تشيلسي لا يساعد تيمو فيرنر على تقديم أفضل ما لديه

المهاجم الألماني انضم للفريق اللندني وهو يمتلك اسماً كبيراً... لكن على لامبارد الاستفادة من طريقته المعقدة في اللعب

TT

تشيلسي لا يساعد تيمو فيرنر على تقديم أفضل ما لديه

رغم أن المهاجم الألماني تيمو فيرنر يمتلك قدرات فنية وبدنية هائلة لا يختلف عليها أحد، فإنه لا يتوانى في إهدار الفرص السهلة أمام مرمى الفرق المنافسة. ولعب فيرنر، الذي انتقل إلى تشيلسي مقابل 52 مليون جنيه إسترليني الصيف الماضي، 10 مباريات مع تشيلسي في جميع المسابقات من دون أن يسجل أي هدف. واخفق فيرنر المنضم إلى تشيلسي بعد تألق لافت مع لايبزيغ الالماني في التسجيل في الدوري منذ السابع من نوفمبر (تشرين الثاني).
ويهدر فيرنر الفرص السهلة والمحققة أمام المرمى بطريقة غريبة، وكان آخرها الانفراد التام بالمرمى أمام وستهام يونايتد يوم الاثنين الماضي. وأمام ليدز يونايتد، أهدر اللاعب الألماني فرصة محققة بطريقة غريبة عندما كان على بُعد ياردة واحدة عن المرمى الخالي من حارسه! ووفقاً لإحصائيات الدوري الإنجليزي الممتاز، فقد أهدر فيرنر ثماني «فرص كبيرة» هذا الموسم.
ومع ذلك، لا توجد علامات واضحة على الشعور باليأس أو الذعر؛ إذ يبدو أن الجميع – بدءاً من مشجعي تشيلسي مروراً بالمدير الفني للفريق فرانك لامبارد، ووصولاً إلى فيرنر نفسه - مقتنعون بأن هذه الفترة الصعبة سوف تمر وأن اللاعب سيستعيد مستواه المعهود، الذي مكّنه من إحراز 28 هدفاً في الدوري الألماني الممتاز مع نادي لايبزيغ الموسم الماضي، والذي جعله يحتل المركز الثاني في قائمة هدافي البوندسليغا خلف روبرت ليفاندوفسكي نجم بايرن ميونيخ صاحب الـ34 هدفاً.
وقد يكون هذا الأمر صحيحاً تماماً؛ لأنه حتى عندما يكون فيرنر في أسوأ حالاته فإنه لا يزال مهاجماً رائعاً وقادراً على بث الرعب في نفوس مدافعي الفرق المنافسة؛ نظراً لأنه يتميز بالسرعة الفائقة والمهارة الشديدة والشراسة، مع قدرته على تغيير اتجاهاته في جزء من الثانية والضغط على المنافسين بكل قوة. لكن، بطريقة ما، فإن ابتعاد فيرنر عن التهديف يثير عددا من التساؤلات التي تتجاوز مجرد تراجع الشعور بالثقة أو الابتعاد عن المستوى المعهود. وفي الحقيقة، يجب أن يقوم لامبارد بتحليل الطريقة التي يهدر بها فيرنر الأهداف، ويغير طريقة اللعب بعض الشيء حتى يصل إلى حل لهذه المشكلة.
إن أول شيء يجب ملاحظته قبل مباراة تشيلسي أمام آرسنال التي خسرها الأول 1-3 هو أن فيرنر لم يكن أبداً من نوعية المهاجمين الذين يقدمون مستويات ثابتة على فترات طويلة، ويكفي أن نعرف أنه لم يسجل سوى سبعة أهداف فقط خلال أول موسمين له مع نادي شتوتغارت خلال 62 مباراة. وبدأ اللاعب الألماني العام الماضي بتسجيل هدف وحيد في ثماني مباريات، لكنه أنهى الموسم برصيد 24 هدفاً في 25 مباراة. وخلال الموسم الحالي، انتظر فيرنر حتى أكتوبر (تشرين الأول) لتسجيل هدفه الأول في الدوري الإنجليزي الممتاز، ثم سجل سبعة أهداف في 17 يوماً مع تشيلسي ومنتخب ألمانيا. ويتضح من خلال هذا أن فيرنر يحرز الأهداف، لكنه يحرزها على فترات ويتوقف عن إحراز الأهداف لبعض الوقت.
ويجب على تشيلسي أن يدرك أن فيرنر يهدر الفرص التي يخلقها لنفسه بفضل قدراته الاستثنائية، وهي الفرص التي ربما لا يكون المهاجمون الآخرون قادرين على صنعها لأنفسهم من الأساس. إن خطورة فيرنر تتمثل في ذكائه الشديد في التحرك داخل الملعب، وسرعته القاتلة في الانتقال من مكان إلى آخر، وقدرته على تجاوز المدافعين والوصول إلى الكرة قبل الجميع، لكن ربما تكمن المشكلة في أنه لا يستطيع إحراز الأهداف من أنصاف الفرص بالشكل الذي قد يتخيله معظمنا.
وإذا أعدنا مشاهدة بعض محاولاته على المرمى عندما كان يلعب مع نادي لايبزيغ خلال المواسم القليلة الماضية، فسندرك على الفور أن طريقته في اللعب غريبة وغير معهودة، حيث كثيراً ما يسدد فيرنر الكرة عالياً وبشكل غير معتاد عن طريق انحناء كاحله. ولهذا السبب فإنه يفضّل تسلم الكرة إلى جانبه وليس أمامه، حتى يقوم بلف قدمه وتسديدها حيث يريد.
ودائماً ما تكون تسديدات فيرنر قوية وسريعة ومتقنة للغاية، ونادراً ما نراه يسجل أهدافاً بمشط القدم أو بالرأس أو بكرة لولبية. ورغم أنه يهدر الكثير من الفرص السهلة أمام المرمى، فإنه يسجل أيضاً الكثير من الفرص الصعبة. وعندما سُئل فيرنر ذات مرة عن كيف يصف الطريقة التي ينهي بها الهجمات أمام المرمى، رد قائلاً «لا أفكر كثيراً، وآمل أن تدخل الكرة المرمى».
واعترف فيرنر (24 عاماً)، بأن بطولة الدوري الإنجليزي الممتاز، أصعب من مسابقة الدوري الألماني (بوندسليغا)، وقال «لم أكن أتخيل ذلك، لقد أظهرت بالفعل أنه يمكنني إحداث الفارق في هذا الدوري. لكني خضت أيضاً بعض المباريات التي تجعلني مضطراً إلى أن أقول بصراحة: لم أفعل شيئاً. هذا الدوري أصعب مما كنت أعتقد».
وأكد فيرنر «كنت أعرف قوة الدوري الألماني، كان بإمكاني قضاء بعض الوقت ساكناً في المباراة. كنت أعرف بالضبط متى سوف أهاجم مرة أخرى، لكن في إنجلترا دائماً ما تتسم المباريات بالصعوبة بصفة مستمرة؛ لأن المنافسين يتمتعون أيضاً بتدريب جيد للغاية ويتمتعون باللياقة البدنية».
والآن، ربما نرى الأسباب التي تجعل فيرنر في حاجة إلى بعض الوقت من أجل التأقلم مع اللعب في تشيلسي، خاصة أن الطريقة التي كان يلعب بها لايبزيغ، والتي كانت تعتمد على الهجمات المرتدة السريعة وتبادل الأدوار بين اللاعبين كانت مناسبة تماماً للاعب وتسمح له باستقبال الكرة في المساحات الخالية والانطلاق بها بسرعة فائقة نحو مرمى الفرق المنافسة. وكان فيرنر يلعب ناحية اليسار ثم ينطلق كالسهم إلى عمق الملعب بالشكل الذي يسمح له بتسديد الكرة كما يشاء.
وعلى النقيض من ذلك، فإن تشيلسي يصطدم في كثير من الأحيان بأندية تعتمد على الدفاعات المتكتلة بالخلف ويحرك الكرة بشكل أبطأ كثيراً مما كان يحدث في لايبزيغ على أي حال. ولكي نفهم ذلك تماماً يتعين علينا إعادة مشاهدة الفرصتين المحققتين اللتين أهدرهما أمام وستهام يونايتد، حيث تسلم الكرة في وضع ثابت، وبالتالي لم يكن قادراً على تسديدها بالشكل الذي يريده. وقال فيرنر عن بدايته في كرة القدم الإنجليزية «الأمر أصعب مما كنت أعتقد».
وبالتالي، فإن السؤال المطروح الآن هو: كيف تساعد فيرنر على تقديم أفضل ما لديه داخل الملعب؟ يعتقد جوليان ناغيلسمان، آخر مدرب لفيرنر، أنه يجب الدفع باللاعب الألماني في عمق الملعب، أو حتى كمحور ارتكاز، حتى تكون لديه مساحة كبيرة للانطلاق عندما يستلم الكرة. لكن في البداية، اعتمد عليه لامبارد في مركز رأس الحربة الصريح، ثم نقله لاحقاً إلى جهة اليسار حتى يمكنه الاعتماد على تامي أبرهام في الخط الأمامي. إن إحراز أبرهام خمسة أهداف وصناعة فيرنر أربعة أهداف يظهر أن هذه الطريقة قد نجحت إلى حد ما.
ومع ذلك، لا يزال من الممكن التفكير في تغيير طريقة اللعب بشكل معين حتى يمكن الاستفادة من القدرات الهائلة لهذا اللاعب؛ شيء أكثر إبداعاً من مجرد إعطائه قسطاً من الراحة والأمل أن تسير الأمور بشكل جيد بعد ذلك!
ربما تعرض فيرنر لضغوط هائلة بسبب التوقعات الكبيرة بشأنه فور انتقاله إلى «ستامفورد بريدج». لقد تعاقد تشيلسي مع اللاعب الألماني بناء على رغبة لامبارد في ضم هداف قدير يجيد تحويل أنصاف الفرص إلى أهداف، ومن المؤكد أن سجل اللاعب السابق يؤكد أنه قادر على القيام بهذا الدور على أكمل وجه. لكن يجب أن نعرف أن الأمر معقد للغاية، فهذا المهاجم الرائع يمتلك قدرات فنية هائلة، وليس مجرد لاعب يجيد تحويل الفرص إلى أهداف، أو هداف يجيد اللعب على أطراف الملعب، لكنه في الوقت نفسه عبارة عن «لغز كبير» يجب على لامبارد، الذي لا يمتلك خبرات كبيرة في عالم التدريب، أن يجد الطريقة المناسبة لاستغلال قدراته على النحو الأمثل.


مقالات ذات صلة

تاريخ كتبته الأنفة الكروية... قصة أندية أوروبية لم تعرف الهبوط طوال تاريخها

الرياضة ملعب ريال مدريد (رويترز)

تاريخ كتبته الأنفة الكروية... قصة أندية أوروبية لم تعرف الهبوط طوال تاريخها

نجحت 7 أندية أوروبية عملاقة في تحدي غدر المستديرة، وعاصرت فصول اللعبة عبر العقود دون أن تجلس يوماً واحداً في مقاعد الدرجة الثانية.

كوثر وكيل (لندن)
رياضة عالمية ريال مدريد أعلن تعيين مورينيو رسمياً (أ.ف.ب)

مورينيو يعود لقيادة ريال مدريد بعقد يمتد حتى عام 2029

أعلن ريال مدريد الإسباني، الخميس، عودة المدرب البرتغالي جوزيه مورينيو لتولي قيادته الفنية لمدة ثلاثة مواسم.

«الشرق الأوسط» (مدريد)
رياضة عالمية أوليفر غلاسنر (د.ب.أ)

غلاسنر سيتولى تدريب ميلان الإيطالي

ذكر تقرير إعلامي اليوم (الأربعاء) أن أوليفر غلاسنر، سيتولى تدريب فريق ميلان الإيطالي.

«الشرق الأوسط» (روما )
رياضة عالمية ماركو سيلفا (رويترز)

ماركو سيلفا مديراً فنياً جديداً لبنفيكا

أعلن نادي بنفيكا البرتغالي لكرة القدم توصله لاتفاق مع ماركو سيلفا، مدرب فولهام السابق، لتدريب الفريق لمدة عامين خلفاً لجوزيه مورينيو.

«الشرق الأوسط» (لشبونة)
رياضة عالمية لماذا تتحول الاحتفالات الكروية في فرنسا إلى أعمال شغب؟

لماذا تتحول الاحتفالات الكروية في فرنسا إلى أعمال شغب؟

أعادت الاحتفالات التي رافقت تتويج باريس سان جيرمان بلقب دوري أبطال أوروبا طرح سؤال يتكرر في فرنسا كلما تحقق إنجاز كروي كبير.

شوق الغامدي (الرياض)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.