هل كتب مورينيو نهاية حزينة لقصة ديلي آلي «الرائعة» مع توتنهام؟

عندما يصف المدرب البرتغالي لاعباً بأنه {موهوب} يتعين على هذا اللاعب أن يشعر بالقلق

قبل 3 سنوات تلاعب آلي بدفاع ريال مدريد وسجل هدفين ضمن الثلاثية التي فاز بها توتنهام (إ.ب.أ)
قبل 3 سنوات تلاعب آلي بدفاع ريال مدريد وسجل هدفين ضمن الثلاثية التي فاز بها توتنهام (إ.ب.أ)
TT

هل كتب مورينيو نهاية حزينة لقصة ديلي آلي «الرائعة» مع توتنهام؟

قبل 3 سنوات تلاعب آلي بدفاع ريال مدريد وسجل هدفين ضمن الثلاثية التي فاز بها توتنهام (إ.ب.أ)
قبل 3 سنوات تلاعب آلي بدفاع ريال مدريد وسجل هدفين ضمن الثلاثية التي فاز بها توتنهام (إ.ب.أ)

أعلنت مؤسسة «سبورت إنغلاند» العام الماضي أنها ستنفق 85 مليون جنيه إسترليني على خطة المواهب الخاصة بإنجلترا. وتتمثل الفكرة وراء إطلاق خطة المواهب في إنشاء «أفضل خطة مواهب في العالم»، وهي خطة طموحة لم نر لها مثيلاً في العالم من قبل! لكن الشيء المؤكد هو أن خطة المواهب هذه لديها الكثير لتقوله عن «الموهبة» لدرجة أن مسودة هذه الخطة والمكونة من 35 صفحة قد ذكرت كلمة «الموهبة» 258 مرة، وهو الأمر الذي يعكس أهمية «الموهبة» بشكل كبير. ولكي نكون واضحين، لا أحد هنا يزعم أننا لا نهتم بالموهبة، لكن في الوقت ذاته، فإن الحقيقة الواضحة والتي لا جدال فيها تتمثل في أنه لا يوجد أي شخص قادر على وضع تعريف محدد للموهبة وكيفية التعامل معها. وأصبح من المألوف في دوائر التدريب أن نقول إن الموهبة مبالغ فيها، وإنها نوع من أنواع الوهم!
وأشار لاعب الكريكيت الإنجليزي السابق، مايك أثيرتون، إلى أنه قضى مسيرته في المنتخب الإنجليزي للكريكيت وهو يسمع أنه من المحير أن «الكثيرين من اللاعبين الموهوبين» قد فشلوا مراراً وتكراراً، بينما حقق هو مسيرة مذهلة لم تعبر بأي بحال من الأحوال عن حجم موهبته. لكن السؤال الكبير الذي يطرح نفسه الآن هو: ما الموهبة؟ تقول خطة المواهب في هذا الصدد: «إن الرياضيين الذين يُعتبرون موهوبين سيتم تحديدهم من خلال التفاعل بين القيود الفردية والبيئية»، قبل أن تضيف في النهاية: «يمكن التفكير في الموهبة باعتبارها حزمة متعددة الأبعاد من الخصائص والقدرات».
عند هذه النقطة، يتبادر إلى ذهنك على الفور لاعب توتنهام هوتسبير، ديلي آلي، الذي يتفق الجميع على أنه لاعب موهوب وكانوا يتوقعون له مستقبلاً مشرقاً للغاية. وقد كان الأسبوع الماضي مثيراً للاهتمام حقاً في مسيرة ديلي آلي الكروية، فيوم الخميس الماضي شارك في التشكيلة الأساسية لنادي توتنهام هوتسبير أمام شكنديا المقدوني في إطار مباريات الدوري الأوروبي وقدم أداء جيداً لمدة ساعة.
وكانت اللقطة الأبرز له في هذه المباراة عندما انطلق من منتصف الملعب بسرعته الفائقة قبل أن يسدد الكرة بقوة باتجاه المرمى لكنها اصطدمت بأحد المدافعين. أما اللحظة الأسوأ فكانت عندما حصل نادي شكنديا على ركلة مرمى وسُمع المدير الفني لتوتنهام، جوزيه مورينيو، وهو يصرخ قائلاً: «ديلي، انتبه ديلي، اللعنة»، حيث كان المدير الفني البرتغالي يطالب اللاعب الذي خاض 32 مباراة دولية مع المنتخب الإنجليزي بأن يقوم بدوره فيما يتعلق بالضغط على الفريق المنافس.
لكن كيف وصلنا إلى الدرجة التي تجعلنا نأخذ المسيرة الكروية لآلي كمثال على التحقيق الذي نجريه لمعرفة ما هي الموهبة وكيف نتعامل معها حتى نساعدها على تقديم أفضل ما لديها؟ هناك بالطبع من سيشير إلى أن آلي قد وصل إلى هذا المستوى بسهولة بسبب الموهبة الطبيعية التي يمتلكها وأن وسائل الإعلام قد بالغت كثيراً في الحديث عنه في أول موسمين له مع توتنهام. لكن الحقيقة تتمثل في أن آلي قد بذل مجهوداً كبيراً من أجل تقديم مستويات جيدة، وحصل على جائزة رابطة اللاعبين المحترفين لأفضل لاعب شاب في الدوري الإنجليزي الممتاز مرتين متتاليتين، ووصل إلى أفضل مستوياته قبل ثلاث سنوات في المباراة التي فاز فيها توتنهام على ريال مدريد بثلاثة أهداف مقابل هدف وحيد على ملعب ويمبلي، حيث سجل آلي هدفين في تلك الليلة، وتلاعب بدفاع ريال مدريد، وكان أفضل لاعب داخل المستطيل الأخضر.
كان ديلي آلي يبلغ من العمر 21 عاماً آنذاك، وكان من المفترض أن تكون هذه اللحظة بمثابة نقطة الانطلاق الحقيقية لهذا اللاعب الشاب. لكن بعد مرور ثلاث سنوات، تشير تقارير إلى أن توتنهام يبحث عن طريقة لتقليص خسائره وبيع اللاعب بمبلغ جيد. فما الذي حدث للاعب بهذه الإمكانيات الهائلة وحوله إلى قصة غامضة يستعصي علينا فهمها؟ وفي هذه المرحلة، يبدو وجود مورينيو مناسباً تماماً، نظرا لأن مسيرته التدريبية بالكامل تعد بمثابة هجوم مؤلم على تصورات الآخرين بشأن تعريفهم للموهبة، فعندما يصف مورينيو أي لاعب بأنه موهوب، يتعين على هذا اللاعب أن يشعر بالقلق على الفور، وخير مثال على ذلك ما حدث لتانغوي ندومبيلي الذي وصفه المدير الفني البرتغالي بأنه «لاعب يتمتع بموهبة كبيرة».
ولا يعد ندومبيلي هو المثال الوحيد على ذلك، فهناك أيضاً خوان ماتا الذي قال عنه مورينيو عندما كان يتولى تدريبه في تشيلسي: «كل شيء واضح بيننا.
إنه لاعب موهوب»؛ وأنتوني مارسيال الذي قال عنه مورينيو «إنه لاعب موهوب، والجميع يعرف ذلك»؛ وإيدن هازارد الذي قال عنه مورينيو قبل الدخول في صدام معه «الجميع يعرف أنه لاعب موهوب».
ويبدو أن مورينيو يستخدم كلمة «الموهبة» بطريقة مشفرة لوصف اللاعب الذي يتم المبالغة في قدراته والذي يلعب بشكل متراخ ويتم التخلص منه! وبالتالي، فإن وصف مورينيو لديلي آلي بأنه لاعب موهوب يجعلنا نتيقن من أن المدير الفني البرتغالي سيدخل في صدام وشيك مع اللاعب وأن القصة بين الطرفين لن تنتهي عند ذلك الحد، خاصة أنه من المعروف عن مورينيو أنه مدير فني يعتمد على اللعب الجماعي وليس على المهارات الفردية والموهبة.
ويصر مورينيو على التزام مهني كبير من جانب اللاعبين، وكشف فيلم وثائقي جديد عن تحذير مورينيو آلي من «الكسل» ومطالبته له بضرورة الوصول لأفضل مستوى وإلا فإنه ربما «يندم». ورداً على سؤال عما إذا كان يريد بقاء آلي في الفريق، قال مورينيو: «أريد فريقاً متوازناً. هذا ما أريده. ولا يوجد ما يدعو للتضحية بآلي». وقال لاعب وسط توتنهام السابق مايكل براون إنه يعتقد إنه من الأفضل للجميع رحيل آلي. وقال براون عن ذلك: «لا يبدو أن العلاقة بين الرجلين تسير بصورة جيدة تماماً».
ورغم كل اللمحات الفنية الرائعة التي أظهرها آلي، فمن الواضح أن هذا اللاعب الموهوب يجمع بين نقاط قوة كبيرة ونقاط ضعف واضحة في الوقت ذاته، وأنه ليس كافياً أن يسجل ويصنع أهدافاً بل يتعين عليه أن يقوم بواجباته مع الفريق بشكل أكثر دقة.
صحيح أنه يتعين على آلي أن يلعب في مركز صانع الألعاب، لكن يتعين عليه أن يركض كثيراً ولا يكتفي بالتمرير من الوضع واقفاً. وعلاوة على ذلك، يحتاج آلي إلى مهاجم قوي أمامه ولاعبين يتحركون بشكل مستمر من أجل أن يفتحوا له المساحات اللازمة للركض فيها خلف خطوط الفريق المنافس.
ويجب أن نعرف أن بعض اللاعبين الموهوبين يكونون أقل قدرة على التأقلم والتكيف من غيرهم من المواهب الأخرى، وخير مثال على ذلك النجم الكوري الجنوبي سون هيونغ مين، الذي يمكنه أن يؤدي الأدوار التي يقوم بها آلي، لكنه أفضل منه في تنفيذ تعليمات المدير الفني بحذافيرها.
ويجب أن نؤكد هنا على أن الأمر لم ينته تماماً بالنسبة لديلي آلي، لكن يتعين عليه أن يدرك أن الوقت يمر بسرعة، وأن قائمة اللاعبين الذين تمكنوا من العودة إلى المسار الصحيح بعد تراجع مستواهم بهذا الشكل ضئيلة جداً! وفي الوقت الحالي، يبدو أن ديلي آلي أصبح «أسيراً» للحظات الجيدة التي قدمها في الماضي، ويبدو أنه قدم أفضل مستوياته في سن صغيرة ولم يعد قادراً على الوصول للمستويات ذاتها مرة أخرى.


مقالات ذات صلة

​في تيخوانا... جالية إيرانية صغيرة تفرقها السياسة وتوحدها كرة القدم ​

رياضة عالمية صادق جالافي وعائلته (رويترز)

​في تيخوانا... جالية إيرانية صغيرة تفرقها السياسة وتوحدها كرة القدم ​

على بُعد حوالي 40 كيلومتراً جنوب الحدود الأميركية المكسيكية بين مطاعم التاكو في ضواحي تيخوانا يرفرف علم يحمل ألوان العلم المكسيكي الأخضر والأبيض والأحمر.

«الشرق الأوسط» (تيخوانا)
رياضة عالمية كيليان مبابي (أ.ف.ب)

الانتقادات تلاحق مبابي قبل أولى مباريات فرنسا في المونديال

يستعد كيليان مبابي لخوض أولى مباريات فرنسا في كأس العالم لكرة القدم أمام السنغال يوم الثلاثاء في ظل تساؤلات تحوم حوله بعد موسم وضع أهم نجم في اللعبة بالبلاد.

«الشرق الأوسط» (نيويورك )
رياضة عالمية نيستوري إيرانكوندا (رويترز)

إيرانكوندا من مخيم للاجئين إلى التألق في كأس العالم مع أستراليا

ولد نيستوري إيرانكوندا في مخيم للاجئين بتنزانيا لكنه بعد 20 عاماً أصبح يسجل بكأس العالم لصالح منتخب أستراليا لكرة القدم.

«الشرق الأوسط» (لوس أنجليس)
رياضة عالمية جانب من تحضيرات كوراساو (أ.ف.ب)

حكاية مونديالية خيالية بين كوراساو وألمانيا... وإيران تحط في «طهرانجليس»

يصح أن يطلق على مباراة كوراساو وألمانيا، بطلة العالم أربع مرات، حكاية خيالية حين تلتقيان الأحد، في مستهل مشوارهما بالمجموعة الخامسة لمونديال 2026.

«الشرق الأوسط» (لوس انجليس)
رياضة عالمية عمر أرتان (إ.ب.أ)

«فيفا» يتكفل بمستحقات الحكم الصومالي أرتان رغم استبعاده من كأس العالم

قرر الاتحاد الدولي لكرة القدم (فيفا) دفع كامل مستحقات الحكم الصومالي عمر أرتان، رغم حرمانه من دخول الولايات المتحدة وعدم مشاركته في إدارة مباريات كأس العالم.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية
TT

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

صراع «البرنابيو» يتجدد في نيوجيرسي... فينيسيوس ودياز: إخوة الأمس وأعداء الليلة المونديالية

تتجه أنظار عشاق كرة القدم حول العالم اليوم صوب ملعب «ميتلايف» في نيوجيرسي، لمتابعة واحدة من أقوى القمم المبكرة في مونديال 2026، والتي تجمع بين عملاق أميركا الجنوبية منتخب البرازيل والمنتشي بإرثه العالمي المنتخب المغربي لحساب الجولة الأولى للمجموعة الثالثة.

تتجاوز هذه الموقعة صراع النقاط الثلاث التقليدي، لتتحول إلى مسرح لصدام عاطفي وفني فريد، بطلَاه نجما ريال مدريد، البرازيلي فينيسيوس جونيور والمغربي إبراهيم دياز، اللذان يخلعان قميص «الملكي» الأبيض ليرتدي كل منهما لواء وطنه، في حوار تكتيكي يرفعان فيه شعار: «زملاء الأمس... أعداء الليلة».

إبراهيم دياز لاعب منتخب المغرب (أ.ف.ب)

زمالة «مدريد» تحت مجهر الحسم الدولي

على مدار مواسم طويلة في «سانتياغو برنابيو»، تشارك الثنائي فينيسيوس ودياز لحظات المجد المحلى والأوروبي، وصنعا معاً منظومة هجومية أرعبت قارة أوروبا تحت إشراف كارلو أنشيلوتي، إلّا أن حسابات العشب الأخضر في نيوجيرسي تفرض منطقاً مغايراً، فالنجم البرازيلي فينيسيوس، الذي يحمل على عاتقه إثبات جدارته كقائد أول لخط هجوم «السيليساو» في غياب نيمار المصاب، يجد نفسه وجهاً لوجه أمام رفيق دربه دياز، الذي بات القائد الملهم للمشروع المغربي الجديد. هذا التنافس المباشر يضع صداقة الغرف المغلقة جانباً، حيث يسعى كل لاعب لتوظيف نقاط ضعف زميله التي خبرها في التدريبات اليومية لصالح منتخب بلاده.

فينيسيوس جونيور (إ.ب.أ)

فلسفة أنشيلوتي الهجومية تواجه طموح محمد وهبي

تكتيكياً، تبرز المباراة كصراع أفكار فني عميق بين مدرستين، فمنتخب البرازيل يدخل اللقاء تحت قيادة الإيطالي المخضرم كارلو أنشيلوتي، الذي يراهن على توليفة هجومية ضاربة ورسم تكتيكي جريء يعتمد على الأطراف وسرعة فينيسيوس لخلخلة الخطوط. في المقابل، يتسلح «أسود الأطلس» بفلسفة الناخب الوطني الجديد محمد وهبي، الذي نجح في فرض الانضباط والمنظومة الجماعية المتكاملة. ويرتكز مخطط وهبي على منح إبراهيم دياز حرية الحركة الكاملة في صناعة اللعب والربط بين الخطوط، مستغلاً مهاراته الفردية العالية لإيجاد الثغرات في التكتل الدفاعي البرازيلي؛ ما يجعل وسط الميدان ساحة شطرنج حقيقية بين عقل دياز الاستراتيجي وقوة السامبا البدنية.

طموح «لبرازيل أفريقيا» في مواجهة ملوك السامبا

لا تتوقف الإثارة عند حدود الصراع الفردي، بل تمتد إلى الرغبة المغربية الجارفة في تأكيد مكانة الفريق بين نخبة الكبار، والبناء على إنجاز قطر التاريخي. وقد لخص فينيسيوس جونيور نفسه هذا الاحترام الكبير في مؤتمره الصحافي واصفاً المغرب بـ «برازيل أفريقيا» نظراً للقدرات المهارية العالية للاعبيه.

ورغم التاريخ الذي يقف بجانب السامبا بانتصارهم المونديالي الوحيد في نسخة 1998 بثلاثية نظيفة، فإن الذاكرة القريبة تحمل معها فوزاً ودياً تاريخياً للمغرب عام 2023. هذا التكافؤ الحديث يمنح دياز ورفاقه الثقة الكاملة للدخول إلى الملعب ليس فقط بغرض مجاراة البرازيل، بل بهدف خطف صدارة المجموعة مبكراً.


من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس
TT

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

من رأس الحربة التقليدي إلى المهاجم الوهمي... ثورة تكتيكية في صفوف أسود الأطلس

بين الفكر الفرنسي الواقعي الذي صاغ أمجاد وليد الركراكي، والنزعة البلجيكية الهجومية البناءة التي يحمل لواءها محمد وهبي، تعيش كرة القدم المغربية اليوم تحولاً استراتيجياً عميقاً يعيد رسم ملامح هويتها التكتيكية على أعتاب الاستحقاقات المونديالية

.

هذا التباين بين المدرستين ليس مجرد اختلاف في الأسماء أو تبديل في المقاعد الفنية، بل هو صراع فكري بين الفلسفة البراغماتية الصارمة التي تتخذ من التنظيم الدفاعي والارتداد السريع سبيلاً لمنصات التتويج، وبين المدرسة التكوينية الحديثة القائمة على الاستحواذ الإيجابي وصناعة اللعب من الخلف. ومع تولي وهبي قيادة «أسود الأطلس»، يجد المنتخب المغربي نفسه أمام مفترق طرق تكتيكي يتطلب الموازنة بين الحفاظ على صلابة الإرث الدفاعي السابق، والانفتاح على جرأة هجومية تواكب تطلعات الجيل الموهوب الحالي.

وليد الركراكي

مدرب المنتخب المغربي السابق وليد الركراكي (رويترز)

تتجسد جذور هذا الخلاف الفلسفي في البيئة الكروية التي نشأ وتأثر بها كل مدرب، فالركراكي، الذي صُقلت هويته كلاعب ومدرب في الدوري الفرنسي وفي صفوف المنتخب المغربي، يميل بطبعه إلى «الواقعية الكلاسيكية» والكتل الدفاعية المدمجة (Low Block) التي تخنق المساحات أمام الخصوم. هذا الأسلوب أثبت نجاعته الفائقة في مونديال قطر 2022 عبر تعطيل أعتى خطوط الهجوم العالمية.

محمد وهبي

مدرب المنتخب المغربي محمد وهبي (رويترز)

في المقابل، يمثل محمد وهبي امتداداً للمدرسة البلجيكية المعاصرة التي ترعرع في كنفها كأحد أبرز المكونين بنادي أندرلخت، وهي مدرسة تؤمن بالاستحواذ الذكي، والضغط العالي العكسي، والبناء المنظم عبر الخطوط الثلاثة لفرض السيطرة المطلقة على مجريات اللعب.

ويظهر الاختلاف التكتيكي الأكثر إثارة بين الرجلين في كيفية التعامل مع المنظومة الهجومية وموقع المهاجم في الخطة البنيوية، حيث يفضل الركراكي الاعتماد على «رأس الحربة التقليدي» الصريح والمحطة البدنية القوية التي تجيد حجز المدافعين ومطاردة الكرات الطولية لتخفيف الضغط على الخط الخلفي. أما وهبي، وانطلاقاً من تجاربه مع المنتخبات الشابة وتتويجه بمعية المنتخب المغربي بكأس العالم تحت 20 عاماً، فإنه يميل بوضوح إلى تكتيك «المهاجم الشبح» أو (False 9). هذا التكنيك يعتمد على سحب قلب الدفاع إلى مساحات خارج الصندوق، مما يفرغ مساحات شاسعة للقادمين من الخلف من الأجنحة ولاعبي الوسط لضرب العمق الدفاعي فجأة وبكثافة عددية مربكة.

يأتي هذا التحول التكتيكي ليمثل تتويجاً لمسار طويل من التطوير البنيوي الذي تقوده الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم ضمن خارطة الطريق الاستراتيجية البعيدة المدى.

الانتقال إلى فكر وهبي يهدف بالأساس إلى فك شفرة «المحدودية الهجومية» التي عانى منها المنتخب أمام المنافسين المتكتلين دفاعياً، وهي المعضلة التي كشفت عنها بعض المواجهات القارية اللاحقة للإنجاز المونديالي.

خطة تأهيل المنظومة الجديدة لا تسعى لإلغاء المكتسبات الماضية، بل تهدف إلى تطعيم «القلعة الدفاعية» بمرونة تكتيكية هجومية تجعل من الأسود فريقاً قادراً على المبادرة وصناعة الفارق والتحكم في إيقاع المباريات ضد أي منافس عالمي.

ويبقى السؤال الأبرز في الأوساط الرياضية العالمية: هل يحذو وهبي حذو الركراكي في تحقيق طفرة مونديالية سريعة مكللة بالنجاح؟ فالمؤشرات الحالية تؤكد أن الطاقم الفني الجديد يمتلك الأدوات البشرية المثالية لتطبيق هذه الفلسفة الحديثة، في ظل وجود عناصر شابة تمتاز بالفنيات العالية والسرعة الفائقة في التحول. غير أن التحدي الحقيقي يكمن في مدى قدرة اللاعبين على استيعاب وتطبيق مرونة «المهاجم الشبح» والضغط العكسي في فترات زمنية وجيزة قبل الدخول في معترك المنافسات الرسمية الكبرى، ليبقى هذا التحول الفلسفي بمنزلة الرهان الأكبر لصياغة فصْلٍ غير مسبوق في تاريخ الكرة الأفريقية والعربية.


«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
TT

«أسود الأطلس» في مونديال 2026... خريطة الزحف من جحيم «السامبا» إلى حسم «أتلانتا»

نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)
نجوم منتخب المغرب رفعوا سقف التحدي في مونديال 2026 (أ.ف.ب)

يدخل المنتخب المغربي منافسات كأس العالم 2026 بطموحات عريضة مرتكناً إلى إرثه التاريخي المسجل في الدوحة قبل أربعة أعوام ويسعى «أسود الأطلس»، تحت قيادة المدير الفني محمد وهبي، إلى إثبات أن الإنجاز المونديالي السابق لم يكن وليد الصدفة، بل بداية عهد جديد للكرة الأفريقية والعربية في المحافل العالمية.
وضعت القرعة المونديالية الأسود في المجموعة الثالثة، التي تفرض تحديات متباينة تجمع بين هيبة السامبا البرازيلية، واندفاع الكرة الاسكوتلندية، وطموح منتخب هايتي العائد بعد غياب.

صدام النخبة... اختبار السامبا المبكر في «نيو جيرسي»

 

تتجه أنظار الملايين صوب ملعب نيويورك/ نيو جيرسي (استاد ميتلايف) في الثالث عشر من يونيو (حزيران) 2026. يستهل المنتخب المغربي مشواره بقمة كروية من العيار الثقيل أمام المنتخب البرازيلي، المرشح الدائم وفوق العادة لنيل اللقب. وتنطلق صافرة البداية في تمام الساعة السادسة مساءً بالتوقيت الشرقي لأميركا (الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط).

تقنياً، تمثل هذه المواجهة الافتتاحية حجر الأساس لـ«أسود الأطلس»، فالخروج بنتيجة إيجابية أمام رفاق فينيسيوس جونيور سيعزز الثقة ويسهل حسابات التأهل.

من المتوقع أن يعتمد وهبي على التنظيم الدفاعي الصارم والارتداد الهجومي السريع عبر الأطراف، مستغلاً سرعات أشرف حكيمي وتحركات إبراهيم دياز التي أثبتت نجاعتها في الوديات الأخيرة ضد المنتخبات الأوروبية.

 

معركة بوسطن... صراع الأنماط أمام الاندفاع الاسكوتلندي

في الجولة الثانية، يشد المنتخب المغربي الرحال نحو الشمال الشرقي وتحديداً صوب ملعب بوسطن (استاد جيليت) في ماساتشوستس. هناك، يلتقي «أسود الأطلس» المنتخب الاسكوتلندي يوم الجمعة التاسع عشر من يونيو (حزيران) 2026، عند الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت الرباط.

تحليلياً، تعد هذه المباراة «مفترق طرق» حقيقي، الكرة الاسكوتلندية تمتاز بالاندفاع البدني العالي والكرات الطولية والكرات الثابتة الخطيرة بقيادة عناصر تلعب في مستويات «البريميرليغ». يكمن المفتاح في فرض أسلوب الاستحواذ الأرضي، وتفعيل دور خط الوسط عبر سفيان أمرابط وعز الدين أوناحي لامتصاص الحماس الاسكوتلندي، وحرمان المنافس من فرض إيقاعه البدني المرهق.

 

ختام المجموعة في أتلانتا... حسم التأهل أمام طموح هايتي

يختتم المنتخب المغربي مبارياته في الدور الأول بمواجهة منتخب هايتي، يوم الأربعاء الرابع والعشرين من يونيو (حزيران) 2026. وتحتضن الأرضية الاصطناعية لـملعب مرسيدس بنز في أتلانتا بجورجيا هذا اللقاء الحاسم. وتنطلق المباراة أيضاً في التوقيت الموحد للأسود وهو الساعة الحادية عشرة ليلاً بتوقيت المغرب. 

رغم أن الحسابات الورقية تصب في مصلحة رفاق أشرف حكيمي، فإن بطولة ممتدة بـ48 منتخباً لا تعترف بالترشيحات المسبقة. الأسلوب المتوقع للمغرب في هذه المواجهة سيكون هجومياً بحتاً، مع الاعتماد على الكثافة العددية في مناطق الخصم والضغط العالي المبكر لتجنب أي مفاجآت قد تعقد حسابات العبور إلى دور الـ32 الإقصائي.