هل فات الأوان لوقف انحدار كرة القدم نحو تغيير مفاجئ لا نهاية له؟

سيطرة التلفزيون على اللعبة في ظل غياب الجماهير عن الملاعب ستصبح واقعاً حتمياً

ملعب إيفرتون مكتظ عن آخره في فبراير الماضي... تُرى كم عدد من سيعودون إليه؟ (غيتي)
ملعب إيفرتون مكتظ عن آخره في فبراير الماضي... تُرى كم عدد من سيعودون إليه؟ (غيتي)
TT

هل فات الأوان لوقف انحدار كرة القدم نحو تغيير مفاجئ لا نهاية له؟

ملعب إيفرتون مكتظ عن آخره في فبراير الماضي... تُرى كم عدد من سيعودون إليه؟ (غيتي)
ملعب إيفرتون مكتظ عن آخره في فبراير الماضي... تُرى كم عدد من سيعودون إليه؟ (غيتي)

دائماً ما تبدو كرة القدم وكأنها صناعة تبحث عن الشكل النهائي لمنتجها، وقد شهدت السنوات الخمس والعشرون الماضية تغييراً هائلاً في شكل اللعبة. ومع ذلك، يبدو من المرجح أن كل ما حدث لم يكن سوى «جزء تدريجي» من شيء أكبر يتوقع أن يحدث خلال السنوات المقبلة. ويبدو أن كرة القدم قد وصلت في عام 2020 إلى نقطة اللاعودة، وباتت جاهزة للانزلاق بسرعة نحو تغيير مفاجئ وجذري.
ولا يوجد أدنى شك في أن الأزمة العالمية الحالية قد قدمت أيضاً فرصة رائعة لمن هم في مواقع القوة، والذين كانت خططهم من أجل التغيير ستشهد مقاومة قوية لولا حدوث هذه الأزمة. وفي أحدث مؤتمر للاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا)، تحدث رئيس الاتحاد جياني إنفانتينو - الذي يبدو أنه قضى الأشهر الثمانية الماضية في محاولة جاهدة للحفاظ على التعبير عن القلق الشديد بينما كان يتوق سراً للتباهي بشأن التجديد الذي يحدثه في اللعبة - عن إعادة تصور لجدول مباريات كرة القدم بشكل كامل، وتحريك كل مسابقة إلى فترة زمنية مميزة خاصة بها.
ويبدو أنه لا يوجد أي شخص يمانع القيام بذلك، أو لم يعرب حتى عن مخاوفه، وهو الأمر الذي سيسمح لجياني بالمضي قدماً في خططه. وربما تتمثل الملاحظة الأكثر إثارة للقلق في الوقت الحالي في أنه إذا كان الربع الأخير من القرن الماضي قد شهد تغييراً ملحوظاً وسريعاً في كرة القدم، فإن هذه الفترة قد شهدت أيضاً مقاومة شديدة لأي تغيير، على عكس ما يحدث تماماً في الوقت الحالي، حيث تسير الأمور من دون أي مقاومة أو اعتراض!
ودائماً ما كانت كرة القدم تتميز ببعض الطقوس المميزة والخطوط التي لا يمكن تجاوزها، والإحساس بأنها شيء نبيل ومحمي. لكن في الوقت الحالي لم يعد هناك أي درع تحمي هذه اللعبة، وبات من السهل التنازل عن أي شيء وتغيير الهياكل والأنظمة الراسخة منذ سنوات طويلة. وفي الماضي، كانت المقاومة تتمثل في مجالين رئيسيين. أولاً، إعطاء الأولوية للمشجعين والجمهور، والتركيز على أن كرة القدم من دون جمهور لا تعني أي شيء. لكن الحقيقة أن هذه الفكرة قد تبخرت تماماً الآن، وأصبح بإمكان الناس الذهاب إلى المتاجر والمطارات، لكن لم يعد بإمكانهم الذهاب لمشاهدة مباراة لكرة القدم، وهو أمر غير منطقي بالمرة. ويبدو أن مشجعي كرة القدم في الملاعب، على الرغم من أهميتهم، لم يعودوا يلعبوا دوراً محورياً في نموذج عمل كرة القدم، وكأن لسان حال المسؤولين عن كرة القدم يقول: إننا نقدّر وجودكم، لكننا لسنا في حاجة إليكم!
ويجب الإشارة إلى أن هذه اللحظة هي لحظة تحول هائلة في المشهد الكروي، ليس فقط من الناحية النظرية، لكن على المستوى العملي أيضاً. وبينما يسعى الدوري الإنجليزي الممتاز إلى تعديل أوضاعه بسبب خوفه من تراجع عائدات البث التلفزيوني، فقد تحول إلى منتج ترفيهي قابل للتبديل والتغيير. وفي نهاية الأسبوع الماضي، كان من الممكن مشاهدة مباريات الدوري الإنجليزي الممتاز على الهواء مباشرة من منتصف النهار وحتى الساعة العاشرة مساءً، وكانت كل المباريات عبارة عن المحتوى المتجانس نفسه والمتواصل وغير المحدد جغرافياً.
فهل هذا الأمر قابل للاستمرار والاستدامة؟ وبعدما حقق بايرن ميونيخ الفوز على بوروسيا دورتموند في كأس السوبر الألمانية، أشار نجم العملاق البافاري، روبرت ليفاندوفسكي، إلى أن اللاعبين لم يحتفلوا لأنهم كانوا «مرهقين للغاية». وأصبحنا نرى لاعباً مثل إريك داير على شاشات التلفزيون بشكل دائم بسبب كثرة مشاركته في المباريات. لقد تحولت اللعبة إلى سيرك رقمي يتكرر بلا نهاية ومن دون توقف، وأصبحت بعض المباريات تلعب في وقت متأخر من الليل، وبالتالي، فإن السؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل ستسمح محطات البث التلفزيونية بذلك عندما يتم السماح للجمهور بالعودة إلى الملاعب؟ وفي هذه الأثناء، سيطر التلفزيون تماماً على المشهد الكروي، وأصبحنا نرى كل شيء من خلال الشاشات، وحتى حكام المباريات باتوا يعتمدون على الشاشات والإعادات التلفزيونية في معظم القرارات المهمة والمثيرة للجدل، ولا ينقصنا سوى أن نرى التلفزيون وهو يقرر كيف سيقف اللاعبون ويركضون ويصطدمون ببعضهم بعضاً داخل الملعب!
ووصل الأمر إلى درجة أن المرء بات يشعر بأنه من السهل التخلي عن التجربة الواقعة ومشاهدة المباريات من الملعب بمشاهدة المباريات عبر شاشات التلفزيون. وبات هناك تساؤل بشأن ما إذا كان هذا التغيير سيصبح دائماً خلال الفترة المقبلة. إن الجمهور العاشق لفريقه يكون لديه انتماء كبير وينفق الكثير من الأموال ويبذل الكثير من الجهد من أجل متابعة هذا الفريق من ملعب المباراة، لكن عدم السماح للجمهور بحضور المباريات لفترات طويلة سوف يؤثر على هذه العلاقة القوية، ويجعل كثيرين يفكرون في الاستمرار في متابعة المباريات عبر شاشات التلفزيون.
وفي هذه الأثناء، تواصل كرة القدم النسائية، وهي صناعة نامية، لكنها ليست مربحة بدرجة كافية في الوقت الحالي، الكفاح من أجل الاستحواذ على حصة من البث التلفزيوني. وحتى كرة القدم الدولية على مستوى المنتخبات يبدو وكأنها قد تبدأ في مواجهة الديكتاتورية الاقتصادية القاسية لأندية النخبة في عالم كرة القدم. وهذا هو العنصر الثاني الذي يواجه تهديداً كبيراً. ومن المعروف للجميع، أن الأندية في الدوريات الأدنى من الدوري الإنجليزي الممتاز تقترب من الانهيار. وفي الوقت نفسه، أصبح من البديهي أن نقول، إن أندية النخبة لن تنجو من دون وجود هذا الهرم القديم للدوريات الأدنى.
في الواقع، لا تهتم الأندية الكبرى بهذه العملية على الإطلاق وكأنها لا تعنيها من الأساس، فما الذي يدفع تلك الأندية الكبرى إلى الاهتمام بمصير أندية مثل سندرلاند وغيلينغهام؟ لقد توقعت رابطة الأندية الأوروبية خسائر بقيمة أربعة مليارات يورو هذا الموسم في بطولات الدوري الممتاز. ويعني ذلك أنه سيكون هناك تغيير حقيقي في المشهد الكروي خلال المرحلة المقبلة. ودائماً ما يؤكد المدير الفني الفرنسي آرسين فينغر على أنه لا مفر من إقامة «دوري سوبر» بلا حدود؛ لأن هذا هو ما يريده المسؤولون. لكن لا أحد يعرف حقاً الشكل الذي قد يتخذه هذا الأمر. لكن في حالة حدوث ذلك، فمن المرجح أن يحدث التغيير بوتيرة أكبر، وسيتم تشتيت الانتباه عن ذلك من خلال الحديث عن الكارثة الاقتصادية العالمية!
ومن المغري بالطبع في خضم كل هذا أن نعلن عن غضبنا من القواعد الخاصة باحتساب لمسات اليد، وأن نتحدث عن إخفاقات مانشستر سيتي في سوق انتقالات اللاعبين، ومعاناة مانشستر يونايتد تحت قيادة المدير الفني النرويجي أولي غونار سولسكاير. إن التغيير الذي شهدته كرة القدم على مدار الثلاثين عاماً الماضية قد يحدث تغيير أكبر منه في غضون ستة أشهر فقط بسبب حالة الارتباك التي تهيمن على المشهد الكروي في الوقت الحالي! ويتمثل الخطر الحقيقي في أن يصبح هذا التغيير الغريب والشاذ أمراً طبيعياً. وكما هو الحال دائماً، فإن المسار الوحيد المتاح هو المقاومة بأي شكل من الأشكال.


مقالات ذات صلة

​في تيخوانا... جالية إيرانية صغيرة تفرقها السياسة وتوحدها كرة القدم ​

رياضة عالمية صادق جالافي وعائلته (رويترز)

​في تيخوانا... جالية إيرانية صغيرة تفرقها السياسة وتوحدها كرة القدم ​

على بُعد حوالي 40 كيلومتراً جنوب الحدود الأميركية المكسيكية بين مطاعم التاكو في ضواحي تيخوانا يرفرف علم يحمل ألوان العلم المكسيكي الأخضر والأبيض والأحمر.

«الشرق الأوسط» (تيخوانا)
رياضة عالمية كيليان مبابي (أ.ف.ب)

الانتقادات تلاحق مبابي قبل أولى مباريات فرنسا في المونديال

يستعد كيليان مبابي لخوض أولى مباريات فرنسا في كأس العالم لكرة القدم أمام السنغال يوم الثلاثاء في ظل تساؤلات تحوم حوله بعد موسم وضع أهم نجم في اللعبة بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
رياضة عالمية نيستوري إيرانكوندا (رويترز)

إيرانكوندا من مخيم للاجئين إلى التألق في كأس العالم مع أستراليا

ولد نيستوري إيرانكوندا في مخيم للاجئين بتنزانيا لكنه بعد 20 عاماً أصبح يسجل بكأس العالم لصالح منتخب أستراليا لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عالمية جانب من تحضيرات كوراساو (أ.ف.ب)

حكاية مونديالية خيالية بين كوراساو وألمانيا... وإيران تحط في «طهرانجليس»

يصح أن يطلق على مباراة كوراساو وألمانيا، بطلة العالم أربع مرات، حكاية خيالية حين تلتقيان الأحد، في مستهل مشوارهما بالمجموعة الخامسة لمونديال 2026.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس)
رياضة عالمية عمر أرتان (إ.ب.أ)

«فيفا» يتكفل بمستحقات الحكم الصومالي أرتان رغم استبعاده من كأس العالم

قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) دفع كامل مستحقات الحكم الصومالي عمر أرتان، رغم حرمانه من دخول الولايات المتحدة وعدم مشاركته في إدارة مباريات كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.