بـ31 يناير (كانون الثاني) 1962 الذي سمح بالعمل بالقوانين الفرنسية، ما لم يتعارض أي منها مع السيادة الوطنية. وفي عام 1966، صدر الأمر رقم (48-66) المتضمن انضمام الجزائر إلى اتفاقية باريس المتعلقة بحماية الملكية الصناعية. وفي السبعينيات، صدر قانون حق المؤلف رقم 23 - (6) 14، المؤرخ بـ3 أبريل (نيسان) 1973. وأشار الفصل الأول من القانون إلى تعريف حق المؤلف، حيث عد أن كل إنتاج فكري، مهما كان نوعه ونمطه وصورة تعبيره، ومهما كانت قيمته ومقصده، يخول لصاحبه حقاً في ما يسمى «حق المؤلف». واختتم القانون بجملة من التوصيات، منها التثقيف بفكرة الملكية الفكرية وأهميتها.
وأصدرت دولة الإمارات عام 1992 القانون رقم (37) الخاص بالعلامات التجارية وتعديلاته، وفيه أبواب خاصة بحقوق المؤلف الفكرية ومصنفاته، حيث أشار القانون إلى شمول الكتب والمقالات وغيرها من المصنفات المكتوبة بمواد هذا القانون، وقد أنيطت مهمة تسجيل هذه الحقوق الخاصة بالمصنفات الفكرية بوزارة الاقتصاد. كما وردت إشارة مهمة حول مدة حماية المصنفات الفكرية، تنص حسب المادة (20) على حماية الحقوق المالية للمؤلف مدة حياته، وخمسين سنة تبدأ من أول السنة الميلادية التالية لسنة وفاته.
ولقد حظيت تشريعات الملكية الفكرية باهتمام خاص في المملكة العربية السعودية، وصدر أول تشريع باسم العلامات الفارقة في عام 1358 هجرية، وأنشئت الهيئة السعودية للملكية الفكرية التي اعتمدت بقرار مجلس الوزارة عام 1437 هجرية. وقامت الهيئة بكثير من الحملات التفتيشية على مستوى المملكة، بالشراكة مع الجهات الأمنية والمتخصصة للحد من انتهاكات حقوق الملكية الفكرية، ونظرت في كثير من المنازعات والتجاوزات الخاصة بحقوق الملكية الفكرية، ووقعت خلال هذه المدة مجموعة من اتفاقيات الشراكة مع بعض الدول ومكاتب الملكية الفكرية في كوريا وأميركا واليابان ومكتب البراءات الأوروبي. ولتطوير كفاءة العاملين في مجال الملكية الفكرية، أنشأت الهيئة السعودية للملكية الفكرية أكاديمية الملكية الفكرية، بالشراكة مع المنظمة العالمية للملكية الفكرية (الويبو)، وهو إنجاز جدير بالتقدير. ومن المشكلات التي تواجه المسؤولين عن تنفيذ هذه التشريعات تلك المتعلقة بتوصيف أو تحديد المصنفات المشمولة بالقانون، ومنها اتسامها بالأصالة والابتكار والجدة والحداثة.
وغالباً ما تربط بعض هذه التشريعات بين مفهوم حماية حقوق المؤلف ومصطلح الأصالة، بصفته شرطاً أساسياً للشمول بقوانين الحماية. لكن هذا المصطلح غالباً ما يساء تفسيره، مما يلحق ضرراً فادحاً بحقوق المؤلف الحقيقية. ويعود سبب ذلك إلى أن هذا المصطلح من المصطلحات الإشكالية في الثقافة المعاصرة، ويقابله في الإنجليزية مصطلح (originality)، وهو بثنائيات ضدية، مثل الأصالة والمعاصرة، أو الأصالة والحداثة، أو الأصالة والتجديد، وما إلى ذلك. وفي هذه الثنائيات، غالباً ما تذهب الدلالة الاصطلاحية إلى زمن الماضي، وتحديداً إلى الموروث الثقافي. لذا، يبدو مصطلح الأصالة في معارضة مفترضة مع ما هو حديث ومعاصر وجديد، وتحديداً فيما يتعلق بالتراث؛ أي تراث الأمة وثقافتها وفكرها وتاريخها التي تنزل أحياناً منزلة المقدس. ولو تفحصنا دلالة المصطلح اللسانية، لوجدناه يذهب -كما يشير معجم «الرائد»- إلى أنه مشتق من «أصل»، حيث إن أصالة الرأي جودته، وأصالة النسب رسوخه ونبله. كما يذهب «المعجم الوسيط» إلى أنه في الرأي جودته، وفي الأسلوب ابتكاره، وفي النسب عراقته.
ويربط بعض الدارسين الإسلاميين بين مفهوم الأصالة والتربية الإسلامية في الزهد والعقيدة وأصول الفقه والحديث، وغيرها من العلوم الإسلامية.
وما دمنا بصدد الحديث عن علاقة مصطلح الأصالة بالنتاج الفكري والثقافي الذي يمكن أن يدرج تحت باب الحماية الفكرية، فعلينا أن نبتعد عن التعميم والتفصيل، ونتوقف أمام هذه العلاقة تحديداً، كما جرت معالجتها من قبل المشرع العراقي. فمن المعروف أن أول معالجة تتعلق بقوانين الحماية الفكرية في العراق كانت من خلال «قانون حماية حق المؤلف لسنة 1971 الصادر في الرابع من يناير (كانون الأول) عام 1971». إلا أن سلطة الائتلاف المنحلة قد قامت بعد الاحتلال بتعديل هذا القانون، وشرعت قانوناً أو أمراً يحمل الرقم (83)، تنص الفقرة الأولى منه على أن يتمتع بحماية هذا القانون مؤلفو المصنفات الأصيلة في الآداب والفنون والعلوم أياً كان تصنيفها.
ويخيل لي أننا بحاجة إلى تقديم تعريفات وافية دقيقة لمصطلحي «الابتكار» و«الأصالة» فيما يتعلق بالأعمال الفكرية والثقافية والفنية والأدبية، حتى لا نقصي كثيراً من الأعمال الفكرية تحت طائلة أنها لا تتوافر على شرط الأصالة والابتكار. وأخشى أن يؤدي التباين في تقديم تعريفات وتحديدات لهذين المصطلحين إلى إقصاء كثير من الأعمال من حق الحماية، بذريعة خلوها من صنفي الابتكار والأصالة، وأن نشرع قوانين تكون قادرة على شمول جميع الأعمال الثقافية بحق حماية الملكية الفكرية.
ويمكن أن نستشهد في هذا الصدد بتوصيفات المنظمة العالمية للملكية الفكرية لاحقاً. وجدير بالذكر أن المنظمات الثقافية الدولية أولت موضوع حماية النتاج الفكري الثقافي أهمية خاصة، إذ تأسست في جنيف منظمة (الويبو) (wipo)؛ أي «المنظمة العالمية للملكية الفكرية» التي قدمت توصيفات متكاملة لمفهوم حماية النتاج الفكري الثقافي، وحددوه وآلياته. وقد جاء في تعريف حق المؤلف أن القانون يحمي بشكل عام حق المؤلف وإبداعات المؤلفين الأدبية أو الفنية، وغالباً ما يشار إليها باسم «المصنفات»؛ ويعني حق المؤلف: «إن للمؤلفين وأصحاب الحقوق المجاورة حقاً في مصنفهم، وكل الأشياء المتصلة به، مثل حق المؤلف الذي يتمتع به الكتاب في رواياتهم والرسامون في لوحاتهم والمصورون في صورهم».
وجرى كذلك تحديد مفهوم الحقوق المجاورة، بصفتها تلك التي يتمتع بها أولئك الذين لم يؤلفوا أو يبدعوا المصنفات، ولكن لديهم علاقة وثيقة بها؛ على سبيل المثال الذين تولوا توزيع المصنفات الأدبية أو الفنية. كما توقفت المنظمة أمام تعريف مفهوم الأصالة، قائلة: «في حق المؤلف، والإشارة إلى أن المصنفات يجب أن تكون أصلية أو لها أصالة حتى تحمى بموجب حق المؤلف، إذ تتطلب الأصالة إبداعاً مستقلاً، مما يعني في الأساس أنه لا يمكن نسخ المصنف من مصنف آخر، وهذا لا يعني أن العمل يجب أن يكون بالضرورة جديداً أو فريداً من نوعه، فقد يحظى مصنفان متشابهان جداً يستندان إلى الفكرة نفسها أو المفهوم عينه على نحو أساسي بحماية حق المؤلف، ما دام أن أحدهما لم ينسخ من الآخر».
وقد انضم العراق إلى منظمة «الويبو» عام 2007، حيث حضر وفد رفيع المستوى، برئاسة السيد وزير الثقافة، ووقع في جنيف على وثيقة الانضمام لهذه المنظمة. وفي ضوء ذلك، تم تأسيس «المركز الوطني لحماية حق المؤلف والحقوق المجاورة» في عام 2007.
من كل ما تقدم، تبرز الحاجة الماسة حالياً للاهتمام بالتشريعات والقوانين الخاصة بحماية حقوق المؤلفين العرب عن مصنفاتهم الفكرية والإبداعية، وحمايتها من السرقة والتزوير.



الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»
TT

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو يتوَّج بجائزة «سرفانتيس»

يسلّم العاهل الإسباني فيليبي السادس اليوم الجائزة الأهمّ للآداب الإسبانية، «سرفانتيس»، إلى الروائي والباحث المكسيكي غونزالو سيلوريو الذي نال جائزة هذا العام عن أعماله التي وصفتها اللجنة التحكيمية بأنها «تجمع صفاء الفكر النقدي إلى الغوص في الهوية العاطفية والفقدان». وكما جرت العادة منذ عام 1976 عندما منحت الجائزة لأول مرة إلى الشاعر خورخي غيّين، يجري حفل تسليم الجائزة في جامعة Alcala de Henares «قلعة النهر» القريبة من مدريد، حيث شهد النور ميغيل دي سرفانتيس صاحب «دون كيخوتي». جاء في بيان هيئة التحكيم أنها قررت منح سيلوريو الجائزة التي تبلغ قيمتها النقدية 125 ألف يورو «عن نتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية... وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة». ورأى البعض في هذا القرار لفتة من وزارة الثقافة الإسبانية ترمي من ورائها إلى تنقية الأجواء السياسية المتعكرة بين إسبانيا والمكسيك منذ بداية عهد الرئيس المكسيكي السابق لوبيز أوبرادور الذي طالب الحكومة الإسبانية باعتذار تاريخي عن تجاوزات الفاتحين الإسبان خلال «اكتشاف» القارة الأميركية أواخر القرن الخامس عشر. وكانت إسبانيا قد منحت قبل أشهر جائزة «الوئام» لمتحف الأنثروبولوجيا الوطني في مكسيكو، وجائزة الفنون التصويرية للمكسيكية غراسيلا ايتوربيدي. يعدّ سيلوريو من أبرز الروائيين والباحثين والأكاديميين المكسيكيين المعاصرين، وتتميّز أعماله بشغف عميق باللغة، وتدور معظم رواياته حول التاريخ العائلي، وحياة الروائيين الذين تواصل معهم ونتاجهم. في كتابه الأخير الذي صدر مطلع العام الماضي بعنوان «هذه الكومة من المرايا المتكسرة» قرر أن يتناول حياته فيما يشبه المذكرات التي تتعمق في «الدعوة الأدبية» التي جاءته في سن مبكرة، وفي تكوينه الفكري وأنشطته الأكاديمية. ويقول سيلوريو إن العنوان مقتبس من إحدى قصائد بورخيس الذي يعدّه أفضل الذين عرّفوا الذاكرة، ويضيف: «يراكم هذا الكتاب ذكريات مبعثرة تعكس بعض مراحل حياتي. لكنها مجرد انعكاسات؛ لأن اللغة تحرّف ما تسعى إلى اختزانه في الذاكرة. وهو ليس سيرة ذاتية على الإطلاق، بل عبور على بعض الجوانب الأثيرة في حياتي»، ويستشهد بما كتبه الفيلسوف الفرنسي Montaigne على أعمدة بيته الخشبي في القرن السادس عشر «تمتّع بالحاضر، وما عداه لا يعنيك». يُعرَف عن سيلوريو أنه يملك واحدة من أكبر المكتبات الخاصة في أميركا اللاتينية، ويقول إن مطالعاته المفضلة كانت دوماً تدور حول أعمال الشاعرين غارسيا لوركا وميغيل هرنانديز، وحول روايات بلزاك وخوان رولفو وخوليو كورتازار، والأعمال الكاملة لمغيل دي سرفانتيس. ويقول عنه زملاؤه في أكاديمية اللغة المكسيكية إنه مثال «الكاتب الكلّي والنهضوي» الذي لم يقتصر إنتاجه على الدراسات الأدبية والروايات، بل شمل الدراسات اللغوية وكرّس حياته للتعليم والبحث الأكاديمي. في دردشة طويلة مع سيلوريو جمعته بعدد من وسائل الإعلام، بينها «الشرق الأوسط»، في المركز الثقافي المكسيكي بمدريد، اعترف سيلوريو بأنه منذ سنوات يعيش هاجس الوقت بعد أن تبدّلت العلاقة بين الماضي والحاضر «في الماضي كان رصيدي كبيراً من المستقبل، أما اليوم فصار رصيدي الأكبر من الماضي، وهذا ما دفعني إلى كتابة هذه المذكرات»، ويقول: «الذاكرة هي الخزّان الأول لكتاباتي، فيها أستعيد التاريخ والحكايات، وقصص الأسرة والأصدقاء والرفاق الذين رحلوا، وأيضاً الأحداث التي مررت بها ولم أدرك في حينه أهميتها ومدى تأثيرها على حياتي الأدبية... لا يمكن أن نعرف من نحن إذا لم نعرف من كنّا ومن أين جئنا ومن هم أجدادنا وما هي محدداتنا التاريخية. والهدف من كل هذا البحث ليس فحسب لمجرد تحديد الهوية واستعادة الماضي وقراءة الحاضر، بل أيضاً، وقبل أي شيء آخر، لاستشراف المستقبل الذي يتكشّف أمامنا يوماً بعد يوم». لكنه سرعان ما يستدرك ليقول إنه هو أيضاً ضحية التناقضات: لأني أكتب أيضاً كي أنسى؛ لأن الحياة لم تنته بعد، وثمة أمل في أن ننسى، كما يقول خوان كارلوس أونيتي». على أعتاب الثمانين من عمره يبدو سيلوريو هزيلاً في صحته التي يقول إنها تدهورت بسرعة خلال جائحة «كوفيد» التي أعادت إليه أمراضاً كان يظنّ أنه تعافى منها، وهو يتحدث بصوت خشن وغليظ بسبب تقطّع في حباله الصوتية: «هذا الانهيار الصحي والجسدي حرمني من لذّة السفر والتنقّل، لكني أعوّض عن ذلك بالحيوية التي أجدها بشكل أساسي في الكتابة». وعندما نسأله أين يضع الحدود في رواياته بين ما عاشه وما تخيّله يجيب: «في الواقع لا توجد حدود؛ لأن كل ما نتذكّره ويعشعش في ذاكرة ما عشناه في حياتنا، يخضع لعوامل الزمن واللغة. فاللغة ليست هي الواقع، بل هي الوسيلة التي تدلّنا على الواقع، وأعتقد أن كل أدب تاريخي هو خيالي؛ لأن اللغة في أساسها ليست سوى خيال، كالأدب الذي هو دائماً، بشكل أو بآخر، ضروب مختلفة من السير الذاتية». ويضيف: «عندما ننقل التجارب الشخصية إلى عالم الأدب، يولد واقع جديد أكثر واقعية من تلك التجارب، وهنا يكمن سحر الأدب، وقوة الإبداع الذي نبني به عالماً أكثر حيوية وواقعية من الذي كان نقطة الانطلاق». عن أسلوبه الكتابي الذي وصفه كارلوس فونتيس بأنه «فعل إرادة صلبة ومثابرة أكاديمية نادرة» يقول: «الأسلوب هو الحد الفاصل بين الكلمة والواقع المتجسّد في الكتابة. هو الذي يحدد هويتنا، ويمثّلنا، ويميّزنا عن غيرنا؛ لأن الأسلوب لا يقبل الاستنساخ. قد يكون أسلوب الكاتب خاضعاً لتأثيرات عدّة لأن الكاتب هو أيضاً قارئ، لكن أسلوبه يبقى فريداً. أما أسلوبي فهو على صلة وثيقة بمفاقمة الإمكانات اللغوية بأخصب الطرق المتاحة؛ لأني أكره القيود على اللغة، ولا أحب معاقبتها وتعذيبها وقمع براعمها». يعود سيلوريو في هذه الدردشة الطويلة إلى الاستشهاد بكارلوس فونتيس ليقول: «إن الكتّاب قوم أشرار وخبثاء والسذاجة ليست من خصائلهم. الرواية فيها الكثير من القذارة، لو استثنينا منها الروايات الغنائية؛ لأنها تنهل من كل جوانب الحياة، الجميل منها والقبيح والمشين. ولذلك؛ فإن الرواية لا تنتهي، بل إن الكاتب هو الذي يقرر التخلّي عنها ويغادرها بعد أن يدرك أنه قطع المسافة التي كان عليها أن يقطعها. الرواية عمل شاق؛ لأنها تقتضي الكثير من المثابرة والانضباط، وهذا ما يشكّل الفارق الكبير بين القصة والرواية. القصة درّة، والرواية هي حكاية البحث عن هذه الدرّة». ويضيف: «في العادة لا أضع شروطاً مسبقة عندما أباشر كتابة الرواية، كمن يرمي نفسه في البحر ويصغي إلى ما تهمس به الحواري. إنها مغامرة رائعة لا نعرف ماذا ينتظرنا فيها أو كيف ستكون نهايتها». ويكشف لنا سيلوريو عن أن الأبحاث الأخيرة التي أجراها بيّنت أن أول رواية ظهرت في القارة الأميركية كانت تلك التي وضعها المفكر المكسيكي خوسيه خواكين فرنانديز دي ليزاردي مطالع القرن التاسع عشر بعنوان «محطة الأحلام»، (وكان دي ليزاردي صحافياً مشهوراً قضى فترات في السجن بسبب آرائه المؤيدة للحركات الاستقلالية). وعندما نسأله عن الأدباء المكسيكيين المتحدرين من أصول عربية، يحيلنا فوراً إلى الكتاب المرجع الذي وضعته مؤخراً الروائية والناشرة روز ماري سلّوم، المتحدرة من أصول لبنانية، والذي يستعرض أعمال عدد من الروائيين والشعراء المتحدرين من أصول عربية، مثل سلّوم، وكارلوس مارتينيز أسعد، ونايف يحيى، وبابلو مخلوف، وليون رودريغيز زهّار وأنور خليفة، الذين، كما يقول: «رصّعوا الإنتاج الأدبي المكسيكي بأعمال قيّمة جداً». وينهي سيلوريو باسماً: «من حسن طالعي أني كرّست حياتي للأدب الذي لا يرجى منه نفع، لكني تمتعت به طيلة حياتي».

استحق سيلوريو الجائزة لنتاجه الأدبي الاستثنائي والعميق الذي أثرى اللغة الإسبانية… وعن نظرته الكئيبة التي يرميها على الذاكرة

هيئة التحكيم


روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة
TT

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

روائي شهير يعود إلى شخصيته البديلة

كان لدى الروائي البريطاني مارتن أميس نظرية حول سبب شهرة الروائيين في الثمانينات والتسعينات. وأعتقد أن السبب هو أن الصحف، غير مدركة بعد لأبعاد اقتراب الإنترنت ونقص المحتوى، امتلأت بالإعلانات ووجدت مساحة فارغة لملئها. نفدت مواضيع كتّاب المقالات - «ممثلون مدمنون على الكحول، وأفراد من العائلة المالكة فاشلون، وكوميديون مكتئبون، ونجوم روك مسجونون» - فلجأوا بيأس إلى الكتّاب. أدى التدفق المفاجئ للمقالات المطولة في أقسام الثقافة وفضائح الصحف الشعبية إلى ظهور الروائيين، ولأول مرة منذ مدة، بمظهرٍ جذاب وذي علاقات واسعة بدلاً من مظهرهم الباهت والمنعزل.

في إنجلترا، استأثر آميس وأصدقاؤه (جوليان بارنز، كريستوفر هيتشنز، وإيان ماكوان) بمعظم هذا الاهتمام. أما في أميركا، فقد سلطت أضواء الكاميرات على وجوه جي ماكينيرني، وتاما جانويتز، وبريت إيستون إليس - ما يُعرف بـ«مجموعة برات»، أبناء فجر سوهو - وعلى المحررين والوكلاء الذين رافقوهم حتى ساعات متأخرة من الليل. كان للبريطانيين تأثيرٌ أكبر على المدى الطويل.

ظهرت على غلاف رواية ماكينيرني الأولى الأكثر مبيعاً، «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» (1984)، لافتة النيون الحمراء الشهيرة خارج مطعم «أوديون»، المطعم الواقع في وسط مانهاتن: كانت تتوهج وكأنها إشارة الخفافيش الخاصة بذلك الجيل الأدبي. لذا، ربما ليس من المستغرب أن تبدأ رواية ماكينيرني الجديدة، «أراك على الجانب الآخر»، وهي روايته التاسعة، التي تتسم بطابعها الرثائي وشبه السيري، بحفل زفاف بمناسبة الذكرى الخامسة والثلاثين في المطعم.

هذه هي الرواية الرابعة والأخيرة في «رباعية كالواي» لماكينيرني، وشخصياتها، مثل مسرح «أوديون» نفسه، ناجون من مانهاتن، متمرسون في الحياة. تحمل السلسلة اسم راسل كالواي، شخصيتها المحورية، وهو ناشر مستقل مرموق يملك مكتباً في وسط المدينة في منزل من الطوب يعود للقرن التاسع عشر. وإذا كانت لديه طموحات أدبية في يوم من الأيام، فقد تخلى عنها. وكما قال الشاعر فيليب لاركين: «إذا لم تستطع التغلب عليهم، فقم بتعديلهم».

راسل متزوج، لكنه يشارك أحياناً وجبات البرغر السيئة، والقبلات الحارة، مع كاتبات شابات معجبات به. ويبدو أن شخصيته مستوحاة بشكل أساسي من ماكينيرني نفسه، ولكن نظراً لطبيعة عمله، فهو مستوحى أيضاً إلى حد ما من مورغان إنتركن، رئيس دار نشر «غروف/أتلانتيك» وأحد رفاق ماكينيرني المقربين في ثمانينات القرن الماضي. يبلغ كل منهما الآن 71 عاماً. أما الروايات السابقة في السلسلة، التي تحمل عناوينها اسم «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة»، فهي «سقوط السطوع» (1992)، و«الحياة الطيبة» (2006)، و«أيام مشرقة ثمينة» (2016). إذا كنت تنوي قراءتها، فابدأ من البداية، لأنها مع تقدمها تفقد متعتها وتتحول إلى روايات سطحية ونمطية. أما هذه الرواية الجديدة، فقد فقدت بريقها تماماً.

لقد مررنا بالكثير (علاقات غرامية، وفيات، اعتقالات، تخصيب في المختبر، أحداث 11 سبتمبر، ارتفاع الإيجارات، عمليات تجميل الحواجب، طلاق) مع الرجال والنساء المدللين ذوي الطابع البوهيمي في هذه الرواية. اجتمعوا الآن في «سينما أوديون»، حيث يشعر راسل بتدفق الماضي: المكان «يعج بالذكريات، طبقات من التاريخ الشخصي، أشباح الماضي». تشمل هذه الذكريات الكوكايين وعارضات الأزياء في الثمانينات، ووجبات غداء هادئة مع كتّاب ومحرري «كوندي ناست» الذين انتقلوا إلى مركز التجارة العالمي المُعاد بناؤه.

«أراك على الجانب الآخر» رواية تدور أحداثها خلال جائحة «كوفيد - 19». وقد استوحت عنوانها من لافتة وضعها أحد المطاعم على نافذته، معلناً إغلاقه طوال فترة الجائحة. الأزمة لا تزال حديثة العهد. يتجنب أبطال الرواية القبلات والأحضان؛ بل إنهم غير متأكدين من ضرورة خروجهم من منازلهم أصلاً.

إنها أيضاً رواية من عصر حركة «#MeToo» النسائية. يدخل كارلو، صديق قديم، إلى أحد المطاعم، وقد دُعي بالصدفة إلى ليلة افتتاح مطعم. إنه طاهٍ فاشل، من الواضح أنه متأثر بماريو باتالي. كان كارلو في السابق ممتلئ الجسم كدمية بينياتا، لكنه الآن يبدو ذابلاً وهزيلاً، وكأنه بحاجة إلى كرسي. بالنسبة لراسل، رؤية كارلو أشبه برؤية ماكبث لشبح بانكو.

أي شخص قرأ رواية «الحياة الطيبة»، الكتاب الثاني في هذه السلسلة، كان بإمكانه التنبؤ بسقوط باتالي الحقيقي. في تلك الرواية، شبهت زوجة راسل، كورين، كارلو بالأخطبوط، «يمد يده ليأخذ الخبز واللحم، ويدخن باليد الأخرى، ويشرب باليد الثالثة، بينما يتحسس في الوقت نفسه أقرب النساء إليه، جاذباً كل شيء نحو فمه».

يستغرق الأمر لحظة أو اثنتين حتى تظهر لمسة أخرى من لمسات ماكينيرني المميزة. عندما يحدث ذلك، يُخلّ بتوازن هذه الرواية بشكلٍ أكبر من الحوارات الركيكة والمليئة بالشرح، والملاحظات السطحية المبتذلة حول مدينة نيويورك، ومنطقة هامبتونز، والزواج (أدرك أنه مهما شعرنا بقربٍ من الآخر، فإننا لا نعرف أبداً أسرار قلبه).

«أراك على الجانب الآخر» عبارة عن سيلٍ جارف من الاستهلاك التفاخري غير الساخر. نرى ظهور رموز ضوئية مع دخول الشخصيات إلى الغرف: «دخلت كورين وخرجت مرتديةً رداء فريت الذي اشتراه لها»؛ «فتح مينغوس محفظته من بيرلوتي سكريتو»؛ «حقيبته من لويس فويتون»؛ «بدلته السوداء المميزة من برادا»؛ «فستان بالمان ضيق بلا أكمام بسحاب أمامي مثير». هذه الشخصيات لا تملك شخصياتٍ حقيقية؛ بل مجرد نماذج استهلاكية.

بالنسبة للكاتب، يمكن لأسماء العلامات التجارية أن تُضفي عمقاً على روايته. وقد استخدمها دون ديليلو في روايته «الضوضاء البيضاء» لاستكشاف ثقافتنا الاستهلاكية المُفرطة. أما قراءة رواية ماكينيرني فلا تُذكّرك إلا بالتعليق الساخر الذي أطلقه المحقق الضخم آندي سيبوفيتش في مسلسل الشرطة «NYPD Blue» في التسعينات: «هذا الرجل يتحدث كثيراً، ولا يتحدث عن الأمور المهمة».

كتبت كلير لودون في ملحق «التايمز» الأدبي قبل سنوات: «إن أكبر جريمة يرتكبها كاتب من الطبقة المتوسطة هي الإكثار من ذكر النبيذ». (أشارت لودون إلى أن إيان ماكيوان مذنب في فعل ذلك). ربما يُمكن التماس العذر لماكينيرني، الذي كان كاتب عمود عن النبيذ في صحيفة «وول ستريت جورنال»، لاهتمامه الشديد بالزجاجات التي يفتحها راسل. فهناك العديد من الجمل من قبيل: «أعتقد أننا سنبدأ بزجاجة (باتارد مونتراشيه) كطبق أول»، وهناك الكثير من الضحكات والصداقات الرجولية حول زجاجات النبيذ الثمينة في غرفة خاصة في مطعم «بير سي».

لقد أحزنني بشدة امتعاضي من هذه الرواية. مثل راسل، لطالما كان ماكينيرني شخصيةً آسرةً في حياة مدينة نيويورك. ولا أريد المبالغة في المقارنة، لكنه في بعض النواحي يُشبه أليك بالدوين الأدبي - لا يزال وسيماً كصبي، حاضراً في كل مكان، موهوباً بما يكفي، ومستعداً أحياناً لإثارة الجدل. (الفضيحة، في نهاية المطاف، نوع من خدمة المجتمع»، كما كتب سول بيلو في «هرتسوغ». يتمتع كلا الرجلين بوجوهٍ وردية، ويشبهان شخصيات «باري بليت» الكرتونية.

لم تفقد رواية «أضواء ساطعة، مدينة كبيرة» وبعض رواياته المبكرة الأخرى طاقتها المتوترة والمليئة بالشكوك. إذا أردتَ أن تتذكر مدى دقة ملاحظة ماكينيرني كصحافي، فأعد قراءة مقالته في مجلة «نيويوركر» عام 1994 عن الممثلة كلوي سيفيني.

تتجاوز رواية «أراك على الجانب الآخر» الأزمات الوجودية التي يعاني منها سكان نيويورك المرفهون، لكن القليل منها يترسخ في الذاكرة.

*خدمة «نيويورك تايمز»


«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية
TT

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

«تدجين الفكر المتوحش» بالعربية

صدر حديثاً عن دار «الحوار للنشر والتوزيع» كتاب «تدجين الفكر المتوحش» لباحث الأنثربولوجيا الإنجليزي جاك غودي بترجمة عربية أنجزها حميد جسوس.

وجاء في تقديمه: «في عمق التاريخ الإنساني، حيث تتقاطع الأسطورة مع العقل، وحيث تتشكَّل صورة الآخر في مرآة الذات، يطرح هذا الكتاب سؤالاً مقلقاً وبسيطاً في آنٍ واحد: هل نحن مختلفون حقاً عمّن نُسميهم (بدائيين)، أم أن هذا الاختلاف وهمٌ صنعته أدواتنا قبل عقولنا؟».

منذ الصفحات الأولى، يأخذنا المؤلف في رحلة فكرية تقوِّض واحدة من أقدم المسلَّمات في العلوم الاجتماعية: «القسمة الكبرى» بين «نحن» و«هم». تلك القسمة التي جعلت من بعض المجتمعات نموذجاً للتقدم، ومن أخرى رمزاً للتخلُّف أو «التوحُّش»، لكن سرعان ما يكشف أن هذه الثنائية ليست سوى بناء ذهني هش، إذ يقول: إن القسمة الثنائية بين المجتمعات البدائية والمجتمعات المتحضرة... تُرسي التعارض بين «نحن» و«هم»، بين العقلاني وغير العقلاني.

هنا يبدأ التشويق الحقيقي: إذا لم يكن الاختلاف في العقول، فأين يكمن إذن؟

يقدِّم الكتاب إجابته المحورية عبر فكرة مدهشة: إن ما يغيِّر التفكير ليس العقل ذاته، بل الوسائط التي يستخدمها - وأهمها الكتابة. فالإنسان، قبل الكتابة، كان يعيش في عالم شفهي، حيث المعرفة عابرة، متدفقة، مرتبطة بالسياق والذاكرة. أما بعد الكتابة، فقد تحوَّلت اللغة إلى شيء «مرئي»، يمكن تحليله وتفكيكه وإعادة ترتيبه. وكما يوضح النص: «إنَّ تدوين الكلام هو الذي سمح بالفصل بين الكلمات بكل وضوح، وتقليب ترتيبها، وبالتالي بتطوير الأشكال القياسية للاستدلال والتفكير».

بهذا التحول، لم يتغير ما يفكر فيه الإنسان فقط، بل كيف يفكر. ظهرت القوائم، والجداول، والتصنيفات، والرياضيات المعقدة. صار بالإمكان تخزين المعرفة ونقلها عبر الأجيال بدقة غير مسبوقة. وهنا، يتحول «تدجين الفكر» من استعارة إلى حقيقة: فالعقل لم يعد برياً أو «متوحشاً»، بل أصبح منظماً، مُهندساً بواسطة أدواته.

لكن المؤلف لا يسقط في فخ التبسيط. فهو لا يقول إن الكتابة خلقت العقل، بل يحذر من التفسير الأحادي، مؤكداً: «هناك طريق وسطي بين اختيار سبب وحيد ورفض كل تفسير سببي... بين إغراق كل شيء في السببية البنيوية أو عزل عامل مادي وحيد. فالتغير في الفكر هو نتيجة تفاعل معقد بين التكنولوجيا، المجتمع، السلطة، والثقافة».

ومن أكثر لحظات الكتاب إثارة، حين يواجه القارئ بحقيقة مزعجة: أن ما نسميه «تفكيراً بدائياً» ليس أقل منطقية، بل فقط مختلف في تجلياته. ففي المجتمعات الشفهية، نجد أنظمة تصنيف دقيقة، وقدرات حسابية مذهلة، لكنها مرتبطة بالسياق الحي، لا بالرموز المجردة. وهنا يكتب: «أنماط التفكير تتشابه من مجتمع إلى آخر من عدة أوجه... إن وجود نشاط فكري فردي حقيقة واقعة كما هي الحال في الثقافات الغربية».