جواو فيليكس يثبت أن عصر صانع الألعاب التقليدي لم ينته بعد

في وقت يتعرض لاعبون مثل أوزيل وبوغبا ومحرز للتهميش رغم ما يتمتعون به من مهارات

البرتغالي جواو فيليكس لاعب يتمتع بمهارة التهديف وصناعة الفرص مع أتلتيكو ومنتخب بلاده  -  فيليكس تخلص من الأنانية فأصبح نجماً بارعاً (أ.ف.ب)
البرتغالي جواو فيليكس لاعب يتمتع بمهارة التهديف وصناعة الفرص مع أتلتيكو ومنتخب بلاده - فيليكس تخلص من الأنانية فأصبح نجماً بارعاً (أ.ف.ب)
TT

جواو فيليكس يثبت أن عصر صانع الألعاب التقليدي لم ينته بعد

البرتغالي جواو فيليكس لاعب يتمتع بمهارة التهديف وصناعة الفرص مع أتلتيكو ومنتخب بلاده  -  فيليكس تخلص من الأنانية فأصبح نجماً بارعاً (أ.ف.ب)
البرتغالي جواو فيليكس لاعب يتمتع بمهارة التهديف وصناعة الفرص مع أتلتيكو ومنتخب بلاده - فيليكس تخلص من الأنانية فأصبح نجماً بارعاً (أ.ف.ب)

في ظل تهميش لاعبين مثل أوزيل وبوغبا، يُثبت النجم البرتغالي جواو فيليكس الذي ضمه أتلتيكو مدريد مقابل 110 ملايين جنيه إسترليني أن صانع الألعاب التقليدي لا يزال مهماً في كرة القدم الحديثة.
في الأدب الروسي في القرن التاسع عشر، كانت هناك شخصية تُعرف باسم «الرجل غير الضروري أو الذي لا لزوم له». وكان هذا الرجل الزائد عن الحاجة موهوباً ثرياً، لكنه يعيش بلا هدف ولا يلعب أي دور في المجتمع، ويكتب الشعر ويرتدي ملابس يتم إعدادها بدقة، ويتسكع على مقاعد حريرية، ولم يكن يجيد سوى الأشياء التي لا طائل من ورائها. وبعدما كان العالم يقوم بتدليله في وقت ما، لم يعد بحاجة إليه على الإطلاق.
في الحقيقة، من السهل أن تجد كثيراً من هؤلاء الأشخاص الذين لا يقومون بأي دور على الإطلاق في كرة القدم الحديثة. وقد كانت هذه ملاحظة واضحة للغاية خلال العام الماضي، حيث رأينا عدداً من اللاعبين الذين يملكون مهارات جيدة مهمشين، ولا يلعبون أي دور مع أنديتهم.
ولا يتم تهميش هؤلاء اللاعبين فحسب، بل يتم شيطنتهم وتصويرهم على أنهم منحلون. وبالتالي، لم يكن غريباً أن نسمع أن اللاعب الفرنسي بول بوغبا كسول، أو أن النجم الجزائري رياض محرز ضعيف هش، أو أن اللاعب الألماني مسعود أوزيل لا يريد اللعب، لكنه بدلاً من ذلك عازم على إفلاس نادي آرسنال، من خلال الحصول على مبالغ مالية طائلة من دون أن يلعب أي دقيقة!
لكن الواقع مختلف تماماً بالطبع، فالمشكلة التي يواجهها بوغبا -على سبيل المثال- هي مشكلة خططية تكتيكية في المقام الأول، لأن الطريقة التي يلعب بها مانشستر يونايتد قد عفا عليها الزمن، ولم تعد مناسبة للضغط الشرس على حامل الكرة، وعدم التوقف عن الركض طوال المباراة. فلاعب مثل نجم خط وسط ليفربول جيني فينالدوم -على سبيل المثال- يقطع 15 خطوة، ويلعب بطريقة سريعة للغاية، ويغلق 3 مساحات أمام خط هجوم الفريق المنافس، في الوقت نفسه الذي يقوم فيه بوغبا بتمرير الكرة لمرة واحدة، أو التحرك في مساحة غير متوقعة داخل الملعب.
وينطبق الأمر نفسه أيضاً على محرز وأوزيل، فهما لاعبان من الطراز الرفيع، ويمتلكان قدرات هائلة فيما يتعلق بالمراوغة والتمرير، لكن قدراتهما لا تناسب الطريقة التي تلعب بها أنديتهما!
وهؤلاء هم «الرجال غير الضروريين» في كرة القدم الحديثة. فعلى الرغم من أنهم يملكون مواهب عظيمة، فإن قدراتهم لا تتماشى مع العصر، ويكافحون لإيجاد حل وسط بين طريقة لعبهم وطريقة لعب الفرق التي يدافعون عن ألوانها، وهذا أمر محزن في حد ذاته لأن هؤلاء اللاعبين المبدعين كانوا دائماً هم من يمتعوننا بمهاراتهم وإمكانياتهم الهائلة داخل الملعب. والأسوأ من ذلك هناك بعض الأحاديث عن أن صانع الألعاب التقليدي قد أصبح شيئاً من الماضي بسبب متطلبات كرة القدم الحديثة التي تعتمد على القوة والضغط الشديد على المنافس.
لكن لحسن الحظ أن كرة القدم لعبة تتسم بالمرونة، وتستوعب أشكالاً وخططاً جديدة. لقد كانت هذه مقدمة طويلة ملتوية بعض الشيء للوصول إلى الحديث عن النجم البرتغالي الشاب جواو فيليكس الذي ضمه أتلتيكو مدريد مقابل 110 ملايين جنيه إسترليني، والذي يعد أفضل لاعب صاعد في كرة القدم الأوروبية في الوقت الحالي. وسجل فيليكس الذي يكمل عامه الحادي والعشرين خلال الأسبوع الحالي هدفه السابع في 5 مباريات، وبدا من الواضح أنه يتجه نحو مستوى آخر تماماً.
في الحقيقة، حدثت طفرة هائلة في مستوى النجم البرتغالي الشاب في الآونة الأخيرة. لقد انتقل فيليكس إلى أتلتيكو مدريد قادماً من بنفيكا البرتغالي مقابل مبلغ ضخم من المال الصيف الماضي، لكنه عانى في البداية من أجل التأقلم والتكيف مع اللعب بقميص قطب مدريد الثاني. لقد كان لاعباً مراهقاً مغروراً يعتمد بشكل كامل على موهبته الفطرية، كما أن صفقة انتقاله قد توسط فيها وكيل أعمال اللاعبين المثير للجدل خورخي مينديز، وكلها عوامل وضعت ضغوطاً هائلة على اللاعب الشاب. وبالتالي، بدأ كثيرون يشككون في قدرة اللاعب على تقديم المستويات المتوقعة منه.
وفي مارس (آذار) الماضي، شارك فيليكس في مباراة فريقه أمام ليفربول على ملعب «آنفيلد» وظل لمدة 110 دقائق وهو يبدو تائهاً. ورغم كل ذلك، قتل فيليكس المباراة تماماً بتمريرة سحرية -كانت التمريرة رقم 23 فقط له في اللقاء- من دون حتى أن ينظر إلى اللاعب الذي يمرر له الكرة، ليصنع الهدف الحاسم الذي أطاح بليفربول، وصعد بفريقه للدور التالي من دوري أبطال أوروبا. لقد أظهر النجم البرتغالي الشاب في تلك الليلة لمحات بسيطة من الإمكانيات والقدرات الهائلة التي يمتلكها.
لكن فيليكس يقدم مستويات رائعة للغاية خلال الموسم الحالي، ويقود أتلتيكو مدريد بشكله الجديد الذي تم بناؤه على أنقاض الفريق الذي رأيناه في صيف 2019، والذي أنهى الدوري الإسباني الممتاز في المركز الثالث، لكنه تعادل في 16 مباراة، وكان يجد صعوبة كبيرة في تسجيل الأهداف. وقد قرر المدير الفني الأرجنتيني، دييغو سيميوني، الاعتماد على نجم برشلونة السابق لويس سواريز في الخط الأمامي، ومن خلفه اللاعب البرتغالي الموهوب جواو فيليكس. وقد أثبت سيميوني أنه كان محقاً تماماً في الاعتماد على فيليكس الذي أظهر براعة فائقة للغاية، ليس فقط في إحراز الأهداف، ولكن أيضاً في قيادة خط وسط الفريق ككل.
وعلاوة على ذلك، يجيد فيليكس صناعة اللعب تحت الضغط أيضاً. ورغم أنه قد يبدو ضعيفاً من الناحية البدنية، فإنه أصبح لاعباً جماعياً بشكل رائع. ولكي ندرك الدور البارز الذي يقوم فيه فيليكس، يتعين علينا أن نشاهد المباراة التي لعبها أمام غرناطة، والتي لم يكن يتوقف خلالها عن الركض ونقل الكرات ومساعدة زملائه داخل المستطيل الأخضر، كما كان هو اللاعب الذي يتحكم تماماً في إيقاع المباراة، بينما كان يلعب صانع ألعاب متقدماً. وقدم فيليكس مستويات مماثلة في مباراة فريقه أمام لوكوموتيف موسكو التي انتهت بالتعادل بهدف لكل فريق. وفي الآونة الأخيرة، قدم أداءً مميزاً أيضاً في المباراة التي سحق فيها أتلتيكو مدريد نظيره قادش برباعية نظيفة، والتي كانت المباراة الثالثة على التوالي التي لم تهتز فيها شباك أتلتيكو مدريد.
ومن بين المميزات الأخرى للاعب البرتغالي الشاب أنه يقوم بأشياء لا يمكن لغيره من اللاعبين القيام بها، نظراً لأنه يمتلك فنيات ومهارات رائعة وسرعة هائلة، بالشكل الذي يذكرنا بمهارات النجم البرازيلي رونالدينيو وهو يتلاعب بأشلي كول في مدينة شيزوكا اليابانية في عام 2002، وهو الأمر الذي لم نرَ لاعباً يقوم به منذ ذلك الحين.
وكما هو الحال مع كل لاعبي خط الوسط الرائعين، يمتاز فيليكس بقدرته على رؤية مساحات الملعب كافة بدقة شديدة، ولكي ندرك ذلك يتعين علينا إعادة مشاهدة هدفه الثاني في مرمى قادش بالصورة البطيئة، حيث سندرك على الفور أنه يرى كل شبر من الملعب حتى وهو يتسلم الكرة على صدره وينطلق بسرعة فائقة؛ إنه لأمر رائع بالطبع أن يكون هناك لاعب كرة قدم مبتكر جديد من الطراز الرفيع لكي يمتعنا بمهاراته وإمكانياته. عفواً ليونيل ميسي، فأنت تتألق في الملاعب العالمية منذ 16 عاماً كاملة، لكن الدور ربما يكون قد حان الآن لكي ينافس جواو فيليكس على الكرة الذهبية لأفضل لاعب في العالم!
وفي الوقت الراهن، ربما يكون أكثر شيء مثير للاهتمام هو الطريقة التي يلعب بها، والطريقة التي يحقق من خلالها التوازن بين مهاراته بصفته لاعباً مبدعاً واحتياجات الفريق ككل. وهذه هي الطريقة التي يجب أن يلعب بها كل صناع اللعب الموهوبين في الوقت الحالي، لكي يوظفوا مهاراتهم من أجل خدمة الفريق في نهاية المطاف.
وعلاوة على ذلك، لا يتوقف فيليكس عن الحركة أبداً، لكنه في الوقت نفسه لاعب ممتع جذاب غير مألوف، ولاعب يثبت أن صناع اللعب التقليدين ما زالوا قادرين على التألق وقيادة أنديتهم ببراعة، على عكس اللاعبين الآخرين «غير الضروريين» الذين لا يفيدون فرقهم!


مقالات ذات صلة

​في تيخوانا... جالية إيرانية صغيرة تفرقها السياسة وتوحدها كرة القدم ​

رياضة عالمية صادق جالافي وعائلته (رويترز)

​في تيخوانا... جالية إيرانية صغيرة تفرقها السياسة وتوحدها كرة القدم ​

على بُعد حوالي 40 كيلومتراً جنوب الحدود الأميركية المكسيكية بين مطاعم التاكو في ضواحي تيخوانا يرفرف علم يحمل ألوان العلم المكسيكي الأخضر والأبيض والأحمر.

«الشرق الأوسط» (تيخوانا)
رياضة عالمية كيليان مبابي (أ.ف.ب)

الانتقادات تلاحق مبابي قبل أولى مباريات فرنسا في المونديال

يستعد كيليان مبابي لخوض أولى مباريات فرنسا في كأس العالم لكرة القدم أمام السنغال يوم الثلاثاء في ظل تساؤلات تحوم حوله بعد موسم وضع أهم نجم في اللعبة بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
رياضة عالمية نيستوري إيرانكوندا (رويترز)

إيرانكوندا من مخيم للاجئين إلى التألق في كأس العالم مع أستراليا

ولد نيستوري إيرانكوندا في مخيم للاجئين بتنزانيا لكنه بعد 20 عاماً أصبح يسجل بكأس العالم لصالح منتخب أستراليا لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عالمية جانب من تحضيرات كوراساو (أ.ف.ب)

حكاية مونديالية خيالية بين كوراساو وألمانيا... وإيران تحط في «طهرانجليس»

يصح أن يطلق على مباراة كوراساو وألمانيا، بطلة العالم أربع مرات، حكاية خيالية حين تلتقيان الأحد، في مستهل مشوارهما بالمجموعة الخامسة لمونديال 2026.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس)
رياضة عالمية عمر أرتان (إ.ب.أ)

«فيفا» يتكفل بمستحقات الحكم الصومالي أرتان رغم استبعاده من كأس العالم

قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) دفع كامل مستحقات الحكم الصومالي عمر أرتان، رغم حرمانه من دخول الولايات المتحدة وعدم مشاركته في إدارة مباريات كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.